اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الفاتحة للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير سورة الفاتحة - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
سورة الفاتحة من السور العظيمة التي خصها الله بخصائص، كقراءتها في كل ركعة, وتسميتها صلاة، وجعلها رقية، وغير ذلك، وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على إفراد الله بالحمد والعبادة والاستعانة، والثناء عليه بالملك والرحمة، والحث على الدعاء بالهداية إلى طريق الحق المجانب لطرق أهل الباطل من اليهود والنصارى وغيرهم.
التلازم والارتباط بين الوحيين الكتاب والسنة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:فنحن في هذا المجلس بإذن الله تعالى نتكلم على شيء من تفسير سورة الفاتحة أو السبع المثاني، وهذه السورة هي من عظائم السور التي امتن الله عز وجل بها على نبيه وعلى هذه الأمة.هذه السورة الكريمة فيها من جليل المعاني، ومن الأمور المهمة والمقدمات الجليلة التي ينبغي أن نقدمها في صدر الكلام على تفسير هذه السورة: فأقول: ينبغي لكل طالب علم أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل وحيين على رسوله صلى الله عليه وسلم متلازمين من جهة الحجة وقيامها على هذه الأمة، أولهما: كتابه سبحانه وتعالى القرآن العظيم، ثانيهما: سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي وحي من الله عز وجل كما أوحى الله عز وجل القرآن على رسوله، نزل بهذه السنة جبريل عليه السلام على رسوله كما نزل بالقرآن، ولهذا يقول حسان بن عطية كما روى الخطيب، قال: نزل جبريل بالسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نزل بالقرآن.وكذلك أيضاً فإن سنة النبي عليه الصلاة والسلام موصوفة بالكتاب، فإذا أطلق كتاب الله فيراد به القرآن ويراد به السنة، وهذا استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موضع من كلامه عليه الصلاة والسلام، وربما يفترقان فيسمى القرآن: بالكتاب، وتسمى السنة: بالحكمة؛ ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269]، والحكمة: هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم على قول غير واحد من المفسرين، والكتاب: هو القرآن: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:48]، فالكتاب: القرآن، والحكمة: هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما فسر ذلك غير واحد: كـابن عباس وابن مسعود وغيرهم من المفسرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسنة موصوفة بالتلاوة كالقرآن كما قال الشافعي رحمه الله: السنة وحي يتلى، وقاله ابن حزم رحمه الله أيضاً، يتعبد الإنسان بتلاوتها كما يتعبد بالقرآن، إلا أن الله عز وجل قد جعل للقرآن مزيد خصائص وفضل من جهة الأجور ومن جهة اختصاصه بمواضع من حال الإنسان وعبادته كالقراءة في الصلاة وغير ذلك، فكان لكلام الله عز وجل جملة من الخصائص باعتبار أن حروفه ومعانيه من الله جل وعلا، وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فالمعاني من الله والحروف هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم غالباً توصل مراد الله بالمعنى الذي يفهمه الناس، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فتدبرها وتأملها والعناية بها من الأمور المتحتمة على طالب العلم.وقرنها بكلام الله جل وعلا من جهة معرفة البيان ومعرفة التفسير، ومعرفة العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ من المنسوخ، ومعلوم أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام لها أثر في القرآن أكثر من العكس وكلها وحي؛ وذلك أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام مفسرة لما أجمل من القرآن ومبينة له ومقيدة لما أطلق وناسخة لما نسخ منه؛ ولهذا السنة تنسخ القرآن أكثر من أن ينسخ القرآن السنة.ولهذا فمعرفة المعاني في كلام الله عز وجل لا بد لها من معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم المقترن بها، حتى يصبح الإنسان عالماً بكلام الله عز وجل كما يريد الله لا كما يريد الإنسان؛ لأن في القرآن من الإطلاقات والعمومات ما لا تحمل على ظاهرها؛ ولهذا يقول العلماء عليهم رحمة الله: إن القرآن غائي، والمراد بالغائي، يعني: معانيه تطلق إلى مرتبة الغاية، بخلاف السنة: السنة تفصيلية فتفصل الأحكام وتبينها ولا يراد من ذلك الغاية؛ ولهذا تجد في كلام الله جل وعلا من معاني الصلاة أشياء متنوعة: منها العبادة، ومنها غيرها، وغالباً في كلام النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة المراد بها الصلاة المعروفة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم.
