إسلام ويب

شرح متن الورقات [24]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في الأصل في الأعيان المنتفع بها هل الحظر أو الإباحة، والراجح في ذلك أن الأصل فيها الإباحة، ويستصحب الأصل عند عدم وجود الدليل الشرعي، وللاستصحاب أقسام منها: استصحاب البراءة الأصلية، واستصحاب الدليل الشرعي، ويقدم الدليل الجلي على الدليل الخفي،

    1.   

    الحظر والإباحة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله: [الحظر والإباحة:

    وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول: إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر، ومن الناس من يقول بضده: وهو أن الأصل في الأشياء على الإباحة إلا ما حظره الشرع].

    المراد بالحظر: المنع، والإباحة ضد المنع، وقول المؤلف رحمه الله: (وأما الحظر والإباحة) فمراده بذلك الأعيان؛ أي: هل الأعيان المنتفع بها الأصل فيها الإباحة أو الأصل فيها الحظر؟ ذكر المؤلف رحمه الله في ذلك رأيين:

    الرأي الأول: أن الأصل في ذلك الحظر، واستدلوا على ذلك فقالوا: إن الأصل في الأشياء أنها مملوكة لله عز وجل، ولا يتصرف أو ينتفع بها إلا بإذن الله عز وجل؛ يعني: لا بد أن ينص على هذا الشيء أنه حلال، أما إذا لم ينص على كل شيء أنه حلال أو إذا لم ينص على شيء بعينه أنه حلال فإنه لا يتمسك بالأصل؛ وأن الأصل الإباحة؛ لأنه لا يتصرف بحق الغير إلا بإذنه.

    والرأي الثاني: أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة وليس الحظر، واستدلوا على ذلك بأدلة، من ذلك قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، والله عز وجل ذكر هذه الآية على سبيل الامتنان، ولا يمتن سبحانه وتعالى إلا فيما إذا كان مباحاً، إذ أنه لا منة في المحرم.

    وأيضاً استدلوا بقول الله عز وجل: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10]، فامتن الله عز وجل على العباد بأنه خلق لهم الأرض، وجعل لهم فيها أرزاقهم من القوت والتفكه وغير ذلك.

    وكذلك أيضاً استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وما سكت عنه فهو عفو ) على ثبوت الحديث.

    وكذلك أيضاً استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته )، فوجه الدلالة قوله: (لم يحرم)، فدل ذلك على أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة، وأنها لا تمنع إلا بتحريم؛ لقوله: (لم يحرم).

    وأيضاً وجه آخر: أن التحريم إنما كان لمسألة، فدل على أنه بما سوى المسألة لا تحريم. وهذا القول هو الراجح.

    إذاً: الراجح أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة، وعلى هذا فالأصل في الفواكه -يعني في الثمار التي يخرجها الله عز وجل- الإباحة، ولا نقول: الأصل فيها التحريم، ولا بد أن يأتي دليل خاص على إباحتها، فإذا وجد الإنسان ثمرة في الصحراء فالأصل أنه يباح له أن ينتفع بها، وإذا وجد صيداً فالأصل أنه يباح له أن ينتفع به، وإذا وجد أخشاباً أو حجارة.. إلى آخره، فهذه الأشياء -يعني ما في هذه الأرض من الجمادات أو من الأشياء النامية، أو من الحيوانات أو غير ذلك- الأصل في ذلك أنها مباحة للإنسان، هذا هو الأصل، وهذا مراده بقولنا: (يعني الأعيان المنتفع بها)، لكن يخرج من هذا الأصل ما كان ضاراً، فإذا ثبت أن هذا الشيء ضار فإنه يكون مستثنىً من هذا الأصل؛ لقول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] . وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار ).

    إذاً: فالأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة، ولكن فيما يتعلق بالأشياء الأخرى فإن لها أحكاماً أخرى، فالعبادات الأصل فيها الحظر والمنع. والعقود بين الناس والشروط في العقود الأصل فيها الإباحة، سواء كانت هذه العقود عقود معاملات، أو عقود تبرعات، أو عقود أنكحة فالأصل في ذلك الإباحة في العقود، وكذلك أيضاً في الشروط في العقود.

    وللتوضيح نقول: عندنا في فقه العبادات الأصل فيها المنع، أما ما بعد العبادات كالمعاملات والتبرعات وأحكام الأنكحة، فهذه كلها الأصل فيها الإباحة في العقود وفي شروط العقود أيضاً، وما يتعلق بالحدود والقصاص ونحو ذلك فالأصل في ذلك حرمة دم المسلم، وحرمة ماله، وحرمة عرضه.

