إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة النور [3]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حفلت سورة النور بذكر حادثة الأفك المفترى على الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق الأكبر عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تضمنت آياتها براءة عائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهما، وذكر من تولى كبر الحادثة، وهتك أستار المنافقين، وبيان الواجب على المؤمنين في هذه القضية ونحوها، وبيان جوانب الخير في الحادثة، كما تضمنت الدعوة إلى الصفح والعفو عن المسيء، وبيان جرم قاذف المؤمنات المحصنات، وغير ذلك من الأمور العظيمة.

    1.   

    ذكر حادثة الإفك

    الحمد لله وحده حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا الدرس تابع لما كنا قد تكلمنا فيه من سورة النور، وقد ذكرنا في درسين سابقين ما كان فيهما من أحكام في صدر السورة.

    والآن ننتقل إلى الآيات المعنية بقصة الإفك: وهي آيات تنتهي عند الآية السادسة والعشرين من هذه السورة المباركة، وقصة الإفك تناولها أصحاب السيرة كما تناولها المفسرون، لعلاقتهما بالأمرين في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن القرآن هو الذي نزل ببراءة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    وقبل أن أشرع في التفسير، وبيان ما ذكره العلي الكبير في كلامه أقول: إن النبي عليه الصلاة السلام جاء بدين جديد على خلاف ما كان عليه قومه، فواجهه قومه بأن اتهموه بالسحر والكهانة والجنون وغير ذلك، ومثل هذه الاتهامات قد وطن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على مقابلتها، فهي من جنس ما كان يتوقعه من أذى وصدود ورد لدعوته ممن لم يؤمن بها، ولكن حديث الإفك كان ابتلاء من نوع آخر، ولا يوجد ابتلاء في السيرة العطرة والأيام النضرة في حياته صلى الله عليه وسلم مثيل له، ولهذا قال الله: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا [النور:17].

    فهو حدث لم يتكرر، ونوع من البلاء لم يقع إلا مرة واحدة في غزوة المريسيع، واستصحاب هذا عند تفسير القرآن أو تفسير هذه الآيات المعنية بحديث الإفك أمر مهم جداً لطالب العلم في التأمل في كلام الله جل وعلا، فبعض الآيات والأحداث تتكرر؛ لأن الابتلاء فيها ينضوي تحت خيمة واحدة، أما هذا الابتلاء فلا ينضوي تحت أي خيمة، وإنما هو مستقل لوحده، لم يعهده النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ولم يعهده في المدينة، إلا ذلك الحين، ثم انجلى بعد شهر من الأسى بإنزال الله جل وعلا قوله: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، وهو أول ما سنفسره، إلى قوله سبحانه وتعالى: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26].

    هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: أن الناظر في القرآن لا ينبغي له أن يحكمه شيء واحد، وإنما هي معانٍ تقرب للناس، بحسب فهمنا لكلام الله، وإلا فلن يصل تعبيرنا عن مراد الله إلى المعنى المقصود الأسمى؛ لأن تعبيرنا وفهمنا لكلام الله لن يصل أبداً إلى نص القرآن نفسه، فنص القرآن مقدس، ومقاربة العلماء لذلك النص غير مقدسة.

    الشخصيات المذكورة في قصة الإفك

    سنتكلم ابتداءً عن الشخصيات التي تتعلق بقصة الإفك، حتى إذا شرعنا بعد ذلك في تفسير الآيات كانت الصورة واضحة جلية.

    فأول تلك الشخصيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو غني عن التعريف، ثم الصديق لكونه والداً لـعائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ثم أم رومان أم عائشة رضي الله عنها، وزوجة أبي بكر ، وهؤلاء الثلاثة قد لا يكونون مقصودين بالأمر، وإنما ينصرف الأمر أول ما ينصرف إلى عائشة وإلى صفوان بن المعطل .

    فأما عائشة فهي الصديقة بنت الصديق ، رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي أشهر من أن تعرف بها، ولكن نعرف بالشيء الذي تعلق بالقضية، فقد رزق النبي صلى الله عليه وسلم حبها، وأتاه جبريل بصورتها سرقة من حرير، وفي رواية: في كفه، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستكون زوجته، وقال: (إن يرد الله خيراً يمضه)، أو: (أن يرد الله شيئاً يمضه)، ثم كانت زوجته رضي الله تعالى عنها وأرضها، فبعد الهجرة بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال.

    وهذه المباركة أنزل الله جل وعلا فيها هذه الآيات بياناً لبراءتها، وتوفي النبي عليه الصلاة السلام بين سحرها ونحرها، ودفن في حجرتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    وأما من رميت به فهو صفوان بن المعطل السلمي ، أحد خيار الصحابة، ومما يدل على أن الله جل وعلا أراد به خيراً أنه مات شهيداً، والظفر بالموت شهادة ليس بالأمر الهين، فقل ما يعطاه أحد، والله تعالى يقول: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140]، وليس كل أحد يتخذ شهيدا.

    فـصفوان بن المعطل لما رآها قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فكان ذلك سبباً في نجاته كما سيأتي.

    ومن الشخصيات شخصيات خاضت في الأمر بشدة، وبعضها تولى كبر الأمر، وهو عبد الله بن أبي المنافق الخزرجي النسب، قدم النبي عليه الصلاة السلام المدينة وكان القوم من الأوس والخزرج قد أجمعوا أمرهم على أن يولوه ملكاً عليهم، ولهذا اغتاظ من قدوم النبي عليه الصلاة السلام إلى المدينة.

