إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الحي يوسف
  3. تفسير من سورة القارعة إلى سورة الهمزة

تفسير من سورة القارعة إلى سورة الهمزةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سور القرآن القصيرة فيها مواعظ عظيمة يحيي الله بها قلوب من يشاء من عباده، ففيها التخويف من يوم القيامة وبيان حقيقة الدنيا والتحذير من الالتهاء بها وبيان أقسام الناس وأحوالهم.

    1.   

    مقدمة في تفسير سورة القارعة

    سورة القارعة سورة مكية، وعدد آياتها إحدى عشرة آية، في ست وثلاثين كلمة، وهذه السورة المباركة اشتملت على مائة وخمسين حرفاً، فلقارئها (1500) من الحسنات، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.

    إن موضوعها افتتح بما اختتم به سورة العاديات، وسورة العاديات فيها حديث عن يوم القيامة في قوله تعالى: (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ))[العاديات:9-10]، وسورة القارعة من أولها إلى آخرها تتكلم عن ذلك اليوم، وسميت بالقارعة وهو اسم من أسماء القيامة، قال الإمام القرطبي رحمه الله: ومهيع كلام العرب أن الشيء كلما عظم قدره كلما كثرت أسماؤه، ألا ترى أنهم جعلوا للسيف خمسمائة اسم، فالسيف لما كان أثره عظيماً جعلوا له أسماء كثيرة، وكذلك الأسد سموه أسداً وسموه سبعاً وسموه ليثاً وسموه أسامة، وسموه أبا الحارث وغير ذلك من الأسماء، وكذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه: (أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي محا الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على إثري، وأنا العاقب فلا نبي بعدي)، عليه الصلاة والسلام، فكثرت أسماؤه؛ لأنه أعظم البشر وأعلاهم عند الله قدراً.

    كذلك يوم القيامة أحصى له الإمام السيوطي ، والإمام الغزالي ، والإمام القرطبي وغيرهم أكثر من خمسين اسماً من القرآن، فسماه الله عز وجل: يوم القيامة وهو أشهر الأسماء، وقد ورد في أكثر من سبعين آية، وسماه الله: اليوم الآخر، ويوم البعث، ويوم التناد، ويوم النشور، ويوم الحسرة، ويوم الآزفة، ويوم الخروج، ويوم الخلود، والقارعة، والحاقة، والصاخة، والطامة.. وغيرها من الأسماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (القارعة )

    قال الله تعالى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ[القارعة:1-3]، القارعة مشتقة من القرع وهو الضرب بشدة، ومنه قول القائل:

    العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة

    ومن ذلك قول الله عز وجل: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ[الرعد:31]، وتطلق القارعة على المصيبة الشديدة، فالله عز وجل سمى يوم القيامة القارعة؛ لأنها تقرع الناس بأهوالها كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الهول يبدأ من القبر في قوله: (من مات قامت قيامته)، فالذي في القبر يرى ما لا عهد له به، أما المؤمنون فإن الله يثبتهم، قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)[إبراهيم:27]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا[الأنبياء:101-102] أي: حسيس النار وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ[الأنبياء:102-103]، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

    قوله تعالى: مَا الْقَارِعَةُ )) الاستفهام هنا للتهويل والتعظيم.

    قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ هذا خطاب موجه إلى غير معين؛ لزيادة التهويل.

    يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: وفي هذه الآيات عدة مؤكدات تبين هول ذلك اليوم، أولها: الافتتاح بالجملة الاسمية الْقَارِعَةُ[القارعة:1].

    ثانيها: الاستفهام الذي يفيد التهويل.

    ثالثها: الإظهار في مقام الإضمار لأول مرة.

    يعني: قال الله عز وجل: الْقَارِعَةُ )) ثم قال: مَا الْقَارِعَةُ ))، وفي غير القرآن يمكن أن يقال: القارعة، ما هي؟ لكن الله عز وجل أظهر في مقام الإضمار: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ )) ثم الاستفهام الثاني وتوجيه الخطاب إلى غير معين، ثم الإظهار في مقام الإضمار مرة ثانية، فلم يقل: وما أدراك ما هي؟ بل قال: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ فتكرر اسم القارعة ثلاث مرات، وهذا كله من باب التهويل والتفخيم والتعظيم لما يحصل في ذلك اليوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث )

    ثم بدأ ربنا جل جلاله يفصل بقوله: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ[القارعة:1-3] فبعد أن اشتاقت الأسماع وتهيأت الأذهان لمعرفة ما يكون في ذلك اليوم قال الله عز وجل: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ[القارعة:4-5] يعني: يوم يكون الناس وتكون الجبال، الكون الأول كون تحول، والكون الثاني كون اضمحلال.

    قوله تعالى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ[القارعة:4]، الفراش واحدته فراشة، وهي دواب صغار تطير وتحوم دائماً حول النور، أو حول النيران، والحديث في صحيح مسلم ومسند أحمد عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وما مثلي ومثل الناس إلا كفراش يحوم حول النار ليقع فيه، فأنتم تريدون أن تقعوا في النار وأنا آخذ بحجزكم عنها)؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله الله عز وجل حجاباً وحاجزاً يمنعنا من الوقوع في النيران، كما قال سبحانه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الأنفال:33]، وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء:107]، وقوله تعالى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ[القارعة:4]، وقوله عز وجل: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ))[القمر:6-7]، وفي سورة القارعة شبه الناس بالفراش، وهنا شبههم بالجراد، قال أهل التفسير: ولا تعارض في هذا فهم في أول خروجهم من القبور يكونون كالفراش متخبطين لا يهتدون إلى مكان، ولا يقر لهم قرار، ثم بعد ذلك إذا سيقوا إلى المحشر، وكانت النار خلفهم تطردهم، فإنهم يكونون كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد يسير أسراباً نحو هدف مقصود، أما الفراش فإنها تتخبط دون هدف معين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش )

    قوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبَالُ[القارعة:5]، هذه الجبال آية عظيمة من آيات الله، جعلها الله للأرض أوتاداً، وجعل خلقها عظيماً كما مر معنا في قوله تعالى: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ[الغاشية:19]، فإذا بها تصير كما قال الله: كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ )) والعهن كما قال بعض أهل التفسير: هو الصوف مطلقاً، وقال بعضهم: هو الصوف الأحمر، وقال بعضهم: هو الصوف المصبوغ، وفي آية أخرى قال الله عز وجل: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ[المعارج:8-9]، وفي آية ثالثة قال الله عز وجل: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً)[الكهف:47]، وقال في أخرى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا[النبأ:20]، وقال أيضاً يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا[الطور:9-10]، وفي آية أخرى يقول تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا[المزمل:14]، الكثيب: مجتمع الرمل، والمهيل: هو الذي إذا أخذت بعضه سقط كله، ولا تعارض بين هذه الآيات، فالجبال في أول أمرها تكون كالعهن المنفوش، تنتفش نتيجةً لتغير أحوال الكون كله في ذلك اليوم، كما قال الله عز وجل: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ[التكوير:1-2] يعني: طمس ضوءها، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ[التكوير:3-4]، العشار هي: النوق الحوامل أي: عطلت عن حملها، وقيل: العشار هي البلاد العامرة تعطل من عمرانها، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ[التكوير:5-6]، هذه البحار الباردة تصبح نيراناً تتأجج، وفي آية أخرى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ[الانفطار:3] أي: تتفجر وتخرج منها الأهوال.

