إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام - الآيات [1-9]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • افتتحت سورة الأنعام بـ(الحمد لله) تنبيهاً على استحقاق الله سبحانه للحمد وحده؛ لأنه وحده خالق كل شيء، وإليه كل شيء، ورداً على كفر الكافرين، ولهذا كما بدأت الآية الأولى بالحمدلة ختمت بالتشنيع على الكافرين، ثم تلتها آيات تبين أنواعاً من كفرهم وعنادهم.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً، طيباً، مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فقد مضى معنا الكلام في مقدمة هذه السورة، وعرفنا أنها من السور المكية، وقد نزلت دفعة واحدة؛ لأنها جاءت على سبيل المحاجة للمشركين، وتزييف ما هم عليه من المنكر والباطل في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.

    فضل الحمد واستحقاق الله له دون غيره

    وهذه السورة المباركة قد افتتحت بالحمد كما افتتحت سور أربع سواها: سورة الفاتحة، وسورة الكهف، وسورة سبأ، وسورة فاطر.

    وكلمة (الحمد لله) تفيد استحقاق الله جل جلاله الحمد وحده دون غيره، فهو المحمود سبحانه وتعالى دون سواه، لا يستحق الشكر والحمد أحد سواه، وهذه الكلمة -كلمة الحمد لله- لا ينبغي أن تفارق لسان عبد الله المؤمن، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمد الله عز وجل إذا أصابته نعمة وإذا أصابه بلاء، إذا أصابته نعمة قال: ( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات )، وإذا أصابه بلاء قال: ( الحمد لله على كل حال )، وأخبرنا صلوات ربي وسلامه عليه: ( أن الله تعالى يرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها ).

    وكان من هديه صلوات ربي وسلامه عليه أنه يحمد الله إذا ثار من فراشه، فيقول: ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور )، وكان يحمد الله إذا فرغ من طعامه: ( الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة )، بل حمد ربه بعدما أصابه الذي أصابه يوم أحد، بعدما شج وجهه وكسرت رباعيته، وجحشت ركبتاه، صلوات الله وسلامه عليه، قال لأصحابه: ( اصطفوا لأثني على ربي، فقال: اللهم لك الحمد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت )، إلى آخر ما قال صلوات الله وسلامه عليه.

    دلالة خلق السموات والأرض على صفات الكمال لله وعلى وجوب عبادته

    افتتح ربنا هذه السورة المباركة بهذه الكلمة المباركة (الحمد لله)، ثم وصف نفسه جل جلاله بصفات الكمال والجلال، وأولها الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام:1]، والسموات والأرض آيتان من آيات الله عز وجل، لفت أنظارنا إليها في كثير من آي القرآن، يقول الله عز وجل: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق:6-7]، ويقول سبحانه: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات:47-48]، ويقول سبحانه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:6-7]، ويقول سبحانه في آية أخرى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، إلى غير ذلك من الآيات، فهو سبحانه خلق السموات والأرض أوجدهما على غير مثال سابق، كما قال سبحانه: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117]، بديع: أوجدهما على غير مثال سابق، والنتيجة التي ينبغي أن يفضي إليها كل عاقل أن الذي خلق هو الذي ينبغي أن يُعبد، ولا يُعبد معه غيره؛ ولذلك أول نداء في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ [البقرة:21]، من ربكم؟ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].

    1.   

    دلالة جمع السموات وإفراد الأرض في القرآن الكريم

    قال سبحانه: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام:1]، لم جمعت السموات وأفردت الأرض؟ وهذا مطرد في سائر سور القرآن، فالسموات تذكر مجموعة والأرض مفردة، وهذا إما لأن المقصود بالأرض: السفل والتحت، وهو لا يجمع، وإما لأن الأرض بالنسبة إلى السموات كحلقة ألقيت في فلاة، فالأرضون بالنسبة للسموات صغير حجمها، يسير شأنها؛ ولذلك تفرد، والسموات تجمع.