    ومن تلك الشخصيات حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهور عند العلماء أنه وقع في الأمر، وشارك في نشره، وحمنة بن جحش أخت زينب بنت جحش زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، المنافسة لـعائشة في الخطوة عند رسول الله عليه الصلاة السلام، فلو قدر أن زينب هي التي شاركت لكان الأمر فيه بعض العذر، لا بعض الجواز؛ لكونها منافسة لـعائشة ، ولكن الورع عصمها، ولم تقل كلمة واحدة في عائشة .

    لكن حمنة أختها انتصرت لها، والإنسان قد تغلب عليه العاطفة، فيريد أن ينفع غيره فيضر نفسه ويضر غيره، وربما لا يصل إلى ضرر غيره، كما فعلت حمنة ، فـحمنة لا علاقة لها بـعائشة ؛ إذ هي زوجة لـطلحة ، ولكنها أرادت أن تنصر أختها، فشاركت في النقل لعلها تصيب من ذلك نقصاً في عائشة ، ولا تعتقد صحة ذلك؛ لأن الله قال: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ [النور:15] فلا يوجد من ذلك شيء مستقر في القلب، ولكنها أرادت نصرة أختها، فنصرتها لأختها أعمت بصيرتها عما تنظر إليه.

    ومن تلك الشخصيات مسطح بن أثاثة أبن خالة لـأبي بكر ، كان فقيراً مستضعفاً، وكان أبو بكر ينفق عليه، فشارك في قضية إشاعة الأمر، وهو بدري، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (... لعل الله أطلع على أ هل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وليس المعنى: إنني قد أذنت لكم بالمعاصي. إذ لو كان المقصود هذا لما عوتب مسطح هنا، ولما أقيم عليه الحد.

    وأبو أيوب الأنصاري كان أحد الذين عصمهم الله هو وزوجته، فقالا خيراً، وقالا عن ذلك الإفك: هو الكذب بعينة.

    ومنهم الجارية التي سألها النبي عليه الصلاة السلام، فبعض أهل العلم يقول: إنها بريرة ، وبعضهم يقول: إن بريرة لم تكن بعد في عهدة عائشة ، وكيفما كانت تلك الجارية فإنها امرأة عصمها الله، فقالت: يا رسول الله! أهلك ولا أعلم إلا خيراً . وذكرت عن عائشة أنها امرأة تغفل عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.

    ومنهم أسامة بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان من الشخصيات الحاضرة في القصة، استشاره النبي عليه الصلاة السلام فقال: يا رسول الله! أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وعبارة (ولا نعلم إلا خيرا) تدل على كمال عقل، فهي ليست مفرطة في المدح، ولا تقارب الذم أبداً، ولكنها في نفس الوقت فيها شيء من التزكية، وهي عبارة لو استخدمها المزكون اليوم لكان ذلك جيداً.

    ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، خاتم الخلفاء الأربعة، ورابع الحنفاء رضي الله عنه وأرضاه، وقد قال: يا رسول الله! النساء غيرها كثير. وليس المقصود اتهام عائشة ، ولكن علياً ليس كـأسامة ، فـأسامة مولى لا يلحقه عيب لو وقع الأمر حقاً، أما علي فهو ابن عم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما ينتسب إلى بني هاشم، فهو عصبة لرسول الله، والرسول صلى الله عليه وسلم عصبة له، فهو ينظر من باب أن الأمر يتعلق ببني هاشم وزوجاتهم، فأراد أن يغلق الباب، ويسد على الناس طرائق أقوالهم، ولم يرد أن يتهم عائشة ، ولكنه ملف أراد أن يغلقه، وقضية لا يريد لها أن تثار، هذا هو المقصود من قول علي رضي الله تعالى عنه: (النساء غيرها كثير) يعني إن تعلق قلبك بها حباً، فتزوج غيرها ينسيك إياها، وانفك من مسألة أن يقدح الناس فيها، هذا هو مقصود قول علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد قالت الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها بعد سنين من هذه الحادثة: إن علياً لم يكن بيني وبينه إلا ما يكون ما بين المرأة وأحمائها، أي: قرابة زوجها.

    فهذه هي الشخصيات التي يأتي خبرها في قصة الإفك، وهناك شخصيات غير مسماة، وهم عامة المؤمنين، وعامة المنافقين، ولكن هؤلاء أفراد مميزون جاء ذكرهم في القصة.

    وقد وقعت الحادثة في غزوة المريسيع -غزوة بني المصطلق- في السنة الخامسة تقريباً، قبل دخول المدينة في منطقة تسمى العشيرة إلى الآن، تبعد عن المدينة قرابة عشرين أو ثلاثين كيلو متر، بعد الخروج من المدينة بطريق الهجرة الجديد، فهذا هو المكان، وهذا هو الزمان، وأولئك هم أفراد القصة.

    أما القصة إجمالاً فحاصلها أن النبي عليه الصلاة السلام كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ابتغاءً للعدل، وفي هذه الغزوة جاءت القرعة لـعائشة بقدر الله، فخرج عليه الصلاة والسلام بـعائشة وأتى المريسيع، فحصل ما حصل من سبي وبعض قتال، واقتتال على الماء ومناوشة بين المهاجرين والأنصار أراد أن يثيرها عبد الله بن أبي ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهي القضية، فأمر الركب بالرحيل في غير ساعة يرحلون فيها، ففقدت أم المؤمنين عقداً كان عليها، والعقد هو ما يحيط بالعنق، يراد به الزينة، فإذا أحاط بالمعصم سمي سواراً، فإذا أحاط بالإصبع يسمي خاتماً.