    كما قال الشاعر:

    مثل لنفسك أيها المغرور

    يوم القيامة والسماء تمور

    هذا هو حال الدنيا في ذلك اليوم، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات.

    فهذه الجبال تصير كالعهن المنفوش، ثم بعد ذلك تصير مسيرةً: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ[الكهف:47]، ثم بعد ذلك تصير سراباً كأن لم تكن، ويخرج الناس من قبورهم وليس هناك جبال، ولا بنيان، ولا أشجار، ولا معالم ولا شمس ولا قمر، الكل خسف به وذهب ضوءه، ثم بعد ذلك يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء كقرص الخبز النقي الذي ليس فيه نخالة، فقرصة النقي لا معلم فيها لأحد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فأما من ثقلت موازينه )

    قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ[القارعة:6-9].

    بعد هذه الأهوال اجتمع الناس في عرصات القيامة، فنصبت الموازين، قال عز وجل: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا[الأنبياء:47].

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: الميزان له لسان وكفتان، وهو ميزان حقيقي توزن فيه الأعمال، وتوزن فيه الصحف، ويوزن فيه الأشخاص، كما جاء في آخر سورة الكهف قول الله عز وجل: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا[الكهف:105] أي: هؤلاء المتكبرون المتغطرسون، الذين كان أحدهم إذا تكلم مال بفمه ذات اليمين وذات الشمال، وإذا مشى يمشي على الأرض مختالاً متكبراً، يتبختر في مشيته يوم القيامة، فهؤلاء يحشرون كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم كأنهم ذباب أو بعوض لا قيمة لهم.

    والله عز وجل ينصب تلك الموازين ثم ينقسم الناس مع تلك الموازين إلى قسمين: الأول: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ[القارعة:6] أي: من ميزانه ثقيل بالحسنات وبالأعمال الصالحات، فجزاؤه كما قال الله: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ[القارعة:7].

    الثاني: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ[القارعة:8] أي: ليس فيها حسنات، فجزاؤه كما قال الله: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ[القارعة:9].

    أما كيف يثقل الميزان أو يخف فإن أبا بكر لما كان في سكرات الموت أوصى عمر رضي الله عنه وقال له: واعلم يا عمر أنه ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلاً يوم القيامة، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفاً يوم القيامة.

    وأكثر ما يثقل به الميزان كلمة لا إله إلا الله، من قال هذه الكلمة موقناً بها خالصاً من قلبه، معتقداً حقيقتها، بأنه لا معبود بحق إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة إلا الله، فميزانه ثقيل يوم القيامة، وقد ذكر الرسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح- قصة الرجل الذي ينادى به يوم القيامة على رءوس الأشهاد، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، فيها سيئاته وخطيئاته، فتوضع هذه السجلات فيقول الله عز وجل له: (يا ابن آدم! هل ظلمك الكرام الكاتبون؟ يقول: لا يا رب، هل نقصوا من حسناتك شيئاً؟ يقول: لا يا رب، هل لك من حسنة ترجوها؟ فالرجل يتردد فيقول الله عز وجل: بلى إن لك عندنا حسنة لا ظلم اليوم، فتنشر له بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله توضع في كفة حسناته، فتطيش تلك السجلات وترجح بهن لا إله إلا الله).

    وليس معنى ذلك أنه قالها بلسانه دون اعتقاد وعمل، لكنه قال: لا إله إلا الله موقناً بها معتقداً حقيقتها عاملاً بما استطاع، لكن غلبته نفسه وغلبت عليه شقوته وشهوته فنجاه إخلاصه.

    وهذا يفسر به قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، أي: قالها مخلصاً، فثقلت موازينه بلا إله إلا الله وبالطاعات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فهو في عيشة راضية )

    قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ قال أكثر المفسرين: هذا من المجاز، والمعنى فهو في عيشة مرضي عنها، فهو راض عن عيشته هذه، وكيف لا يرضى بها وفيها سرر مرفوعة تتواضع له، فلا يحتاج معها إلى سلم، بل هي تتواضع له، كذلك تكون الأشجار عالية، فإذا اشتهى من قطوفها شيئاً تدلت إليه ولا يحتاج إلى أن يصعد فيتعرض لجرح أو لأذى، كذلك الأنهار تمشي معه حيث مشى، قال الله عز وجل: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا[الإنسان:6] يعني: المؤمن هو الذي يفجر الأنهار، وإذا اشتهى طيراً من طيور الجنة خرَّ مشوياً بين يديه.

    وقال بعضهم: بل العيشة راضية حقيقة لا مجازاً، ودليل ذلك أن كل شيء في هذه العيشة راض عن المؤمن الساكن فيها، فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، والحور العين راضيات عن المؤمن، قال الله عز وجل: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ[الرحمن:56]، (قاصرات) أي: حابسات أعينهن عن غير أزواجهن، وفي آية أخرى: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ[الرحمن:72]، محبوسات في الخيام، فهي حابسة ومحبوسة، ولا تحبس طرفها إلا إذا كانت راضية عن زوجها في الجنة، ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الرجل من أهل الجنة يذهب إلى سوق الشمال يوم الجمعة فتحثو عليهم ريح الجنة في وجوههم وفي ثيابهم، فيرجع الواحد إلى زوجته فتقول له: والله لقد ازددت بعدنا حسناً وجمالاً، فيقول لها: وأنت والله لقد ازددت حسناً وجمالاً) فهذا يعبر عن رضاهن بهم، ورضاهم بهن، ولا يتأفف بعضهم من بعض، فليس في الجنة تأفف ولا غيره، قال عز وجل: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا[الواقعة:25-26]، رضاً تام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فأمه هاوية )

    قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ[القارعة:8-9] الهاوية فيها تفسيران:

    قيل: الهاوية اسم من أسماء جهنم، أو دركة من دركاتها، ونسب إليها؛ لأنها صارت مستقره، كما يقال للأرض: أم، قال أمية بن أبي الصلت :

    والأرض معقلنا وكانت أمنا منها خلقنا وفيها ندفن

    فالأرض تسمى أماً باعتبار قرارنا عليها، كذلك جهنم -والعياذ بالله- صارت أماً لهذا الإنسان، باعتبار قراره فيها.

