إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [20]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المسائل التي حصل فيها خلاف كبير بين الطوائف المنتسبة للإسلام: مسألة الإيمان، فقد تكلمت فيها كثير من الطوائف بكلام مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الحق في هذه المسألة، فقالوا: إن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأهله فيه متفاضلون. وأهل السنة مع ذلك لا يتسرعون في الحكم على المخالف لمجرد مخالفته؛ بل إن هناك أصولاً وقواعد يسيرون عليها عند حكمهم على أهل البدع والمقالات المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

    1.   

    قواعد الحكم على المقالات البدعية

    هناك قواعد في الحكم على المقالات البدعية التي ابتدعها من ابتدعها من المخالفين لإجماع السلف، فعند النظر في هذه المقالات وأربابها ينبغي أن تُعتبر بعض القواعد.

    القاعدة الأولى: لا يلزم من كون المقالة كفراً أن يكفر قائلها

    فمن القواعد في ذلك: أن كون المقالة كفراً لا يلزم منه أن يكون القائل كافراً، وهذه الجملة قد حكى شيخ الإسلام رحمه الله الإجماع عليها، كما في بعض رسائله، ولكن يقع في فقهها بعض الغلط، حتى تجد بعض من يتكلم من طلاب العلم، فيقول: كان السلف لا يكفرون الأعيان.

    ولا شك أن هذا غلط، فإن القول إذا قيل: إنه كفر، فمعناه أن الأصل فيمن قاله أن يكون كافراً، وإنما امتنع كفره لمانع، وعليه فمن رتب على هذه الجملة المجمع عليها أن السلف كانوا لا يكفرون الأعيان فقد غلط، بل لا شك أن من ثبت كفره لزم أن يسمى كافراً، ومعلوم أن المسلمين يكفرون اليهود والنصارى وأمثالهم من أهل الشرك والكفر والإلحاد.

    وأما أهل القبلة الذين قالوا مقالات كفرية، كمقالات من قال في الصفات وغيرها؛ فإن هذا المقالات تسمى كفراً، ولكن القائل بها لما كان مظهراً للصلاة والشعائر الظاهرة لا يكفر إلا إذا علم أن الحجة قد قامت عليه؛ لأنه إذا أصر فإن كفره لا يكون إلا عن نفاق في الظاهر، ويكون في الباطن كافراً، وعليه: فإن الأقوال تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: من المقالات ما يعلم أنها كفر ابتداءً، كمن قال: إن الله لا يعلم ما سيكون، تعالى الله عن ذلك، فهذا قول لا يقوله إلا كافر، وكمن سب الله وسب رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا لا يكون إلا كافراً.

    القسم الثاني: كالقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، فهي كفرٌ في نفس الأمر، لكن قائلها لا يكون كافراً إلا إذا علم أن الحجة قامت عليه.

    القاعدة الثانية: الذي يُكفَّر من أهل الشرائع الظاهرة لا يكون إلا منافقاً

    ومن القواعد التي وذكرها شيخ الإسلام أن قال: إن الواحد من أهل الصلاة لا يكون كافراً في نفس الأمر إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة ونحوها على جهة النفاق، وهذا يرجع إلى التقسيم المذكور في القرآن، من أن الناس إما منافق، وإما مؤمن ظاهراً وباطناً، وإما كافر ظاهراً وباطناً، قال: (فإذا كُفّر أحد أعيان أهل البدع المظهرين للصلاة ونحوها، فإن هذا لا بد أن يكون منافقاً، قال: ولهذا كان بعض أئمة السنة المتقدمين، إذا كفروا واحداً من هؤلاء سموه زنديقاً، والزنديق هو المنافق في لسان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإن كان اسم الزنديق استعمل فيما هو أوسع من ذلك، كمن صرح بالردة والإلحاد وأظهر ذلك، فإن مثل هذا يسمى في كلام الفقهاء زنديقاً، ولهذا اختلفوا في قبول توبته وعدمه).

    القاعدة الثالثة: في بيان من هو المعذور بالخطأ

    أما القاعدة الثالثة: فهي ما ذكره شيخ الإسلام في في أكثر من موضع، ومنها في درء التعارض: أن كل من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخطأه فإن خطأه مغفورٌ له، وهذه لها ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن يريد الحق: فمن لم يرد الحق في هذه الأبواب -كأبواب الصفات- وإنما أراد الباطل؛ فإنه يكون كافراً.

    الشرط الثاني: أن يجتهد في طلبه: أي في تحصيله، فمن عدم الاجتهاد وإنما قال بالخرص والظن فإنه لا يعذر.

    الشرط الثالث: أن يطلب الحق من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم: فمن طلب الحق من جهة غيره، كاليهود والنصارى وأمثالهم لم يعذر، فمن الأحبار والرهبان من يزعمون أنهم يطلبون الحق، ولكن طلبهم للحق واقع من غير جهته صلى الله عليه وسلم، فلا يعتبر طلبه وإرادته.

    قال شيخ الإسلام : (وأهل البدع من أهل القبلة في الجملة هم مريدون للحق مجتهدون في طلبه من جهة الرسول، ولكنهم في هذه المقامات الثلاثة مقصرون:

    فإنهم في مقام الإرادة يعرض لهم من الانتصار لأقوالهم وأقوال أئمتهم ما ينقص مقام الإرادة.