    فلما فقدت أم المؤمنين عقدها ذهبت إلى ذلك المكان الذي يرجى أن يكون فيه، وفي تلك اللحظات رحل الجيش، وكان هناك أناس مسئولون عن هودج أم المؤمنين، وكانت امرأة نحيلة؛ إذ كانت في قرابة الرابعة عشرة من عمرها، وقليلاً ما تأكل اللحم، ولم يمض على زواجها إلا ثلاث سنين أو أربع على الأكثر، فالهودج التي هي فيه، لا يكاد يختلف على أشداء الرجال، وإنما يختلف عندما يكون الذي يحمله ضعيفاً، ولكن أشداء الرجال الذين يحملون امرأة في الرابعة عشرة لم يظهر لهم فرق، فحملوا الهودج وهم لا يشكون في أن أم المؤمنين فيه، فعادت فلم تجد نبي الله عليه الصلاة السلام، ولم تجد القوم جميعاً، ولا يمكن لها أن تنطلق، فذهبت إلى شجرة في نفس المكان، فوضعت عليها لثامها وجلست، فغلبها النوم بقدر الله، وكان صفوان بن المعطل قد كلف بساقة القوم، فتأخر عن الجيش ليمضي قدر الله، فلما أتى إلى المكان الذي كان فيه الجيش وجد الجيش قد ذهب، وهو يعلم ذلك، ولكنه وجد خيالاً، فاقترب منه فإذا هو أم المؤمنين، وكان يرها قبل الحجاب، فعرفها، ولن تخفى عليه، إذ كان مجتمع المدينة صغيراً، وقد لا يعرف كل صغيرة وكبيرة، ولكن الإنسان لا يجهل أن تكون هذه امرأة فلان إذا رآها مرة أو مرتين، فاقترب منها، وألهمه الله تعالى أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه، ومن أراد الله أن يرحمه فتح له طرائق الرحمة، وألهمه ما يقول، وأعانه على ما يفعل، وينبغي أن تعلم أنه ما يرفع شيء من الأرض إلى السماء أعظم من الإخلاص، ولا ينزل شيء من السماء إلى الأرض أعظم من التوفيق.

    فلما سمعت عائشة استرجاع صفوان أفاقت على استرجاعه، فلم تتكلم، فأناخ الناقة، وركبت أم المؤمنين، ولم يكلمها ولم تكلمه، وهو يعلم قطعاً أنه سيتعرض للبلاء، أما هي فكانت صغيره في الرابعة عشرة، فربما لم يدر بخلدها أن يتكلم فيها.

    وقبل أن يصل الجيش إلى المدينة أناخوا المطايا في عز الظهيرة في منطقة تسمى العشيرة الآن, وكانوا في منطقة مكشوفة، فإذا بـصفوان يقبل وأم المؤمنين على ناقته، وهو يقود الناقة، فرآهما عبد الله بن أبي ، فطار فرحا، فقال بصوت يسمع ولا يسمع -أي: يسمعه الضعفاء الذين لا يمكن أن يشهدوا به، وهم قادرون على أن ينقلوه، ولا يسمعه من يستطيع أن يأتي شاهداً عليه- قال: امرأة نبيكم مع رجل! والله ما نجت منه ولا نجا منها! كلمة تكاد تسقط لها بعض الجبال، ولا أقول: الجبال كلها؛ لأن هذا يقال في حق الله فقط.

    فلما قال ذلك انتشرت الكلمة، وأم المؤمنين لا تدري، فلما رجعت أصابتها وعكة في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل ذلك كونها عائدة من سفر، ولكن الأمر أذيع وأشيع، وبلغ النبي عليه الصلاة السلام، فرأت في النبي عليه السلام تغيراً في معاملته، وذلك اللطف الذي كانت تعهده منه قل أو تلاشى قليلاً، ولم يدر بخلدها أن يكون ذلك بسبب شيء سمعه عنها.

    ثم قدر لها أن تتعافى تدريجاً، فخرجت مع أم مسطح -أحد الذين ساهموا في نشر الأمر- إلى الصحراء، لقضاء الحاجة، ولم يكن للعرب يوم ذاك عهد بتلك الأمور، فلما خرجتا كانت هذه المرأة تريد أن تدخل عائشة في القضية، فقد علمت أن عائشة لا تعلم، بدليل أنها لو كانت تعلم لسألتها عن خوض ابنها في ذلك، ولكنها لم تسألها، فأرادت أن تشركها في القضية، فبدأت تتعمد التعثر، وإذا تعثر الإنسان فجأة فإنه تصدر منه كلمات من باب ردة الفعل، فلما عثرت قالت: تعس مسطح . ولا يوجد ارتباط بين مسطح وبين سقوطها في البرية، فـعائشة أنكرت ذلك، ولو قالت كلمة مألوفة لما أنكرت عائشة ، وهي لا تريد أن تقول كلمة مألوفة، بل تريد أن تقحم عائشة في القضية، وتريد أن تفتح باباً للحديث، فرددتها مرتين، فتعجبت أم المؤمنين، فقالت: سبحان الله! رجل شهد بدراً تدعين عليه! أو كلمة نحوها، فقالت: يا هنتاه -وكانت عائشة بجوارها- و(هنتاه) كلمة تقال للبعيد، ولكنها تريد أن تبين لها أنها امرأة تعيش في عالم آخر، ولا تدري بما يحصل في الساحة، وإلا لقالت: يا هذه، فقالت: يا هنتاه! أما علمت؟! ثم أخبرتها، فقالت: سبحان الله، وتحدث الناس بهذا؟! قالت: نعم، فرجعت وازداد مرضها، حيث أصبح ذلك هماً وغماً، ومرضاً قلبياً، ثم سألت أمها، فقالت لها أمها تريد أن تخفف وطأة الأمر عليها: يا بنية! إنه قل أن تكون امرأة وضيئة -أي: مثلك- لها حظوه عند زوجها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها.