    وقيل: المراد بالهاوية، أي: أنه يسقط على أم رأسه نسأل الله العافية، كما أخبرنا ربنا في القرآن بأنهم ينكسون في جهنم والعياذ بالله، وقد جاء عن أبي هريرة و أنس بن مالك رضوان الله عليهما أنهما قالا: (إن روح المؤمن إذا قبضت، يُذْهَبُ بها إلى أرواح المؤمنين، وأرواح المؤمنين في أعلى عليين، فيقول المؤمنون بعضهم لبعض: روِّحوا على أخيكم؛ فإنه كان في نكد الدنيا، فيسألونه عن أهل الدنيا حتى يقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: أو ما جاءكم -يعني: أن فلاناً هذا قد مات فيقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله، ذُهِبَ به إلى أمه الهاوية).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وما أدراك ما هيه نار حامية )

    قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ[القارعة:10]، أصل الكلمة في اللغة: ما أدراك ما هي؟ لكن جيء بهاء السكت.

    قال الله تعالى: نَارٌ حَامِيَةٌ[القارعة:11]، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ناركم هذه جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم)، وقال في الحديث الذي في الصحيح: (إن أهون أهل النار عذاباً من يوضع في أسفل قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه)، وقال أيضاً في الحديث: (إن الله أوقد النار ألف عام حتى ابيضت، ثم أوقدها ألف عام حتى احمرت، ثم أوقدها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة)، نسأل الله أن يجيرنا منها برحمته.

    1.   

    مقدمة في تفسير سورة التكاثر

    سورة التكاثر سورة مكية، وعدد آياتها ثمان، وكلماتها ثمان وعشرون كلمة، وحروفها عشرون ومائة حرف.

    أما سبب نزولها فهو كما قال مقاتل بن سليمان الكلبي : أن حيين من قريش افتخرا: وهم بنو عبد مناف وبنو سهم ، كل حي منهما قال: نحن أعز نفراً، وأكثر كاثراً، حتى بلغ بهم الحال أن بني عبد مناف كثروا على بني سهم فذهبوا إلى المقابر وأخذوا يعدون موتاهم ويقول كل حي للآخر: أفيكم مثل فلان؟ ويشيرون إلى قبره، أفيكم مثل فلان؟ حتى كثر بنو سهم على بني عبد مناف.

    وقيل: بل نزلت في حيين من الأنصار: وهم بنو الحارث وبنو حارثة.

    وقيل: بل نزلت في حيين من يهود: وهم بنو النضير وبنو قريظة.

    على كلٍّ فقد نزلت الآية لمعالجة خلل في النفس الآدمية، وهذا الأمر قد تكرر في القرآن، فقد حكى ربنا جل جلاله عن ذلك الخاسر الشقي الذي قال لصاحبه وهو يحاوره: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا[الكهف:34]، وحكى الله جل جلاله عن الوليد بن المغيرة ، ذاك الذي آتاه الله مالاً ممدوداً، وبنين شهوداً، ومهد له تمهيداً، ثم بعد ذلك ظن أن الله أعطاه هذا كله؛ لأنه كريم على الله، وظن نفسه أهلاً للنبوة وللرسالة، فكانت عاقبته كما قال الله عز وجل: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا[المدثر:17] أي: سأكلفه أن يصعد جبلاً في جهنم، كلما بلغ قمته خر إلى قاعه.

    وقد بين عز وجل في القرآن أن التكاثر يكون في شيئين: في الأموال والأولاد، وهذا كله سماه الله عز وجل: لهواً ولعباً كما في قوله تعالى: أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[الحديد:20]، وقوله تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[العنكبوت:64]، وقوله تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ[الأنعام:32]، وبين ربنا جل جلاله أنما عنده خير وأبقى، كما قال سبحانه: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[الجمعة:11].

    فالله عز وجل أنكر على هؤلاء الناس الذين يتكاثرون بالأموال والأولاد وبالعشيرة وبالأنساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ألهاكم التكاثر )

    قال الله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ[التكاثر:1] (ألهاكم): أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد وأنساكم طاعة ربكم، والمسارعة في مرضاة مولاكم.

    يقول ابن القيم رحمه الله: التكاثر تفاعل بين اثنين، كل منهما يدعي أنه أكثر من صاحبه فيما يكاثره به، ثم يقول رحمه الله: ولو كانت كثرة من غير تكاثر لم تضر.

    يعني: لو كان الإنسان عنده مال كثير، وعنده أولاد وعشيرة ورهط، ولكنه لم يكاثر غيره بها لم يضره ذلك كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان بعضهم ذوي كثرة ولم تضره تلك الكثرة، كـأنس بن مالك رضي الله عنه لما قال: وحدثتني ابنتي أُمَينة أني دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي، وقد كان أبو بكر و الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله و عثمان بن عفان رضوان الله عليهم من أصحاب الأموال الكثيرة، ولم تضرهم، لكن من كاثر بالدنيا سيندم يوم القيامة، فسيسأله ربه جل جلاله عما آتاه فلا يجد جواباً، وحينها يقول: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ[المؤمنون:99-100].

    روى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يجاء بالعبد يوم القيامة كأنه بذج -واحد البذجان وهو ولد الضأن- فيقول الله عز وجل له: قد أعطيتك وخولتك فما صنعت؟ يقول: يا رب قد أخذته ونميته وكثرته حتى تركته أوفر ما كان، رب ارجعني أنفقه في سبيلك، فيمضى به إلى النار)، وهذا حال من لم يعرف حق الله عز وجل في ماله.

    روى الإمام مسلم عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه رضي الله عنهما قال: (انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ[التكاثر:1]، فقال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وليس له من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى).

    وجاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله)، فهذا هو الذي ينفعه.