    وفي مقام الاجتهاد يعرض لهم من الاشتغال بالطرق العقلية وأمثالها ما ينقص مقام الاجتهاد.

    وفي مقام الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم يعرض لهم من الموجبات الكلامية وغيرها ما يؤخر مقام الاستدلال عندهم بكلام الله ورسوله.

    قال: فمن صاحبه حال من التقصير فهو من الظالمين لأنفسهم، وهذه حال عامة أهل البدع، وإن كان يقع فيهم من هو من الزنادقة الكفار، وإن كانوا في الظاهر مسلمين، وهذا يقع في بعض أهل البدع من الجهمية وغيرهم، قال: وقد كفّر السلف بعض أعيانهم، ولا يلزم أن من كان كافراً في نفس الأمر من أهل البدع أن يكون السلف قد علموه أو قد عينوا كفره، بل قد يكون ليس معلوماً كما كان طرف وأعيان من المنافقين زمن النبوة ليسوا معلومين لجماهير الصحابة، وربما لم يشتغلوا بتعيين كفره لأنهم مشتغلون عن هذه المجادلة وهذا الخوض بتقرير الحق وغير ذلك).

    القاعدة الرابعة: لا بد من مراعاة درجة المخالفة وسببها

    وهي مما ينبغي الاعتناء به: وذلك أنه إذا نُظر في مقالة وقائلها فإنه يعتبر في هذه المقالة والقائل بعض المعتبرات:

    الأول: النظر في حال المقالة عند السلف، ودرجة مخالفة هذه المسألة لمذهب السلف.

    الثاني: أن ينظر في موجب هذه المقالة عند صاحبها.

    فمثلاً: من نفى صفة قد يشترك هو وبعض أهل البدع في نفيها، لكن موجب النفي أهل البدع شيء، وموجب النفي عنده شيء آخر، كالحال التي عرضت لـابن خزيمة وبعض أهل العلم في بعض مسائل الصفات كمسألة إثبات الصورة، فمثل هؤلاء لا يخرجون عن مسمى السنة والجماعة، وإن كان الإمام أحمد لما سُئل عن حديث: (خلق الله آدم على صورته) قالوا: يا أبا عبد الله : إن قوماً يقولون على صورة آدم أو على صورة المضروب..إلخ، قال الإمام أحمد : هذا قول الجهمية.

    فمع قول الإمام أحمد فيمن منع تفسير حديث الصورة بما هو معروف عن السلف أنه قول الجهمية، فلا يلزم من هذا أن يكون ابن خزيمة جهمياً، ومثله قول الإمام أحمد : من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ونسب للبخاري أنه يقول ذلك، وقصته مع الذهلي مشهورة، فلا يجوز بحال أن يقال: إن البخاري جهمي، فهذا كلامٌ لا يقوله إلا ساقط الفقه، وعليه أن ينفقه في هذا الباب موجبات المقالات.

    وإنما كان السلف يقصدون بالتجهم والكفر وأمثال ذلك من الإغلاظ، مَنْ كان موجب هذه المقالات عنده أصولاً من الغلط البين، وعلامته أن يطرد على أصوله الفاسدة، وأما من كانت حاله على السنة والجماعة في الجملة، فإنه قد يقع في كلامه من الأقوال البدعية التي تكون مخالفةً للإجماع، بل قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى في المجلد التاسع عشر: (وكثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، لكنهم لم يعلموا أنها من البدعة المخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل كانوا يظنون أنهم موافقون للسنة، فمثل هؤلاء لا شك أنهم معذورون).

    وحتى في مقالات الجهمية الكُفرية، يقول: (ومع هذا فهذه المقالات الكفرية تعرض لبعض أهل الإيمان فيقولها، ويكون عند الله مؤمناً ظاهراً وباطناً، ويكون قوله هذا غلطاً قد يغفره الله له).

    1.   

    حكم سب الله ورسوله

    أحياناً تقع الإشكالات عند بعض المعاصرين في مسائل بينة، كمسألة سب الله أو سب نبيه، يكثر بعضهم من الجدل والخوض الذي لا معنى له في مسألة شرط الاعتقاد أو عدم شرط الاعتقاد، وهذا كله قدرٌ من التكلف.

    ومعلوم أن سب الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام كفرٌ بإجماع المسلمين، ولكن من الغلط أن يُقال: إن من لم يكفّر من سب الله أو سب نبيه فهو على قول المرجئة؛ لأن المرجئة كانوا يكفرون بذلك، وقد حكى أبو المعالي الجويني -وهو من المرجئة الأشعرية- والرازي وغيرهما إجماع المسلمين على أن هذا كفر، وليس هناك أحدٌ في المسلمين يخالف ذلك.

    وإنما قد يقع بعض الإشكال في بعض الصور التي يتردد فيها في مسألة ثبوت العلم عند القائل في كون الكلام من السب مثلاً، أو في كون هذا هو القرآن، أو نحو ذلك على صورٍ يفرضها من يفرضها في بعض أحوال الجدل أو المناظرة أو المباحثة؛ فهذه مسائل لا ينبغي كثرة شغل الناس بها؛ لأنها مسائل محكمة، ومعلومٌ أن من نطق عاقلاً فسب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم؛ أنه يكون كافراً ولا بد.

