إسلام ويب

أسماء الله الحسنى - القاهر والقهارللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو القاهر والقهار، خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء في السموات والأرض لعظمته وجبروته وقوته؛ ولذلك يشعر المؤمن بعظمة ربه القهار، ويخاف منه، ويتعلق به وحده ويتوكل عليه.

    1.   

    ورود اسم الله: (القاهر والقهار) في القرآن الكريم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد, وعلى جميع المرسلين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين!

    من أسماء ربنا جل جلاله: (القاهر والقهار), فاسمه جل جلاله (القاهر) ورد في القرآن مرتين كلاهما في سورة الأنعام: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ[الأنعام:18]، وقال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً[الأنعام:61].

    وأما اسمه (القهار) جل جلاله فقد ورد في القرآن ست مرات، كما في قوله سبحانه: قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[الرعد:16], وقوله سبحانه: لِمَنِ المُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[غافر:16].

    1.   

    آثار الإيمان باسم الله: (القاهر والقهار)

    إذا كنا نؤمن بهذين الاسمين المباركين: (القاهر والقهار) فلهذا الإيمان آثار:

    أولاً: يجب أن تؤمن أن القهار على حقيقته هو الله وحده لا شريك له؛ ولذلك دائماً يقرن اسمه القهار باسمه الواحد، قال تعالى: قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[الرعد:16].

    ويقول يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[يوسف:39]، وقال الله تعالى: لِمَنِ المُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ[غافر:16].

    ولك أن تتأمل صورة من صور قهره جل جلاله لجميع خلقه، فالواحد منهم مهما طغى وبغى وتكبر وتجبر وعلا في الأرض وأظهر الفساد, لكنه عند الموت تجده مسلوب الإرادة, خائر القوى, لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً, قد أحاطت به زبانيته, وحلقت حوله حاشيته, وقرابته وأهلوه لكنهم لا يغنون عنه من الله شيئاً.

    ولك أن تتأمل قول الله عز وجل: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ[الواقعة:83-84], أيها الجالسون والقائمون حول سرير هذا المحتضر: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ[الواقعة:84-85], أي: الملائكة قد أحاطوا بهذا الجبار المتكبر الذي علا في الأرض وأظهر الفساد, وحاشيته وزبانيته وأهله وقرابته لا يرونهم: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[الواقعة:84-87]. أي: لو كنتم مستطيعين فأرجعوا هذه الروح إلى مكانها, هذه الجثة الهامدة التي ترى ما لا ترون, وتسمع ما لا تسمعون إن استطعتم أقيموها من رقدتها.

    ومن مظاهر قهره جل جلاله: أنه قهر عباده بالمصائب والأمراض التي لا يستطيعون لها دفعاً, وربما تجد الغني القوي القادر الذي يملك ما يملك, يصيبه الله عز وجل بمرض لا يملك معه لنفسه شيئاً, يشرق ويغرب ويذهب ويجيء ويؤتى له بأمهر الأطباء، ثم بعد ذلك لا يستطيعون أن يقدموا له شيئاً؛ لأنه مقهور, قال الله عز وجل: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[يونس:107].

    ومن مظاهر قهره: أنه سخر الحيوان الجسيم الكبير لهذا الإنسان المخلوق الضعيف, فتجد الطفل الصغير النحيف الضئيل يقود بعيراً ضخماً فخماً كبيراً عظيماً.

    بل سخر هذه المخلوقات من المواشي والدواب والأنعام ليركبها الإنسان وإن شاء أكلها، قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ[يس:71-73].