    وقال بعض أهل التفسير: أفرد الأرض؛ لأنها عالم واحد، وجمع السموات؛ لأنها عوالم، وقد دل القرآن على أن الأرضين كالسموات من حيث العدد، قال الله عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:12]، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن المثلية مثلية عدد، ففي حديث سعيد بن زيد بن عمرو في الصحيحين: ( من أخذ شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين )، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل بلداً قال: ( اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها ).

    1.   

    دلالة جمع الظلمات وإفراد النور في القرآن الكريم

    قال سبحانه: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1]، جعل بمعنى: أحدث وأنشأ؛ لأنها تعدت إلى مفعول واحد، أما إذا تعدت إلى مفعولين فإنها تكون بمعنى صير، كما في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3].

    وقد جمع الله عز وجل الظلمات وأفرد النور، والظلمات جمع ظلمة، والجمع إما باعتبار الخفة على اللسان؛ لأن الظلمات أخف على اللسان من الظلمة، والنور أخف على اللسان من أنوار، وإما أن يكون المراد -والعلم عند الله تعالى- بجمع الظلمات أن الظلمات طرق كثيرة، وليس للنور إلا طريق واحد، كما قال الله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257]. أو أن الله عز وجل جمع الظلمات وأفرد النور باعتبار الشرف، مثلما جمع الشمائل وأفرد اليمين: عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [النحل:48].

    وقدم الظلمات على النور باعتبار السبق، فالإنسان كان في ظلمة، ثم خرج إلى النور، كما قال ربنا سبحانه: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ [الزمر:6].

    المراد بالكفار الذين يعدلون مع الله غيره

    قال تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنعام:1]، المراد بالذين كفروا كل من كفر بإثبات إله غير الله، إما بأن ينسب إليه خلقاً كالمانوية الذين يعتقدون خالقاً غير الله، وإما بإثبات معبود غيره كمشركي العرب، الذين كانوا يعتقدون أن الله هو الذي خلق وحده، والأصنام لم تخلق، لكنهم كانوا يعبدونها ويقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    قال تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، والعدل: التسوية، ومنه قول الله عز وجل: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً [المائدة:95]، ومنه تقول العرب: عادلت البعير، أي: إذا جعلت جانبيه مستويين في الحمل، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمىً عنده ...)

    قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً[الأنعام:2]، ينبه الله عز وجل هؤلاء المشركين إلى ابتداء خلقتهم، وأول تكوينهم من أجل أن يتعرفوا على ربهم، وخلق الإنسان من طين قد دلت عليه آيات من القرآن، كقول ربنا الرحمن: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون:12]، وكقوله سبحانه: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص:71]، وكقوله سبحانه على لسان إبليس في حق آدم: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76].

    وفي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام:2]، التفات من الغيبة إلى الخطاب، فالآية الأولى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنعام:1]، خطاب عن غائب، وها هنا خطاب للكفار مباشرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً [الأنعام:2]، والأجل هنا مراد به الموت.

    معاني كلمة (قضى) في القرآن الكريم

    وكلمة: قَضَى [الأنعام:2]، تجيء في القرآن بمعنى: الكتابة، وبمعنى: الفصل والحكم، وبمعنى: الأمر والإلزام، وبمعنى: الوفاء والإتمام، فمثلاً لو قرأت قول الله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:23]، أي: حكم وأمر جل جلاله، ولو قرأت قول الله عز وجل: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر:42]، قضى هنا بمعنى كتب وقدر.

    وهاهنا يقول الله عز وجل: ثُمَّ قَضَى أَجَلاً [الأنعام:2]، قضى هاهنا بمعنى: أوفى أجل كل مخلوق، كقوله سبحانه: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ[سبأ:14]، أي: وفيناه أجله، تمت أيامه، وانقضت ساعاته، وفارقت روحه جسده.