    وأما إذا كان في حالٍ من الإغماء أو في حال من فقد العقل، أو غير ذلك من الصور التي تعرض؛ فمن البدهي في العقل والشرع أن مثل هذه الأحوال لا يؤاخذ بها العبد، فإن الكفر لا يكون إلا على قدرٍ من التكليف المصاحب لحال العبد عند وقوعه، أو عند الحكم به عليه.

    1.   

    التعبير بأن العمل شرط صحة في الإيمان

    يقول البعض: إن العمل شرط صحة في الإيمان.

    ولا شك أنها من التعبيرات المتأخرة، وأن الأولى تركها، لأن الشرط إذا اعتبر في الاصطلاح كان خارجاً عن ماهية المشروط وإن كان ملازماً له، كأن تقول: إن من شروط الصلاة الطهارة مثلاً، فإنه من صلى بغير طهارة فلا شك أن صلاته تكون باطلة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ، فهذا من باب هل هذا داخل في الماهية أم أنه ملازمٌ للماهية.

    وشيخ الإسلام أشار إلى أن هذه مسألة فيها طرف من النزاع، والصواب أن بعض الدلائل تدل على أن العمل لازم وشرط، وبعض الدلائل تدل على أن العمل داخل في الماهية، والقول بأن التعبير بالركن أولى لأن الركن داخل في الماهية، قول حسن، والأولى إذا ذكر مذهب السلف، أن تستعمل التعبيرات المأثورة عن السلف، فعند الكلام على الإيمان نترك استعمال لفظ الجنس ولفظ الركن ولفظ الشرط.

    1.   

    الفرق بين مذهب المعتزلة ومذهب السلف في الإيمان

    بعد أن تقرر أن العمل أصلٌ في الإيمان، استشكل بعض الشراح الفرق بين مذهب أهل السنة والمعتزلة عند من يقول بأن العمل أصلٌ في الإيمان، فنقول:

    الفرق بَيِّن، وذلك من جهة أن المعتزلة فضلاً عن الخوارج، يلتزمون أن الواحد من الواجبات يكون تركه موجباً لعدم الإيمان، إما بالكفر عند الخوارج، وإما بالفسق المطلق عند المعتزلة، أما السلف فإنهم يخالفونهم في ذلك، ويجعلون الأصل في الواجبات الظاهرة أن ترك الواحد منها ليس كفراً ولا يوجب عدم الإيمان، ولم يتنازعوا في الواجبات الظاهرة إلا في المباني الأربعة على الخلاف المتقدم، فهذا هو جهة الفرق.

    وأما من فرق بينهما فقال: إن المعتزلة يجعلون العمل أصلاً في الإيمان، وأهل السنة أو السلف يجعلون العمل ليس أصلاً، فلا شك أن هذا غلط، وإنما الفرق باعتبار الآحاد، وأما باعتبار الأصل فإن السلف مجمعون على أن من ترك سائر العمل مطلقاً مع وجود الإرادة والقدرة فإنه يكون كافراً.

    ولا يعترض على هذا بأن يقال: رجل قال: لا إله إلا الله ثم مات، فإن قلتم: إنه مات مسلماً لزم أن العمل ليس أصلاً في الإيمان.

    ولا شك أن هذا إذا نظرته نظراً عقلياً مجرداً وجدت أنه ليس له قوة، لأنك إذا قلت: إن العمل ليس أصلاً في الإيمان، قلنا: فما حكمه؟ فإن قلت: واجب، من تركه يكون آثماً يوافي ربه بالإثم، قيل لك: فهل من قال: لا إله إلا الله ومات -على قول من يقول: إن العمل ليس أصلاً في الإيمان- يوافي ربه بالإثم؟

    فالجواب: أنه لا أحد يلتزم بهذا. ويقال: العمل أصل إذا تركه مع وجود الإرادة والقدرة، أي: أنه يشترط تحقق الاستطاعة وتحقق القدرة، وهذا هو الأصل في سائر أحكام التكليف الشرعية.

    أصل مقالات المخالفين للسلف في الإيمان واحد

    قال: [والإيمان واحد] ، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (البدعة التي تفرعت عنها سائر مقالات المخالفين للسلف في مسمى الإيمان هي بدعة واحدة، وهي اعتقادهم أن الإيمان واحدٍ لا يزيد ولا ينقص، قال: فالخوارج والمعتزلة يجعلونه القول والعمل، ويجعلونه واحداً، فترك الواحد من الواجبات يوجب عندهم بطلان سائر العمل والقول، والمرجئة يجعلون الإيمان هو التصديق، أو يقول بعضهم: التصديق مع القول، ثم يجعلونه واحداً، ويكون ما عداه من الإسلام أو التقوى أو البر أو غير ذلك).

