إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام - الآيات [145-150]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من رحمة الله بهذه الأمة وضعه الإصر والأغلال التي كانت على من قبلهم عنهم، وما حرم الله عليهم ما حرم من الطيبات إلا لبغيهم. ومن سنن الكافرين والمشركين الاحتجاج على شركهم وكفرهم بالقدر، وقد تبعهم في الاحتجاج بالقدر على المعاصي كثير من العصاة المخذولين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    تعلق التحريم بالوحي

    يقول ربنا الملك العلام: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام:145] الآية.

    إن هذه الآية المباركة نزلت جواباً على تخرصات المشركين وافتراءات الكافرين حين حرموا ما رزقهم الله افتراءً على الله، فبين ربنا جل جلاله في هذه الآية المباركة أنه لا سبيل إلى التحريم إلا عن طريق الوحي، وأمر نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: لا أجد فيما أوحاه الله عز وجل إلي في كتابه الكريم محرماً على طاعم يطعمه إلا هذه الأربعة: أن يكون الطعام ميتة، وفي قراءة ابن عامر : (إلا أن تكون ميتة)، أو يكون الطعام دماً مسفوحاً، أو يكون لحم خنزير، أو يكون مما أهل لغير الله به.

    المطعومات التي حرمها الله ورسوله

    عرفنا أن هذه المحرمات الأربعة قد كررت في سورة البقرة، وفي سورة النحل، وفي هذه السورة المباركة، وأن الميتة: كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية. فيدخل في ذلك المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع.

    فكل ما مات بغير ذكاة شرعية فإنه يعد ميتة، وقد حرمها ربنا جل جلاله لمصالح يعلمها.

    أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، والدم المسفوح هو: المصبوب إما بذكاة أو عقر، أو قطع، أو غير ذلك من الأسباب، فهو الذي يجري عند موجب جريانه.

    أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام:145]، وقد أجمع المسلمون على أن شحم الخنزير حكمه حكم اللحم.

    فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145] أي: نجس. المحرم الرابع: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145]، وكل ما ذبح وذكر عليه غير اسم الله عز وجل فهو حرام، وقد مضى بيان ذلك في تفسير قول ربنا جل جلاله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، فهذه الأربعة الأشياء محرمة.

    وقد مضى معنا الكلام في أن هناك محرمات سواها، فحرم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم علينا لحوم الحمر الأهلية, وحرم علينا الخبائث كلها، بقول ربنا جل جلاله: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

    وكذلك كل ما أمر بقتله كالفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور فهو حرام.

    وكذلك كل ما نهى عن قتله صلى الله عليه وسلم، كالهدهد، والصرد، والنمل فهو حرام.

    وكذلك هوام الأرض التي تستخبثها العرب وتستقذرها فهي حرام، ومثلها ما كان من الحيوانات كالفيل والقرد مما تستخبثه الطباع السليمة فهو حرام.

    هذه الأربع المحرمة: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145].

    إباحة المحرمات لأصحاب الضرورات

    ثم استثنى ربنا جل جلاله من لحقته ضرورة ملجئة، فلو أن الإنسان تيقن الموت, أو غلب على ظنه أنه هالك إن لم يطعم شيئاً من هذه المحرمات، قال الله عز وجل: فَمَنِ اضْطُرَّ [الأنعام:145]، وفي قراءة: فمن اضطر)) بضم النون.

    أي: فمن لحقته ضرورة حال كونه غير باغ ولا عاد، الباغي هو: الخارج على إمام المسلمين، والعادي هو: قاطع الطريق، الذي يخيف السبيل، وكلاهما عاص، والعاصي لا يستفيد من الرخصة؛ ولذلك قال علماؤنا: كل من سافر سفراً محرماً، فلا يجوز له أن يقصر رباعية، ولا أن يفطر في رمضان.

    فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [الأنعام:145]، وقال بعض أهل العلم: الباغي هو: المتشهي للحرام.

    والعادي هو: الذي يتعدى ما أحل الله له إلى ما حرم عليه. وقيل: هو الذي يجاوز حد سد الرمق إلى الشبع.