    فازدادت حزناً على حزن رضي الله عنها وأرضاها، وكل هذا يحصل والوحي لا ينزل بشيء، ولا ينزل قرآن من السماء، ونبي الأمة ورأس الملة يتهم في زوجته، ولكن الله جل وعلا أراد أن يمحص بشريته عليه السلام من نبوته.

    فأي شيء عظيم تريد أن تكشفه إذا كان مختلطاً بغيره، وتريد لمعانه أخرجه عن غيره، حتى يظهر جلياً بيناً؛ لأنه حين يكون وسط الأشياء التي تشوبه وتختلط به لا يظهر.

    فالله جل وعلا أراد هنا أن يميز نعمة النبوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون منفكة عن بشريته، فبشريته ذهب يستشير، ودعا الجارية، ودعا أسامة ودعا علياً ، وصعد المنبر وقال: من يعذرني في رجل بلغ أذاه أهلي. ويختصم الحيان الأوس والخزرج، فما يزال بهما حتى يسكتهما، ويذكر عن صفوان أنه ما علم فيه إلا خيراً، فقال: لقد ذكروا لي رجلاً -يقصد صفوان - لا أعلم عنه إلا خيراً، ولا يدخل على أهلي إلا معي. أي: هم لا يتحدثون عن رجل وجدته مرة مع أهلي، أو رأيته يطلع على أهلي، وإنما يتكلمون عن رجل لا أعلم عنه إلا خيراً، ولا يدخل على أهلي إلا معي، فيتجنب أن يأتي البيت وأنا غير موجود، فبعيد جداً أن يتهم، وهذا كله كلام بشر يحصل في أي مجتمع، ويقوله أي فرد؛ فالوحي منفك في هذه القضية، وليس معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن نبياً في تلك الفترة، فهذا محال، بل هو نبي في كل حال، ولكننا نتكلم عن تصرفه مع هذه الحدث، فهنا يتصرف ببشريته عليه الصلاة والسلام، فلما استغرق الجهد البشري جاء الوحي الرباني والتنزيل الإلهي ليفصل في القضية.

    ثم دخل عليه الصلاة والسلام على عائشة وقد استأذنته من قبل أن تمرض عند أبويها، ولك أن تتصور موقف خير الأصحاب، فقد كان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن كان عمره ثمانية عشر عاماً، وكان صديقاً له مدة تزيد على عشرين عاماً، إذ لما جاء الإسلام كان عمر الصديق ثمانية وثلاثين عاماً، ثم بعد ذلك صار صاحباً له بتعبير القرآن، وعاش معه كل سنين العذاب في مكة في المرحلة السرية والجهرية، ثم كان معه في المدينة، وفي بدر وأحد والخندق، ثم تعود ابنته زوجة ذلك الصاحب إليه متهمة بأنها خانته في عرضه، فهذا شيء مذهل بالنسبة للصديق ، ولكنه الأدب؛ إذ لما سكت الله فما أنزل شيئاً سكت رسول الله فما حكم بشيء، فلما سكت رسول الله سكت أبو بكر، فما استطاع أن يدافع عن ابنته ولن يتهمها، ولكنه سكت لسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعود إليه ابنته متهمة فيظل يبكي رضي الله عنه وأرضاه، حتى ورد في بعض الروايات أنه كان يقرأ القرآن على سطح المنزل، فيسمع ابنته تبكي فيبكي، ولكن الأدب منعه أن يتكلم بكلمة واحدة.

    ثم دخل نبينا صلى الله عليه وسلم يعرض الأمر مكشوفاً على عائشة فقال: إن كنت أذنبت فاستغفري، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله، فقالت كلاماً، ثم قالت: ما أقول لكم إلا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18].

    تقول: (كما قال أبو يوسف) فنسيت اسم يعقوب، وفي هذه اللحظات انقطعت كل الطرائق الدنيوية، فمن كان حول النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال مشورته، وأبو بكر سكت، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدر كيف يفصل في القضية، والمرأة تبكي، فأنزل الله جل وعلا قوله: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، وما زال الوحي يتنزل عليه حتى انفصم عنه صلوات الله وسلامه عليه وأن جبينه ليتفصد عرقاً.

    فكانت هذه هي براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ونهاية شهر الأسى في حياة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فقال لها: احمدي الله. ففرح الأبوان أبو بكر وأم رومان ، فقالا لها: قومي إلى رسول الله. فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله.

    وليس المقصود أنها غضبت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، حاشاها، فهذا لا يقع في قلب أي أحد من المسلمين الصادقين، ولكنها أرادت أن تبين جلالها وفضلها وحقها على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    والمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا القرآن وأظهر بما تلاه من كلام الله براءة أم المؤمنين وصفوان بن المعطل رضوان الله تعالى عليهما، فهذا هو مجمل حديث الإفك كما وقع في صحيح الأخبار وصريح الآثار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ..)