    دلالة قول الله عز وجل: (وأجل مسمىً عنده)

    قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً [الأنعام:2]، المراد به أجل الموت، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام:2]، مراد به القيامة، والسؤال هنا: أليس موتي وموتك أجلاً مسمى عنده؟ فلم خص الثاني بقوله: مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام:2]؟

    والجواب: أن الأجل الأول -وهو الموت-، لا أحد يعرفه إلا بعد وقوعه، فأنا الآن -مثلاً- أعرف أني ولدت في يوم كذا من شهر كذا سنة كذا، لكن متى أموت، لا أحد يعرف، لكن بعد الموت سيقال: مات فلان في يوم كذا من شهر كذا سنة كذا، أما القيامة فلا يعرفها أحد، سواء الآن أو غداً أو بعد غد، أو في أي وقت، يقول تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187]، إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان:34]، اختص نفسه؛ ولذلك لما سأل جبريل النبي الأمين عليهم السلام بقوله: ( أخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل )، فلا يعلم وقت وقوعها إلا الله عز وجل.

    هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام:2]؛ ولذلك الأجل المسمى هذا إذا جاء يخرج الناس من قبورهم، قال الله عز وجل: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55]، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ [يونس:45]، فهم لا يعرفون كم الوقت الذي قضوه منذ أن قبضت أرواحهم إلى أن قامت قيامتهم.

    تشكيك الكفار في أمر الساعة وعنادهم محمداً صلى الله عليه وسلم

    يقول الله عز وجل: ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام:2]، أي: يا مشركون! يا معاندون! بعد هذه الأدلة كلها أنتم تمترون، أنتم في مرية، أنتم في شك، تعاندون محمداً صلى الله عليه وسلم مع أنكم مقرون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه الذي خلق الظلمات والنور، وأنه سبحانه هو الذي قضى أجلاً، وأنكم تموتون.. وفي كل يوم ترون من يموت، وبعد ذلك أنتم تمترون في أمر الساعة، في أمر الأجل المسمى؛ ولذلك كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:82-83]، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49]، مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78]، أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم:66]، كانوا يشككون ويمترون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الله في السموات وفي الأرض ...)

    يقول الله عز وجل: وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:3]، قوله: (وهو الله في السموات وفي الأرض)، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وقد اتفقوا -أي: المسلمون- على تخطئة قول الجهمية بأن الله في كل مكان، وعقيدة المسلمين أن الله عز وجل مستو على عرشه، بائن من خلقه، وأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عنه بكيف.

    بعد ذلك في قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، اتفقوا على أن المراد بالمعية معية العلم، كما اتفقوا على أن المعية في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، وفي قوله تعالى: إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، معية التوفيق والتسديد، والنصرة والتأييد، لكن الله عز وجل مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، ومعنى قوله: وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3]، كقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف:84]، أي: في السماء معبود، وفي الأرض معبود وَهُوَ اللَّهُ[الأنعام:3]، أي: مدعو الله في السموات ومدعو الله في الأرض.

    قال: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ [الأنعام:3]، لإفادة مطلق العلم، وَجَهْرَكُمْ [الأنعام:3]، لاستيعاب النوعين، وإلا قد علم يقيناً أن الذي يعلم السر يعلم الجهر، من باب أولى.

    قال تعالى: وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:3]، من خير وشر، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين)

    يقول تعالى: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام:4] والآية هنا: هي العلامة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وَمَا تَأْتِيهِمْ [الأنعام:4]، أي: المشركين الجاحدين، من علامة وأمارة دالة على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام:4]، كشأن الكفار من قبلهم، فالكفار من قبلهم أراهم الله عز وجل الناقة آيةً بينةً، وأراهم الله عز وجل -كما هو حال قوم فرعون- تسع آيات بينات: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنين ونقص من الثمرات، ومع ذلك أعرضوا، وكذلك الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا محمد! أرنا آية، فأراهم القمر وقد انشق نصفين، حتى كان نصف فوق حراء ونصف دونه، فنظر المشركون بأبصارهم وقالوا: إن محمداً قد سحر أعيننا، وإن القمر ما أصابه شيء، فقال بعض عقلائهم: إن كان محمد قد سحرنا فلا يستطيع أن يسحر من في الأرض، اسألوا من يأتي من الأسفار، فلما جاء بعض من كان مسافراً قالوا لهم: ماذا رأيتم في ليلة كذا؟ قالوا: رأينا القمر قد انشق نصفين، فقال الكفار: هذا سحر مستمر.