    وذكرت هاهنا مسائل قد اختلفوا فيها: لو أن إنساناً وجد ميتة ومالاً لغيره فإنه يقدم مال الغير؛ لأنه ليس محرماً لذاته، بل محرم لغيره.

    وكذلك لو أن محرماً بحج أو عمرة وجد ميتة ووجد صيداً برياً فإنه يقدم الميتة؛ لأنه لو صاد صيداً برياً فقد تحول إلى ميتة، فيكون قد جمع بين سوأتين، ولو أنه وجد ميتة أو لحم خنزير فإنه يقدم الميتة.

    قال الله عز وجل: فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:145].

    اختصاص الله ورسوله بالتحريم والتحليل

    وهذه الآية المباركة يستفاد منها: أن التحريم ومثله التحليل لا يملكه إلا الله عز وجل، الله تعالى هو الذي يحل وهو الذي يحرم، إما بوحيه لنبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه، وإما على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد سوى الله وسوى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحرم على الناس ما أحل الله لهم؛ ولذلك نهى الله عز وجل عن ذلك ونعى على أولئك المفترين، فقال سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59].

    وقال سبحانه: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل:116-117].

    صحة الاستدلال بالقياس في معنى الأصل

    ويستفاد من هذه الآية المباركة: صحة القياس. وهو ما يسميه العلماء: بالقياس في معنى الأصل، أو الإلحاق بنفي الفارق.

    ووجه الدلالة من الآية: أن الله ذكر لحم الخنزير ولم يذكر شحمه، وقد أجمع المسلمون على أن الشحم حرام كحرمة اللحم، استدلالاً بالقياس، ومضى معنا ذكر أمثلة كثيرة لهذا المعنى.

    يسر الشريعة وتخفيفها

    ثم يستفاد من هذه الآية كذلك: أن هذه الشريعة من عند الله عز وجل، وأنها حنيفية سمحة مبناها على التيسير يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، ومن يسر هذه الشريعة: أن المضطر يصبح الحرام في حقه حلالاً، فيحل له أن يأكل من الميتة، أو من الدم، أو من لحم الخنزير، أو مما أهل لغير الله به، وهذا دليل على أنها منزلة من حكيم خبير.

    إثبات اسم الله (الرحمن الرحيم) وما يدلان عليه

    ويستفاد من هذه الآية كذلك: إثبات الاسمين الحسنين لله رب العالمين: أنه جل جلاله غفور، وأنه رحيم.

    ويستفاد منها: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من عظيم مغفرته وسعة رحمته جل جلاله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ...)

    ثم يقول سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146].

    هنا الله عز وجل يمتن علينا ويقول لنا: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس ثمة حرام إلا هذه الأربعة في كتاب الله عز وجل، فقارنوا حالكم بحال من كان قبلكم، واعلموا أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله ليضع عنكم الإصر والأغلال التي كانت على من قبلكم؛ ولذلك نحن دائماً ندعو الله فنقول: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] ومن الإصر الذي حمله الله عز وجل على أمة اليهود الفاجرة الخاطئة: أنه سبحانه حرم عليهم هذه المذكورات في هذه الآية.

    المقصود بالذين هادوا

    يقول سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا [الأنعام:146] وهم أمة اليهود، والله عز وجل يخاطبهم بهذه الصفة: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ [الجمعة:6]، والهود في لغة العرب معناه: التوبة، والرجوع، وأنشد الزمخشري لبعضهم قوله:

    يا راكب الذنب هد هد واسجد كأنك هدهد

    أي: يا صاحب الذنب هد هد. بمعنى: تب تب، واسجد كأنك هدهد. والهدهد: هو الطائر المعروف، وقد اختاره من بين الطير؛ لأنه هو الذي أنكر على أهل سبأ فقال: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل:23-24]، ثم قال مستنكراً متعجباً: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل:25-26].

    المحرمات التي حرمها الله على أمة اليهود

    ربنا سبحانه يقول: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا [الأنعام:146]، والتحريم هو: المنع كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146]، أي: حرمنا عليهم كل دابة ذات ظفر. مثاله: الإبل، والنعام، والأوز، والبط، فهذه كلها ذوات ظفر، سواء كانت من البهائم التي تمشي على أربع، أو كانت من الطيور التي تمشي على ثنتين، فإن الله حرم على أمة اليهود كل ذي ظفر.

