اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [52] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [52] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
جعل الله عز وجل هذه الأمة خير الأمم؛ وذلك لأنها تقوم بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله أعم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن الدعوة إلى الله بيان فضل التسبيح والتحميد ونحوه وليس في ذلك أمر ولا نهي. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعم من الجهاد في سبيل الله. وهو فرض كفاية على هذه الأمة وسبيل الفلاح في الدنيا والآخرة. والخطاب في قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة) يتوجه إلى الحكام وإلى الأفراد، فيجب على الحكام أن يعينوا أفراداً للقيام بهذا الأمر كما يجب على الأفراد أن يقوموا به بأنفسهم.
قوله تعالى: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم...)
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:تكلمنا في المجلس السابق على تفسير قول الله عز وجل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران:96] , ونتكلم هذا اليوم على الآية التي تليها، وهي قول الله جل وعلا: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] .ذكر الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بالبيت الحرام ونشأته وأسبقيته وأولويته من جهة الزمان ومن جهة التحريم, وكذلك التعظيم على الأصح من أقوال العلماء. ‏
 الاستطاعة في الحج
وأما بالنسبة للاستطاعة في قول الله سبحانه وتعالى: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97], الاستطاعة في كلام الله سبحانه وتعالى ظاهرة ومردها إلى اختلاف أحوال الناس.أيضاً تقدم الإشارة معنا إلى مسألة الاستطاعة, وما يجب على الإنسان مما يجب عليه الحج.ولكن نقول باختصار هنا: إن الاستطاعة في قول الله عز وجل: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97], لا يثبت في تعيين الاستطاعة وتقديرها عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك خبر, وأصح ما جاء في هذا عن عبد الله بن عباس، ما جاء فيما رواه علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس، أنه قال في قول الله عز وجل: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] , قال: هي أن يجد الرجل زاداً وراحلة, وأن يسلم الله له بدنه من غير أن يجحف به.ويظهر في قول عبد الله بن عباس أنه اشترط في الاستطاعة ثلاثة أشياء: الأول: السلامة البدنية, أن يكون الإنسان سليماً في بدنه, وأن يسير بنفسه ويستقل بها.وقد اختلف في مقدار ذلك, قالوا في مسألة الأعمى إذا كان الإنسان يستطيع الحج بقائد وهو أعمى أو كان الإنسان فيه عرج ويستطيع أن يحج بالحمل: هل يدخل في هذا الخطاب؟الأظهر أن الاستطاعة في ذلك إنما هو أن يستقل الإنسان بنفسه, لا أن يعتمد على غيره, فإذا وجد مركباً يقوم بمناسكه، فإنه يجب عليه ويتعين. ونقول: إن الإنسان ربما يجد مركباً يذهب به إلى مكة, ولكن قد لا يجد من يحمله بالطواف إذا كان أشل أو أعرج أو كان أعمى, فيظهر والله أعلم أن الاستطاعة البدنية هنا في قول عبد الله بن عباس المراد بها أن يستقل الإنسان بنفسه.الشرط الثاني: هو المال, أن يجد الإنسان مالاً وهو الزاد يجد زاداً يعني: يتقوت منه إما بطعام أو بشراب أو بلباس, واختلف في مقدار الزاد, من العلماء من قال: يشترط في الزاد الذي يجب معه الحج أن يوصله إلى البيت الحرام, ولا يقال باشتراط أن يعيده لإمكانه أن يعود بغير مال، إما مع الناس في حال الحج أو يعمل في مكة ثم يرجع؛ لأن الشريعة إنما أوجبت قصد البيت لا الرجوع إلى غيره.ثم إن الشريعة تحث على المجاورة والقرب من البيت ونحو ذلك, فمن العلماء من يقيد ذلك بالقدرة المالية بالذهاب إلى المسجد الحرام.والأظهر والله أعلم أن القدرة المالية المرادة بالذهاب والإياب؛ لأن الشريعة لا تتشوف إلى ترك الذرية والأولاد فتوجب على كل أحد أن يجد مالاً أن يذهب إلى المسجد الحرام ولو لم يجد عودة إلى أهله, فذلك يؤدي إلى هجر الأولاد كذلك الأزواج وتضييع الأمانة الواجبة على الإنسان.وأما الثالث: وهي الراحلة, أن يجد الإنسان في ذلك راحلة تؤديه إلى المسجد الحرام, والرواحل في ذلك تختلف بحسب الحال وبحسب الزمان.وأما الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن الاستطاعة هي الزاد والراحلة, فالأحاديث في ذلك ضعيفة, جاء في حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى وغيره, والصواب فيها الإرسال؛ لأن المراد بالاستطاعة هي: الزاد والراحلة.
قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف...)
الآية الثانية في قول الله عز وجل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] , الله سبحانه وتعالى أمر الأمة بأن يكون منها جماعة، قال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104], وهنا في الأمر ظهر الأمر وكذلك تأكيده باللام, وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] , أمة يعني: جماعة. ‏
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الفلاح
قال الله جل وعلا: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] , لا يتحقق فلاح الأمة وفوزها إلا بهذه الشعيرة وهي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وإذا أرادت أمة الفلاح فعليها بشرطه, وهو الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والمراد بالفلاح هو الفوز والنجاة والاستقرار وتمام الأمن, ودفع الفتن, وحماية البلدان والأمة أفراداً وجماعات من عقوبة الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل لا يهلك القرى بظلم وأهلها مصحلون.فهذا هو غاية تمام الصلاح العام للأمة, والفلاح, ولهذا جاء عن غير واحد من السلف قال: من أراد الفلاح فليعمل بشرطه, وشرطه هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أثقل الشعائر على المنافقين, ربما يأتي مزيد كلام معنا بإذن الله عز وجل في سورة التوبة.أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, إنه ولي ذلك والقادر عليه, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [52] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net