 

أقسام موضوعات القرآن الكريم
وكلام الله على ثلاثة أقسام: ‏
 القسم الثالث: القصص
ثم الثالث من أقسام القرآن: القصص التي يحكيها الله عز وجل في كتابه من أحوال الأمم الغابرة من قصة آدم وخلقه وزوجه وأبنائه هابيل وقابيل وكذلك أيضاً من جاء بعدهم في نوح وقومه، وما جاء بعد ذلك من يونس وإبراهيم الخليل وذريته من بعده من الأنبياء وغير ذلك من القصص، فالقرآن هو شامل لهذه الأنواع الثلاثة.
وجود المتشابه في القرآن
ولا يكاد يجد الإنسان في كلام الله عز وجل ما لا يعرف معناه أو لا يعرفه أحد، وهذا أيضاً موضع خلاف عند العلماء: هل يوجد في القرآن ما لا يعرف معناه أحد من الخلق، يعني: أنه من المتشابه المطلق.ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل في القرآن آيات محكمات: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7]، يعني: هن الأصل من الإنزال والمراد وهي الأكثر، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، فالمتشابه في كلام الله سبحانه وتعالى هل هو مطلق، بمعنى: أنه لا يعرفه أحد؟ نقول: إنه لا يكاد يوجد في كلام الله عز وجل متشابه مطلق إلا وله بيان، وهذا البيان يختلف من شخص إلى شخص معرفةً بمقدار علمه من الشريعة؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشبهات لا يعلمهن كثير من الناس )، ما قال: جميع الناس، إذاً هي متشابهة عند الكثير، ولكنها ليست متشابهة عند الجميع، من الذي يعلمها؟ يعلمها أهل العلم والمعرفة الذين أكثروا أخذاً من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينئذ يستطيعون تفسيره، لكنها قد تكون متشابهة عند عالم واحد أو نحو ذلك.وما من أحد من الناس إلا ولديه متشابه في كلام الله لا يعلم تأويله، فما من شيء هو من دين هذه الأمة -وإذا علمه الإنسان وجب عليه أن يؤمن به ويكون متشابهاً مطلقاً- لا يعلمه أحد؛ لأن هذا ينافي مقتضى البيان الواجب في كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة؛ لأن الله عز وجل أنزل كتابه تبياناً وما أنزله سبحانه وتعالى ليكون فيه شيء من المتشابه المطلق.وبعض العلماء قال: يوجد متشابه مطلق، ولكنه نزر يسير وشيء قليل، وسبب وجود هذا المتشابه، قالوا: شيء من التعجيز ويحملون ذلك على بعض المواضع كالحروف المقطعة من كلام الله، قالوا: ما معناها؟ لا يستطيع أحد أن يجزم بمعنى معين من هذه الحروف: ك(حم) و(ن) و(ق) و(ص) وغير ذلك من الحروف في القرآن، ما معناها وما مراد الله عز وجل بها؟ هذا من مواضع الخلاف، فمن العلماء من يجتهد في معناها، ومنهم من يقول: هذا من المتشابه وعلمها عند الله سبحانه وتعالى.وأما ما يتعلق بمجلسنا في هذا اليوم فهو الكلام على تفسير سورة الفاتحة، وهي تسمى: بالسبع المثاني، وقد خصها الله عز وجل بجملة من الخصائص والفضائل.
 القسم الثالث: القصص
ثم الثالث من أقسام القرآن: القصص التي يحكيها الله عز وجل في كتابه من أحوال الأمم الغابرة من قصة آدم وخلقه وزوجه وأبنائه هابيل وقابيل وكذلك أيضاً من جاء بعدهم في نوح وقومه، وما جاء بعد ذلك من يونس وإبراهيم الخليل وذريته من بعده من الأنبياء وغير ذلك من القصص، فالقرآن هو شامل لهذه الأنواع الثلاثة.