    قال: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا [الأنعام:146]، والإبل محرمة بلحمها وشحمها، وقد مضى معنا هذا في سورة آل عمران، في قول ربنا جل جلاله: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران:93] فإن إسرائيل عليه السلام مرض المرض المعروف بعرق النسا، فنذر لله تعالى إن شفاه أن يحرم أحب الطعام إليه، وأحب الشراب، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه لبنها، فلما شفاه الله حرم على نفسه لحم الإبل، ولبنها. هذا الذي ذكره الله في هذه الآية.

    ولذلك سيد اليهود المسلمين أبو يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما أسلم امتنع من أكل لحم الإبل تأثراً بيهوديته السابقة، فأنزل الله عز وجل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208]. أي: يا عبد الله بن سلام خذ شرائع الإسلام كلها ودع اليهودية وراءك ظهرياً ولا تلتفت إليها ولا تأبه بها، فإن شريعة الإسلام ناسخة لما سواها.

    قال الله عز وجل: حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146] أي: على هؤلاء اليهود، ومن ذوات الظفر الإبل، فهي محرمة عليهم بلحمها وشحمها ولبنها.

    ثم قال سبحانه: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا [الأنعام:146]، أي: كان لحم البقر والغنم حلالاً لليهود، وإنما كان المحرم عليهم شحومهما.

    والشحوم المحرمة: الثروب جمع ثرب، وهو: الغشاء أو الغطاء الرقيق الذي يغطي كرش البقر، أو كرش الغنم .. وكذلك الذي يغطي الكليتين.

    الشحوم التي أحلها الله لليهود

    وما عدا ذلك من الشحم حلال لهم، كما بين ربنا في هذه الآية حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام:146]، ولو أخرجنا ما حملت الظهور، وما كان في الحوايا، وما اختلط بعظم، لم يبق إلا هذا الغشاء الذي يكون على الكرش، والشحم الذي يكون على الكليتين.

    إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أي: إلا ما كان على ظهر البقر أو الغنم فهو حلال لهم أوِ الْحَوَايَا جمع حوية، والمقصود: ما كان محيطاً بالمباعر وهو محل خروج البعر والفضلات من البقر، أو الغنم.. فالشحم الذي يكون في ذلك المكان المدور فإنه حلال لهم.

    والثالث: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ، فيدخل في ذلك شحم العينين، وشحم الأذنين، وشحم الذنب، وهو: ذلك العظم السمين الذي يسمى بالإلية، والناس في هذه البلاد يقولون عنه: الضنبية. فهذا أيضاً لهم حلال.

    سبب تحريم بعض الطيبات على اليهود

    ثم بين ربنا جل جلاله العلة بقوله: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146]، الله أكبر، فالله عز وجل حرم عليهم هذه الأشياء جزاءً لهم على بغيهم، وقد بين ربنا جل جلاله هذا البغي في سورة النساء, فقال سبحانه: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:160-161]، وقبل ذلك قال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء:156-157]، فهذه جرائم مركبة فيها الكفر بالله، وفيها افتراء الكذب، وفيها ظلم الناس، وفيها أكل الربا؛ لأنهم ظالمون، مرابون، باغون، كفروا بالله عز وجل، قالوا على مريم بهتاناً عظيماً حين نسبوا إليها الزنا، وقالوا لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28]، وكذلك قالوا عن المسيح عليه السلام مفاخرين مباغين: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [النساء:157] يفتخرون بهذا الذنب العظيم الذي ينبغي أن يستحيا منه. وبين ربنا جل جلاله أنهم ما قتلوه وما صلبوه.

    رفع الله لعيسى إلى السماء وإنزاله في آخر الزمان

    وقد مضى معنا أن الأحاديث قد تواترت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن المسيح حي في السماء الثانية، وأنه ينزل قبل قيام الساعة حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويتبرأ مما استحلته النصارى، وأنه يقوم بمهمة عظيمة حيث إنه سيقتل الدجال الذي يزعم أنه رب العالمين، وسيدركه عند باب اللد في فلسطين فيرميه بحربته، ويري المسلمين دمه.

