اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إنما يخشى الله من عباده العلماء للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


إنما يخشى الله من عباده العلماء - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
العلم بشرع الله تعالى عبادة من أجل العبادات، وأهله العاملون به في أعلى المنازل والمراتب، ولا يتحقق الوصف بالعلم على أحد حتى يسلك الطريق الصحيح في تلقيه, والطريق الصحيح في تبليغه؛ فهناك عقبات إذا تجاوزها العالم نفعه علمه، وإلا صار وبالاً عليه، كإرادة الدنيا بالعلم, وترك العمل بما علم.
مقدمة في الحديث عن طلب العلم

 ضرورة اهتمام طالب العلم بالعبادة
مع أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون من المكثرين من العبادة والصلاة والاستغفار، وأن يكون له بذلك مزية وخصيصة عن غيره من عامة الناس؛ ولهذا كان العلماء عليهم رحمة الله تعالى لا يفرقون في أداء العبادة بين الحل والترحال، وهذا من حرصهم عليها.وقد ذكر ابن أبي يعلى في كتابه طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد عليه رحمة الله أنه كان في ليلة مسافراً ومعه أحد أصحابه، فلما قام الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في ليلة من الليالي يصلي فوضع ماءه عند صاحبه، فلما قام لصلاة الفجر وجده لم يمسه، فقال: لم لم تمس الماء؟ قال: إني مسافر، فقال: سافر مسروق وما نام إلا ساجداً يعني: من كثرة عبادته.وإذا نظرنا إلى حال الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في مثل هذا الموضع، وكذلك حال الأئمة في مواضع أخرى، نجد أنهم يفرقون بين المسائل المتزاحمة في مسائل تحصيل العلم وتحقيقه إذا كان لا يتحصل الإنسان تحقيق العلم إلا بمزاحمة عبادة أخرى فإنها تقدم العبادة على غيرها؛ ولهذا قد ذكر عن الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى كما ذكر ابن الجوزي وغيره، وكذلك البيهقي أن الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى سافر من العراق إلى صنعاء يريد طلب العلم عند عبد الرزاق ، فلما قدم إليه طرق بابه فخرج.. وكان الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى شاباً فتياً في أول فتوته، فخرج بقال فقال: لا تزعج الشيخ يا فلان! قال: فابتعد الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى عن الباب حتى خرج عبد الرزاق من بيته، فقال: ابتدره الإمام أحمد عليه رحمة الله فسلم عليه فقال: يا شيخ! إني قدمت من العراق أريد أن أكتب عنك، قال: من أنت؟ فقال: أنا أحمد بن حنبل ، قال: فاعتنقني فقال: آلله أنت أحمد بن حنبل ؟ قال: نعم، قال: ثم أخذ يحدثني حتى اشتبكت النجوم، فكان الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى إذا تذكر عبد الرزاق بكى، وذلك أنه قد عُرف باسمه عنده وهو شاب فتي في أول عمره، أي: أن بلغ خبره عبد الرزاق وهو في صنعاء فارتحل إليه فوجد اسمه عنده عليهم رحمة الله.على طالب العلم أن يتحقق فيه الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فإذا حرم الإنسان في ابتداء الأمر الإخلاص في الغالب أنه يحرم التوفيق والثبات، وإذا ازداد من العلم ازداد معه عدم الإخلاص حتى ينحرف الإنسان في أبواب العلم وفي أبواب البلاغ؛ ولهذا من أعظم ما يضل الأمة في سبيلها وهدايتها: أن يتعلم العلم غير المخلصين لله جل وعلا فيبلغ العلم بأهوائهم، وبأهواء الناس فيكونون حينئذٍ أرباب جمهور، وأرباب عامة لا يريدون إغضاب الناس فيفتونهم بحسب أهوائهم، وبحسب ما يريدونهم؛ لهذا يضل الناس ويضلون، أما العالم الحق الذي يتعلم العلم لله سبحانه وتعالى، فإذا تعلم العلم لله سبحانه وتعالى كان عند البلاغ مستحضراً رضا الله جل وعلا؛ لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمرو السابق قال: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، يعني: الله جل وعلا كما أنه صدر العالم بالعلم فهو الذي يقبضه، أما الجاهل: ( حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ).