    أقوال المخالفين للسلف متحدة في الأصول مختلفة في النتائج

    وهذا يجرنا إلى الكلام عن مسألة في موجبات البدع وأصولها، ففي مسائل الإيمان والقدر والصفات، تجد أن الطوائف المخالفة للسلف طوائف كثيرة، وتجد أنها أيضاً طوائف متضادة، كالمشبهة مع المعطلة، والقدرية مع الجبرية، والمرجئة مع الخوارج والمعتزلة، ومع هذا فإنك إذا اعتبرت التحقيق، فإن أصول هذه البدع مع تضاد نتائجها هي أصول واحدة، فمثلاً في مسألة الصفات: تجد أن المشبهة كـهشام بن الحكم وداود الجواربي ، وأئمة التجسيم كـمحمد بن كرام ، وأئمة المعتزلة نفاة الصفات، ومتكلمة الصفاتية كـابن كلاب والأشعري والماتريدي ، كل هؤلاء مع تضاد نتائجهم أو اختلافها يعتبرون مبنىً أساساً في قولهم في مسألة الصفات، وهو دليل الأعراض، فمذهب المعتزلة يعتبرونه نتيجة لدليل الأعراض، والمشبهة يعتبرون مذهبهم نتيجة لدليل الأعراض، والأشاعرة يجعلون مذهبهم نتيجة لدليل الأعراض، والماتريدية كذلك، وإذا نظرت في كتب هذه الطوائف، وجدت أنهم يستدلون بدليل الأعراض، فإن قيل: فكيف تحصل بدليل واحدٍ هذه النتائج المتضادة أو المختلفة على أقل تقدير؟

    قيل: هذا يرجع إلى أحد موجبين:

    الموجب الأول: هو الخلاف في بعض المقدمات، مثلاً الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم..إلخ. جاءت المعتزلة فجعلت العرض ما يقابل الجوهر، وعن هذا قالوا بنفي سائر الصفات، وجاء الأشعري وقبله ابن كلاب فقال: والعرض هو ما يعرض ويزول ولا يبقى زمانين، وعن هذا ترى أن ابن كلاب والأشعري والماتريدي التزموا نفي الصفات الفعلية التي سموها الحوادث، وأما أصول الصفات فهي عندهم ثابتة على خلاف بينهم؛ لكونها لا تسمى أعراضاً، لأن حد العرض عندهم ما يعرض ويزول.

    وهذا كله تكلف، إذ بأي عقل وبأي نظام وبأي منطق وبأي قانون لزم أن العرض هو ما يزول ولا يبقى زمنين، إنما هو نوع من الحد لا أقل ولا أكثر، وهو من التحكم على لغة المنطق، لأنه حدٌ على غير موجب.

    الموجب الثاني: من جهة اللوازم، فمثلاً: الإشكال القائم بين نظرية الجبر ونظرية القدر، كنظرية فلسفية هو إشكال واحد، وهو أن الأثر لا يصدر عن مؤثرين، وهذا ليس كلاماً فلسفياً يقوله ابن سينا أو غيره فقط، بل يقوله أيضاً الغزالي والرازي ، وأبو المعالي الجويني ، فضلاً عن أئمة المعتزلة.

    فقالت الجبرية: المؤثر هو الله، وشاركهم في هذا في الجملة الكسبية من الأشعرية ونحوهم، وقالت القدرية: المؤثر هو العبد.

    وقد تقدم في مسائل القدر التعليق على أن متكلمة القدرية يختلفون عمن قال بأن أفعال العباد ليست مخلوقة من بعض رجال الرواية والإسناد، فإن من قال ذلك من بعض رجال الرواية الذين قال الإمام أحمد فيهم: (لو تركنا الرواية عن القدرية تركناها عن أكثر أهل البصرة) لم يكن موجب المقالة عنده هو الموجب عند أبي الهذيل العلاف أو واصل بن عطاء من المعتزلة، بل الموجب مختلف، مع أن المقالة قد تكون في الجملة مقالة واحدة، وإذا التزمت تفصيل النتائج، وجدت أن النتائج يلحقها قدرٌ من الاختلاف.

    فالقانون الذي يعتمده المتكلمون قانون عقلي، والحقيقة أنه رأي فلسفي لا أقل ولا أكثر، وهو مبني على قياس الله بخلقه، وهو قياسٌ فاسد بإجماع المسلمين، أنه لا تكون للعبد إرادة ومشيئة على الحقيقة، لأن الله هو الخالق لفعل العبد، ولم يفقهوا الفرق بين كونه خالقاً وكونه فاعلاً، فلا أحد من السلف يقول: إن الله هو الفاعل لأفعال العباد بل الأفعال أفعال العبد، ولكن الله هو الخالق.

    اعتماد المتكلمين على العقل دون السمع

    ثم بعد هذا تأتي المعتزلة تبحث في دلائل القرآن فتجد قوله تعالى: الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16] ، فيقولون: هذا دليل على خلق القرآن، ويأتون لمسألة الرؤية فيتمسكون بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103] ، فيقولون: هذا دليل عدم رؤية الله، مع أن هاتين الآيتين ليستا هما الموجب للمذهب، ومثلهم الأشاعرة لما نفوا الصفات الفعلية، فإنه لم يكن الموجب لذلك دليلاً من القرآن، وقد صرح بذلك الرازي فقال: (اتفق أصحابنا أن نفي حلول الحوادث ليس معلوماً بالسمع، بل ظاهر السمع عليه، ولهذا اشتغل أصحابنا إما بتأويله أو تفويضه، واستدلوا بدلائل العقل، قال: والصواب، هو الدليل المركب من السمع والعقل).

    ثم أتى بدليل زعم أنه هو النهاية، واستعمله الأشاعرة إلى عصرنا هذا في مختصراتهم، ويرون أنه هو الدليل القاطع المحكم، وهو دليل من نظره بأدنى عقل، عرف أنه دليل ساقط في العقل، فضلاً عن كونه ساقطاً في الشرع، فإنه قال: إن هذا النوع من الصفات، إما أن يكون كمالاً وإما أن يكون نقصاً، فإن كان نقصاً فالله منزه عن النقص، فلزم أن يكون إذا أثبت كمالاً قال: وإذا كان كمالاً، فإنه حادث، فيلزم أن يكون هذا الكمال فات من قبل، وفوات الكمال نقصٌ والله منزه عن النقص بالإجماع. والإجماع هو مقصوده بالدليل السمعي.