    ولو أن طالب علم قال: فماذا أنتم قائلون في قول الله عز وجل: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55]؟ وماذا أنتم قائلون في قوله تعالى : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة:117]؟

    وقد دلت هاتان الآيتان على أن المسيح قد مات كما يموت سائر الناس.

    فإننا نقول له: الاستدلال بآية المائدة لا يصدر إلا عن جاهل؛ لأن قول المسيح عليه السلام: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة:117]. سيكون يوم القيامة، ولا خلاف بين أهل الإسلام قاطبة في أن المسيح عليه السلام سيموت قبل يوم القيامة؛ لأن الله عز وجل قال: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء:34]، وقال سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35]، فـالمسيح عليه السلام سيموت.

    المقصود بقوله: (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي)

    بقي الإشكال في آية آل عمران: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55]، وقد أجاب أهل العلم عن ذلك من وجوه:

    الوجه الأول: أن الوفاة هاهنا بمعنى النوم، وقد دل القرآن على أن الوفاة تطلق على النوم في موضعين:

    الموضع الأول: في هذه السورة المباركة -سورة الأنعام- قال الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام:60] يتوفاكم بالليل، أي: ينيمكم.

    الموضع الثاني: في سورة الزمر: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، فمعنى (إني متوفيك)، أي: ملق عليك النوم، ورافعك إلي.

    الوجه الثاني: أن الوفاة بمعنى الضم والقبض، كما تقول العرب: توفيت ديني من فلان، وإما أن تكون هذه التوفية ضم الروح والجسد، وإما أن تكون ضم الروح فقط، وقد دلت النصوص المتواترة على أن الله عز وجل قبض عيسى إليه روحاً وجسداً، دون أن تفارق روحه جسده صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم الوجه الثالث: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، وتقدير الكلام: يا عيسى! إني رافعك إلي ومتوفيك. أي: بعد نزولك من السماء، فإنه سينزل عليه السلام ويمكث في الأرض أربعين سنة يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وتكون سنوات خير وبركة ونماء وسلم، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تنبت الأرض نباتها من عهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع الفئام من الناس على الرمانة فتشبعهم، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتنتزع حمة كل ذات حمة، حتى تضع الوليدة يدها في فم الحية فلا تضرها، ويضرب الوليد الأسد فلا يضره، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله ) ولا يقبل إلا الإسلام عليه الصلاة والسلام, لا يقبل من أحد جزية، وهو عليه السلام لن ينزل بوصفه نبياً مرسلاً، لكن سينزل بوصفه إماماً عادلاً، يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك أول ما ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق سيكون المسلمون قد أقاموا الصلاة، وتقدم إمامهم ليصلي بهم، فإذا رأى المسيح وعرفه بصفته يتأخر، فيدفعه المسيح بين كتفيه، ويقول له: تقدم إمامكم منكم، تكرمة الله لهذه الأمة، دلالة على أنه نزل تابعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم ويصلي خلف رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك أقول: إن معنى الآية: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55]، إما أن تكون الوفاة بمعنى: النوم، وإما أن تكون الوفاة بمعنى: الضم، ضمه الله إليه إلى حين، وإما أن يكون في الآية تقديم وتأخير، كما في قول القائل:

    ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام

    المعنى: عليك السلام ورحمة الله، لكنه قال: عليك ورحمة الله السلام، فهاهنا تقديم وتأخير.

    والله عز وجل بين أن هذه المحرمات كانت جزاءً على بغي اليهود.

    تعظيم الله لنفسه العظيمة المجيدة

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ...)

    ثم قال سبحانه وتعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام:147].

    ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ ) قيل: المراد اليهود، أي: لو أنهم كذبوك يا محمد! وزعموا أن الله عز وجل ما حرم عليهم هذه الأشياء جزاءً على بغيهم.

    وقيل المراد: مشركو مكة الذين افتروا على الله الكذب، فحرموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا [الأنعام:139]، وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ [الأنعام:138]، فإن كذبك هؤلاء فلا تكثر من جدالهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.