من صفات العالم الصادق

 الفهم الدقيق لإنزال النصوص
كما أن العالم ينبغي أن يكون مستحضراً لنصوص الكتاب والسنة، عارفاً بها، وعارفاً وجوه الاستدلال، وعارفاً أيضاً للنوازل التي تنزل بالأمة، وأن يكون بصيراً بالمآل في حال ورود الحكم الشرعي على مثل هذه النازلة، فربما لم تكن هذه من الموافقات، فاحتاجت إلى ما يخالف ذلك الأصل المطرد، فاحتاج إلى أن يفتي بغيره؛ لهذا شرع الله حدوداً، وأمر بإقامتها، وبيّن أن حدوده لا يجوز أن يتعداها أحد، وأن الإنسان لا يمكن أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويجد في نفسه حرجاً مما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليه في ذلك أن يسلم تسليما.لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحواله يغض الطرف عن بعض المنافقين الخلص الذين بين الله جل وعلا كفرهم وخروجهم من الإسلام كما في قصة المنافقين الذين قدموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، مع وجود بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقين الذين عرفوا كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يصلوا إلى فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعواقب الأمور، فأرادوا أن يقتلوا بعض المنافقين الخلص، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد مقصداً أعظم من ذلك، فقال: أتريدون أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، وهذه نظرة بعيدة، أن ينظر الإنسان إلى المآل، وألا ينظر إلى ورود النص. أقول: إن فهم النص مجردا ًلا يعني للعالم أنه يقوم بإنزاله في كل نازلة مطردة، بل يقال: إنه ينبغي أن يتقي الله، وأن يتجرد من الدنيا، ومن علائقها، حتى لا يشرب قلبه ذلك، فإذا أشرب قلبه ذلك اختلطت لديه الأمور، ولم يكن لديه حينئذٍ الموازنات فخشي فقد المال، أو فقد الجاه، وحظ النفس ونحو ذلك؛ لهذا العالم الرباني الذي كلما ازداد تحصيلاً للعلم الشرعي ازداد قرباً من الله سبحانه وتعالى، ازداد من العبادة، من ذكر الله جل وعلا، والاستغفار، والتهليل، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: أن ورود الخشية على العالم تزداد مع زيادة العلم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله سبحانه وتعالى، وهذه الخشية من لوازمها عدم التعلق بأمر الدنيا من مال وجاه، وهذا أعظم ما يفسد على الإنسان دينه، وأعظم ما يفسد على العالم علمه، ومما يفقده صوابه أن يتعلق بأمر المال وأمر الدنيا؛ ولهذا العالم الذي يتوجه خطابه للناس عامة، وفي بلده أو في قريته ونحو ذلك يحاول قدر إمكانه أن يتجرد من دنيا الناس في مجتمعه، فإن كان في قرية أن يتجرد من دنيا أهل هذه القرية، ويحرص تمام الحرص ألا يتعامل مع هؤلاء بالبيع والشراء حتى لا ينكسر قلبه ويتعامل معهم، أو يتنزل معهم في شيء من أحكام الشريعة، فليعمل معهم لله سبحانه وتعالى، وليأخذ ويتعامل مع الأبعدين الذين لا يجاملونه في دينه، أو ربما لا يعرفونه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما مات ودرعه مرهونة عند يهودي كما تقدم، وبهذا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانوا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه دين من نوع الرهن عند يهودي لبادروا بوفائه، وكذلك بأخذ ذلك أو بإعطاء سد حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل في حاجته في دنياه بعيداً عن حظ أمر الدنيا، ولو كان من علية الخلق بعد الأنبياء وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أهمية معرفة مراتب العلم
العلم الشرعي له مراتب عديدة ينبغي للإنسان أن يكون متبصراً فيها، وهذه المراتب إذا علمها الإنسان من جهة التحقيق وكذلك من جهة الأمر بالسلوك، وفقه الله سبحانه وتعالى إلى ما تقدم الكلام عليه من جهة الإخلاص.وليعلم أن الخلط في أبواب مراتب العلم له أثر على الخلط في أبواب النيات، وذلك أن الله جل وعلا حينما جعل المعلومات متباينة من جهة فضلها وكذلك وجوبها على الإنسان كذلك من جهة طلبها وهو لازم لمعرفة ذاته؛ لهذا فإن توحيد الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يكون أول ما يعلمه الإنسان؛ لأنه أول ما يبلغ، وأول ما يدخل الإنسان فيه الإسلام؛ لهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يصلوا أو يزكوا أم حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، ويحجوا البيت إن استطاعوا إليه سبيلاً.وكذلك أيضاً قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث معاذ بن جبل كما في الصحيحين وغيرهما: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه )، يعني: أول ما تبلغهم؛ لأنهم متعلمون؛ لأن هؤلاء أرادوا تعلم العلم الشرعي إن رغبوا منك ذلك العلم على سبيل الاتباع، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، (فإن هم أجابوك لذلك) وهذا مما يدل على أن العلم مراتب، ( فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة )، ومن هذا يعلم أنه ينبغي للمتعلم حتى يوفق إلى الإخلاص في النية لله سبحانه وتعالى، أن يأخذ العلم بقدر ما يجب عليه في ذاته، فما كان واجباً على الأعيان، فإنه يقدم على ما كان واجباً على فروض الكفاية، وما كان واجباً على فروض الكفاية من جهة التعليم يقدم على ما كان مستحباً للأمة من فضول المسائل ودقائقها، فإذا كان الإنسان كذلك وفق إلى الإخلاص، أما الإنسان الذي يطيع شهوته باتباع الأمور المفضولة من مسائل العلم، ويدع ما كان واجباً عليه، فإن هذا من أعظم القوادح بالنيات، فبعض الناس يتعلم دقائق العلم، دقائق المسائل سواء من علوم الآلة، ونحو ذلك، ويدع ما يجب عليه من مسائل الاعتقاد، أو يدع ما يجب عليه من مسائل أركان الإسلام، فلا يحسن يصلي، ولا يحسن يصوم، ولا يحسن يزكي، ولا يحسن يحج، وهذا من التقصير.