    ولا شك أن هذا دليل ساقط حتى في العقل، فمثلاً: وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] ، يقول: إذا كان كلام الله لموسى كمالاً، لزم أن يكون هذا الكمال فاته قبل خلق موسى، وفوات الكمال نقص، والله منزه عن النقص بالإجماع.

    ومن أخص أغلاط الرازي أنه يزعم أن تنزيه الله سبحانه وتعالى عن النقص علم بالإجماع، والصحيح أنه معلوم بالعقل ومعلوم بالشرع الذي هو والكتاب والسنة والإجماع، مع أن تنزيه الله سبحانه وتعالى عن النقص معلوم بالعقل قبل ورود الشرع.

    ثم استدلال الرازي عنه جوابات، ومن بدهي الجواب أن يعارض الرازي بنفس الحال فيقال له: الأرض محدثة بعد أن لم تكن، والله هو الخالق لها بإجماع المسلمين وجماهير بني آدم، فخلقه لها كمالٌ أو نقص؟ إن قال: نقص فقد كفر، وإذا قال: إنه كمال، لزم على قاعدته أن يكون الكمال فاته من قبل، وما يقوله في الأفعال اللازمة المتعلقة بقدرته ومشيئته، يقال في الأفعال المتعدية كخلق السماوات والأرض ونحو ذلك، ثم إن ما كان حادثاً وهو تكليمه لموسى امتنع أن يكون قديماً، وما كان ممتنعاً لم يكن عدمه نقصاً، لأن الكمال والنقص متعلق بمسائل الإمكان والوجود.

    1.   

    تفاوت أهل الإيمان في أصل الإيمان

    قوله: [وأهله في أصله سواء] ، يقال: بل أهله في أصله مختلفون، حتى لو سلمنا جدلاً أن الإيمان هو التصديق، فإن التصديق يتفاضل، وبهذا تعلم أن التفاضل عند أهل السنة والجماعة في الإيمان ليس مقصوراً على الأعمال الظاهرة، بل التفاضل بالأعمال الظاهرة، وبالأعمال الباطنة، وبالتصديق نفسه، كما صرح به الإمام أحمد ، وهو إجماع للسلف خلافاً لـابن حزم .

    التعبير بالتفاضل وبالزيادة والنقص في الإيمان عند السلف

    وقد عبر الجمهور من السلف بأن الإيمان يزيد وينقص، وعبر ابن المبارك وبعض المتقدمين بأن الإيمان يتفاضل، والإمام مالك رحمه الله يقول: الإيمان يزيد وينقص، وفي بعض جواباته يقول: الإيمان يزيد. ويسكت عن ذكر لفظ النقص، وقد ذكر بعض المالكية وبعض الشراح من المتأخرين أن لـمالك في مسألة نقص الإيمان قولين:

    القول الأول: أنه ينقص.

    القول الثاني: أنه لا ينقص، وهذا غلط على مالك ، بل مالك رحمه الله تارةً يقول: يزيد وينقص، وتارةً يقول: يزيد، ثم يسكت أو ويتوقف عن لفظ النقصان، ومعلوم أن من أقر بزيادة الإيمان، لزمه بضرورة العقل فضلاً عن الشرع أن يقر بنقصه، ولهذا ترى أن السلف أطبقوا على أن الإيمان يزيد وينقص مع أن النقص لم يذكر في القرآن، بل ليس في القرآن إلا لفظ الزيادة.

    وقد قيل للإمام أحمد : (يا أبا عبد الله ، الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم. قيل: فأين هو في كتاب الله؟ قال: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76] ، قيل: وينقص. قال: إذا كان يزيد فإنه ينقص)، وعليه فمن حكى عن مالك أنه ينفي نقص الإيمان ولو في أحد قوليه، فحكايته غلط، بل سكت في مقام لحكمة أو لمعنىً مختص.

    قال شيخ الإسلام : (ولعله كان في بعض مناظراته أو جواباته للمرجئة، فترك اللفظ الذي لم يذكر في القرآن إغلاقاً لباب الجدل)، أي: فإن مالكاً رحمه الله كان من أكثر الأئمة بُعداً عن الجدل والخوض في ذلك، فتكلم بالألفاظ المحكمة التي لا يتمكن سائل من أن يقول له: ما دليلك على لفظ النقص.

    وأما في السنة فإن الأمر كذلك، فلم يرد لفظ النقص إلا في مثل قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أغلب للب الرجل منكن) ، وإن كان النقص المذكور هنا ليس هو النقص المراد الذي هو بترك المأمور أو بفعل المحظور ونحوه، وإنما هو نقص من حيث الأصل في العقل وفي الدين على ما فسره صلى الله عليه وسلم بكونها تمكث الليالي لا تصلي إلى آخره، ولكن استدل به طوائف من أهل السنة على نقص الإيمان، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جعل الدين ينقص بما قُدّر في حكم الله وقضائه الكوني وإسقاطه الشرعي، فلأن يكون من تفريط العبد من باب أولى، فهذا استدلال حسن وهذه المسألة مسألة محكمة عند السلف وهي: زيادة الإيمان ونقصانه في موارده الأربعة.