تفاضل سور القرآن الكريم فيما بينها ووجه ذلك
وفي مقدمة هذه السورة نشير إلى مسألة: وهي فضائل السور، هل سور القرآن تتفاضل، يعني: سورة أفضل من سورة وآية أفضل من آية؟ مع أن ذلك هو كلام الله سبحانه وتعالى كله، وله من المنزلة والمزية ما تشترك الآيات والسور فيه، فنقول: إن هذا أيضاً من مواضع الخلاف، والذي تعضده النصوص من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آي القرآن وسوره تتفاضل، ولكن ليس تفاضلاً مطلقاً.كلام الله سبحانه وتعالى من جهة مجموع خصائصه يشترك من جهة الفضل، فهو كله كلام الله سبحانه وتعالى وليس بمخلوق, وكله شفاء لهذه الأمة، ورحمة وفضل وخير وأجر، إذا قرأ الإنسان منه حرفاً فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهذا فضل الله عز وجل جعله لجميع القرآن.لكن الخصائص التي جعلها الله عز وجل في مواضع دون مواضع هي من جهة الأصل متعلقة بأثرها على العبد؛ لوجود تباين فيها من معانيها؛ لهذا نقول: الإنسان إذا كان لديه مرض من الأمراض كالجهل فعلاجه السؤال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( فإنما شفاء العي السؤال )، قال: شفاء، شفاء الجهل أن تسأل، وهذا يدل على تمايز القرآن بعضه عن بعض بسبب مواضعه لا بذاته مطلقاً؛ ولهذا نقول: إن الإنسان إذا كان جاهلاً لحكم الصلاة فهل يستدل بأحكام الطهارة حتى يفهم الصلاة؟! لا، أيها أفضل له؟ الأفضل له أن يفهم أحكام الصلاة من آيات الصلاة، هذا دليل على فضل آيات الصلاة في هذا الموضع، كما أن الإنسان إذا أصبح مريضاً أو به مس أو نحو ذلك فإنه يرقى ببعض الآي، فكل شيء من القرآن في موضعه الذي يظهر منه معنى أو دل عليه دليل من سنة النبي عليه الصلاة والسلام يكون أفضل من غيره، وغيره يشترك معه بمجموع الفضائل.لهذا نقول: إن آيات الصفات شفاء لعي الجهل بها، وآيات التوحيد في الربوبية والألوهية هي أفضل من غيرها من جهة معرفة المعاني في هذا الباب؛ ولهذا نقول: إن فضلها يختلف بحسب الحاجة إلى ذلك الموضع.ولهذا نقول على ما تقدم: القرآن توحيد وأحكام وقصص؛ ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] تعدل ثلث القرآن )، ثلث القرآن من جهة هذا التقسيم؛ لأنها توحيد.ولهذا جعل الله عز وجل أجر قراءة القرآن على وجوه: أجر قراءة معانيه، فقراءة آي التوحيد تختلف عن قراءة آي الأحكام والقصص، وقراءة القرآن من جهة حروفه سواء، ولكن من جهة معانيه تتمايز بمقدار التكليف الواجب على الإنسان، فالذي يعتني بمعرفة آي القرآن في التوحيد والحلال والحرام، يقال: أفضل من غيره، لماذا؟ لاختلاف مقامات العلم.فهل الذي يقرأ في القرآن في أمور الآداب من اللباس ودخول البيوت والاستئذان وغير ذلك، كالذي يقرأ في آيات العقيدة والأحكام والحلال والحرام؟ لا، مرتبة هذا أعظم من مرتبة ذاك، إلا أن القرآن لا يهجر، يعلم منه هذا ويعلم منه هذا، ولكن يؤخذ بقدر التكليف الواجب عليه؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، تعدل ثلث القرآن، هي في باب الجزاء لا في الإجزاء، يعني: أن الله عز وجل يجعل ذلك ثواباً له يعدل ثلث القرآن كما يقرأ الإنسان معاني التوحيد، فمعاني التوحيد يجدها مجتمعة في هذا، لا أن ذلك يجزئه عن قراءة القرآن كاملاً، فيقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ثلاثاً، قال: حينئذ يؤتى قراءة القرآن كاملاً، نقول: هذا من أمور الجزاء لا أمور الإجزاء .وكذلك أيضاً فإن تفاضل القرآن في ذلك من جهة جمع سياقاته وألفاظه والمتشابه من ألفاظه ثم يدرك الإنسان من ذلك معنى، هذا يشترك فيه القرآن، فإذا أراد الإنسان أن يفهم معنى للصلاة يجمع إطلاقات الصلاة في القرآن، فهذا يخرج بشيء من المعاني والتدبر ما لا يخرج به غيره، الزكاة يجمعها من مواضع متعددة مع اختلاف السياقات؛ لهذا ثمة اشتراك في معاني القرآن، وثمة اشتراك أيضاً في أجوره، وثمة تمايز في معانيه، وإن كان كله هو كلامه سبحانه وتعالى.من العلماء من قال: لا يوجد تفاضل بين مواضع القرآن وهذا فيه نظر؛ وذلك لأن النصوص ناطقة بتفاضلها، ولكن هذا التفاضل هو على هذا الوجه.