    قال بعض أهل العلم: القهار الذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين, وبادت عن سطوته قوى الخلائق أجمعين, ولك أن تتأمل في القرآن, كيف أخذ ربنا أولئك الجبابرة أخذ عزيز مقتدر؟ ماذا فعل بفرعون وبـهامان وبـقارون وبـالنمرود بن كنعان ؟ وماذا فعل الله عز وجل بعاد الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ وماذا فعل بثمود حتى أصبح كل منهم قصة تروى ورواية تحكى؟

    ثانياً: التعلق به وحده جل جلاله, والتوكل عليه سبحانه, وقطع العلائق بالأسباب, إذ حقيقة التوكل: أن يبذل الإنسان الأسباب, لكنه يعتقد يقيناً أن الله عز وجل فعال لما يريد, وأنك ربما تبذل الأسباب كلها, ثم بعد ذلك لا يكون إلا ما يريده الله عز وجل على عكس ما تريد.

    ثالثاً: تعظيم الله عز وجل, والخوف منه, فإذا أيقنت بأن الله قهار فيجب عليك أن تعظمه وأن تخاف منه, وأن يسقط من قلبك الخوف من المخلوقين الضعاف المقهورين المغلوبين.

    رابعاً: شعور العبد بضعفه وذلته أمام الله القوي الجبار المتكبر القهار, مما يكون له الأثر في أن تتواضع لربك, وأن تستكين لمولاك, وأن تستسلم لإرادته جل جلاله, حيث تتمنى الشيء ويريد الله عز وجل خلافه, لكن اعلم أن الخير فيما أراده الله عز وجل.

    1.   

    معنى اسم الله: (القاهر والقهار)

    القهر في لغة العرب: الغلبة والأخذ من فوق, يقال: قهر فلان فلاناً إذا غلبه, ويطلق القهر كذلك على الرياضة والتذليل, يقول راض أو قهر فلان ناقته, أي: روضها وذللها.

    ومعنى هذا الاسم في حق الله عز وجل (القاهر والقهار) ما يأتي:

    أولاً: القهار أبلغ من القاهر؛ لأنه صيغة مبالغة من القهر.

    ثانياً: يقول ابن جرير الطبري رحمه الله: القاهر: المذلل المتعبد خلقه العالي عليهم, ذلل خلقه لإرادته جل جلاله, وعبدهم إياه, كما قال سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[آل عمران:83].

    وقال ابن كثير رحمه الله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ[الأنعام:18], أي: هو الذي خضعت له الرقاب, وذلت له الجبابرة, وعنت له الوجوه, وقهر كل شيء ودانت له الخلائق, وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعلوه وقدرته على الأشياء, فهو سبحانه قاهر الجبابرة من عتاة خلقه, بما أنزل بهم من مثلات وعقوبات, وقهر العباد كلهم بالموت.

    1.   

    الفرق بين وصف الله بالقهار ووصف أحد من المخلوقين بذلك

    أخيراً كما قيل في صفة المتكبر وصفة الجبار يقال في صفة القهار, لأن هذه الصفات ذم في حق المخلوقين, فإذا قيل: فلان متكبر فإن هذا ذم، وكذلك لو قيل: جبار، أو قيل: قهار, أما في حق الله عز وجل فهي صفة مدح, فالقهار والقاهر صفة ذم في المخلوقين لقيامها غالباً على الظلم والطغيان والتسلط على الضعفاء والفقراء, كما قال فرعون الذي حكى الله عنه في هذه الآيات: سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ[الأعراف:127], فهذا كلام فرعون ، وقد قال الله عز وجل: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ[الضحى:9].

    ولذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن هذه الصفة, حتى لما جاء معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وقد كان لا يعرف أحكام الصلاة, حيث (تكلم في أثناء الصلاة, فزجره الصحابة ورمقوه بأبصارهم, والرجل خاف وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم سيأمر به بعد الصلاة فيضرب أو يجلد, قال: فدعاني بأبي هو وأمي, والله ما رأيت قبله ولا بعده معلماً أحسن منه! والله ما نهرني ولا كهرني -أي: قهرني-، يقال: كهر وقهر, ما نهرني ولا كهرني ولا شتمني ولا ضربني, ولكن قال لي: يا أخا العرب! إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس).

    هكذا كانت صفته صلوات ربي وسلامه عليه.

    أسأل الله أن يرزقنا الاقتداء به! وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.