    زيادة الإيمان عند المرجئة والمعتزلة

    قال: [والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى] نعم هم يتفاضلون من هذه الأوجه، لكنهم أيضاً يتفاضلون باعتبار الإيمان نفسه.

    وعامة الطوائف بزيادة الإيمان حتى المرجئة والمعتزلة، ولكنهم يقصدون بالزيادة صوراً هي في نفس الأمر من الزيادة الشرعية، ويقصرون الزيادة عليها، فيقولون يزيد الإيمان بكثرة الأدلة، فمن علم مسألة من الشريعة بدليل فليس إيمانه بها كمن عرفها بخمسة أدلة، ويقولون: ويزيد بالاستمرار فإن التعاقب من زيادة الإيمان.

    فنقول: هذا يسلم أنه من أوجه زيادة الإيمان، لكن قصر زيادة الإيمان على هذه الأوجه هو المخالف لإجماع السلف، وإلا فإن كثيراً من الصور التي يذكرها هؤلاء تكون صوراً صحيحة، وإن كانوا يذكرون صوراً هي مبنية على أصول باطلة.

    بيان قول أبي الحسن الأشعري في الإيمان

    محصل قول أبي الحسن الأشعري في مسمى الإيمان، أن الإيمان عنده هو التصديق، وهذا الذي ذكره الأشعري في اللمع وذكره جماهير أصحابه وانتصروا له، كالقاضي أبي بكر بن الطيب في التمهيد، وكـأبي المعالي ومحمد بن عمر الرازي وغيرهم، وهذا هو الذي عليه جماهير الأشعرية، يحكونه مذهباً لـأبي الحسن ، وقد نص عليه أبو الحسن في كثير من كتبه، وإن كان طائفة من الأشاعرة قد مالوا عن هذا القول إلى قول مرجئة الفقهاء.

    وقد صرح بعض الأشعرية كصاحب المواقف بأن مذهبهم أن الإيمان هو التصديق، وأن مذهب أهل الأثر أنه قول وعمل، فكان قول أئمة السلف معروفاً عند كثير من علماء الأشاعرة، وأبو الحسن نفسه في مقالات الإسلاميين لما ذكر أقوال الناس ذكر قول أهل السنة والحديث في مسائل أصول الدين على طريقة من الإجمال، وفي آخر ما ذكر من مذهب أهل السنة والحديث، قال: إنه بكل ما يقولون نقول، فذكر أنه يقول بسائر الجمل التي ذكرها عن أهل السنة والحديث، ولكن علم أبي الحسن الأشعري بمقالة السلف كان علماً مجملاً.

    ولا أدل على ذلك من أنه في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) ذكر قول المعتزلة في مسائل الدين كالصفات والقدر، والأسماء والأحكام وغيرها، بطريقة مفصلة عن أعيان المعتزلة، فذكر الفرق بين أبي هاشم وأبي علي أبيه، وذكر الفرق بين النظام والعلاف ، وذكر أقوال أئمة المعتزلة والفرق بين البصريين والبغداديين من المعتزلة، لكن لما جاء إلى قول أهل السنة والحديث جعله في سياق مجمل لا يتجاوز الصفحتين أو الثلاث، مع أن مذهب المعتزلة أخذ من كتاب المقالات حيزاً كبيراً؛ فهذا دليل على أن علمه بالاعتزال ومقالات المعتزلة كان علماً مفصلاً لأنه كان معتزلياً، بل كان علمه واسعاً في غير مذهب المعتزلة كمقالات المرجئة ومقالات الشيعة والخوارج، بخلاف علمه بمقالات أهل السنة والحديث.

    وذلك لأنه لما كان معتزلياً ما كان ملتفتاً إلى مذهب السلف، وكان على طريقة شيوخه كـأبي علي الجبائي وغيره، يسمون مذهب السلف: الحشوية والنابتة،..إلخ، ولا يلتفتون إلى تفصيله وحقائقه، فلما رجع أخذ هذا المذهب مجملاً عن بعض حنبلية بغداد، وصار يذكره في كتبه، ويقول: إنه يقول به، وإنه ينتمي إلى أهل السنة والحديث.

    ومن بين الجمل التي ذكر في المقالات أنه يقول بها: أن الإيمان قول وعمل، فهذا يخرج على أحد طريقين:

    الأول: أن يقال: إن الأشعري كان له في مسألة الإيمان قولان، القول الأول: أنه التصديق، والقول الثاني: أنه قول وعمل، وهو قول أهل السنة والحديث، وهذه طريقة يلجأ إليها كثير ممن تكلم في مذهب أبي الحسن .

    وربما قال بعضهم: إنه كان يقول بأنه التصديق، ثم رجع وقال بأنه قول وعمل، ويجعلون هذا رجوعاً، لكون الأشعري عندهم رجع إلى قول أهل السنة والحديث في آخر عمره. وهذه الطريقة غير صحيحة، فليس القول بأن الإيمان هو التصديق هو قوله القديم، بل قوله القديم هو قول الاعتزال، والمعتزلة يقولون: إن الإيمان قول وعمل، وكان يقول: إنه لا يزيد ولا ينقص على طريقة المعتزلة المعروفة، والمذهب الثاني: أن الأشعري يرى أن الإيمان هو التصديق.