 القسم الثالث: القصص
ثم الثالث من أقسام القرآن: القصص التي يحكيها الله عز وجل في كتابه من أحوال الأمم الغابرة من قصة آدم وخلقه وزوجه وأبنائه هابيل وقابيل وكذلك أيضاً من جاء بعدهم في نوح وقومه، وما جاء بعد ذلك من يونس وإبراهيم الخليل وذريته من بعده من الأنبياء وغير ذلك من القصص، فالقرآن هو شامل لهذه الأنواع الثلاثة.
خصائص سورة الفاتحة

 وقوعها في صدر القرآن
وكذلك أيضاً من خصائصها ومزاياها: أنها مع قصرها جعلت في صدر القرآن، وهي سابقة حتى للطوال، وهذا بإجماع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى؛ لأنه لا تتم صلاة الإنسان سواء كانت فرضاً أو نفلاً إلا بقراءتها، بل جعلها الله عز وجل حتى في الصلاة التي ليست لها ركوع ولا سجود وهي صلاة الجنازة، فيجب على الإنسان أن يقرأها، فلا صلاة للإنسان إلا بقراءة فاتحة الكتاب؛ ولهذا تسمى: سورة الصلاة، ويطلق عليها أيضاً: أنها هي الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل )، ثم تقدم الحديث في هذا، أي: الإشارة إلى معنى الصلاة إلى أنها الفاتحة، ولا تصح صلاة الإنسان إلا بها.
مسائل في البسملة

 الإسرار بالبسملة والجهر بها في الصلاة الجهرية
ومن مواضع الخلاف في البسملة: الجهر بها في الصلاة، وهذا أيضاً من مشهور المسائل وأعلامها عند العلماء: هل قبل الفاتحة يجهر بقراءتها في صلاته أم لا، وكذلك أيضاً في السور إذا أراد الإنسان أن يستأنف قراءة سورة من أولها في صلاته، هل يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، أم لا يقرؤها؟ هذا أيضاً من مواضع الخلاف عند العلماء.وأشهر الأدلة في هذا هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى الذي رواه الإمام أحمد وكذلك رواه النسائي في كتابه السنن، من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة أنه قال: لأصلين بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1-2]، إلى آخر الحديث، فهذا من أدلة العلماء القائلين بالجهر بها، ومن العلماء من قال: إن ذكر البسملة في هذا الحديث غير محفوظ، وقد جاء من طرق متعددة وليس فيه ذكر البسملة.ومنهم من قال: إنه يقرأ البسملة وتسمع منه، لكنه لا يجهر بها؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه من حديث أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى: ( أنه كان يفتتح صلاته بالحمد لله رب العالمين، ولا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم )، وعلى هذا كان أبو بكر وعمر، وهذا هو المشهور من عمل السلف كالصحابة؛ فإنهم كانوا يتلفظون بالبسملة بينهم وبين أنفسهم، إلا أنهم لا يجهرون بها، والأدلة الواردة في الجهر بها معلولة فيما أرى، تكلم فيها الحفاظ.تكلم على هذا جماعة من العلماء كـابن عبد الهادي رحمه الله في رسالة البسملة، وتكلم على هذا أيضاً ابن عبد البر رحمه الله في كتابه الاستذكار، وتكلم على هذا ابن الصبان أيضاً في الرسالة الكبرى، وثمة أيضاً كلام حسن للزيلعي رحمه الله في نصب الراية، تكلم على هذه المسألة وعلى هذه الأحاديث وبين عللها، وقال: إن هذه المسألة هي من المسائل المشهورة ومن أعلام المسائل، ولو صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام لجاءت عنه بأشهر وأقوى الأسانيد.إذاً: فمسائل البسملة متعددة ويرجع إليها في مواضعها، ولو أردنا أن نتكلم عن البسملة والمواضع الواردة فيها والأحكام المتعلقة وخلاف العلماء في ذلك في مواضع متعددة، لأخذ منا هذا المجلس كاملاً وربما يزيد، فنحيل إلى هذه المصنفات التي صنفت في هذا الباب.