    رحمة الله بالمشركين في الدنيا

    وقل لهم: رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام:147]، ومن رحمته جل جلاله أنكم تفترون عليه الكذب، وتحرمون ما أحل، وتحلون ما حرم، وتصدون عن سبيله، ومع ذلك هو جل جلاله يمهلكم، مع أنه قادر على أخذكم، يطعمكم، ويسقيكم، ويصح أبدانكم، ويدر أرزاقكم، ويرغد عيشكم، فهذا من رحمته جل جلاله، فمن رحمته: أنه يمهل الكافر لعله يتوب، لعله يرجع، لعله ينيب، ورحمته وسعت كل شيء؛ ولذلك هو رحمن، لكنه في الآخرة رحيم، قال الله عزو جل: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، فيوم القيامة رحمته للمؤمنين فقط، أما في الدنيا فرحمته شاملة جل جلاله، لكن هناك كما قال سبحانه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ [الأعراف:156-157] صلى الله عليه وسلم، فليست رحمته تسع الكفار والمشركين والمنافقين النفاق الأكبر، بل هؤلاء محرومون من رحمة الله في الآخرة.

    تهديد الله للمشركين إن لم يتوبوا من إجرامهم

    ثم تهددهم وخوفهم، وقل لهم: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ[الأنعام:147] ومعنى بأسه أي: نكاله وعذابه.

    فيا من كفرتم! ويامن أشركتم! انظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم؟! ما ذا صنع الله بعاد وثمود وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وقوم فرعون؟!

    قال الله عز وجل: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت:40] فاحذروا أن يكون حالكم ومصيركم كمصير أولئك.

    قال: (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ) فإنه لا يرد عذاب الله ونكاله (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

    والمجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل من الإجرام، وأعظم الخلق إجراماً: من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ [يونس:17].

    التنبيه على الجميع بين الترغيب والترهيب في المواعظ

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ...)

    ثم قال سبحانه: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148]، وفي قراءة: (كَذَلِكَ كَذَبَ) حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام:148].

    إخبار القرآن بأن المشركين سيحتجون على ما هم عليه بالقدر

    وهذه الآية معجزة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل أخبره ونبأه عن أمر يكون في المستقبل، فقال له: سَيَقُولُ ، ما قال: وبعد، والسين- كما لا يخفى- للاستقبال، وهي حرف تسويف وتنفيس سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام:148] وقد قالوا، ودل على ذلك قول ربنا جل جلاله في سورة النحل: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:35].

    قال: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام:148] أي: سيجادلونك يا محمد، وسيقولون لك: نعم نحن مشركون، نعبد الأصنام، وندعوهم من دون الله، ونطوف بهم، ونتمسح بعتباتهم، ونذبح عندهم، ونهل بأسمائهم، ونحن مفترون على الله كذباً حين نقول: هذا حلال وهذا حرام، لكن يا محمد! لو شاء الله ما أشركنا، مثلما ذكر الله جل جلاله بأنهم إذا أمروا بأن ينفقوا وأن يطعموا الجائع وأن يتصدقوا على المحتاج فإنهم يجيبون بقولهم: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47] أي: أنتم لا تفهمون، هذا الجائع, وهذا العاري، لو شاء الله لأطعمه، ولو شاء الله لكساه، لكن الله قدر ألا يطعمه ولا يكسوه، فنحن لا نعارض حكم الله. فهذا منطق المشركين.

    لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] (آباؤنا) معطوفة على الضمير في قولهم: (أشركنا)، فيكون المعنى: لو شاء الله ما أشركنا، ولا أشرك آباؤنا، والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بـ(لا) معروف في كلام العرب، ومنه قول القائل:

    ما كان يرضى رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر

    المعنى: والأطيبان: أبو بكر و عمر.

    لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148] أي: لو شاء الله ما عبدنا الأصنام، ولو شاء الله ما حرمنا هذه الأشياء: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، وغيرها من الافتراءات.

    قال الله عز وجل جواباً على هذه الحجة وهذه السفسطة: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام:148]، فكذلك كذب الذين من قبلهم، وكذلك كذب الذين من بعدهم.