    وأما طريقة السلف فهو يتأولها، كما أنه ذكر عبارات توافق مذهب السلف، ولما أراد التفصيل تأول كلامهم إلى ما لا يتعارض مع مذهبه، وهذا الذي جعل بعض الباحثين يقولون بأن الأشعري رجع في مسألة الصفات الفعلية، وليس الأمر كذلك، فإن الأشعري أحياناً يقول: ونؤمن بأن الله مستوٍ على العرش كما ذكره الله، ونؤمن بنزوله كما حدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يؤمن بالنزول كحديث؛ لأنه يرى أن أئمة السنة والحديث ذكروا حديث النزول وصححوه، فهو يصحح هذا الحديث لكنه لو سئل عن تفصيل معناه لتأوله.

    ولما كان أبو الحسن معتزلياً لم يكن يقبل الحديث أصلاً، فلما تأثر بأهل السنة وانتسب إليهم، فرأى أنهم يصححون حديث النزول مثلاً، فصار يذكره ويصححه ويستعمله، لكنه إذا أراد تفسيره فسره بما لا يعارض قوله في مسائل الصفات الفعلية، فالقصد أن هذا الوجه هو الأقوى، وأعني أن الأشعري يتأول قول السلف، ولهذا فعامة الأشاعرة من بعده يطبقون على أن مذهب أبي الحسن هو أن الإيمان هو التصديق، وأما قول السلف فإنه يذكره ولكن يتأوله، وقد ذكر شيخ الإسلام أن طائفة المتكلمة الصفاتية يذكرون قول السلف في الإيمان ويتأولونه بما لا يعارض قولهم بأنه التصديق، وهذا هو محصل قول أبي الحسن ، ولا يقال إنه قول الجهم بن صفوان كما فهم البعض، بل يقال: إنه قول ينزع إلى قول جهم بن صفوان ؛ لأن جهماً يقول: إن الإيمان هو العلم والمعرفة، والأشعري يقول بأنه التصديق، فبين القولين فرق وإن كان بينهما نوع من التشابه.

    ضبط الخلاف في مسائل الإيمان وعدم التجاوز فيها

    مما ينبغي التنبه له: أنه كما يجب الاعتناء بمعرفة مذهب السلف في باب الإيمان، ألا تتحول بعض الفروع الذي يقع الخلاف فيها بين السلفيين أنفسهم إلى نوع من الاختصاص الذي ما كان السلف يجعلونه اختصاصاً، ويُقصد بهذا أنه من غير السائغ شرعاً أن يقع الخلاف بين السلفيين أنفسهم في مسائل قد لا تكون عند السلف من الأصول الموجبة للمخالفة، بل يجب أن يكون هناك اتفاق، فإن المذهب السلفي قائم على أصل عظيم وهو الاجتماع، وهو من أخص أصول السلف رحمهم الله، ولهذا ينبغي حسم مادة الخلاف قدر المستطاع، إلا في المسائل التي هي خلاف بين السلف، ومع ذلك فإن مثل هذا الخلاف لا ينبغي أن يكون موجباً للتفريق، وأما الخلاف الذي يقع به التفريق والتضاد، فإنه غير موجود في مذهب السلف؛ لأن السلف في مثل هذه المسائل مجتمعون على قول واحد، فلا بد أن قولهم في مسمى الإيمان، مثلاً قول واحد.

    أما المسائل التي قد تكون من محال نزاعهم، ككفر تارك الصلاة، أو كفر تارك الزكاة، فهذه مسائل لا ينبغي التشديد فيها، سواء فرض أن السلف أجمعوا على كفر تارك الصلاة، أو أجمعوا على عدم كفره، وهذا التنبيه لا يقصد به بأي حال من الأحوال التعليق على مقالات بعض الأعيان من المعاصرين، إنما المقصود أن تقرر الحقائق العلمية، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يكون عند طالب العلم، وهو أن يقرر الحقائق العلمية الشرعية، وألا يلتفت إلى مسألة الأعيان قدر المستطاع، وإلا فقد يقول ببعض الأقوال أناسٌ لهم قدر وإمامة وعلم، ولكن يقع في كلامهم ما هو من مورد الإشكال، وقد يقولون قولاً مجملاً لا بد فيه من التفصيل.

    وخصوصاً ما قد يقع فيه البعض من طلاب العلم، الذين يقررون مسألة الإيمان والعمل، وأنه أصل، وربما قرروا أن ترك الصلاة كفر بالإجماع، ثم اشتدوا في هذا التقرير، وأكثروا من التعليق أو الاعتراض على الأقوال التي قررها الشيخ الألباني رحمه الله، ولا شك أن مثل تلك المبالغات غير صحيحة، خاصة عندما يصف بعض المتعجلين إماماً كالشيخ الألباني بأنه مرجئ، فهذا غلط صريح، وما كان السلف رحمهم الله يعدون حماد بن أبي سليمان مبتدعاً على الإطلاق، مع أن الشيخ الألباني رحمه الله ما كان يقول بقول حماد بن أبي سليمان وأمثاله من الفقهاء، بل يجعل العمل داخلاً في مسمى الإيمان وله تقرير حسن في مسائل الإيمان معروف، ولكن بعض التفاصيل قد يكون فيها نوع من الخلاف بين الشيخ الألباني رحمه الله وغيره، وربما يقال في بعض المسائل: إن تقريره فيها ليس مناسباً على الإطلاق.