    قال الحق تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11].

    قوله: (جاءوا بالإفك) أي: ابتدعوه؛ لأنه ليس له أصل، والإفك: الكذب، وهو أقبح الكذب؛ لأن الإفك هو القلب، كما قال الله جل وعلا: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53]، والمؤتفكة: قوم لوط، وسموا مؤتفكة لأن الله قلب عليهم بلدتهم فجعل عاليها سافلها، فـالصديقة رضي الله عنها وأرضاها أهل لكل فضيلة، فكيف ينسب إليها أعظم شيء في الرذيلة؟!

    فهذا قلب للحقائق، ولهذا سماه الله جل وعلا إفكا فقال: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، والعصبة: الجماعة دون الأربعين.

    بيان معنى قوله تعالى (لا تحسبوه شراً لكم ...)

    قال تعالى: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11].

    كما قال تعالى في سورة القمر: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:3] فالعبرة بالنهايات، فالنقص في البدايات لا يدوم، بل العبرة بما استقر عليه الأمر، وهو المطلوب والمقصود، وقد استقر الأمر على براءة عائشة وصفوان قال الله تعالى: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ [النور:11].

    وبعض العلماء رحمهم الله يقول: إن المقصود صفوان وعائشة ، ولكن الله جمع من باب ما هو كائن في أساليب لغة العرب، وهذا بعيد، وإن كان هذا الأسلوب موجوداً في لغة العرب، ولكن لا يمكن حمل المعنى هنا عليه، بل المعنى أن الأمة كلها تستفيد من هذا الحديث، فأما الذين ظُلِموا في الإفك فهو رفع لدرجاتهم، وشرف لهم أن يذكروا في القرآن، وأن تنزل براءتهم في القرآن.

    وأما الذين لم يذكروا من المؤمنين المعاصرين للحدث، أو المؤمنين الآتين بعد نزول الآيات، فإن في ذلك موعظة وأدباً لهم لاختيار هدي الله جل وعلا في تربية المجتمع، على أنه ينبغي أن يعلم أنه لا يوجد خير محض ولا شر محض، بل الأمور بالغالب، وأما الخير المحض ففي الجنة، والشر المحض في النار.

    قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ [النور:11] أي: من الذين خاضوا في الإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ [النور:11].

    و(اكتسب) توافق (كسب) إلا أن العرب في فصيح كلامها تستعمل (كسب) في الخيرات، و(اكتسب) في الآثام.

    قال تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ منهم [النور:11] أي: تولى أصل القضية وحرص على إذاعتها وتبنى إشاعتها لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11] والمقصود به عبد الله بن أبي بن سلول .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ...)

    وأما الآداب الناجمة عن الحدث فقد جاء تفصيلها بعد أن ذكر الله الحدث جملة وبين أن الأصل فيه أنه خير للناس، فقال جل ذكره: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا [النور:12].

    وكلمة (أنفس) هنا دلالة على أن المجتمع المسلم مجتمع واحد، وهذه طريقة القرآن كما قال تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:66].

    وقوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا [النور:12] هذا الذي وقع من أبي أيوب الأنصاري .

    وإذا كان الإنسان أصلاً يظن بنفسه الخير، فكيف الظن بأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؟!

    قال تعالى: وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]. أي: كان الواجب أن يقال: إن هذا إفك واضح ظاهر بين، لا أن يخاض فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ...)

    وبعد أن خاطب الله جل وعلا المؤمنين بما ينبغي عليهم أن يفعلوه خاطب جل وعلا أولئك الذين تولوا الأمر، فقال الله تبارك وتعالى: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13].

    وقد بينا أن هذا مرتبط بأول القصة، لأن الله ذكر في أول السورة قضايا القذف، وأن القذف يشترط فيه أربعة من الشهود، وإنما استثنى الله جل وعلا من هذا الإجمال الزوج إذا رمى زوجته، وليس هنا زوج يرمي زوجته، وإنما هم أناس يرمون زوجة نبيهم.

    فالاعتبارات والمعايير الشرعية المطلوبة هنا هي أربعة شهداء، حيث قال الله: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13]، والكذب على الله أعظم الذنوب، ثم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الكذب على الناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ...)

    قال الله جل وعلى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14].

    (لولا) حرف امتناع لوجود، ويليها عند سيبويه المبتدأ، ويحذف خبرها غالباً، كما حرره ابن مالك بقوله:

    وبعد لولا غالباً حذف الخبر حتم وفي نص يميز ذا استقر

    وذلك كقولك: لولا زيد في هجر، أي: لولا زيد موجود في هجر.

    فـ (فضل) هي المبتدأ، وجواب لولا هو قول الله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14].

    أي أن الله جل وعلا رحمكم، وأعطاكم مهلة للتوبة، وعفا عنكم في كونكم لم تنكروا إنكاراً جلياً واضحاً على من خاض في الإفك، وإلا فإن ما وقعتم فيه أمر يستوجب أشد العذاب، ولكن رفع عنكم بسبب فضل الله جل وعلا ورحمته لكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم ...)

    قال الله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15].