    إن التنافس المحمود هو ما يكون في أمور الآخرة، فلو أن الإنسان يراقب غيره فلا تطمئن نفسه، ولا يهدأ باله إذا وجد غيره أغزر منه علماً أو أكثر منه عملاً، أو أحسن منه حالاً في علاقته مع ربه، فهكذا كان حال الصحابة رضوان الله عليهم؛ ولذلك لما جاء الفقراء يشكون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلى، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال عليه الصلاة والسلام: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن لكم بكل تسبيحه صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، فذهبوا ثم جاءوا فقالوا : يا رسول الله! سمع إخواننا بما قلت لنا فعملوا مثل ما عملنا، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

    وكما كان يتنافس أبو بكر ، و عمر ، وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالنفقة قال عمر : (اليوم أسبق أبا بكر ، فيذهب رضي الله عنه فيأتي بمال كثير، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ما تركت لولدك؟ يقول: تركت لهم مثله، فيأتي أبو بكر بمال كثير فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تركت لولدك؟ يقول: تركت لهم الله ورسوله، فيقول عمر : والله لا أسابقك بعدها).

    وكذلك المكاثرة بين الأوس والخزرج رضوان الله عليهم، فقد كان الخزرج لا يسمعون بخير فعله الأوس إلا فعلوا مثله، وكذلك الأوس لا يسمعون بخير فعله الخزرج إلا فعلوا مثله، ولذلك لما قتل الأوسُ الشريرَ الخبيثَ اللعينَ كعبَ بن الأشرف النضري ، بادر الخزرج رضوان الله عليهم إلى قتل أبي رافع تاجر الحجاز الذي كان يعادي الله ورسوله.

    إذاً: التكاثر في أمور الآخرة مطلوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( حتى زرتم المقابر )

    قال الله تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ[التكاثر:2]، هذه الآية فيها تأويلان:

    الأول: حتى زرتم المقابر من أجل أن تعدوا موتاكم.

    الثاني: حتى نزلتم بها موتى صرعى، وحين ذلك عرفتم أن التكاثر في أمر الدنيا لن يغني عنكم من الله شيئاً، كما قال تعالى: لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ[الممتحنة:3]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[المنافقون:9].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( كلا سوف تعلمون ...)

    قال الله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ[التكاثر:3-5] (كلا) تكررت هنا ثلاث مرات، وللمفسرين فيها قولان:

    الأول: أنه جيء بها ردعاً وزجراً.

    الثاني: أنها جارية مجرى القسم، ومعناها حقاً.

    وقال بعض أهل التفسير: (كلا) هنا هي للتوكيد.

    قال الإمام ابن القيم رحمه الله في هذه الآية: يُروى عن بعض السلف أن قوله: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[التكاثر:3] عند الموت، وقوله: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[التكاثر:4] عند دخول القبر، فالأولى عند الموت، يعني: إذا نزلت بك ملائكة الموت فلن يغني عنك من الله شيء من الدنيا، ولا يبقى لك إلا العمل الصالح، والثانية في القبر، يعني: إذا كنت من الصالحين أتاك رجل حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب، فتقول له: من أنت فوجهك الذي يأتي بالخير؟ فيقول لك: أنا عملك الصالح، فوالله لقد عهدتك سريعاً في طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله، وإن كانت الأخرى -والعياذ بالله- أتاك رجل قبيح الوجه، منتن الريح، رث الثياب، فتقول له: من أنت، فوجهك الذي لا يأتي بالخير؟ فيقول لك: أنا عملك السيئ، فوالله لقد عهدتك بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله.

    وقيل: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[التكاثر:3] الأولى إذا دخلتم قبوركم، والثانية: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ[التكاثر:4] إذا قامت القيامة الكبرى.

    وقد استدل بعض أهل التفسير بهذه الآية على أن عذاب القبر حق، وعذاب القبر قد وردت فيه نصوص واضحة في القرآن والسنة، كما في سورة الأنعام قول ربنا الرحمن: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ[الأنعام:93-94]، وفي سورة غافر قول الله عز وجل عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ[غافر:46].

    قال تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ[التكاثر:5].

    (لو) هنا شرطية وجواب الشرط محذوف تقديره: لعلمتم أن التكاثر لن يغني عنكم من الله شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين )

    قال الله تعالى: لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ[التكاثر:6].

    يعني: يجاء بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، قال تعالى: إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا[الفرقان:12-14].

    وقال بعضهم: الخطاب للكفار.

    قال تعالى: ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ[التكاثر:7].

    قال العلامة الشيخ عطية سالم رحمه الله في أضواء البيان: العلم على ثلاث مراتب: علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين، أما علم اليقين فهو ما كان قائماً على الأدلة، وأما حق اليقين فهو ما كان قائماً على المشاهدة، وأما عين اليقين فهو ما كان قائماً على الملابسة والمخالطة، كما قال الله عز وجل: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي[الفجر:23-24].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم )

    قال الله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[التكاثر:8].

    النعيم مشتق من النعومة والليونة، وهو ضد اليبوسة والخشونة والشدة.

    والنعيم هنا كلمة عامة، وتبقى على عمومها، فنحن سنسأل عن الأمن والصحة والرزق والفراغ، وسنسأل عن نعمة الأموال، ونعمة الأولاد، ونعمة الحواس، كما قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا[الإسراء:36]، وسنسأل عن لذة المطاعم والمشارب، وعن شبع البطون، وعن الري بالماء البارد، وعما متعنا الله به من النعم المعنوية، كنعمة الإسلام، ونعمة الإيمان، ونعمة القرآن، ونعمة العلم؛ وذلك لعموم قوله تعالى: لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[التكاثر:8].

    روى الترمذي أنه لما نزلت هذه الآية: قال الصحابة: (يا رسول الله! أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما نأكل خبز الشعير في أنصاف بطوننا؟ فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: أن قل لهم: ألستم تحتذون النعال؟! ألستم تشربون من الماء البارد؟!) فالصحابة لم يكونوا مثلنا في النعيم، بل كان عيشهم خشناً.