    والآن يوجد ضلال جبرية من المسلمين تقول للواحد منهم: اتق الله ولا تفعل كذا، اتق الله ولا تترك الصلاة، لم لا تصلي؟ فيقول لك: الأمر ليس بيدي ولا بيدك، الأمر بيد الله، نحن كريشة في مهب الريح، لو شاء الله لصلينا، ولو شاء الله لما شربنا، ولو شاء الله ما فحشنا، كما قال ربنا عن المشركين: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:28]، فهذا قضاؤه، وهذا حكمه.

    وقد ذكرت سابقاً أن لصاً خبيثاً لما جيء به إلى سيدنا عمر وأمر بقطع يده، قال لــعمر : يا أمير المؤمنين! لم تقطع يدي وقد كتب الله علي أن أسرق؟ أي: هذا شيء مكتوب. فقال عمر رضي الله عنه -وهو الملهم المحدث- قال له: كتب الله عليك أن تسرق، وكتب علي أن أقطع يدك. هذه بتلك.

    أقسام مشيئة الله سبحانه

    ولذلك نقول: ينبغي أن يعلم الناس أن كل شيء واقع في الكون هو بمشيئة الله، وأن قول المشركين: لو شاء الله ما أشركنا، كلمة حق أريد بها باطل، فنعم كل شيء بمشيئة الله، كما قال سبحانه: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [الأنعام:35] .

    وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118].

    وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:13].

    فكل شيء بمشيئة الله، لكن العاقل يفرق بين مشيئة الله الكونية القدرية وبين مشيئة الله الشرعية الدينية، فما شاء الله كوناً وقدراً لا بد أن يقع أحبه الله أو لم يحبه، يقع في الكون ما يحبه الله وما لا يحبه، لكن كله بمشيئته، كما قال سبحانه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30]، وقال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

    أما المشيئة الدينية الشرعية فإنها متعلقة بمحبة الله، قد تقع وقد لا تقع، قال الله عز وجل: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ[الزمر:7]، فهو لا يرضى الكفر جل جلاله، لكنه يقع؛ ولذلك لا يحتج بالقدر إلا مفلس، وقد ضل في هذا الباب المعتزلة الأخباث، الذين قالوا: بأن الشر الذي يقع في الكون يقع بغير مشيئة الله، بناءً على قاعدة وضيعة قعدوها، قالوا: بأن الله تعالى يجب عليه فعل الأصلح.

    ولذلك نقول: لا يقع في الكون أمر إلا بمشيئة الله عز وجل، لكن المؤمن لا يحتج بالقدر على فعل المعاصي، والكفر بالله، والصد عن سبيل الله، ولا يحتج بالقدر فيما يصيبه من المصائب، وفيما ينزل به من الكوارث، بل يقول: هذا أراده الله لحكمة يعلمها، وكل ما يأتي الله به فهو خير، فلعل الله أراد أن يكفر ذنوبي، ولعل الله أراد أن يمحو سيئاتي، ولعل الله أراد أن يرفع درجاتي.

    ولذلك في حادثة الإفك قال الله عز وجل: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]؛ لأنه واقع بقضائه وقدره جل جلاله.

    فائدة حول دخول (من) في قوله: (هل عندكم من علم فتخرجوه لنا)

    ثم قال سبحانه: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام:148] أي: حتى ذاقوا عقوبتنا ونكالنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] أي: يا مشركون! يا من تحتجون بالقدر! هل علمتم هذا القدر؟ هل اطلعتم على اللوح المحفوظ؟ هل عندكم من علم؟!

    ولم يقل سبحانه: هل عندكم علم؟ وإنما قال: هل عندكم من علم؟

    ودخول (من) على النكرة ينقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم.

    فكلمة علم نكرة، ودخول (من) على النكرة ينقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم.

    وقد تدخل على اسم الفاعل.. واسم المفعول.. وعلى المصدر، مثال ذلك: قال الله عز وجل: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص:46]، المعنى: لتنذر قوماً ما أتاهم نذير، فدخلت (من) على الفاعل هاهنا؛ لتفيد أن هؤلاء القوم ما أتاهم نذير قط.