فإذا كنت طالباً للعلم لله جل وعلا فالواجب في حقك حينئذٍ أولاً أن تتعلم ما وجب عليك عيناً، وألا تتعلم ما يجب على الأمة من فروض الكفاية أو كان من الأمور المستحبة، فإذا كان الإنسان كذلك فقد عرف مراتب العلم وتعلم المسائل الواجبة عليه، فإنه حينئذٍ يكون هذا الفعل من علامات الإخلاص. لهذا ينبغي للإنسان أن يحرص تمام الحرص على معرفة مراتب العلم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه. أول ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم الشرعي هو معرفة توحيد الله سبحانه وتعالى، فكان يبلغ أمته التوحيد، ويقول: ( قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا )، ويأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته وقومه من كفار قريش بتوحيد الله، ولم يبلغهم شيء من ذلك إلا بعمله عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أهمية هذا الأمر، وهو مسألة التوحيد الذي زهد فيه -للأسف الشديد- كثير من المسلمين، فالتفتوا إلى بنيات الطريق من مسائل العلم، وأصبحت الأضرحة والفضول والمزارات قد امتلئت بها أقطار العالم الإسلامي، وأصبحت الأمة تنظر إلى الصور، وتنظر إلى قوالب المسلمين، وتنظر إلى الأرقام والأعداد، ولا تنظر إلى حقائق المسلمين، فنسمع كثيراً من يتكلم على أن الأمة الإسلامية هي أمة المليار ونصف ونحو ذلك، وإذا سئل الإنسان من هم الموحدون من هذه الأمة؟ لوجد أن أكثر الأمة يطوفون على القبور والأضرحة، وهذه كارثة ومصيبة كون المسلمين لا يلتفتون إلى مراتب العلم ومراتب البلاغ.والعالم يخطئ حينما يستنفر إلى شيء من فضول المسائل، ولا يستنفر إلى مسائل الشرك التي تفشت في كثير من بقاع المسلمين.ونحن -وإن كنا في هذا البلد بمنأى عن الأضرحة والقبور والمزارات- إلا أن بلاد المسلمين تعج به. في مصر أكثر من ثلاثة آلاف ضريح ومزار، يطوف ويعكف عليها ملايين من البشر، وكذلك في العراق، وفي الشام، وفي الهند، والهند التي عدد المسلمين فيها ربع المسلمين في العالم كله، قرابة المائتين وخمسين مليون مسلم، وهؤلاء يفوقون مسلمي العرب أضعافاً، وأولئك أكثر من تسعين في المائة منهم وثنيون كحال كفار قريش في الجاهلية. هؤلاء القبوريون معدودون من جملة المسلمين إذا أردنا أن نحصيهم في تعداد المسلمين، ولكن هل هم غثاء كغثاء السيل؟ نعم، غثاء كغثاء السيل؛ لأنهم أجسام بلا أرواح؛ لأن حقيقة الروح هي التوحيد، وهي العلم الشرعي الذي ينبغي أن يعلم للناس، فلا يعلم الناس الآداب والسلوك، وفضول العلم، وهم قد ضلوا في باب التوحيد.تأليف قلوب الناس على غير التوحيد من الضلال والزيغ، وتأليف قلوب الناس على غير العدل مع رب العالمين هو من الأمور الموهومة المصطنعة.لهذا جعل الله جل وعلا أعظم الظلم وأعظم الحيف الشرك به سبحانه وتعالى؛ ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم حاكياً على لسان العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: فلان ظلم فلاناً من الناس في ماله إذا أخذ ماله، أو أخذ مالاً وجحده من دين ونحو ذلك، أو لم يعدل في العطية ونحو ذلك، أعظم الظلم هو الظلم في حق الله سبحانه وتعالى وهو أن يعلق الإنسان قلبه في غير ما أمر به الإنسان، فيعلقه بصنم ووثن أو بولي من أولياء الله صالح، فضلاً عن الأشجار والأحجار وغير ذلك، ويعلقها لغير الله جل وعلا، هذا هو الظلم بعينه؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].أجمع المفسرون -إلا ما جاء في بعض الروايات عن عكرمة و علي بن أبي طالب وأسانيدها ضعيفة- على أن الظلم المراد في هذه الآية هو الإشراك بالله جل وعلا، وأن الذي لم يعدل مع الله جل وعلا في الأرض أن الله جل وعلا لا يحقق له الأمن، والأمة لا يمكن أن تجتمع على غير التوحيد، لا يمكن أن تجتمع على أسماء من غير ثبوت أحكام فيها، أحكام شرعية تتحقق فيها مسائل التوحيد قولاً وعملاً، فإذا لم تتحقق فيها الأحكام وتوفر فيها الأسماء حينئذٍ تضل الأمة للأسف الشديد في هذا الباب وتصبح جوفاء وغثاء كغثاء السيل؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذكر أن الأمم تتداعى على هذه الأمة كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: ( يا رسول الله! أو من قلة نحن؟ قال: أنتم حينئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل )، وسبب هذا الغثاء في الأمة أن الأمة تعلقت بأمر الدنيا وكرهت الموت. وأعظم ما تتعلق فيه الأمة في أمر الدنيا أن ينقلب الشرك إلى متاجر، فأصبحت المزارات مواضع اقتصادية وسياحية، فأصبحت تدافع عنها السياسات والدول، وتجعلها ضمن الأوقاف، وتوضع القبور للطواف عليها، وكذلك جلب السواح الذين يكونون من أقطار العالم الإسلامي، وهناك من الأضرحة والقبور من يزورها في العام أكثر ممن يزور البيت الحرام، وقد رأيت بعيني بعض المواضع في بلاد الهند من القبور والأضرحة ما يجتمع فيها في اليوم الواحد مليونان من المسلمين ممن يدعي الإسلام وهو محسوب على أمة الإسلام، وداخل في أرقامها، وهؤلاء غثاء كغثاء السيل، والسبب في ذلك هو الخلط في مقام العلم ومراتبه، والخلط في فهم العلم، وتبليغه للناس، وبيان الأمة الحقيقية التي تعرف العلم الشرعي ممن تأخذ المراتب المفضولة، وتدع المراتب الفاضلة.أعظم طريقة لإبلاغ العلم للناس: أن يسلك العالم طريقة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى تتحقق في الأمة الخشية لله جل وعلا، والخوف منه سبحانه وتعالى؛ وذلك بالنظر في سيرته في بلاغه عليه الصلاة والسلام للدين، وللأحكام الشرعية.