    وأما ما يتعلق بالفروج فالأصل الحرمة، والأصل في النكاح الحل؛ لأن الله عز وجل أباح النكاح فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، وأيضاً قول الله عز وجل لما ذكر المحرمات: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، ولكن لو اشتبه عنده امرأتان كأن اشتبهت أخته بأجنبيات فنقول: الأصل في ذلك الحرمة؛ يعني الأصل في الفروج التحريم، فلا يطأ الإنسان فرجاً حتى يعلم أنه حلال.

    أيضاً الأصل في اللحوم الحرمة، فإذا اشتبهت المذكاة والميتة على وجه لا يتبين فالأصل أنه يمتنع الإنسان.

    1.   

    استصحاب الحال

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومعنى استصحاب الحال: أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي].

    الاستصحاب من الأدلة المختلف فيها، وسبق أن الأدلة المتفق عليها بين أهل العلم أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأما بالنسبة للاستصحاب فهو من الأدلة المختلف فيها، وقد تقدم لنا من الأدلة المختلف فيها قول الصحابي.

    تعريف الاستصحاب في اللغة والاصطلاح

    الاستصحاب في اللغة: طلب الصحبة، والصحبة: مقارنة الشيء وملازمته ومقاربته.

    وأما في الاصطلاح: فهو استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً.

    والاستصحاب يطلق عليه بالبراءة الأصلية، وهناك تعريف آخر غير التعريف السابق: وهو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير.

    أقسام الاستصحاب

    الاستصحاب ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب دليل العقل، أو استصحاب العدم الأصلي. وهذا حجة عند جماهير أهل العلم.

    والقاعدة في ذلك: أن الأصل البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع، والدليل على أن استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب دليل العقل، أو العدم الأصلي حجة قول الله عز وجل لما حرم الربا: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة:275]، فقال الله عز وجل: فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة:275]، فدل على أن الإنسان قبل أن يحرم الربا غير مؤاخذ؛ لأن الله عز وجل قال: (فله ما سلف).

    فالآية دلت على أن ما احتسب من الربا قبل التحريم فإنه حلال؛ لأنه قبل التحريم على البراءة الأصلية.

    وأيضاً قول الله عز وجل: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23]، هذا يدل على أن الجمع بين الأختين قبل التحريم حلال، وأن الإنسان لا يلام على ذلك؛ لأن البراءة الأصلية تدل على الإباحة، فهذا القسم الأول.

    القسم الثاني: استصحاب دليل الشرع، وينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: استصحاب عموم النص حتى يرد المخصص، وهذا بالاتفاق على أنه حجة، فإذا ورد عند المجتهد دليل عام فالأصل أنه يستصحب عموم النص حتى يرد المخصص، ومثله أيضاً استصحاب دليل الإطلاق حتى يرد المقيد.

    والقسم الثاني: استصحاب العمل بالنص حتى يرد الناسخ؛ أي: إطلاق العمل حتى يرد الناسخ، وهذا بالاتفاق على أنه حجة؟

    القسم الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته واستمراره لوجود سببه حتى يثبت خلافه، ومن الأمثلة على ذلك: الملك؛ كملك العين تثبت بعد حصول السبب الذي هو البيع أو الهبة أو الوصية حتى يثبت خلافه، وهو نقل الملكية، بأن يبيع هذه العين أو يهبها أو يوصي بها لشخص أو غير ذلك، وهذا أيضاً حجة.

    القسم الرابع: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، وهذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو حجة أو ليس بحجة:

    والمراد باستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع: أن يجمع العلماء على حكم مسألة من المسائل في حالة من الأحوال ثم تتغير هذه الحالة؛ يعني: تتغير صفة الحالة المجمع عليها، ويختلف المجمعون فيها، فيستدل بعضهم بالإجماع السابق ويعتبره حجة، فهذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله على رأيين:

    الرأي الأول: أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة، وهذا قال به الظاهرية.

    والرأي الثاني: أنه ليس بحجة.

    مثال ذلك: أجمع العلماء على أن من صلى بالتيمم فصلاته صحيحة، فالركعة الأولى صحيحة بالإجماع، ولكن لما جاء الماء في الركعة الثانية تغيرت الحالة، فهل استصحاب حكم الإجماع السابق في محل النزاع حجة أو ليس بحجة؟ فالذين قالوا: صلاته صحيحة قالوا: لأن الإجماع دل على حجيتها فنستصحب حكم الإجماع، والذين قالوا: بأن صلاته غير صحيحة قالوا: لأن الإجماع انعقد بشرط عدم تغير الصفة، أما الآن فالصفة متغيرة.

    إذاً: أصبح الاستصحاب له هذه الأقسام:

    القسم الأول: استصحاب البراءة الأصلية.

    القسم الثاني: استصحاب دليل الشرع.

    القسم الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته واستمراره.

    القسم الرابع: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.