    معلوم أن الإنسان يتكلم بفمه، وهنا يقول تعالى: (وتقولون بأفواهكم) والحقيقة أن الله تعالى لم يريد أن يبين الجارحة التي نتكلم بها، إنما أراد أن يبين أن هذه الأمر لم يكن مستقراً في القلوب، ولا توجد له حقيقة، بل شخص ينقله وشخص يحمله وشخص يذيعه وشخص يزيد عليه، شأن أكثر الناس، وقد خاض في هذا الأمر كبار المنافقين، وبعض الصحابة، وقد عفا الله تبارك وتعالى عنهم، والكلام عن الصحابة -ولو أخطئوا- يجب أن يكون مقيداً بتعبير القرآن، ولا نقذف أنفسنا في أمواج لا نستطيع أن نواجهها، ونترضى عنهم أجمعين، فاللهم ارض عنهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ...)

    يقول تعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ [النور:16] وهذا تأديب للناس قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].

    والأصل في التسبيح تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، والمقصود بذكره هنا: سبحانك ربنا أن تكون زوجة نبيك امرأة فاجرة.

    قال ربنا تبارك وتعالى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16].

    أي: بهذا الإفك سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله ...)

    ثم يقول تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا [النور:17] ولا يكون العود لمثله إلا بقذف عائشة رضي تبارك وتعالى عنها أو قذف إحدى أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن.

    ثم قال الله بعدها: إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور:17].

    فهل يجري هنا الحكم الجاري على ما ورد في السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، فلو لم يكرم ضيفة لا ينفي عنه كل الإيمان، وكذلك قوله: (ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فلو زنى فإنه يبقى مؤمناً، ولكنه ليس كامل الإيمان، فهل هذا هو المقصود بالآية؟! والجواب: هذا الذي عليه جمهور أهل التفسير، وذهب بعضهم إلى أن العودة إلى قذف إحدى أمهات المؤمنين كفر بالله، فجعلوا الشرط على مفهومه الواضح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ...)

    ثم قال الله تعالى: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:18-19].

    قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ [النور:19] المحبة: شيء يقع في القلب، خفي كامن، فناسب أن يقول الله جل وعلا بعد ذلك: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    فقد يوجد بيننا من يحب الفاحشة، ومن يحب أن تنتشر، ولكنه لا يتصرف تصرفاً يدل على تلك المحبة المستوطنة في قلبه، فلا سبيل لنا عليه، بأن ننكر أو نؤدب أو نعزر، وربما بوأناه مكاناً قيماً، فنجم عن تبويئه ذلك المكان إفساده في الأرض؛ لذلك قال الله جل وعلا: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    فإذا كان الذين في قلوبهم محبة لإشاعة الفاحشة في المؤمنين قد توعدهم الله جل وعلا بهذا، فكيف بمن يحمل الأمر برمته، ويسعى في الناس -والعياذ بالله- بإشاعة الفاحشة، كأرباب القنوات التي تبعث الشرور، وتنشر الفجور، أو أصحاب المجلات، أو أصحاب الصحف التي تنشر المحرمات، فهؤلاء يدخلون في هذا من باب أولى.

    وكذلك الذين يحبون أن يقيموا أسواقاً أو غيرها يقصدون من ورائها أن يكون هناك نوع من الفاحشة ظاهر، واختلاط بين الرجال والنساء، ودعوات إلى الفجور، فهؤلاء يدخلون بصورة أولية في قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم)

    ثم قال الله جل وعلا: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [النور:20].

    وقد قال تعالى في الآية الأولى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ [النور:14]، وهنا لم يذكر جواباً، فجواب (لولا) هنا محذوف لم يذكره الله جل وعلا، واختلف العلماء في تقديره، والأظهر: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم.

    وبعض أهل العلم يقول: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لشاعت الفاحشة وذاعت، ولكن الله جل وعلا برحمته بكم منع الفاحشة أن تشيع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ...)

    ثم قال جل شأنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21].

    بعد أن بين الله جل وعلا أن الفاحشة لا يجوز نشرها ولا محبة نشرها، بين جل وعلا أن السبيل إلى الخلاص من إشاعة الفاحشة عدم اتباع خطوت الشيطان؛ لأن في اتباع خطوات الشيطان وصولاً إلى الفواحش.

    والمقصود بخطوات الشيطان: طرائقه ومسالكه وما يدعو إليه، هذا المقصود بخطواته، و(خطوة) تفتح فيها الخاء إذا كانت مفردة، فإذا جمعت ضمت الخاء كما هو نص القرآن.

    فالله تعالى يقول: لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21] لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى الفحشاء، والفحشاء تطلق على العمل الرذيل إذا كان فعلاً، أما إذا كان قولاً فإنه يسمى عوراء.

    ومنه قول بعضهم في مدح أحد الفضلاء الصالحين:

    ولا استعذب العوراء يوماً فقالها

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ...)

    قال ربنا جل شأنه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21].

    العمل الزاكي هو العمل الذي يرضى الله عنه، وهو العمل الذي يجلب رضوان الله، والشخص المزكى هو من عمل عملا رضي الله عنه به، ولا سبيل إلى معرفة هذا، فلهذا لا نستطيع أن نزكي أحداً، ولا سبيل إلى معرفة رضا الله عن صاحب هذا العمل بذلك العمل، وعلى هذا يمتنع أن نزكي أحداً تزكية باطنة وظاهرة، ولكن عندما نحرر ورقة أو نقول قولاً في تزكية أحد فإنما نزكي ظاهره، ونكل سرائره إلى الله جل وعلا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ...)

    ثم قال جل شأنه: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ [النور:22].