    ومن دخولها على المبتدأ: قول الله عز وجل: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [ص:65]، المعنى: وما إله إلا الله الواحد القهار، لكن الله عز وجل يريد أن يعمم: لا إله معبود بحق إلا الله الواحد القهار.

    وقوله: فَتُخْرِجُوهُ لَنَا أي: فتظهروه لنا.

    المقصود بالظن في قوله: (إن تتبعون إلا الظن)

    ثم قال سبحانه: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام:148] الظن هاهنا بمعنى: الشك والتخرصات الكاذبة.

    وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام:148] تخرصون: تمارسون الخرص وهو: الكذب، كما قال سبحانه: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات:10] أي: الكذابون، فليس عندهم إلا الكذب، والافتراء على الله عز وجل.

    الرد على من زعم بطلان الاجتهاد بحجة أنه ظن والظن مذموم

    وقول ربنا سبحانه: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام:148] استدل بها الإمام أبو محمد بن حزم على بطلان الاجتهاد؛ لأن التعويل فقط يكون على النصوص، قال: ولأن الاجتهاد ظن، وقد ذم الله الظن في كتابه في هذه الآية، فقال: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام:148]، وفي سورة النجم قال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23]. لكن كلامه غير مسلم به، فالظن المذموم هو ما كان قائماً على مجرد التخمين، والحدس، والشك والكذب، والافتراء، أما الظن المبني على اجتهاد، والمبني على شهادة عدول فإنه ليس مذموماً.

    أضرب لكم مثلاً: الآن فلان من الناس نقول عنه: هو ابن فلان، ونقول: عماته فلانة وفلانة، وأعمامه فلان وفلان، هل نقول هذا بناءً على يقين؟ لا والله يعني: هل تجزم بأن هذا الإنسان من نطفة ذلك الرجل الذي ينتسب إليه؟ وهل رأيت بعينك؟ أو جاء ملك فأخبرك؟ لا، وإنما استفاض بين الناس بأن فلانة أم هذا الولد متزوجة من فلان، وغالباً أن هذا الولد من فلان، هذا مجرد ظن، لكننا نحكم بهذا الظن، فإذا مات فلان الأب، ورثنا منه فلاناً.

    طيب مثال أوضح من هذا: جاء شاهدان عدلان يصليان الخمس في المسجد، ولحاهما تملأ صدورهما، فشهدا بأن فلاناً قتل فلاناً، وأنا القاضي، فحكمت على هذا الذي شهد عليه بالقصاص هل عندي يقين بأن هذين المصليين الملتحيين صادقان، أو هو مجرد ظن؟ الجواب: ظن، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم يحكم بالظن، قال عليه الصلاة والسلام:( إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار )، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما أنا بشر أقضي بحسب البينات وبحسب الحجج.

    ما يستفاد من الآية

    وقول ربنا جل جلاله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ... [الأنعام:148]، يستفاد منه فوائد:

    1- أن هذا القرآن من عند الله عز وجل، ودليل كونه من عند الله: أنه أخبر بشيء يكون في المستقبل، وما استطاع المشركون التخلص منه؛ لأنه لو كان القرآن من عند غير الله لما قال المشركون تلك المقالة من أجل أن يثبتوا على النبي صلى الله عليه وسلم الكذب، لكنهم قالوا ما أخبر الله عز وجل أنهم سيقولونه.

    2- بطلان الاحتجاج بالقدر على الشرك والمعاصي، فلا ينبغي لعاقل أن يحتج بالقدر على الشرك والمعاصي.

    3- ذم من يحتج بالقدر على ما يقع فيه من الشرك والمعاصي.

    4- أن كل من يحتج بالقدر على الشرك والمعاصي فهو متبع سنن الكفار الذين كانوا من قبل، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148].

    5- أن سنة الله عز وجل جارية في إنزال بأسه ونكاله في كل من احتج بالقدر على شركه أو معصيته ولم يتب إلى الله عز وجل من ذلك.

