اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [58] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [58] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أمر الله سبحانه وتعالى الوالي على اليتيم أن يدفع مال اليتيم إليه إذا علم أنه قد بلغ الرشد، وأنه يحسن التصرف في ماله، وأنه يحرم على الوالي إمساك المال بعد ذلك.ومن علامات بلوغ اليتيم الرشد: صلاحه في دينه، فيعرف أين يصرف ماله وأين يحبسه. ثم حرم الله أكل مال اليتيم إلا لمن كان فقيراً فيجوز له ذلك بالمعروف. ثم أمر الله بالإشهاد على دفع مال اليتيم إليه إبراء للذمة.
قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:ففي هذا المجلس في الحادي عشر من ربيع الآخر من عام خمس وثلاثين بعد الأربعمائة والألف نكمل ما توقفنا عنده مما يتعلق بآيات الأيتام، وسورة النساء يتفق السلف والخلف على تسميتها بالنساء، ولو كان لها اسم ثانٍ لكان سورة اليتامى؛ وذلك لاستقلالها بجملة من الأحكام الخاصة بهم مما لا يوجد في غيرها. ‏
 الإشهاد على مال اليتيم للوجوب أو الاستحباب
وقوله هنا: فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ [النساء:6]، الأمر على الوجوب، وقول جماعة من السلف كـعبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر وذلك في أمور الأموال وحفظ الحقوق.قال: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء:6]، يعني: شهيداً وحده سبحانه وتعالى.بعض العلماء قال: إن في قول الله جل وعلا: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء:6]، إشارة إلى أن الأمر بالإشهاد على الاستحباب، وأنه يجوز للإنسان أن يكتفي برقابة الله عز وجل عليه, لأن الولي والوصي ائتمن على أعظم من ذلك وهو القيام بكفالة مال اليتيم ومخالطته والمضاربة له, وهو قادر على أن يأكل من ماله وأن يخفي منه من غير أن يعلم أحد، فائتمن على ما هو أعظم من ذلك، فإن دفع المفسدة في عدم الإشهاد عليه أخف، وهذا هو الأظهر أن الإشهاد في ذلك على الاستحباب، والقرينة في قوله: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء:6] ، أي: للإنسان إذا لم يجد شاهداً أن يكتفي برقابة الله عز وجل عليه الذي ولاه جانب اليتيم وأقام أمر الله عز وجل فيه.
قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون)
وهنا الآية الثانية في قول الله جل وعلا: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7]. ‏
 قسمة التركة سواء قلت أو كثرت
وقول الله جل وعلا: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ [النساء:7]، يعني: لو كان ديناراً أو درهماً فيقسم على قسمة الله عز وجل له في المواريث ولو كان شيئاً يسيراً.وفي هذا تعظيم لحكم الله عز وجل وقضائه وقسمته في أبواب التركة، أنه ليس للإنسان أن يخرصها خرصاً أو يقسمها لنظره وعقله واعتباره، بل يقسمها على ما قسمه الله جل وعلا.والنصيب الذي ذكره الله جل وعلا هنا على سبيل الإجمال هو المفصل في أبواب المواريث؛ لقوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7]، فالنصيب هنا هو أمور المواريث, ويأتي الكلام عليها في أمور الأولاد من الذكور والإناث، والإخوة والأخوات، والزوجات والأزواج، والآباء والأمهات والجدة.وقوله: وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7]، تأكيد على حقهم في ذلك، أنه نصيب ومفروض من الله عز وجل, والفرض هو الوجوب والإلزام، وهو مشتق من الإنزال، فرضه يعني: أنزله الله عز وجل وأوجبه، والفرض آكد من الإيجاب في اللغة.
قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولو القربى)
والآية الثالثة في قول الله جل وعلا: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:8] ، هذه الآية كانت في ابتداء الأمر على من حضر قسمة التركة من الفقراء والمساكين أنهم يعطون ضرباً وخرصاً تطييباً لخاطرهم أن يروا تقسيم المال بينهم ولا ينالهم نصيب من ذلك فيعطون، سواء كانوا من الأبعدين أو من الأقربين من غير الوارثين، وإذا كانوا من الورثة فيعطون بمقدار نصيبهم.وهل هذه الآية منسوخة أو محكمة؟ ‏
 أقوال العلماء في كون قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة ...) محكمة أم منسوخة
اختلف العلماء في معناها على عدة أقوال:القول الأول: إن هذه الآية محكمة وليست منسوخة وهي باقية، أن من حضر القسمة يضرب له ولو بشيء يسير ولو من طعام، وكان بعض السلف ممن يقولون بعدم نسخ هذه الآية يصنع وليمة لمن حضر القسمة ويجعلون ذلك من إطعامهم وجبر خواطرهم من الفقراء والمساكين ممن حضر قسمة المال.قال بأن هذه الآية محكمة جماعة من السلف، جاء ذلك عن عبد الله بن عباس ، و مجاهد بن جبر ، وجاء ذلك عن عروة بن الزبير.والقول الثاني: أن هذه الآية منسوخة، وهو قول الأئمة الأربعة، وليس لمن حضر القسمة شيء، وإنما هو بطيب نفس من أهل المواريث والفرائض، فإذا أخذوا حقهم وأرادوا أن يكرموا من حضر القسمة بهدية أو عطية فذلك إليهم، وأما أن يعطوا قبل القسمة من ذلك، ولو شيئاً يسيراً فذلك تعد على الفرض.وهذا قول آخر لـعبد الله بن عباس وقال به جماعة كـسعيد بن المسيب وغيره وهو الصواب, وذلك أنه لا حق لأحد بعد المواريث.القول الثالث: قول لـعبد الله بن عباس أن هذه الآية في الوصية, أن من حضر الوصية فيعطى من المال وليس التركة، أما التركة فقد قضى الله عز وجل فيها أمراً، ورخص الله عز وجل في الوصية، والأظهر أن هذه الآية منسوخة.ويبقى هنا في قوله جل وعلا: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:8]، بالإحسان إليهم بالقول، وعدم الإساءة إليهم، والإحسان إليهم ببشاشة الوجه ولين الجانب وقول المعروف، فذلك مما أمر الله سبحانه وتعالى به.أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم للهدي والتقى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [58] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net