    أجمع المفسرون على أنها نازلة في حق أبي بكر ، وهذه الآية تأخر نزولها، وعليه نعرف أنه لم تنزل هذه الآيات الست عشرة جملة واحدة، بدليل أن أبا بكر أولاً سكت ولم يتصرف، فلما نزلت الآيات ببراءة عائشة تصرف أبو بكر ، فمنع إنفاقاً ورزقاً كان يسوقه إلى مسطح ؛ لأن مسطحاً كان ممن شارك في القضية، وهذه ظاهر، والكل يعرفه، وإنما تكمن هنا فريدة من فرائد العلم، وذلك أن الله عاتب الصديق لما منع مسطحاً من رزقه، فقال أهل العلم ساجعاً: ما صنعه مسطح ينزل النجم من أفقه، فمنعه الصديق من رزقه، فعاتب الله الصديق في حقه.

    أي: ما صنعه مسطح وتقول به ينزل النجم من أفقه، بمعنى: يحط من أي شرف، فمنعه الصديق من رزقه الذي كان ينفقه عليه، فعاتب الله الصديق في حق مسطح .

    والفائدة من هذا ألا تكون سبباً في منع أرزاق الناس، فإذا أردت أن تؤدب أحداً فأدبه بأي طريقة كانت، إلا أن تمنعه رزقه؛ لأنه لو كان منع الرزق سائغاً لساغ في حق مسطح ، ولكن الله جل وعلا عاتب الصديق فيه حين أقسم على أنه لا ينفق على مسطح ، فقال ربنا تبارك وتعالى: وَلا يَأْتَلِ [النور:22] وجمهور المفسرين على أن (يأتل) هنا بمعنى (يحلف): وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22] وهذه تزكية من الله للصديق ؛ لأن الله ذكره في أولي الفضل.

    ويلحظ هنا المعنى العظيم في تعبير القرآن حيث قال الله: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22] وما قال: والنعيم، أو: الترف، أو: الثراء والغنى، وكلها مفردات قد تؤدي نفس المعنى، ولكن قال: (السعة) وكأنه يشير إلى أن يوسع على نفسه ويوسع على غيره.

    قال العلماء: إن التقوى قرينة العفو، فالناس الذين فيهم خصيصة العفو قريبون من التقوى، فالعفو والتقوى متلازمان، وسيأتي تحرير هذا.

    الدلالة على كون الكبائر لا تحبط العمل

    قال الله جل وعلا: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [النور:22].

    والمقصود مسطح ، وهذا دليل ظاهر بَيِّن على أن الكبائر لا تحبط العمل الصالح، إذا لو كانت الكبائر تحبط العمل الصالح لكان أولى المؤمنين بأن يحبط عمله مسطح ؛ لأنه خاض في عرض أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضها، ومع ذلك اسماه الله جل وعلا مهاجراً، فأبقى الله جل وعلا على هجرة مسطح وجعلها عملاً صالحاً زاكياً له وأقرها ولم يحبطها، ففيه دلالة على أن الكبائر مهما بلغت لا تحبط العمل الصالح.

    دعوة إلى الصفح عن المسيء

    قال الله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22].

    والخطاب لـأبي بكر ، وقد قال الله لنبيه في سورة أخرى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة:13].

    قال العلماء: خاطب الله أبا بكر بما خاطب به نبيه حتى يبين للخلق أن الصديق ثاني اثنين. فهذا استنباط ولكن لا أجزم به.

    قال الله تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22].

    وهذه فيها ملاطفة من الله لـأبي بكر ، ففيها دعوة وفيها حجة، أي: أنت تريد العفو والمغفرة من الله، وكذلك الناس يريدون منك أن تعفوا عنهم، وأن ترزقهم، فعامل الناس بما تحب أن تعامل به.

    فإذا أرادت أن تتعامل مع أحد فعامله بما تحب أن يعاملك الله جل وعلا به، ولا تستدر رحمة الله بشيء أعظم من هذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ...)

    ثم قال جل شأنه: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23].

    للعلماء في هذه الآية قولان:

    الأول: أنها عامة في كل قاذف، وهذا قول الجمهور، وهو الأظهر.

    فإذا قلنا بأنها عامة في كل قاذف فإن معنى اللعن هنا إقامة حد القذف عليهم، فيصبح معنى اللعن هنا إقامة حد القذف عليهم.

    والقول الآخر: الذي قاله بعض العلماء هو أن الآية في عائشة وأمهات المؤمنين، وأن المخاطبين بهذا الآية هم المنافقون، فقالوا: لعنهم في الدنيا بطردهم من رحمة الله، ولعنهم في الآخرة بعذاب النار.

    فجعلوا هذه الآية خاصة فيمن قذف أمهات المؤمنين، ولذلك قالوا: لم يذكر الله جل وعلا بعدها توبة، فكون الله لم يذكر بعدها توبة قرينة تؤيد قول من قال: إنها في أمهات المؤمنين، ومن قال إنها عامة فلكون هذا هو الأصل في الخطاب الشرعي.

    1.   

    حكم لعن المعين

    وهنا مسألة تتعلق باللعن اختلف الناس فيها كثيراً، وهي لعن المعين، وأرجح الأقوال ما قاله الحافظ ابن حجر رحمة الله تعالى وحرره، وهو قول جيد لمن تدبره، وهو أن اللعن إذا أريد به الدعاء وإخراج الإنسان من رحمة الله فهذا لا يقع على معين، إلا على كافر مات على كفره، أما إذا أريد به شدة النكال وشدة التضييق عليه فإنه يجوز.

