إسلام ويب

أسماء الله الحسنى - الحكم والحاكم والحكيمللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أسماء الله الحسنى (الحكم والحكيم والحاكم) وكلها واردة في القرآن الكريم ومعناها القاضي أو الذي يحكم الأشياء ويتقنها الذي لا يحوز على أحد ولا يظلم عنده أحد، والإيمان بهذه الأسماء الثلاثة يورث للعبد المسلم أن يحكم الله في كل شيء من حياته، واسم الله الحكم يتضمن جميع أسماء الله الحسنى وجميع صفاته العلى، ولا يجوز التكني بأبي الحكم كما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب الاستسلام لأحكام الله القدرية والشرعية.

    1.   

    ورود أسماء الله: (الحكم والحكيم والحاكم) في القرآن الكريم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    من أسماء الله الحسنى: الثالث والثلاثون والرابع والثلاثون والخامس والثلاثون: الحكم والحاكم والحكيم.

    وهذه الأسماء الثلاثة واردة في كتاب ربنا جل جلاله:

    أما اسمه الحكم فلم يرد إلا مرة واحدة في سورة الأنعام: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا[الأنعام:114].

    وأما الحاكم فقد ورد بصيغة الجمع في خمس آيات؛ كما في قول الله عز وجل: أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ[التين:8] .

    وقوله: فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ[الأعراف:87].

    وأما اسمه الحكيم جل جلاله فقد ورد في القرآن في خمسة وتسعين موضعاً؛ كما في قوله تعالى: وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[البقرة:228].

    وقوله: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ[الأنعام:18] .

    وقوله: وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ[النور:10] .

    وقوله: إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ[الشورى:51] .

    وقوله: وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا[النساء:130].

    1.   

    آثار الإيمان بأسماء الله: (الحكم والحكيم والحاكم)

    الإيمان بهذه الثلاثة الأسماء له آثار، منها:

    أولاً: أن الحكم لله وحده, لا شريك له في حكمه؛ ولذلك قرن الله عز وجل في سورة الأنعام بين الأمور الثلاثة, فقال سبحانه: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا[الأنعام:164], وقال: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا[الأنعام:14], وقال: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا[الأنعام:114]. فكما أنك لا تتخذ رباً إلا الله جل جلاله, ولا تتخذ ولياً إلا الله جل جلاله, فكذلك لا ينبغي أن تتخذ حكماً إلا الله, فهو الذي يحكم, فالحلال ما أحل, والحرام ما حرم, والدين ما شرع، قال سبحانه: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا[الكهف:26], وفي قراءة ابن عامر : (وَلا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا), وقال سبحانه: أَمْ لَهمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ[الشورى:21]، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ[الأنعام:57].

    ثانياً: يقول ابن الحصار رحمه الله: وهذا الاسم الحكم قد تضمن جميع الصفات العلى والأسماء الحسنى.

    فاسمه الحكم تضمن جميع الصفات العلى والأسماء الحسنى, إذ لا يكون حكماً إلا سميعاً بصيراً متكلماً مريداً عالماً خبيراً.. إلى غير ذلك من الأسماء.

    ثالثاً: يقول الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: وقد بين ربنا في آيات عديدة صفات من يستحق الحكم, فقال سبحانه: فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ[غافر:12-13].

    ثم يطرح رحمه الله هذا السؤال يقول: هل في الكفرة الفجرة المشرعين للقوانين الوضعية من يستحق أن يوصف بأنه العلي الكبير؟ فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ[غافر:12].

    وهل يستحق أن يكون فيهم من يوصف بأن يقال له: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ[فاطر:13]؟

    وهل في الآية الأخرى في قول الله عز وجل: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ[الأنعام:57]. هل في أولئك الكفرة الفجرة الذين يحللون ويحرمون من يستحق أن يوصف بأنه أسرع الحاسبين, وأنه يقص الحق؟

    وقل مثل ذلك في آيات كثيرة بين فيها ربنا جل جلاله صفات من يستحق أن يكون له الحكم, فيحلل ويحرم ويبيح ويحذر.

    فالله سبحانه وتعالى يحكم ما يريد, وما يشاء، هو وحده لا شريك له, وليس لأحد من خلقه أن يراجع الله في حكمه كما يراجع الناس بعضهم بعضاً, فالناس يراجعون بعضهم بعضاً, حتى لو لجأت إلى القضاء, فبعدما يقضي القاضي يمكنك أن تستأنف, وبعد الاستئناف يمكنك تلجأ إلى المحكمة العليا, وهكذا تتدرج, ولعل بعض هذه الدرجات من التقاضي ينقض ما كان تحته، أما الله جل جلاله فإنه قال: وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[الرعد:41], ثم كونه حاكماً وحكماً وحكيماً, يقتضي أن يكون كلامه محكماً في نظمه وأسلوبه, كلامه محكم في تشريعاته, كلامه محكم في كل ما يحيط به: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[هود:1]. الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ[يونس:1].

    رابعاً: لو آمنت أيها المسلم! بأن الله عز وجل حكم, وأنه حاكم, وأنه حكيم, فواجب عليك أن تحكمه في شأنك كله, إذ لا يوجد كتاب ككتابه, ولا شرع كشرعه، قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[المائدة:50].