    ولكن مع هذا كله فإنه يجب أن يحفظ لهذا الإمام العالم قدره وأن تحفظ له إمامته، وأن يحفظ له أيضاً مقامه في السنة، وإمامته السلفية العالية، ودرجته في علم الحديث بوجه خاص، وسائر علوم الشريعة بوجه عام، وفقهه رحمه الله في هذا مشهور، فبعض الأقوال التي قالها إذا كانت محل تعقب أو منها ما هو محل تعقب، فإنه ينبغي أن يتعقب على طريقة الأدب وعلى طريقة التنبيه، وأن لا يُفتات على هذا الإمام وهذا العالم في كلام لا يناسب مقامه، فإنه بإجماع علماء عصره إمام من أئمة السلفية، بل هو أخص أئمة السلفية في كثيرٍ من الأقطار الإسلامية، فله مقام معروف ينبغي حفظه واعتباره.

    وكذلك من ينتصر لأقواله رحمه الله، ينبغي أن يكون مترفقاً وأن لا يشقق على أقواله ولوازم أقواله أقوالاً قد تضاف إليه أو قد يضيفها من يضيفها إليه، ولا يكون الشيخ رحمه الله رحمةً واسعة قد نطق بها وصرح بها، فمثل هذه المسائل لا ينبغي ربطها بواحدٍ من الأعيان، لا بسماحة الإمام الشيخ الألباني رحمه الله، ولا بغيره من أهل العلم المعاصرين، وإنما تُربط هذه المسائل الشرعية إذا ذكرت بأصولها من الدلائل المذكورة في كلام الله أو كلام رسوله أو كلام السلف رحمهم الله، وإذا وقع أحد من الأعيان الكبار في الغلط، فإنه لا ينبغي أن يكون ذلك موجباً أو مسوغاً للاستطالة أو التعنيف أو الإضافات البدعية أو نحو ذلك من الكلام الذي قد يقال.

    ولا يفهم من هذا التعليق أن الحقائق العلمية لا تقرر، فالحقائق العلمية الشرعية التي تظهر من كلام الأئمة رحمهم الله يجب أن تقرر حتى وإن خالفت الشيخ الألباني أو غيره من الشيوخ والعلماء، لكن مع هذا فإن مثل هذه المخالفة ينبغي أن تقرر على طريقة الأدب والاعتذار والاستدلال، وليس على طريقة الذم والتجريح، أو إطلاق الأقوال بالتبديع أو التضليل، أو الإخراج عن السنة والجماعة، فإذا كان الشيخ الألباني رحمه الله ليس على طريقة سنية، أو ليس سلفياً فمن يكون السلفيّ إذاً؟!

    فهذا كلام يجب تركه، ولا يجوز لأحد أن يستطيل على أحدٍ من آحاد خلق الله، فضلاً عن أئمة العلم والدين والتقوى والعبادة الذين ندر وجودهم في مثل هذا الزمن، كالشيخ رحمه الله وأمثاله، وكسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، ونحن نعلم أنهما قد اختلفا في بعض هذه المسائل، ومن المسائل التي كانا يختلفان فيها مسألة مسمى الإيمان، ومع هذا فإنا نعلم أن هذين الإمامين العالمين عليهما رحمة الله أعظم أئمة السلفية في هذا العصر بلا إشكال، وما معهما من الإمامة والفقه والعلم يجب حفظه واعتباره، ويجب الاقتداء بما قرروه من العلم والتقوى والإيمان والورع الذي قل كثيراً في الناس اليوم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمهما رحمةً واسعة.

    والأئمة رحمهم الله، قرروا مسائل كانت تخالف قول كثير من الصحابة رضي الله عنهم، بل قرروا مسائل قد كانت تخالف قول أبي بكر ، أو قول عمر ، أو قول علي ، أو قول ابن عباس وغيرهم، وما كان هذا مستنكراً، وينبغي لطالب العلم أن يكون لديه استعدادٌ لتقبل ما دل عليه الدليل مهما خالف من يحبه أو ينتصر له الألباني رحمه الله، أو لغيره فإن الحقائق الشرعية يجب أن تكون هي الأساس.

    فمثلاً: لو قام في المسجد رجل عامي يقول: من أكل لحم الإبل فإنه يجب عليه الوضوء، فقوله هذا على خلاف قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ، إلا أن الصحيح عند أحمد أنه ناقض، فيجب أن تقبل هذا القول وإن كان مخالفاً للأئمة الثلاثة، والمقصود أنه قد يقول قائل من آحاد الناس وربما من عامتهم أقوالاً ويقر عليها، مع أنها تخالف أئمة كباراً كـمالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة ، وعلى طالب العلم ألا يكون ضيق الأفق، ولا يكون انتصاره لإمام أو لعالم ملزماً في سائر الفروع والمسائل، فإن هذا هو الاقتداء المذموم الذي كان المتقدمون من السلف ومن يقتدي بهم كسماحة الإمام الألباني رحمه الله وغيره يذمونه. ولا ينبغي لمن يذم التمذهب لـمالك أو للشافعي أو لـأحمد أن يقع فيما هو مثله أو أبعد منه في تعصبه لبعض الأعيان من المعاصرين، بل المقصود هو الانتصار لقول الله سبحانه وتعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه السلف.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047131275

    عدد مرات الحفظ

    738377075