    6- ذم الاعتماد على الظن، بمعنى التخمين والحدس الذي لا يقوم على دليل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)

    ثم قال الله عز وجل: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام:149] أي: قل لهؤلاء المشركين: لله جل جلاله الحجة البالغة.

    قال أهل التفسير: الحجة البالغة: هي التي تقطع كلام الخصم، فلا يستطيع أن يرد عليها ولا أن يجيب عنها.

    قال: فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] وفيه إثبات للمشيئة الكونية القدرية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ...)

    قال الله: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا [الأنعام:150]، هلم: اسم فعل على لغة أهل الحجاز، بمعنى: أحضروا وقربوا، والمعنى: أحضروا شهداءكم. والشهداء: جمع شاهد وشهيد. وهو الذي يخبر بحق للغير على الغير.

    فالشهادة: إخبار بحق للغير على الغير.

    والإقرار: إخبار بحق للغير على النفس.

    قُلْ هَلُمَّ [الأنعام:150] أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المفترين: أحضروا شهداءكم وقربوهم، الذين يشهدون أن الله حرم هذا، فليشهدوا أن الله حرم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وحرم ما في بطون هذه الأنعام على الإناث إلا إذا كانت ميتة.

    ولو فرض أنهم أحضروا فهم كذابون مفترون يشهدون شهادة الزور، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام:150] أي: هؤلاء الذين يشهدون الزور لا تشهد معهم.

    تعريف الهوى وسبب تسميته

    قال الله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام:150]، والأهواء: جمع هوى. وهو: ما تهواه النفس وتميل إليه.

    قال أهل التفسير: وسمي الهوى هوىً؛ لأنه يهوي بصاحبه في دركات جهنم.

    المقصود بتحذير النبي من اتباع أهواء المكذبين

    والسؤال: هل يتصور في حق النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء الذين كفروا؟ لا يتصور.

    فلم ينهاه الله عز وجل: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام:150]؟

    والجواب: أن هذا جار على كلام العرب حين يقولون: إياك أعني واسمعي يا جارة، فالله عز وجل يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، والدليل على ذلك من القرآن أن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، ثم قال سبحانه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ [الإسراء:23] والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا [الإسراء:23].

    وحين نزلت هذه الآية لم يكن أحد من أبويه حياً، لقد مات أبوه وهو في بطن أمه، وماتت أمه بالأبواء في طريق عودتها من المدينة، بعد زيارة أخواله من بني النجار، وكان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ست سنين، فالله عز وجل يخاطبه بهذه الآية إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ ، والمراد أمته عليه الصلاة والسلام، جريا ً على عادة العرب حين يقولون: إياك أعني واسمعي يا جارة.

    قصة مَثَل (إياك أعني واسمعي يا جارة)

    وقد مضى معنا أن هذا المثل قاله رجل من فزارة نزل على رجل من طيء ولم يجد ذلك الرجل فأكرمته أخته، وأحسنت وفادته، وكانت ذات جمال وملاحة، وخلق كريم، فهويها الرجل، ووقعت في قلبه فخاطب واحدة من الخدم، يعني: إحدى الجواري، فقال:

    يا أخت خير البدو والحضارة هل لك في أخي بني فزارة

    أصبح يهوى حرة معطارة إياك أعني واسمعي يا جارة

    يعني أنا لا أقصدك أنت يا جارية، وإنما أقصد الثانية، فالثانية فهمت، فقالت له:

    إني أقول يا فتى فزارة لا أبتغي الزوج ولا الدعارة

    ولا فراق أهل هذي الحارة فارحل إلى أهلك باستخارة

    فسار مثلاً في العرب ولا زال إلى الآن معروفاً، فالإنسان أحياناً قد يتكلم كلاماً يوجهه إلى شخص، وهو يريد غيره.

    مساواة الكفار لله بالأصنام

    فالله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الأنعام:150] أي: من كفر بالآخرة، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:150] أي: يساوون به غيره وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165].

    وبِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعدلونه حين يقولون: هذا لله وهذا لشركائنا، فكانوا يساوون شركاءهم بالله عز وجل.

    وسنبدأ في شرح الوصايا العشر في هذا السورة المباركة في الدرس القادم إن شاء الله.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار!

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.