    وجاء في الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم نصح لك جسدك؟! ألم نروك من الماء البارد؟!)، ونحن كذلك، سيسأل الله كل واحد منا: ألم أعلمك؟! ألم أخولك وأجعلك تسود؟! ألم أرزقك الأموال والأولاد؟

    يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال عند تفسير هذه الآية: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[التكاثر:8]، هل من حلال وفي حلال؟! أم من حرام وفي حرام؟! أم من طاعة وفي طاعة؟! أم من معصية وفي معصية؟ هل عرفتم حق الله عز وجل في النعيم الذي خولكم إياه؟! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه)، خاصة من تقدم به العمر، فقد أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ الستين، ثم قال: (وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسده فيما أبلاه) فهذا الجسد نعمة عظيمة بما فيه من الحواس التي أعطاك الله إياها، فهذه اليدان وما بطشتا، والرجلان وما مشتا عليه، والرأس وما وعى، والبطن وما حوى، والعينان البصيرتان، والأذنان السميعتان، والشفتان واللسان، كل هذه النعم ستسأل عنها: هل استعملتها في طاعة الله أم في معصية الله؟

    وإذا أردنا أن نعرف قدر ما نحن فيه من النعيم، فلنرجع إلى الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً في نحر الظهيرة فوجد أبا بكر و عمر فقالا له: ما الذي أخرجك يا رسول الله؟! قال: وأنتما ما الذي أخرجكما؟ قالا: ما أخرجنا إلا الجوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الذي أخرجكما، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! إن أبا الهيثم بن التيهان رجل من الأنصار، عنده بستان ما رأيت مثل تمره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلما إليه، فذهبوا إلى بستان أبي الهيثم فلقيتهم زوجة أبي الهيثم ، فقالت: مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال عليه الصلاة والسلام: ما لي لا أرى أبا الهيثم ، فقالت: ذهب يستعذب لنا الماء -أي: ذهب ليحضر لنا ماءً حلواً-، فذهبت رضي الله عنها -وهي الكريمة الفاضلة التي اعتادت هذا الخلق من زوجها- فجاءت بعثكول تمر، وقربته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وجاءتهم بماء بارد، فأكلوا وشربوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمسك بالعثكول فقال: والله لتسألن يوم القيامة عن هذا، فأمسك عمر رضي الله عنه بالعثكول، وضرب به الأرض وقال: يا رسول الله! نسأل عن هذا؟ قال: إيه والذي نفسي بيده، ثم إن أبا الهيثم رضي الله عنه جاء ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم و أبا بكر و عمر ، فاستبشر وقال: مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، والله ما على وجه الأرض اليوم أحد أكرم أضيافاً مني -يحلف وصدق رضي الله عنه- فأخذ السكين ليذبح ما يكرمهم به، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إياك والحلوب، فذهب رضي الله عنه وذبح وشوى، ثم جاء باللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه).

    يقول عبد الله بن رواحة يمدح أبا الهيثم :

    فلم أر في الإسلام عزاً لأمة ولا مثل أضياف الإراشي معشراً

    نبي وصديق وفاروق أمة وخير بني حواء فرعاً وعنصراً

    فوافوا بميقات وقدر قضية وكان قضاءُ الله قدراً مقدراً

    إلى رجل نجدٍ يباري بجوده شموس الضحى جوداً ومجداً ومفخراً

    وفارس خلق الله في كل غارة إذا لبس القوم الحديد المسمرا

    ففدى وحيا ثم أدنى قراهم ولم يقرهم إلا سميناً متمراً

    إذاً: نعم الله عز وجل لو كانت تحصى لكان الأمر هيناً، لكن الأمر كما قال ربنا: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا[إبراهيم:34].

    1.   

    مقدمة في تفسير سورة العصر ومناسبتها لما قبلها

    سورة العصر سورة مكية، مشتملة على ثلاث آيات، ويوجد في القرآن ثلاث سور فيها ثلاث آيات: سورة العصر، وسورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ[النصر:1]، وسورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ[الكوثر:1]، لكن من جهة الحروف فأقلهن حروفاً سورة الكوثر، وهذه السورة المباركة مشتملة على أربع عشرة كلمة، في ثمانية وستين حرفاً، فمن قرأها فله من الحسنات ستمائة وثمانون حسنةً، والله يضاعف لمن يشاء.

    ومناسبة هذه السورة لما قبلها أنه في السورة الماضية ذكر الله عز وجل أن أكثر الناس مشتغلون بالتكاثر، ظناً منهم أن العزة في ذلك، وجاءت هذه السورة مبينةٌ أيضاً أن الإنسان خاسر، تدعوه نفسه إلى البوار، وتلقيه في الدمار، إلا من اعتصم بالله عز وجل، واتصف بالصفات الأربع الواردة في هذه السورة المباركة.

    روى الإمام الطبراني من حديث عبيد الله بن حصين الأنصاري رضي الله عنه قال: (كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لا يفترقان حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، ثم يسلم عليه وينصرف)، ونقل الشيخ الصواف في تفسيره عن الإمام الطبرسي قال: هذه السورة دليل على إعجاز القرآن؛ لأنها مع قلة ألفاظها، ووجازة عبارتها قد جمعت كل ما يحتاج إليه الناس في دينهم علماً وعملاً.

    وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي : لو تدبر الناس ما في هذه السورة لوسعتهم.

    ويذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره وغيره من أهل العلم أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما كان كافراً وفد على مسيلمة الكذاب لعنه الله، فقال له مسيلمة الكذاب : يا عمرو! ماذا أنزل على صاحبكم؟ فقال له عمرو : نزلت عليه سورة وجيزة بليغة، وقرأ عليه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ[العصر:1-2]، فسكت مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو : وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله يا مسيلمة إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب، يقول ابن كثير رحمه الله: فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن.

    فـعمرو بن العاص كان عابداً للأوثان، ومع ذلك تبين له كذب مسيلمة .

    والوبر: هو دابة من دواب الأرض، أعظم ما فيها أذناها وصدرها، وباقيه دميمٌ، وهذا الكلام.

    مثله قوله الآخر: يا ضفدع يا بنت الضفدعين، نقي كما تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تروين، رأسك في الماء وذنبك في الطين، وعَدَّ مسيلمة هذا قرآناً.

    ومثله قوله أيضاً: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل .. إلى آخر كلامه الفارغ الذي أراد به أن يصدق الناس أنه نبي يوحى إليه، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( والعصر )

    قال الله تعالى: وَالْعَصْرِ[العصر:1].

    يقسم الله تعالى في هذه السورة بالعصر، قال بعض أهل التفسير: العصر هو الدهر، والله عز وجل قد بين أنه آية من آياته، كما قال سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً)[الإسراء:12]، وفي آية أخرى قال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا[الفرقان:62].

    وقال بعض أهل التفسير: بل المراد بالعصر ههنا صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حث عليها، وأخبر أن من حافظ عليها دخل الجنة، وأن من تركها فكأنما وتر أهله وماله، وأخبر صلى الله عليه وسلم بأن المحافظة على هذه الصلاة المباركة سبب لإكرام الله للعبد بالنظر إلى وجهه يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، فمن استطاع منكم ألا يغلب على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فليفعل).