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين)
في قول الله سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]: الحمد هنا هو ذكر صفات المحمود على وجه الحب له، فإذا ذكر الإنسان صفات أحد -وهو يحبه- فهذا حمد له، فيصفه مثلاً بالقوة، ويذكره باللطف ويذكره بالرحمة وبالشجاعة وغير ذلك، فإن هذا من صفات حمد الإنسان لمن يحب، وهنا يقول: الحمد لله رب العالمين، فجعل الحمد له مستغرقاً لجميع المحامد لله سبحانه وتعالى، أي: لا يبقى شيء من ألفاظ ومعاني الحمد التي يفخر بها إلا وهي لله سبحانه وتعالى، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]. ‏
 أقسام المخلوقات بالنسبة للروح والنفس والنمو
ومعلوم أن المخلوقات: إما أن تكون ذات روح ونفس، وإما أن تكون ذات نفس بلا روح، وإما أن تكون ذات نمو لا بروح ولا بنفس، وإما أن تكون لا بروح ولا بنفس ولا بنمو، فالنفس والروح والنمو هذا يكون في الإنسان، وكذلك أيضاً يكون في الجان، هذا النوع الأول، وأما النوع الثاني فهو ما كان له نفس ونمو وليس له روح وذلك كالبهائم، وهذا من مواضع الخلاف عند العلماء: هل للبهائم أرواح أم لها أنفس، وهل من يقبضها عند موتها هو ملك الموت كما يقبض بني آدم أم لا؟ هذا أيضاً من مواضع الخلاف، جاء في ذلك جملة من الأخبار عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى وعن غيره، أن الذي يقبضها هو ملك الموت الذي يقبض بني آدم.والنوع الثالث: وهي التي لها نمو وليس لها روح ولا نفس، وهي كحال الشجر لها نمو، ولكن ليس فيها روح وليس فيها نفس.والنوع الرابع: التي ليس لها نمو ولا نفس ولا روح وهي كحال الجمادات، كالأحجار والتراب وغير ذلك، فهذه ليس فيها روح ولا نفس ولا نمو، ولكن لها شيء من الإدراك جعلها الله سبحانه وتعالى فيها .الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، رب هذه الأشياء كلها وغيرها مما لا نعلمه، وهو خالقها سبحانه وتعالى ومدبرها ومصيرها، وهو المستحق سبحانه وتعالى للعبودية جل في علاه.
تفسير قوله تعالى: (الرحمن الرحيم)
وقوله سبحانه وتعالى: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]: الله سبحانه وتعالى رحمن لجميع عباده رحيم بالمؤمنين، اسم الرحيم هو ألصق بالمؤمنين، والرحمن هو عام لجميع خلقه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل كان بالمؤمنين رحيماً، الله سبحانه وتعالى رحيم بأهل الإيمان ورحمن أيضاً على الخلق، فلله عز وجل رحمة يجعلها في مخلوقاته تتراحم بها البهائم، وتتراحم بها الطيور، ويتراحم بها الناس، يغرسها الله عز وجل في فطر المخلوقات؛ ولهذا جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لله مائة رحمة، جعل منها واحدةً في الناس تتراحم بها البهائم وترحم الأم صغيرها، ويرفع الطائر مخلبه عن فراخه بهذه الرحمة، وتسعاً وتسعين عند الله سبحانه وتعالى )، وهذا دليل على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى.ونقول: إن الله عز وجل جعل رحمة في العباد يتراحمون بها، والله سبحانه وتعالى رحيم بأهل الإيمان.