    فالقسم الأول حجة عند جماهير أهل العلم، والثاني والثالث متفق عليه، واستصحاب حكم الإجماع في حال النزاع فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    1.   

    ترتيب الأدلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الأدلة: فيقدم الجلي منها على الخفي، والموجب للعلم على الموجب للظن، والنطق على القياس، والقياس الجلي على الخفي، فإن وجد في النطق ما يغير الأصل، وإلا فيستصحب الحال].

    أقسام ترتيب الأدلة

    المراد بترتيب الأدلة: جعل كل دليل في رتبته التي يستحقها بوجه من الوجوه، وينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: ترتيب الأدلة من حيث العمل، فأما من حيث العمل فالأدلة في مرتبة واحدة في وجوب العمل بها، إذ أن الجميع يجب اتباعه.

    القسم الثاني: ترتيبها من حيث المنزلة والمكانة، فلا شك أن الذي في المرتبة الأولى هو الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس.

    وكذلك ترتيبها من حيث النظر والاستدلال، فإذا أراد الإنسان أن يستدل فعليه أن يبدأ بالكتاب، وبعض العلماء يرى أنه يبدأ بالإجماع؛ لأن الكتاب وإن كان ثبوته قطعياً لكن الاستدلال به قد يدخله الاحتمال، ولكننا نقول: يبدأ بالكتاب ثم بالسنة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس.

    وقوله: (وأما الأدلة) فالأدلة جمع دليل، والمراد به هنا ما يثبت به الحكم الشرعي من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

    تقديم الدليل الجلي على الدليل الخفي

    يقول المؤلف رحمه الله: (فيقدم الجلي منها على الخفي) فيقدم من الكتاب والسنة الجلي على الخفي، فقد يكون الاستدلال من الكتاب جلياً ظاهراً ولا يحتاج إلى تأمل، فيقدم على الدليل الخفي الذي يحتاج إلى تأمل، وذلك كمثل الظاهر والمؤول، فالظاهر يقدم على المؤول؛ لأن الظاهر ظاهر بنفسه أو ظاهر بالدليل، والمؤول: صرف الظاهر عن المعنى المتبادر إلى المعنى المرجوح بدليل، فنقول: يقدم الظاهر على المؤول، وكذلك أيضاً يقدم اللفظ المستعمل في حقيقته على اللفظ المستعمل في مجازه.

    تقديم الدليل المتواتر على الآحاد

    المؤلف رحمه الله: (والموجب للعلم على الموجب للظن) والموجب للعلم هو المتواتر، وهذا تقدم لنا أن الموجب للعلم هو المتواتر، وأنه موجب للعلم الضروري وليس النظري، فإنه يقدم على الموجب للظن، فالمراد بقوله: (الموجب للظن): هو الآحاد، فنقدم المتواتر هذا على الآحاد إلا إن كان المتواتر عاماً والآحاد خاصاً فإنه يخصص العام بالآحاد، وهذا تقدم لنا، وهذا كقول الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، فالأولاد هذا عام، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم ) هذا خاص.

    تقديم النطق على القياس

    قوله رحمه الله: (ويقدم النطق على القياس) والمراد بالنطق: هو الكتاب أو السنة، فإننا نقدم قول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وسلم على القياس، إلا إن كان النص عاماً فإنه يخص بالقياس كما تقدم لنا أن القياس من المخصصات.

    تقديم القياس الجلي على الخفي

    قوله رحمه الله: (ويقدم القياس الجلي على القياس الخفي) وتقدم لنا القياس الجلي والقياس الخفي.

    والقياس الجلي: أن تكون العلة منصوصاً عليها، أو مجمع عليها، أو قطع فيه بنفي الفرع، وهذا نسميه بالقياس الجلي، ونقدمه على القياس الخفي.

    والقياس الخفي: هو الذي لم يقطع فيه بنفي الفرع، ولم تكن العلة منصوصاً عليها، ولم تكن العلة مجمعاً عليها، وهذا سبق لنا أن مثلنا للإجماع بالقياس الجلي مثاله والقياس الخفي، والقياس الجلي كما تقدم إحراق مال اليتيم مع أكله، والقياس الخفي مثاله كما تقدم قياس الذرة على البر في جريان العلة.

    تقديم استصحاب الحال

    قول المؤلف رحمه الله: (فإن وجد في النطق ما يغير الأصل، وإلا فيستصحب الحال) تقدم الكلام عليه فيما يتعلق باستصحاب الحال، يعني يقول: (إذا وجد في النطق ما يغير الأصل، وإلا فيستصحب الحال)، نستصحب البراءة الأصلية أو دليل العقل، أو العدم الأصلي، وهذا تقدم الكلام عليه.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002059370

    عدد مرات الحفظ

    718463976