    وفي رحلة الإسراء قالوا: صف بيت المقدس فإنا قد أتيناه، فوصفه صلى الله عليه وسلم باباً باباً، فقالوا: أما الوصف فقد أصاب، ثم سألوه عن عير بين الشام والحجاز، فقال: رأيتهم بمكان كذا، وستقدم عليكم العير يوم كذا عند مطلع الشمس، يقدمها جمل أورق، رغم هذا كله أعرضوا وكذبوا، قال الله عز وجل: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام:4]، أي: لا يبالون بها ولا يقفون عندها: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171]، هذا حالهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ...)

    قال الله عز وجل: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأنعام:5].

    قوله: (فقد كذبوا بالحق)، كذبوا بالقرآن وهو حق، كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو حق، كذبوا بالقيامة وهي حق، كذبوا بالجنة والنار وهي حق، كذب الذين من قبلهم بالأنبياء وهم حق، فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ [الأنعام:5]، ثم هددهم جل جلاله وتوعدهم وأنذرهم، فقال: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأنعام:5]، ومن الأنباء التي كانوا بها يستهزئون قول الله عز وجل: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ [القمر:45-46]، وهذه الآية نزلت في مكة، والمسلمون قلة مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس، يقول عمر بن الخطاب : ما علمت تأويلها إلا يوم بدر، حين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في درعه، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ [القمر:46]، فهذا الذي توعدهم ربهم جل جلاله به قد حصل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ...)

    يقول تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الأنعام:6].

    يقول الله عز وجل لهؤلاء المشركين الذين غرتهم قوتهم وأموالهم وعصبتهم وجماعاتهم: انظروا إلى من كان قبلكم، كما قال ربنا سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ [الأنعام:11]، قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [الروم:42]، أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا [الروم:9]، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر:6-10].

    ينبه الله عز وجل المشركين إلى النظر في حال الأولين، أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [الأنعام:6]، أي: من جيل، مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الأنعام:6]، أي: جعلنا لهم من الأموال والأولاد والأجناد والعقار والبنيان، وأسباب القوة ما ليس عندكم يا معشر قريش، وهم قبيلة عاد الذين قال لهم نبيهم عليه السلام: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء:128-130]، وصالح عليه السلام يقول لقومه: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء:146-149]، وهذا كله ما كان لأهل مكة، فأهل مكة ما كان عندهم جنات، ولا عيون، ولا أنهار، ولا زروع، ولا نخيل، ولا كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين؛ ولذلك قال الله عز وجل: مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الأنعام:6]، ما كان لأهل مكة ملك كملك فرعون الذي قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51]، مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا [الأنعام:6]، تدر عليهم شيئاً بعد شيء، مرةً بعد مرة، من خيراتها وبركاتها، وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ[الأنعام:6]، فتح الله عز وجل عليهم من بركات السماء، وفجر لهم من ينابيع الأرض استدراجاً لهم وإملاءً، وإذا كان العبد ينعم الله عز وجل عليه، وهو يتمادى في معصية الله فهو استدراج، نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً، يقول تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:182].

    قال سبحانه: وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ [الأنعام:6]، أي: قضينا عليهم وأذهبناهم من جيل، فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأنعام:6]، أي: بسبب خطيئاتهم وسيئاتهم.

    وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الأنعام:6]، ذهب الأولون كأمس الدابر، ما عاد أحد يذكرهم، ولا بقيت لهم باقية، بل كما قال الله عز وجل عن بعضهم: فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7]، فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ:19]، وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [الأنعام:6]، أي: جيلاً آخر؛ لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فهلكوا كهلاكهم، فاحذروا أيها المشركون! أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم ...)

    يقول الله عز وجل: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام:7].