    وقال بعض أهل التفسير: بل المراد بالقسم هنا: القسم بوقت معين، وهو عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم المبارك الذي كان يعيش فيه على ظهر هذه الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن الإنسان لفي خسر )

    قال الله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ[العصر:2].

    قال ابن عباس : المراد به الكافر، وقيل: بل المراد العموم، فيشمل الإنس الجن، كما قال الله عز وجل في آية أخرى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ[فصلت:25]، الخسر، والخسران، والخسارة كل هذا مصدر خسر خساراً وخسراناً، وأصله النقص فالله عز وجل يقسم بالعصر على أن جنس الإنسان خاسر هذا الخسران، كما يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: قد يكون خسراناً تاماً، وهذا في حال من خسر الدنيا والآخرة، كما قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ[الحج:11]، وكحال بعض الناس الذين يعيشون في الدنيا في ضنك وفي ضيق وهم وغم؛ وهم مع ذلك يعصون الله؛ ولذلك فإن بعض الصالحين لما رأى عمالاً ينقلون الأثقال ويغنون بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشقى الناس من خسر الدنيا والآخرة)، فهذا خسار تام.

    وقد يكون الخسران نسبياً، فإما أن يخسر الدنيا، وإما إن يخسر الآخرة.

    أسباب الخسران

    ما هو سبب الخسران؟ إن القرآن بين أن سبب الخسران هو الشرك، قال عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الزمر:65].

    أو سبب الخسران التكذيب بالقيامة، قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ[يونس:45]، وقال سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ[الأنعام:31].

    وقد يكون الخسران بسبب ترك العمل كما في سورة المؤمنون قال عز وجل: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ[المؤمنون:103].

    وهناك سبب رابع من أسباب الخسران وهو اتباع الشيطان، يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا[النساء:119]، وقال تعالى: أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ[المجادلة:19].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... )

    قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[العصر:3].

    لقد استثنى ربنا جل جلاله من عموم الخسران من اتصفوا بأربع صفات:

    الصفة الأولى: الإيمان، قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا[العصر:3]، والإيمان كما قال الإمام البخاري رحمه الله: لقيت أكثر من ألف من أهل العلم يقولون: الإيمان قول وعمل، ولذلك لا تجد في القرآن أن الله عز وجل يذكر الإيمان وحده، بل لابد أن يتبع الإيمان بالعمل كما قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[العصر:3] ونحو ذلك من الآيات، ولذلك فإن الإمام البخاري رحمه الله بوب في صحيحه: باب الإيمان نية وقول وعمل، وعلى هذا اتفاق أهل الحق.

    فالإيمان اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، فلو أن إنساناً لا يصلي الفرض، ولا يصوم رمضان، ولا يحج البيت، ولا يزكي ماله، ولا يحل الحلال، ولا يحرم الحرام، ثم يزعم أنه مؤمن، فهو كذاب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم) فكون الإنسان يفعل شيئاً من الطاعات، ويرتكب المحرمات، ثم يقول: أنا مؤمن، والإيمان موجود في القلب، نقول له: نحن لا نعرف ما بداخل القلب، فلا بد أن نرى آثار ما في القلب تظهر في الأعمال؛ لأن الله نصب العمل أمارة على وجود الإيمان، كما قال الحسن البصري رحمه الله: وإن قوماً أساءوا وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

    الصفة الثانية: قال تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )) الصالحات تشمل فعل الفرائض وإتيان المستحبات، واجتناب المحرمات والتورع عن المكروهات والشبهات.

    الصفة الثالثة: قال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )).

    قال الرازي رحمه الله في تفسيره: علم بهذه الآية أن تبعة الحق ثقيلة.

    ويقول سيد قطب رحمه الله: والحق ثقيل يحتاج إلى تواص؛ لأنه يعارضه طغيان الطغاة، وظلم الظالمين، وجور الجائرين، وتصورات البيئة، وضغوط المادة، هذه كلها تعارض الحق، فلابد أن يوصي بعضنا بعضاً.

    وقد تأكد هذا المعنى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وعلى أثرة علينا، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم).

    وفي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال الخير: ألا أخاف في الله لومة لائم، وأن أقول بالحق أينما كنت) رواه ابن حبان في صحيحه.

    وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: يا ظالم فقد تودع منهم) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.

    وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا: كيف يحقر أحدنا نفسه يا رسول الله؟! قال: يرى لله مقالاً فلا يقول به، فيقول له الله يوم القيامة: ما منعك أن تقول كذا وكذا في كذا وكذا؟ يقول: يا رب خشيت الناس، فيقول الله عز وجل: فإياي كنت أحق أن تخشى)، ولذلك فإن الله عز وجل قال: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ[المائدة:44]، وهذا المعنى فهمه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لما مر عمر بن الخطاب في السوق استوقفته امرأة عجوز وقالت له: يا ابن الخطاب لقد عهدتك في سوق عكاظ ترعى الغنم بعصاك، تدعى عميراً تضرب الصبيان، ثم لم تمض الأيام حتى صرت عمر ، ثم لم تمض الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن أيقن بالحساب أعد له العدة، فبكى عمر رضي الله عنه، فقال لها بعض الناس: إيه يا امرأة لقد أغلظت على أمير المؤمنين، قال عمر : دعها فإنها خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، فـعمر أحرى أن يسمع لها.

    فهذا من التواصي بالحق الذي كان بين الصحابة رضوان الله عليهم.

    الصفة الرابعة: قال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )) أوصى بعضهم بعضاً بالصبر بأنواعه الثلاثة:

    النوع الأول: الصبر على طاعة الله، فمثلاً: صلاة التراويح تحتاج إلى صبر، والصيام يحتاج إلى صبر، وصلاة الصبح في شدة البرد تحتاج إلى صبر، وقل مثل ذلك في الطاعات كلها.

    النوع الثاني: الصبر عن معصية الله، وذلك بأن يصبر عما لا يحبه الله ولا يرضاه، رغم أن نفسه تشتهيه وقلبه يميل إليه.

    النوع الثالث: الصبر على قضاء الله وقدره، وقد جاء في بعض الكتب: أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام: يا داود! اصبر على المئونة تكن مني المعونة، والمعنى: اصبر على مئونة الدنيا ومئونة التكاليف الشرعية تكن مني المعونة.

    وهذا ظاهرٌ، فكثير من الخيرات يبدؤها الإنسان وهو متهيب متردد، لكن الله عز وجل يثبت القلب ويربط على الفؤاد، وبعد أن كان الإنسان متردداً جباناً، يجعله شجاعاً مقداماً، يقدم على هذه الطاعات وهو يعلم أنها زاده إلى الآخرة.