    ولذلك أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم هذا الكتاب فقال: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا[النساء:105].

    ومن حكمته جل جلاله أنه تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا[البقرة:269].

    قال المفسرون: الحكمة هي الإصابة في القول والفعل.

    وقيل: هي الفقه في القرآن والفهم فيه.

    وقال بعضهم: هي الفهم والعقل في الدين والاتباع له.

    وقيل: بل الحكمة هي النبوة.

    ووصف الحكمة يصدق على جميع ما قيل.

    خامساً: ثم من آثار الإيمان باسمه الحكم: أنه لا يجوز التكني بهذا الاسم, ونحن نعرف بأن الذي تكنى بهذا الاسم هو عدو الله أبو جهل , فقد كان يكنى بـأبي الحكم فكناه النبي صلى الله عليه وسلم بــأبي جهل .

    ولما قدم بعض الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم رجلاً يقال له: هانئ بن يزيد ويكنى أبا الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لم تكنى بــأبي الحكم؟ قال: يا رسول الله! إن قومي إذا اختلفوا تحاكموا إلي, فأقضي بينهم حتى يرضى الفريقان. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا! ألك ولد؟ قال: نعم قال: من أكبرهم؟ قال: شريح قال: فأنت أبو شريح). فلا يجوز التكني بأبي الحكم.

    سادساً: ومن آثار الإيمان بهذه الأسماء الثلاثة: محبة الله وتعظيمه والخوف منه, وسؤاله الحكمة, مع بذل الأسباب في تحصيلها بالعلم النافع والعمل الصالح.

    1.   

    الاستسلام لله في أحكامه الكونية والشرعية والجزائية

    أخيراً: أيها المسلم! إذا سرك أن تلقى الله تعالى غداً مسلماً فلا بد أن تستسلم لله في أحكامه كلها, سواء الأحكام الشرعية الدينية, أو الأحكام الكونية القدرية, أو الأحكام الجزائية.

    أما الأحكام الشرعية الدينية، فقوله: هذا حلال وهذا حرام, تستسلم لله عز وجل, فإذا سمعت الله في القرآن يقول: اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا[البقرة:278], أو سمعت الله عز وجل يقول: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ[آل عمران:102], أو سمعت الله عز وجل يقول: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ[المائدة:1], فعليك أن تستسلم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[الأحزاب:36].

    وكذلك تستسلم لله في حكمه الكوني القدري, فإذا قدر الله عز وجل عليك مرضاً, أو قدر عليك ذهاب مال, أو قدر عليك غنىً أو فقراً, طولاً أو قصراً, أو قدر الله عليك بياضاً أو سواداً أو غير ذلك مما هو من صنعه وحكمته جل جلاله, فاستسلم لله سبحانه, ولا تعترض عليه.

    وكذلك الأحكام الجزائية التي تكون يوم القيامة بأن يحكم الله تعالى بهؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار, فالمسلم يعتقد يقيناً بأن الله عز وجل لا يظلم ولا يحيف ولا يجور.

    أسأل الله أن يرزقنا إيماناً صادقاً! وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    معاني أسماء الله: (الحكم والحكيم والحاكم)

    الحكم والحكيم بمعنى: الحاكم، وهو القاضي, أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها.

    والحكيم ذو الحكمة, والحكمة معناها: معرفة أدق التفاصيل, وأفضل الأشياء لأفضل العلوم.

    وهذه الأسماء الثلاثة في حق ربنا جل جلاله؛ كما قال أبو جعفر الطبري رحمه الله في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا[الأنعام:114], قال: أي: فليس لي أن أتعدى حكمه وأتجاوزه؛ لأنه لا حكم أعدل منه, ولا قائل أصدق منه.

    وفي تفسير قوله تعالى: أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ[التين:8], قال ابن كثير رحمه الله: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم عنده أحد؟

    قال القرطبي رحمه الله: قيل: إن الحكم أبلغ من الحاكم؛ لأنها صفة تعظيم في مدح, والحاكم جارية على الفعل, فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق.

    وأما الحكيم فهو بمعنى: محكم للأشياء, قال الله عز وجل: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ[السجدة:7] .

    وقوله تعالى: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[النمل:88].

    وقال الحليمي رحمه الله: الحكيم هو الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب. فأفعاله سديدة, وفعله متقن.

    إذاً: هذه الأسماء الثلاثة: الحكم، والحاكم، والحكيم، تدل على أن الله عز وجل هو القاضي الذي يحكم في جميع الشئون, قدرية كونية, أو شرعية دينية.

    وتدل على أن الله عز وجل ذو حكمة بالغة, لا تصدر أقواله ولا أفعاله ولا قضاؤه وقدره إلا عن حكمة بالغة.

    وأنه جل جلاله محكم متقن للأشياء, ليس شيء من خلقته يكون عبثاً، ولا يكون فيه خلل، كما قال الله عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ[الملك:3-4].

    واسمه الحكم يدل على أنه جل جلاله أعدل العادلين لا يظلم ولا يجور ولا يحيف.