 الفهم الدقيق لإنزال النصوص
كما أن العالم ينبغي أن يكون مستحضراً لنصوص الكتاب والسنة، عارفاً بها، وعارفاً وجوه الاستدلال، وعارفاً أيضاً للنوازل التي تنزل بالأمة، وأن يكون بصيراً بالمآل في حال ورود الحكم الشرعي على مثل هذه النازلة، فربما لم تكن هذه من الموافقات، فاحتاجت إلى ما يخالف ذلك الأصل المطرد، فاحتاج إلى أن يفتي بغيره؛ لهذا شرع الله حدوداً، وأمر بإقامتها، وبيّن أن حدوده لا يجوز أن يتعداها أحد، وأن الإنسان لا يمكن أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويجد في نفسه حرجاً مما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليه في ذلك أن يسلم تسليما.لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحواله يغض الطرف عن بعض المنافقين الخلص الذين بين الله جل وعلا كفرهم وخروجهم من الإسلام كما في قصة المنافقين الذين قدموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، مع وجود بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقين الذين عرفوا كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يصلوا إلى فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعواقب الأمور، فأرادوا أن يقتلوا بعض المنافقين الخلص، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد مقصداً أعظم من ذلك، فقال: أتريدون أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، وهذه نظرة بعيدة، أن ينظر الإنسان إلى المآل، وألا ينظر إلى ورود النص. أقول: إن فهم النص مجردا ًلا يعني للعالم أنه يقوم بإنزاله في كل نازلة مطردة، بل يقال: إنه ينبغي أن يتقي الله، وأن يتجرد من الدنيا، ومن علائقها، حتى لا يشرب قلبه ذلك، فإذا أشرب قلبه ذلك اختلطت لديه الأمور، ولم يكن لديه حينئذٍ الموازنات فخشي فقد المال، أو فقد الجاه، وحظ النفس ونحو ذلك؛ لهذا العالم الرباني الذي كلما ازداد تحصيلاً للعلم الشرعي ازداد قرباً من الله سبحانه وتعالى، ازداد من العبادة، من ذكر الله جل وعلا، والاستغفار، والتهليل، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: أن ورود الخشية على العالم تزداد مع زيادة العلم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله سبحانه وتعالى، وهذه الخشية من لوازمها عدم التعلق بأمر الدنيا من مال وجاه، وهذا أعظم ما يفسد على الإنسان دينه، وأعظم ما يفسد على العالم علمه، ومما يفقده صوابه أن يتعلق بأمر المال وأمر الدنيا؛ ولهذا العالم الذي يتوجه خطابه للناس عامة، وفي بلده أو في قريته ونحو ذلك يحاول قدر إمكانه أن يتجرد من دنيا الناس في مجتمعه، فإن كان في قرية أن يتجرد من دنيا أهل هذه القرية، ويحرص تمام الحرص ألا يتعامل مع هؤلاء بالبيع والشراء حتى لا ينكسر قلبه ويتعامل معهم، أو يتنزل معهم في شيء من أحكام الشريعة، فليعمل معهم لله سبحانه وتعالى، وليأخذ ويتعامل مع الأبعدين الذين لا يجاملونه في دينه، أو ربما لا يعرفونه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما مات ودرعه مرهونة عند يهودي كما تقدم، وبهذا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانوا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه دين من نوع الرهن عند يهودي لبادروا بوفائه، وكذلك بأخذ ذلك أو بإعطاء سد حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل في حاجته في دنياه بعيداً عن حظ أمر الدنيا، ولو كان من علية الخلق بعد الأنبياء وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صفات تبليغ رسول الله لدعوته
إذا أردنا أن ننظر إلى بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدنا أن له صفتين: الصفة الأولى من جهة معرفة مراتب العلم: أن أوله العقائد، ثم يليه بعد ذلك أركان الإسلام، ثم يليه بعد ذلك ما كان واجباً على الأعيان، ثم ما كان واجباً على الكفاية، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ الأمر للناس.الصفة الثانية: صفة تبليغ ذلك الحكم الشرعي الذي يأمر الإنسان بتبليغه، وقد حدث في الأمة كثير من الخلل في هذا الباب، ووقع فيها اللبس، فاستهانت الأمة في كثير من الأحكام الشرعية. نجد كثيراً ممن يبلغ الناس العلم على غير هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم بأخذ باب من أبواب البلاغ، وترك الباب الآخر المقابل في ذات المسألة، فيأمر بالصلاة ولا يبين عقوبة تاركها، ويبين التوحيد ولا يبين عقوبة الشرك، ويحث على الزواج، ولا يبين خطورة الزنا، ويبين أحكام الحجاب، ولا يبين أحكام السفور، ويبين أحكام البيوع ولا يبين أحكام الربا وغير ذلك، ومن نظر إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أنه ما من حكم شرعي من أحكام الشريعة يتحقق الوصف فيه في ذهن المتعلم وبيان قدره في الشريعة إلا في اجتماع الوصفين، وإلا فالأوامر الشرعية تشترك في ذات الصيغة افعل ولا تفعل. النبي عليه الصلاة والسلام يأمر الناس فيقول مثلاً: صلوا، ويأمرهم فيقول: تسوكوا، ويأمرهم فيقول: توضأوا، ويقول: صلوا الأرحام، أطعموا الطعام، وهو أمر واحد، لكن كيف نعرف أن هذه أغلظ من تلك؟ نعرف المراتب ببيان ضدها بعقوبة تارك الصلاة، وعقوبة قطيعة الأرحام، هل هو مخلد؟ هل هو يطلق عليه وصف الكفر؟ وهل موعود بالنار؟ وهل هو موصوف باللعن ونحو ذلك؟ وهذا ما سلكه كثير ممن ينتسب إلى الدعوة في زمننا، فأخذ شقاً من البلاغ، وترك الشق الآخر منها، إما طلباً للتيسير على الناس يزعم، وإما لإرادة عدم ترهيب الناس، وإما لتحبيبهم في الشريعة، وهذا نوع من القصور، ولا أعلم حكماً من أحكام الشريعة مرت مرحلته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان يأمر بالفعل وينهى عن ضده، ويبين عاقبة الضد. والتدرج مطلوب؛ ولهذا تيسير الشريعة في التدرج، لا في شطر الأحكام الشرعية، والإتيان بخلط كثير من الأمور؛ لهذا كثير من العامة في أقطار العالم الإسلامي ينظرون إلى الأحكام الشرعية، ولا يعرفون الأولويات منها، لا يعرف هل الصلاة هي آكد من صلة الأرحام أم لا؟ هل الصلاة آكد من الزكاة أم لا؟ لا يعرفون الترتيب، بماذا يعرف؟ بعقوبة التارك، فإذا أهملت عقوبة التارك -وهو الجزء الآخر من التشريع- وهو النهي عن المنكر وقع الخلط في أفهام كثير من الناس؛ لهذا وجد عند كثير من العامة من ينظر بإعظام إلى كثير من المتعبدين والزهاد، أو الذين ينفقون الأموال للناس وهم أصحاب جرم عظيم وشرك مع الله جل وعلا، ويقولون: إن هؤلاء يكفلون الأيتام، وهؤلاء ينفقون للناس، وهؤلاء يدعمون الفقراء ونحو ذلك، وهم في الشرك وقعوا، لماذا حدث هذا الخلط للناس؟ لأنهم علموا الشريعة جملة بباب واحد من أبواب البلاغ، وهو أن الله جل وعلا أمر بالصدقة، وأمر بكفالة الأيتام، وأمر بالصلاة ونحو ذلك، وما بيّن حقيقة تارك الصلاة؛ ولهذا كثير ممن ينتسب إلى الدعوة إلى الله جل وعلا في كثير من وسائل الإعلام يرى أن في هذا الشق الآخر شقاً لصف المسلمين وهذا هو الخلط؛ ولهذا إذا أراد الإنسان أن يتكلم في مسائل التوحيد يجد مشقة عند العامة، بل عند بعض من ينتسب إلى العلم، لماذا؟ لأنه حال تعليله وتبليغه للناس وقع في شق هذه القضية وهذه المسائل، فوقع فيها خلط لدى المتعلمين. وأعظم ما يسلكه كثير ممن ينتسب إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في بلاغ الناس، إما أن يقصد ترغيب الناس وتحريرهم إلى الخير، وهذا مقصد، لكنه وضع في غير موضعه، تحبيب الناس ألا تأتي بحكم ربما لم يحن وقته لهؤلاء المتعلمين؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءه الرجل، وقال: أريد أن أصلي صلاتين، وكان ذلك الرجل حينما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يوجد عندي وقت أصلي خمس صلوات -وهو شيخ قبيلة- يقول: لا يوجد عندي، أنا أريد أن أبايعك يا رسول الله! لكن أريد أن أصلي صلاتين، نقول: تدرج معه، اجعله يصلي صلاتين، ثم يدخل في الإسلام ويؤمن بها تشريعاً، لكن لا يجوز أن نقول: إنه لا يوجد في الإسلام إلا صلاتان، نقول: آمن بالخمس وصلِّ صلاتين، وهذا هو التيسير المقصود بالشريعة، ومن نظر إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقة القرآن وجد أن الإسلام ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم على طريقة التدرج، ينزل حكماً ثم حكما.كذلك في بلاغ الناس، فالعالم إذا حل في بلد من البلدان التي لم يقع فيها الإسلام من قبل، ليس له أن يأتي بأحكام الشريعة بديوان من دواوين الإسلام، ويأتي إلى شخص أو وجيه من الوجهاء قد دخل الإسلام ثم يأتي بدواوين الإسلام ويقول: هذا الإسلام كله آمن به وإلا فعلنا بك وفعلنا. لا، الحكمة من ذلك أن تقول: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حينئذٍ دخلت في الإسلام، بعد ذلك قل: فرضت علينا الصلاة، ولا تخبره بما يتهيب الإنسان. وقد حدثني أحد الإخوان ممن اهتم بأمر الدعوة إلى الله جل وعلا، يقول: ذهبت إلى بعض البلدان في بعض شرق آسيا من بعض البلدان الصناعية يقول: فالتقيت بأحد الذين يعتنون بالمعرفة والصناعة ونحو ذلك من أهل الكفر فدعوته إلى الإسلام فآمن، يقول: فأتاني وقال: أريد أن تعرفني بالإسلام، يقول: فأتيت بترجمة لأحد دواوين الفقه بعشرة مجلدات وقلت: هذا الإسلام، آمن به واتبعه، وإن لم تؤمن به فأنت حينئذٍ تعتبر مرتداً بعد أن تنطق بالشهادتين!! أليس هذا هو تشديداً وتغليظاً على الناس؟ هذا هو التشديد الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، التيسير في هذا هو أن تأمر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم تأمره بالصلاة، ولو أجبرت، ولم يكن لديك يسر من الوقت تتواصل معه اتركه على هذا التوحيد وعلى ما هو عليه من أمر الصلاة؛ ولهذا يقول عمر بن عبد العزيز: لا تبلغوا الإسلام جملة فيتركه الناس جملة.هذا هو حقيقة التيسير، حقيقة التيسير ليس أن آتي إلى فلان وأقول له: المسألة خلافية وخذ ما تريد، والمسألة فيها قولان، ثم أشق صف المسائل، أو أقول: إن الله جل وعلا أمر بكذا وأمر بكذا وأمر بكذا، ثم يقع الخلط بين الناس فلا يعرفون مراتب المأمور به، ولا دركات المنهي عنه.لهذا ينبغي للعالم أن يكون بصيراً بمسألة البلاغ، كما كان بصيراً في مسألة التلقي، وأن يعلم طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلقي الوحي، كذلك في البلاغ، فيكون بصيراً أيضاً فيها، وأن الله جل وعلا ما أنزل هذه الشريعة إلا وهي شريعة سمحاء، والمراد بذلك اليسر والسماحة وعدم التشديد على الناس، واليسر قد تقدم الكلام عليه في مسألة التدرج، وإذا علم أن الإنسان لا يصلح حاله مثلاً في بلاغ الحكم الشرعي إليه، ولم يكن هذا الحكم من الأمور المتأكدة، والواجبة على التغليظ والتأكيد، فعليه ألا يبلغ ذلك الإنسان بهذا الحكم، وإنما يتدرج معه بحسب صلاحه لحاله، كما تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الإنسان إذا بلغه الدليل وجب عليه الاتباع، ولا مناص عنه، وإذا حاد عنه فإنه حينئذٍ يعاقب بتركه ذلك، ويستحق حينئذٍ العقاب، فلا يكون الإنسان عوناً لبعض العامة، أو من يستثقل بعض النصوص الشرعية عوناً للشيطان بصده عن سبيل الله سبحانه وتعالى.