    ومثال ذلك في رجل آذى المسلمين كثيراً في العصر الحاضر كـشارون ، فـشارون لم يمت بعد، فإذا أردت بلعنه التشديد عليه والتضييق وشدة النكال فذلك جائز، وإذا أردت أن تدعو بألا يرحمه الله -بمعنى أنه يموت على الكفر- فذلك لا يجوز؛ لأنه ليس لأحد أن يذهب ليحدد جهة وقوع رحمة الله.

    وهذا القول من ابن حجر قول محرر يحل إشكالاً قائماً في القضية، فجزاه الله خيراً وعفا الله تبارك وتعالى عنا وعنه.

    ثم قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور:23-24].

    وهذا يكون يوم القيامة، وقد حررنا له قرائن كثيرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ...)

    ثم يقول تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النور:25].

    ومحال أن يكون دين الكفار حقاً، فكلمة (دين) هنا معناها: الجزاء، فيصبح المعنى: يومئذ يوفيهم الله جزائهم الحق، وكيف يكون جزاؤهم حقاً؟

    إن معاقبة المسيء على إساءته هي عين الحق، كما أن الإحسان إلى المحسن لإحسانه كذلك هو عين عين الحق.

    ثم يقول تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26].

    وللعلماء فيها قولان: قول يقول: إنها في الأقوال.

    وقول يقول: إنها في المشاكلة.

    ومعنى أنها في الأقوال أن الخبيثات من الأقوال تليق بالخبيثين والخبيثات من الرجال، والطيبات من الجمل المادحة المعبرة تعبيراً حسناً تليق بالطيبين من الرجال والطيبات من النساء، وهذا قول الجمهور.

    وقال آخرون: إن من سنن الله الإلهية الملاءمة بين كل متفق، فالخبيثات من النساء لا يلائمهن إلا الخبيثون من الرجال، والخبيث من الرجال لا تلائمه إلا الخبيثة من النساء، والطيبات من النساء لا يلائمهن إلا الطيبون من الرجال، والطيب من الرجال لا تلائمه إلا الطيبة من النساء.

    وهذا المعنى عندي أقرب، ولكن يرد إشكال عند الناس منعهم من هذا القول، حيث يقولون: إنك ترى الآن امرأة صالحة صوامة قوامة محسنة إلى أولادها، وزوجها فيه من الخبث والشرور ما الله به عليم، بل ربما يتاجر في المخدرات، ويسعى في المسكرات، فيكف تقول: الطيبات للطيبين بهذا المعنى؟

    ونقول: يجب أن تفرق، وإلا فهذا القول فيه نوع من المجازفة؛ لأني لا أعلم أحداً نص بهذا التعبير، فينبغي أن يفرق بين حياة المعايشة وحياة الملائمة، فالزوجات الطيبات الصالحات المقترنات بأزواج مرتكبين للكبائر لا يكون هناك تلائم روحي بينهم، وإنما المرأة هنا صابرة من أجل بنيها، أو تحتسب تغيير زوجها.

    وإذا كان الرجل هو الطيب والمرأة هي السيئة فإنه يمنعه من طلاقها خوفه على أبنائه، ولا توجد ملائمة روحية.

    أما ما كان ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة فقد كان تآلفاً جماً وتلاؤماً تاماً، ومحبة قائمة بين الطرفين، ولهذا قيل له: من أحب الناس إليك فقال: عائشة فهذا الأمر يستبعد الإشكال القائم على أن الذي منعهم هو أن الواقع -وهو أعظم الشهود كما يقولون- يمنع أن يكون المعنى التلائم، وقلنا: يفرق بين التعايش وبين التلائم، وقد قال المتنبي:

    ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد

    1.   

    فضيلة قول: (حسبنا الله ونعم الوكيل)

    وهنا فائدة عظيمة، وهي ما قالته عائشة عندما ركبت، وهو أمر لا يحتاج إلى أن تجربه.

    يقولون: إن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها كانت تنافس عائشة ، وأحياناً يحصل بينهما تفاخر محمود، وعندما يحصل بين أمهات المؤمنين تحاور ينجم عن ذلك علم، فقد نشأن في بيت النبوة، فقالت زينب : أنا التي أنزل الله تزويجي من فوق سبع سماوات. فقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: وأنا الذي أنزل الله براءتي لما حملني صفوان بن المعطل على راحلته. وهنا نسيت زينب المحاورة، فقالت: يا عائشة ! ما قلت عندما ركبت الراحلة؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل.

    وهذا الأمر لا يحتاج إلى تجربة، فوالله الذي لا إله غيره إن هذه الكلمة تهد الجبال، فإذا أغلق عليك أمر فلن تجد مثل: (حسبنا الله ونعم الوكيل).

    وأنا أعرف رجلاً صالحاً كان عنده طالب علم، فكان دائماً يوصيه بـ (حسبنا الله ونعم الوكيل)، وفي ذات يوم استقل الطالب هذه الكلمة، فعاتبه قائلاً: يا بني! (حسبنا الله ونعم الوكيل) تهد الجبال.

    فكل واحد منا إذا وقع في معضلة أو رأى شيئاً أقبل عليه مما لا يطاق، فليعتصم بقول (حسبي الله ونعم الوكيل)، فإنه لن يكفيك أحد مثل الله، ولا وكيل بعد الله، جعلنا الله وإياكم ممن توكل عليه فكفاه، واستهدى به فهداه.

    فهذا ما تيسر إيراده وأعان الله على إملائه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.