    1.   

    مقدمة في تفسير سورة الهمزة وسبب نزولها

    سورة الهمزة سورة مكية، فيها تسع آيات، وثلاث وثلاثون كلمةً، وثلاثون ومائة حرف.

    هذه السورة المباركة نزلت في جماعة من المشركين نصبوا أنفسهم للمز المسلمين ونشر الأخبار السيئة عنهم، وقد سمت لنا الروايات بعض هؤلاء الأشقياء، منهم: أبي بن خلف ، و أمية بن خلف ، و الوليد بن المغيرة المخزومي ، و جميل بن معمر من بني جمح ، وكذلك الأسود بن عبد يغوث و الأخنس بن شريق ، وهذان من ثقيف، وكلهم من ذوي الثراء والمال ممن أنعم الله عليهم ووسع عليهم في الأرزاق، لكنهم قابلوا نعمة الله عز وجل بالكفران والجحود، كما قال الله عز وجل: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى[العلق:6-7] يعني: دائماً الغنى يكون معه الطغيان إلا من رحم الله.

    يقول سيد قطب رحمه الله: وهذه السورة تعرض صورة من الصور الواقعية في الدعوة الإسلامية في عهدها الأول، فتعرض صورة اللئيم الصغير النفس، الذي آتاه الله مالاً فسيطرت عليه نفسه، حتى لم يعد يطيق نفسه، وظن أن المال كفيل بأن يلغي الأقدار وأن يلغي الكرامات، وأن المال كفيل بأن يعدل الحساب والجزاء، لو كان يعتقد أن ثمة حساباً وجزاءً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ويل لكل همزة لمزة )

    قال الله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ[الهمزة:1].

    (ويل) إما دعاء وإما خبر، وعندنا في القرآن ثلاث سور بدأت بالدعاء: سورة المطففين أولها: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ[المطففين:1]، وهذه السورة: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ[الهمزة:1]، وسورة المسد تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ[المسد:1]، هذه السور الثلاث مبدوءة بالدعاء، على قول من يقول من أهل التفسير أن المقصود بـ(ويل) الدعاء، لكن بعضهم قال: (ويل) هو خبر أي: عذاب وهلاك، أو كما قال بعض المفسرين: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره شديد حره.

    قوله: لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ))، همزة لمزة وزنها فعلة، وهذا الوزن يطلق على الإنسان الذي يكثر من الفعل، فمن يكثر الضحك يقال له: ضُحَكة، ومن يكثر من اللعن يقال له: لُعَنة.

    والمفسرون رحمهم الله أقوالهم في معنى همزة لمزة تدور على أن الهمزة اللمزة هو: العياب الغياب الطعان، أي: الذي يعيب الناس ويغتابهم ويطعن فيهم.

    ما الفرق بينهما؟ قال بعضهم: الهمز يكون باللسان، واللمز يكون بالعين وبالرأس وباليد ونحو ذلك، وبعضهم يعكس ويقول: الهمزة ما كان باليد والرأس والعين، واللمزة ما كان باللسان، واستدل بقوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ)[الحجرات:11]، وبعضهم يقول: الأمر لا يتعلق بالآلة، وإنما الهمزة هو من يطعنك في وجهك، واللمزة هو من يطعنك في غيابك، وعلى كلٍّ، فكلاهما مذموم منبوذ مقبوح، توعد الله صاحبه بالويل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن شرار الناس الهمازون اللمازون الباغون للبرآء العنت، المفسدون بين الأحبة).

    وجاء في سنن الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله)، وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة قتات)، والقتات: هو النمام، وهذا المعنى أخذه الإمام الشافعي رحمه الله في أبيات ما أفصحها وما أحسنها حين قال:

    إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى

    ودينك موفور وعرضك صين

    لسانك لا تذكر به عورة امرئ

    فكلك سوءات وللناس ألسن

    وعينك إن أبدت إليك مساوئاً

    فصنها وقل يا عين للناس أعين

    وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى

    ودافع ولكن بالتي هي أحسن

    فهذه الآية نزلت في المشركين الذين كانوا يلمزون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم عدو الله أبو لهب بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث عن جميل بن عباد قال: (إني لفي سوق عكاظ وأنا غلام صغير مع أبي، إذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف بين الناس وهم حوله يقول: أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله، وخلفه رجل أحول وضيع ذو غديرتين يقول: لا تصدقوه فإنه كذاب، لا تصدقوه فإنه مجنون، لا تصدقوه فإنه ساحر، قلنا: من هذا؟ قالوا: هذا محمد بن عبد الله، يزعم أن الله أرسله، والرجل الذي خلفه عمه أبو لهب ، فكان الناس يقولون: عمه أعرف به) أي: شهد عليه عمه بأنه مجنون، وأنه كذاب، وأنه ساحر، فعمه أدرى به، فهذا ما لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأحياناً كان الأمر يتعدى إلى استعمال اليد، كما فعل عقبة بن أبي معيط لما كان صلى الله عليه وسلم ساجداً عند الكعبة، فجاء الخبيث بسلى جزور فطرحها على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فضحك القوم حتى مال بعضهم على بعض، ولم يرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه كراهة أن يقذر البيت، -أي: تحمل الأذى صلى الله عليه وسلم في رأسه كراهة أن ينزل على أرض المسجد الحرام- حتى جاءت ابنته فاطمة رضي الله عنها وهي تبكي، فأزالت الأذى عن رأس أبيها، فنظر إليهم وقال: (اللهم عليك بالملأ من قريش، اللهم عليك بـعتبة بن ربيعة ، اللهم عليك بـشيبة بن ربيعة ، اللهم عليك بـأمية بن خلف ، اللهم عليك بـأبي جهل بن هشام ، اللهم عليك بـعقبة بن أبي معيط)، فقتل الخمسة يوم بدر كفاراً إلى جهنم وبئس المصير.