 الفهم الدقيق لإنزال النصوص
كما أن العالم ينبغي أن يكون مستحضراً لنصوص الكتاب والسنة، عارفاً بها، وعارفاً وجوه الاستدلال، وعارفاً أيضاً للنوازل التي تنزل بالأمة، وأن يكون بصيراً بالمآل في حال ورود الحكم الشرعي على مثل هذه النازلة، فربما لم تكن هذه من الموافقات، فاحتاجت إلى ما يخالف ذلك الأصل المطرد، فاحتاج إلى أن يفتي بغيره؛ لهذا شرع الله حدوداً، وأمر بإقامتها، وبيّن أن حدوده لا يجوز أن يتعداها أحد، وأن الإنسان لا يمكن أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويجد في نفسه حرجاً مما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليه في ذلك أن يسلم تسليما.لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحواله يغض الطرف عن بعض المنافقين الخلص الذين بين الله جل وعلا كفرهم وخروجهم من الإسلام كما في قصة المنافقين الذين قدموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، مع وجود بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقين الذين عرفوا كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يصلوا إلى فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعواقب الأمور، فأرادوا أن يقتلوا بعض المنافقين الخلص، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد مقصداً أعظم من ذلك، فقال: أتريدون أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، وهذه نظرة بعيدة، أن ينظر الإنسان إلى المآل، وألا ينظر إلى ورود النص. أقول: إن فهم النص مجردا ًلا يعني للعالم أنه يقوم بإنزاله في كل نازلة مطردة، بل يقال: إنه ينبغي أن يتقي الله، وأن يتجرد من الدنيا، ومن علائقها، حتى لا يشرب قلبه ذلك، فإذا أشرب قلبه ذلك اختلطت لديه الأمور، ولم يكن لديه حينئذٍ الموازنات فخشي فقد المال، أو فقد الجاه، وحظ النفس ونحو ذلك؛ لهذا العالم الرباني الذي كلما ازداد تحصيلاً للعلم الشرعي ازداد قرباً من الله سبحانه وتعالى، ازداد من العبادة، من ذكر الله جل وعلا، والاستغفار، والتهليل، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: أن ورود الخشية على العالم تزداد مع زيادة العلم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله سبحانه وتعالى، وهذه الخشية من لوازمها عدم التعلق بأمر الدنيا من مال وجاه، وهذا أعظم ما يفسد على الإنسان دينه، وأعظم ما يفسد على العالم علمه، ومما يفقده صوابه أن يتعلق بأمر المال وأمر الدنيا؛ ولهذا العالم الذي يتوجه خطابه للناس عامة، وفي بلده أو في قريته ونحو ذلك يحاول قدر إمكانه أن يتجرد من دنيا الناس في مجتمعه، فإن كان في قرية أن يتجرد من دنيا أهل هذه القرية، ويحرص تمام الحرص ألا يتعامل مع هؤلاء بالبيع والشراء حتى لا ينكسر قلبه ويتعامل معهم، أو يتنزل معهم في شيء من أحكام الشريعة، فليعمل معهم لله سبحانه وتعالى، وليأخذ ويتعامل مع الأبعدين الذين لا يجاملونه في دينه، أو ربما لا يعرفونه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما مات ودرعه مرهونة عند يهودي كما تقدم، وبهذا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانوا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه دين من نوع الرهن عند يهودي لبادروا بوفائه، وكذلك بأخذ ذلك أو بإعطاء سد حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل في حاجته في دنياه بعيداً عن حظ أمر الدنيا، ولو كان من علية الخلق بعد الأنبياء وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مراتب العلماء
وينبغي أن يعلم أن العلماء عند التحقيق على ثلاث مراتب:المرتبة الأولى: العلماء العارفون بالله الذين عرفوا الشريعة نصوصاً واستنباطاً، عرفوا ما حث الشارع عليه من وجوه الاستدلال بالنظر بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بالنظر إلى الأقيسة، والنظر والاعتبار، وكذلك أيضاً بالنظر إلى المقاصد وسد الذرائع ومعرفة المحكم من المتشابه، والناسخ من المنسوخ، والمطلق من المقيد، والعام من الخاص، وتمييز بعضها عن بعض، فهؤلاء يعرفون الأدلة، ويعرف بعضهم دليل بعض، فيعذر بعضهم بعضاً، ويعلم هؤلاء العلماء أن من خالفهم من المخالفين أنه إنما خالف لدليل وله وجهة نظر فيه، فيعذر بعضهم بعضاً.وبهؤلاء الناس، وبهذا الصنف، أو بهذه الطائفة الأمة مرحومة, وهي على سعة من أمرها. المرتبة الثانية: وهي فئة العامة الذين هم من الجهلة الذين يتبعون كل قائد، يتبعون من يتكلم سواء بجهل أو بعلم. والمرتبة الثالثة: هي شر من وصف بالعلم، وهي أنصاف المتعلمين الذين أخذوا من العلم شيئاً وتركوا أشياء، وبهذا لا يعذرون العلماء عند الخلاف، ولا يعرفون مواضع الخلاف التي يسوغ فيها الخلاف، وإذا تكلم العلماء في مسألة من مواضع الإجماع ابتدروا إليهم ببعض ما يخالف قولهم، فيتبعهم العوام ويظنون أنهم علماء، فينشق حينئذٍ الصف، وربما لم يقدروا مواضع الخلاف، فيتشددون فيما يستحق التسهيل، أو يتساهلون فيما يستحق التشديد، فلم يعرفوا مراتب العلم، وخلطوا بين هذه الأمور، فأصبحوا حينئذٍ هم الشر والوبال، ونحن حينئذٍ إذا عرفنا هذه الأوصاف أدركنا مواضع الرحمة ومواضع النقمة.