 أقسام المخلوقات بالنسبة للروح والنفس والنمو
ومعلوم أن المخلوقات: إما أن تكون ذات روح ونفس، وإما أن تكون ذات نفس بلا روح، وإما أن تكون ذات نمو لا بروح ولا بنفس، وإما أن تكون لا بروح ولا بنفس ولا بنمو، فالنفس والروح والنمو هذا يكون في الإنسان، وكذلك أيضاً يكون في الجان، هذا النوع الأول، وأما النوع الثاني فهو ما كان له نفس ونمو وليس له روح وذلك كالبهائم، وهذا من مواضع الخلاف عند العلماء: هل للبهائم أرواح أم لها أنفس، وهل من يقبضها عند موتها هو ملك الموت كما يقبض بني آدم أم لا؟ هذا أيضاً من مواضع الخلاف، جاء في ذلك جملة من الأخبار عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى وعن غيره، أن الذي يقبضها هو ملك الموت الذي يقبض بني آدم.والنوع الثالث: وهي التي لها نمو وليس لها روح ولا نفس، وهي كحال الشجر لها نمو، ولكن ليس فيها روح وليس فيها نفس.والنوع الرابع: التي ليس لها نمو ولا نفس ولا روح وهي كحال الجمادات، كالأحجار والتراب وغير ذلك، فهذه ليس فيها روح ولا نفس ولا نمو، ولكن لها شيء من الإدراك جعلها الله سبحانه وتعالى فيها .الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، رب هذه الأشياء كلها وغيرها مما لا نعلمه، وهو خالقها سبحانه وتعالى ومدبرها ومصيرها، وهو المستحق سبحانه وتعالى للعبودية جل في علاه.
تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين)

 أقسام مخلوقات الله من جهة الاختيار
إذاً: فالله سبحانه وتعالى مالك للدنيا والآخرة، ولكنه جعل في الدنيا للإنسان شيئاً من الخيار؛ ولهذا نقول: إن مخلوقات الله سبحانه وتعالى في الدنيا من جهة الاختيار وعدمه على نوعين: مخلوقات لا اختيار لها في الدنيا، ومخلوقات مسخرة سخرها الله سبحانه وتعالى كالشمس والقمر والنجوم والأفلاك والكواكب والليل والنهار، هذه هي مخلوقات الله سبحانه وتعالى التي ليس لها اختيار.النوع الثاني: مخلوقات لها مشيئة واختيار، وهم الإنس والجن، فلهم شيء من الاختيار؛ لهذا الله سبحانه وتعالى يقول: ( يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار )، الذي يسب الشمس والقمر هذا يؤذي الله سبحانه وتعالى أو لا يؤذيه؟ يؤذيه. لماذا؟ لأنه ليس لها اختيار، لكن الذي يسب الإنسان بعينه هل هو يؤذي الله جل وعلا؟ لا. لماذا؟ له اختيار، جعل الله عز وجل له اختياراً، فالذي يسب الزمن أو يسب الشمس والقمر يؤذي الله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يصير إلا باختيار الله، ولا يخرج عنه مثقال ذرة عما أراده الله عز وجل.إذاً: تسبه لأجل ماذا؟ لخروجه عن مراد الله؟ لا. فالله عز وجل هو الذي جعل له ذلك كله، أما بالنسبة للإنسان فالله عز وجل أمره بأوامر شرعية، وجعل له مشيئة الاختيار فخرج عنها، فربما وقع السب والذم على مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا الله عز وجل ما قال في أذيته جل وعلا، أذية الناس له في سب الإنسان لغيره؛ لأنه ربما يكون على حق، أما سب الليل والنهار والساعات والدقائق والأزمنة والشمس والقمر والأعوام وغير ذلك، وسبها أذية لمن صيرها ولم يخرجها عن مرادها، ولحكمته سبحانه وتعالى في ذلك.
تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)
وقول الله جل وعلا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]. الكلام على هذا المعنى في معنى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] هو من المعاني العظيمة الجليلة، تكلم عليها أئمة كثر في تفسيرها، وما فيها أيضاً من معاني العبودية لله سبحانه وتعالى في ربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته، وتعلق العباد ظاهراً وباطناً بالله سبحانه وتعالى وتجرده، فنقول: إن هذه الآية شاملة لجميع أنواع العبادة لله سبحانه وتعالى، وقد صنف ابن القيم رحمه الله في عدة مجلدات كتابه مدارج السالكين بين منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] جمع أحكاماً كثيرة في أمور العبودية وتوحيد الله سبحانه وتعالى، وأعمال القلوب وتعلق الإنسان بربه سبحانه وتعالى، ويحسن أن يرجع إلى مثل هذا الكتاب.وفي قوله سبحانه وتعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يعني: لا نشرك معك غيرك في عبوديتك سبحانك وتعاليت، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ذكر العبودية هنا وذكر الاستعانة بعد ذلك، مع أن الاستعانة هي نوع من أنواع العبودية، ولكن ذكرها على سبيل التخصيص بعد الإجمال، وذكر الخاص بعد العام لمزية في باب الاستعانة. ‏
 شروط الاستعانة بغير الله
إذاً: الأسباب وتعليقها بالذوات نقول: هي مرتبطة بأمرين: بثبوت القدرة شرعاً، إذا دل الدليل على أن هذا شيء مؤثر، فإن الإنسان لا حرج عليه أن يستدفع تأثيره بما يليق به، فنقول حينئذٍ: إنه لا حرج عليه.الأمر الثاني: ثبوت ذلك مادياً كأمور الأدوية والعقاقير وغير ذلك التي يتخذها الإنسان، فيكون للإنسان شيء من التعلق المادي بهذا، نقول: إذا ثبت بأحد هذين الأمرين فلا حرج عليه بقدر، ولكن يجب عليه أن يعتقد أن الله عز وجل جعل هذه أسباباً، فالإنسان جعله الله سبباً لدفع عدو أو صائل، أو سبب إعانةٍ على حمل متاع أو نحو ذلك، لكنه هو في ذاته ليس لديه قدرة ذاتية قائمة بذاته منفصلة عن عون الله عز وجل وتسديده له.إذاً: فوجب على الإنسان بكل حال أن يعتمد على الله جل في علاه، ثم بعد ذلك يستعين بغيره بما يستطيع. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، أشار بهذا إلى أمر الاستعانة، فالإنسان إنما وجد في الدنيا لأجل العمل، فيستعين عند إرادته العمل، فالاستعانة تقع عند إرادة الأعمال، وأكثر من التروك، يعني: أكثر ممن يقصد ترك شيء فلا يستعين عليه، لماذا؟ لأن الترك هو العدم، فهو يستعين على عمله، وهذا هو أكثر الضلال، وبهذا ضل كفار قريش حينما كانوا يصرفون شيئاً من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى إذا أرادوا عملاً، فإذا أرادوا سفراً ذهبوا إلى أزلامهم وإلى أنصابهم، أو ربما ذهبوا إلى شيء من الطيور من الهامة أو غير ذلك، أو أخذوا طيراً آخر وطيروه، فإذا ذهب يميناً تفاءلوا، وإذا ذهب شمالاً تشاءموا، وربما امتنعوا عن السفر؛ ولهذا نقول: إن مثل هذه الأشياء هي أسباب مادية، ولم تثبت شرعاً، والتعلق بذلك ضرب من ضروب الشرك الأصغر، وتختلف في ذلك مراتبه بحسب تعلق الإنسان به.
تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)
وقوله سبحانه وتعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، هذه دعوة إلى طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وطريق الأنبياء من قبله، وتوحيد الله عز وجل في العبادة في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ‏
 سبب ذكر طريق الحق بلفظ المفرد
قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]. ذكر الصراط المستقيم الذي ليس بمعوج وهو فرد واحد؛ لأن طريق الحق واحد، وطرق الضلال متعددة، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257] ذكر نوراً واحداً وذكر الظلمات متعددة؛ ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطاً، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، فقال: هذا الصراط المستقيم, وهذه سبله )، الصراط المستقيم واحد، وأما الطرق المعوجة فمتعددة، وإنما جعله مستقيماً؛ لكون الإنسان يرى أوله ونهايته، فالإنسان صاحب الحق مطمئن لماذا؟ لأنه يرى مد البصر، يرى النهاية، أما صاحب الغواية فنظرته عجلى يرى ما بين يديه.قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، الصراط المستقيم هو منهج محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المفسر في حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى؛ لهذا نقول: إن الإنسان إنما يضطرب في الصراط المستقيم إذا لم يكن لديه يقين.
تفسير قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)
وقوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]. ما هي النعمة المذكورة هنا؟ هي نعمة الإسلام؛ ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فسمى الله عز وجل الإسلام نعمة، وقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران:103]، فنعمة الله سبحانه وتعالى هي الإسلام الذي أنزله الله عز وجل على رسوله في كتابه وفي سنته عليه الصلاة والسلام التي هي الحكمة، فأعظم نعمة يذكرها الإنسان هي نعمة الحق. ولهذا يقول الله جل وعلا: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، أنعم عليهم بالرزق والمادة، أنعم عليهم بشيء من أمور وحظوظ الدنيا؟ لا، وإنما المراد بذلك هو: نعمة الإسلام بعد الضلال والظلام والجاهلية، والعنت وغير ذلك، لقد أنزل الله عز وجل على هذه الأمة نعمة الإسلام؛ ولهذا نقول: إن الأصل في النعمة إذا ذكرت بالقرآن أن المراد بها الإسلام، إلا في بعض السياقات التي تحتف بها القرائن فتنصرف إلى غيرها، وقد تشترك نعمة الإسلام مع غيرها بحسب السياق، إلا أن الغالب في استعمالها أنها إذا أطلقت فهي نعمة الإسلام، وهي أعظم نعمة يوفق إليها الإنسان.
 سبب ذكر طريق الحق بلفظ المفرد
قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]. ذكر الصراط المستقيم الذي ليس بمعوج وهو فرد واحد؛ لأن طريق الحق واحد، وطرق الضلال متعددة، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257] ذكر نوراً واحداً وذكر الظلمات متعددة؛ ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطاً، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، فقال: هذا الصراط المستقيم, وهذه سبله )، الصراط المستقيم واحد، وأما الطرق المعوجة فمتعددة، وإنما جعله مستقيماً؛ لكون الإنسان يرى أوله ونهايته، فالإنسان صاحب الحق مطمئن لماذا؟ لأنه يرى مد البصر، يرى النهاية، أما صاحب الغواية فنظرته عجلى يرى ما بين يديه.قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، الصراط المستقيم هو منهج محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المفسر في حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى؛ لهذا نقول: إن الإنسان إنما يضطرب في الصراط المستقيم إذا لم يكن لديه يقين.
تفسير قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]. ‏
 معنى (آمين)
ثم يقول الإنسان: آمين، أي: استجب لنا دعاءنا؛ إشارة إلى الرغبة الملحة باستجابة هذا الدعاء.وآمين بمعنى: استجب، وإذا سمع الإنسان دعاء ثم قال المستمع: آمين كأنه دعا؛ ولهذا موسى وهارون عليهما السلام لما كان موسى يدعو، وهارون يؤمن قال الله عز وجل: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس:89]، مع أن الدعاء جاء بصيغة الفضل من موسى عليه السلام؛ ولهذا الذين يكونون خلف الإمام ثم يقولون: آمين، كأنهم دعوا بهذا الدعاء وتلوا ذلك. وفي هذا إشارة أيضاً إلى أن قراءة الإمام في الصلاة الجهرية تجزئ عن قراءة المأموم، على الصحيح، فعليه أن يستمع وأن يتدبر، وأن يتأمل. ونكتفي بهذا القدر، وبالله التوفيق والإعانة والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الفاتحة للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net