    ومما يبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قوي النفس عالي الهمة واثقاً من نصر ربه: (أن الكفار جلسوا يوماً عند الكعبة، وذكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا أصبر منا على هذا الرجل، عاب آلهتنا، وسفه أحلامنا، وفرق جماعتنا، وهم يتكلمون، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف حول الكعبة، فلما مر بهم غمزوه، ثم طاف صلى الله عليه وسلم فلما مر بهم غمزوه، فلما كانت الثالثة التفت إليهم صلى الله عليه وسلم كالأسد الهصور، وقال: تعلمون معشر قريش والله لقد جئتكم بالذبح، وأشار إلى عنقه، فعاد أكثرهم جهالة يقول له: انصرف أبا القاسم! والله! ما كنت جهولاً) فالله تعالى ألقى الرعب في قلوبهم من هذه الكلمة التي نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل توعد هؤلاء بالويل وأنزل فيهم هذه الآية: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ[الهمزة:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( الذي جمع مالاً وعدده )

    قال الله تعالى: الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ[الهمزة:2].

    المال هو: ما يقتنيه الإنسان؛ لينتفع به، وعند أهل المدن يطلق المال على النقد من الذهب والفضة وما يقوم مقامها، وعند أهل البادية يطلق على الأنعام والإبل والبقر والغنم، وعند أهل القرى يطلق على الحرث، وهذا ذكره الله حين قال: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[آل عمران:14].

    قوله: عدده)) قال بعض أهل التفسير: المراد أحصاه، وقال بعضهم: المراد نوّعه يعني: جعل من المال عقاراً ومتاعاً ونعماً أي: من كل أصناف المال، وقيل: (عدده) بمعنى: كثره، وهذه آفة في النفس، يعني: الإنسان مغرم بالمال، فقد يكون عنده مال وهو يعرف مقداره، لكنه في كل ليلة يخرجه ويعدده، حتى حصل لبعض الشباب أن واحداً من أعمامه له مال مغرم به، وهو في كل ليلة يأخذ المال كأنه صراف، ويبدأ يغمس يديه فيه، ولا ينام إلا إذا فعل هذه الفعلة!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( يحسب أن ماله أخلده )

    قال الله تعالى: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ[الهمزة:3].

    أي: يحسب هذا المسكين أن ماله سيضمن له الخلود في الدنيا، والبقاء فيها بقاء سرمدياً، كما قال الشقي الأول: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً[الكهف:35-36]، فيظن أن لا موت ولا قيامة، وهذا حال بعض الناس، حتى يبلغ به الحال -نسأل الله العافية- إلى أن يبخل بحق الله في الزكاة المفروضة، فلا يخرجها، ولذلك ثبت في سنن النسائي من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة مثل له شجاع أقرع يطوقه في عنقه، يقول له: أنا مالك أنا كنزك وتلا: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[آل عمران:180]).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة )

    قال الله تعالى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ[الهمزة:4].

    كلا)) على التفسيرين: إما أنها تقوم مقام القسم حقاً، وإما أن معناها: ليس الأمر كما يظن.

    قوله: لينبذن)) النبذ: هو الطرح بإهمال، قال صاحب الكشاف الزمخشري عند تفسير قول الله عز وجل في شأن فرعون: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ[القصص:40]: قال ذلك استحقاراً لهم، شبههم الله عز وجل بحصيات يأخذهن آخذ فيطرحهن بإهمال بغير قيمة.

    قوله: في الحطمة )) الحطمة دركة من دركات جهنم، وسميت الحطمة حطمةً؛ لأنها تحطم كل ما فيها، فتحطم العظام، وتحطم الرءوس وغيرها.

    قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ[الهمزة:5].

    الاستفهام هنا للتفخيم والتهويل، وهنا إظهار في مقام الإضمار، وفي غير القرآن يمكن أن يقال: وما أدراك ما هي؟ لكن كرر اللفظ في قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ للتهويل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( نار الله الموقدة )

    قال الله تعالى: نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ[الهمزة:6].

    الإضافة هنا للتهويل، وإلا فإن النيران كلها نيران الله، وذلك لقوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ[الواقعة:72-72]، لكن أضافها هنا إلى نفسه؛ تهويلاً لشأنها وتفخيماً، فهي: (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ) التي لا تخبو، ولا ينطفئ سعيرها.

    قال تعالى: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ[الهمزة:7].

    أي: التي تحرق الجلود واللحوم والعظام حتى تخلص إلى الفؤاد، يقول القرطبي رحمه الله: ومعلوم أن النار إذا وصلت إلى الفؤاد مات صاحبها، ويتمنى أن يموت فلا يموت، قال الله عز وجل: ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا[الأعلى:13]، وقال: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا[فاطر:36]، وحالهم كما قال تعالى حاكياً عنهم: ونَادوا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ[الزخرف:77].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إنها عليهم مؤصدة )

    قال تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ[الهمزة:8].

    أي: مغلقة محكمة، والوصيد هو الباب، كما في قول الله عز وجل: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ[الكهف:18] أي: باب الكهف، فهي مؤصدة عليها أبواب، وعلى الأبواب أقفال، وبعد الأقفال خزنة زيادةً في النكال، قال الله عز وجل: أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)[الكهف:29] أي: لا سبيل إلى هروب ولا فرار، ووجود الخزنة لأجل الزيادة في تعذيبهم وإرهاقهم.

    قال تعالى: فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ[الهمزة:9].

    قال بعض أهل التفسير: العمد على الأبواب، ورجح العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان بأن هذه العمد عليهم أنفسهم؛ زيادةً في النكال، واستدل بقول الله عز وجل: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا[الفرقان:13-14].

    وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن الله عز وجل يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار، فيجعلونها في تلك العمد، ثم يطبقونها عليهم فيتشاغل أهل الجنة بنعيمهم والرحمن على عرشه ينساهم) قوله: (ينساهم) يعني: يتركهم كما في قول الله عز وجل: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ[التوبة:67]، فالنسيان هنا بمعنى الترك، وليس بمعنى الذهول، ثم قال: (فلا والله لا يدخل إليهم رَوْح) روح يعني: هواء.

    ثم قال: (ولا يخرج منها غم) أي: لو كان للغم سبيل للخروج لما استطاع أن يخرج من تلك الأعمدة، ثم قال: (ثم ينقطع الكلام والبكاء ولا يبقى إلا الزفير والشهيق) أي: لا يستطيعون أن يتكلموا أو يصرخوا أو يستغيثوا، وحين يصرخون بعد مئات أو ألوف من السنين يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ[المؤمنون:107-108]، فلا يجيبهم بما يريحهم، يصرخون حتى تتقطع الحناجر، ينادون أهل الجنة: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ[الأعراف:50]، فلا يسمعون كلاماً يطيب خواطرهم، ولا يخفف عذابهم، نعوذ بالله من تلك الحال، وهذا كله جزاء على مصيبتين: المصيبة الأولى: همز المؤمنين ولمزهم، والمصيبة الثانية: عدم معرفة حق الله في المال، نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.