أعظم مواضع الرحمة في مواضع الخلاف هي: ما اختلف فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا يقول عمر بن عبد العزيز : ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا، وإنما اختلافهم رحمة، فإذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليعلم أن الخلاف حينئذٍ من خلاف الرحمة، والخلاف النقمة هو الخلاف في التوحيد، وهو أصل النقمة، ولهذا يقول أبو يزيد البسطامي كما روى ابن .. قال: لو لم تختلف الأمة لخشيت العنت، والخلاف رحمة إلا في تحقيق التوحيد، يعني: في تحقيق التوحيد فليعلم أن الخلاف حينئذٍ خلاف نقمة. فينبغي أن يعلم مواضع خلاف الرحمة، وتعلم القطعيات والكليات، والأصول التي عليها الاتفاق، ويفرق بينها وبين غيرها.
 الفهم الدقيق لإنزال النصوص
كما أن العالم ينبغي أن يكون مستحضراً لنصوص الكتاب والسنة، عارفاً بها، وعارفاً وجوه الاستدلال، وعارفاً أيضاً للنوازل التي تنزل بالأمة، وأن يكون بصيراً بالمآل في حال ورود الحكم الشرعي على مثل هذه النازلة، فربما لم تكن هذه من الموافقات، فاحتاجت إلى ما يخالف ذلك الأصل المطرد، فاحتاج إلى أن يفتي بغيره؛ لهذا شرع الله حدوداً، وأمر بإقامتها، وبيّن أن حدوده لا يجوز أن يتعداها أحد، وأن الإنسان لا يمكن أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويجد في نفسه حرجاً مما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليه في ذلك أن يسلم تسليما.لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحواله يغض الطرف عن بعض المنافقين الخلص الذين بين الله جل وعلا كفرهم وخروجهم من الإسلام كما في قصة المنافقين الذين قدموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، مع وجود بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقين الذين عرفوا كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يصلوا إلى فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعواقب الأمور، فأرادوا أن يقتلوا بعض المنافقين الخلص، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد مقصداً أعظم من ذلك، فقال: أتريدون أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، وهذه نظرة بعيدة، أن ينظر الإنسان إلى المآل، وألا ينظر إلى ورود النص. أقول: إن فهم النص مجردا ًلا يعني للعالم أنه يقوم بإنزاله في كل نازلة مطردة، بل يقال: إنه ينبغي أن يتقي الله، وأن يتجرد من الدنيا، ومن علائقها، حتى لا يشرب قلبه ذلك، فإذا أشرب قلبه ذلك اختلطت لديه الأمور، ولم يكن لديه حينئذٍ الموازنات فخشي فقد المال، أو فقد الجاه، وحظ النفس ونحو ذلك؛ لهذا العالم الرباني الذي كلما ازداد تحصيلاً للعلم الشرعي ازداد قرباً من الله سبحانه وتعالى، ازداد من العبادة، من ذكر الله جل وعلا، والاستغفار، والتهليل، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: أن ورود الخشية على العالم تزداد مع زيادة العلم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله سبحانه وتعالى، وهذه الخشية من لوازمها عدم التعلق بأمر الدنيا من مال وجاه، وهذا أعظم ما يفسد على الإنسان دينه، وأعظم ما يفسد على العالم علمه، ومما يفقده صوابه أن يتعلق بأمر المال وأمر الدنيا؛ ولهذا العالم الذي يتوجه خطابه للناس عامة، وفي بلده أو في قريته ونحو ذلك يحاول قدر إمكانه أن يتجرد من دنيا الناس في مجتمعه، فإن كان في قرية أن يتجرد من دنيا أهل هذه القرية، ويحرص تمام الحرص ألا يتعامل مع هؤلاء بالبيع والشراء حتى لا ينكسر قلبه ويتعامل معهم، أو يتنزل معهم في شيء من أحكام الشريعة، فليعمل معهم لله سبحانه وتعالى، وليأخذ ويتعامل مع الأبعدين الذين لا يجاملونه في دينه، أو ربما لا يعرفونه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما مات ودرعه مرهونة عند يهودي كما تقدم، وبهذا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانوا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه دين من نوع الرهن عند يهودي لبادروا بوفائه، وكذلك بأخذ ذلك أو بإعطاء سد حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل في حاجته في دنياه بعيداً عن حظ أمر الدنيا، ولو كان من علية الخلق بعد الأنبياء وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من أسباب اللبس في مسائل العلم