    كان من سوء أدب المشركين أنهم يقترحون، يقولون: (يا محمد! قد علم ربك أنه لا أحد أضيق عيشاً منا فسل ربك يسير هذه الجبال التي ضيقت علينا فجاج مكة، فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، فيقولون له: يا محمد! قد علم ربك أنا نعاني ما نعاني في جلب الماء فسل لنا ربك يفجر لنا أنهاراً وجناناً كأنهار الأردن، فيقول: ما أنا بفاعل، فيقولون له: يا محمد! سل لنا ربك)، وهكذا، ثم في النهاية: ( يقولون: يا محمد! أما علم ربك أنا سنجلس إليك، ونقول لك الذي قلنا، فيقول: بلى قد علم، فيقولون: فلم لم يخبرك ).

    قال الله عز وجل عن هؤلاء المشركين: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه [الإسراء:90-93].

    قال الله عز وجل: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ [الأنعام:7]، أي: في ورق، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ [الأنعام:7]، أي: عاينوه ونظروا إليه، لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام:7]، يخبر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بما يسليه ويخفف عنه، فيقول: إن هؤلاء معاندون مستكبرون، ما كذبوك لقلة الآيات التي معك، ولا لخفاء الأمر عليهم، بل لو جاءهم الحق عياناً بياناً لما آمنوا كما قال سبحانه: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [الحجر:14]، أي: يصعدون، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:15]، وقال سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا [الطور:44]، أي: قطعةً، مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44]، يعني: هؤلاء القوم كما قال ربنا: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، أي: مجادلون معاندون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ...)

    يقول سبحانه: وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام:8]، وهذا اقتراح آخر من اقتراحاتهم: لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [الفرقان:7-8]، قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ [الأنعام:8]، أي: فلو أنني استجبت لهم فيما يطلبون من الآية الظاهرة لجاءهم من الله العذاب، كما قال سبحانه: مَا نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر:8]، أي: لو نزلنا الملائكة بناءً على طلبهم واستجابة لرغبتهم لجاءهم العذاب: يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22]، يقول الله عز وجل: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9].

    وقد تعجبون حين تعلمون أن من الأسباب الكبيرة التي صدتهم عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام بشر، مثلما قال قوم فرعون : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون:47]، ومثلما قال قوم هود: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون:33]، قال قوم محمد صلى الله عليه وسلم: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:7]، يعني: هم لا يريدون رسولاً بشرياً، وإنما يريدون رسولاً من طراز خاص، رسولاً لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق، ولا يتعامل كما يتعامل الناس، بل لا بد أن يكون ملكاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ...)

    قال الله عز وجل: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا [الأنعام:9]، أي: لو جعلنا الرسول المبعوث إليكم من الملائكة، لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا [الأنعام:9]؛ من أجل أن يتأسوا به، فالملائكة عليهم السلام ليس فيهم هذه الصفات البشرية، من الطعام والشراب واللجوء إلى الخلاء لقضاء الحاجة، وليس عندهم التزاوج، ولا التناسل، ولا الاشتغال بعوارض الدنيا، بل يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ونحن لا نستطيع أن نكون كذلك! ولذلك اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون الرسول إنسياً، وأن يكون الرسول بشراً يراه الناس؛ من أجل أن يمشوا كما يمشي، ويأكلوا كما يأكل، ويقتدوا به في سائر أحواله.. كيف كان يغتسل عليه الصلاة والسلام، وكيف كان يتوضأ، وكيف كان يعاشر نساءه، وكيف كان يعامل أولاده، ماذا كان يصنع حين يمرض عليه الصلاة والسلام، ماذا كان يصنع حين يغضب، وحين يفرح، وحين يحزن، فكل هذه العوارض البشرية التي تطرأ عليه هي على سبيل التأسي: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    قال الله عز وجل: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9]، أي: لخلطنا عليهم كما يخلطون على غيرهم، قال الله عز وجل: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:95]، أي: لو كان سكان الأرض ملائكة؛ لبعث الله إليهم ملكاً، لكن لما كان سكان الأرض بشراً كان الرسول بشراً: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران:164]، أي: من شكلهم وطبيعتهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويحتاج إلى الخلاء ويحتاج إلى التزاوج والتناسل، أحياناً يبكي صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يضحك، يأكل ويشرب، يصوم ويفطر.. وغير ذلك من الأمور.

    أسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا وجلاء أحزاننا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994075111

    عدد مرات الحفظ

    717461602