وفي زمننا هذا وقع اللبس عند كثير من العامة في مسائل العلم، ووصف العالم الحق، العالم الحق هو الذي تحقق فيه وصف العلم. وقد وقع هذا الخلط بأسباب متنوعة، منها: أنه وجد من العامة من يصدر أنصاف المتعلمين أو الجهلة الخلص الذين ربما كانوا يعرفون شيئاً من مسائل الدين، من معرفة التاريخ أو بعض الصيغ أو المغازي ونحو ذلك، فصدروا على أنهم حكم في الشريعة كلها، على أنهم علماء يفتون في الحلال والحرام، فأفتوا في الأمور النازلة، وشقوا مسائل الخلاف ونحو ذلك.كذلك من أسباب اللبس في تقدير مواضع العلماء ونحو ذلك ما يسمى بالشهادات العلمية المعاصرة، التي صدرت كثيراً ممن حمل الشهادات وهو ليس من أهل العلم، يعرفون مسائل دقيقة اختصوا فيها وكان الاختصاص في هذا الباب وبالاً على الأمة، الأمة ينبغي أن تسلك مسائل الاختصاص حتى تبدع وتنجز، لا أن تصدر هؤلاء المختصين في مسائل جزئية حتى يكونوا مفتين في مسائل كلية؛ ولذلك نسمع أن فلاناً مختص وأستاذ في الفقه المقارن، ودكتور في الفقه المقارن، وإذا أردنا أن نميز نجد أن الماجستير مثلاً في أحكام الأصابع، بالفقه المقارن، ونجد الدكتوراه في أحكام الأظفار، ثم أمام الناس أستاذ الفقه المقارن، وكأنه أخذ الفقه من أوله إلى آخره، والأليق في هذا أن يقال: أستاذ الأصابع بالفقه المقارن، حتى لا يدلس على الناس، أليس هذا هو الحق؟ هذا الحق، فأصبحت الألقاب للأسف الشديد تطلق يلاعنان؛ ولهذا وقع شق الصف عند العلماء وأصبح من يفتي في بعض المسائل الجزئية يتكلم في جميع مسائل الدين، ويقال: إن المسألة مسألة خلافية؛ لأن فلاناً قال كذا، ولأجل هذا يقول الشاعر: قد بدلوا لفظ الفقيه بغيرهومن العجيب محدثون دكاترهوالله لو سمع الجدود بفعلنالتناقلوها في المجالس نادره
 الفهم الدقيق لإنزال النصوص
كما أن العالم ينبغي أن يكون مستحضراً لنصوص الكتاب والسنة، عارفاً بها، وعارفاً وجوه الاستدلال، وعارفاً أيضاً للنوازل التي تنزل بالأمة، وأن يكون بصيراً بالمآل في حال ورود الحكم الشرعي على مثل هذه النازلة، فربما لم تكن هذه من الموافقات، فاحتاجت إلى ما يخالف ذلك الأصل المطرد، فاحتاج إلى أن يفتي بغيره؛ لهذا شرع الله حدوداً، وأمر بإقامتها، وبيّن أن حدوده لا يجوز أن يتعداها أحد، وأن الإنسان لا يمكن أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ويجد في نفسه حرجاً مما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليه في ذلك أن يسلم تسليما.لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحواله يغض الطرف عن بعض المنافقين الخلص الذين بين الله جل وعلا كفرهم وخروجهم من الإسلام كما في قصة المنافقين الذين قدموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، مع وجود بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقين الذين عرفوا كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يصلوا إلى فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعواقب الأمور، فأرادوا أن يقتلوا بعض المنافقين الخلص، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد مقصداً أعظم من ذلك، فقال: أتريدون أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، وهذه نظرة بعيدة، أن ينظر الإنسان إلى المآل، وألا ينظر إلى ورود النص. أقول: إن فهم النص مجردا ًلا يعني للعالم أنه يقوم بإنزاله في كل نازلة مطردة، بل يقال: إنه ينبغي أن يتقي الله، وأن يتجرد من الدنيا، ومن علائقها، حتى لا يشرب قلبه ذلك، فإذا أشرب قلبه ذلك اختلطت لديه الأمور، ولم يكن لديه حينئذٍ الموازنات فخشي فقد المال، أو فقد الجاه، وحظ النفس ونحو ذلك؛ لهذا العالم الرباني الذي كلما ازداد تحصيلاً للعلم الشرعي ازداد قرباً من الله سبحانه وتعالى، ازداد من العبادة، من ذكر الله جل وعلا، والاستغفار، والتهليل، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: أن ورود الخشية على العالم تزداد مع زيادة العلم، فكلما زاد العلم زادت الخشية لله سبحانه وتعالى، وهذه الخشية من لوازمها عدم التعلق بأمر الدنيا من مال وجاه، وهذا أعظم ما يفسد على الإنسان دينه، وأعظم ما يفسد على العالم علمه، ومما يفقده صوابه أن يتعلق بأمر المال وأمر الدنيا؛ ولهذا العالم الذي يتوجه خطابه للناس عامة، وفي بلده أو في قريته ونحو ذلك يحاول قدر إمكانه أن يتجرد من دنيا الناس في مجتمعه، فإن كان في قرية أن يتجرد من دنيا أهل هذه القرية، ويحرص تمام الحرص ألا يتعامل مع هؤلاء بالبيع والشراء حتى لا ينكسر قلبه ويتعامل معهم، أو يتنزل معهم في شيء من أحكام الشريعة، فليعمل معهم لله سبحانه وتعالى، وليأخذ ويتعامل مع الأبعدين الذين لا يجاملونه في دينه، أو ربما لا يعرفونه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما مات ودرعه مرهونة عند يهودي كما تقدم، وبهذا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانوا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه دين من نوع الرهن عند يهودي لبادروا بوفائه، وكذلك بأخذ ذلك أو بإعطاء سد حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل في حاجته في دنياه بعيداً عن حظ أمر الدنيا، ولو كان من علية الخلق بعد الأنبياء وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إنما يخشى الله من عباده العلماء للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net