اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح المنظومة البيقونية [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح المنظومة البيقونية [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
علم الحديث من العلوم المهمة، وقواعد هذا العلم تعتبر قواعد أغلبية، لذا لا بد من معرفة هذه القواعد وضبط مستثنياتها، وذلك بفهم كليات هذا الفن ثم تتبع جزئياته، وينصح في ذلك بكثرة المحفوظ، والاهتمام بكتب العلل، وممارسة علم التخريج. وأول ما يعرفه طالب هذا الفن أقسام الحديث، وهو ينقسم باعتبار ناقل الخبر إلى متواتر وآحاد أو إلى ما يفيد العلم الضروري أو النظري، وباعتبار قائله إلى مرفوع وموقوف ومقطوع، وباعتبار حكمه إلى صحيح وضعيف وحسن.
التعريف بالبيقونية وناظمها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.قال البيقوني رحمه الله تعالى: [ بسم الله الرحمن الرحيم.أبدأ بالحمد مصلياً علىمحمد خير نبي أرسلا ].ففي عدة مجالس بإذن الله عز وجل نتكلم على شيء من قواعد الحديث وضوابطه، وشيء من مسائله وأحكامه، وتعريفاته وذلك على ضوء كلام المصنف رحمه الله في هذه المنظومة الميسرة، وهي المشتهرة بمنظومة البيقوني، أو المنظومة البيقونية، وهذه الرسالة تنم عن علم صاحبها، وإن كانت كتب التاريخ والتراجم تشح عن التعريف به؛ وذلك لأنه قليل التصنيف، أو لم يكن معروفاً في زمنه فينقل عنه أهل العلم في تلك الفترة، والمصنف رحمه الله -وهو عمر بن محمد البيقوني- هو شامي على الأظهر، وشافعي المذهب، وهو في القرن الحادي عشر الهجري، وقد صنف هذه الرسالة اختصاراً لمسائل علوم الحديث وقواعده، وجمع فيها بأسلوب النظم وطريقته ما ظهر من مسائل علوم الحديث وقواعده واشتهر، وما يكون بوابة لطالب العلم أن يلج إلى علم الحديث، ومعرفة مسائله وقواعده الظاهرة.
 

أنواع مصنفات علوم الحديث
علم الحديث، وعلم الآلة الموصل إليه بحر لا حد له، ولن يستوعبه كله أحد، وذلك لسعة أبوابه، وكثرة مسائله، وأجناسه، وأصنافه، وأنواعه، وتقاسيمه، فالتصانيف التي يكتبها العلماء في هذا الباب كثيرة جداً لا يستطيع الإنسان أن يتناولها جمعاً فضلاً أن يتناولها قراءة وحفظاً، سواء كانت ما يتعلق بأبواب العلل، أو ما يتعلق أمور بمصطلح الحديث وسواء كانت المصنفات في ذلك متقدمة أو متأخرة.فقد صنف العلماء في هذا الباب ونوعوا، فمنهم من صنف في المنثور، ومنهم من صنف في المنظوم، ومنهم من صنف مختصرات، ومنهم من صنف مطولات، ومنهم من تكلم على القواعد والمصطلحات، ومنهم من تكلم على أبواب العلل الدقيقة، ومنهم من تكلم على تقاسيم الحديث وأنواعه وأجناسه وصنوفه، ومنهم من تكلم على رجاله ومتونه، ومنهم من جمع المتون، ومنهم من جمع الرجال، ومنهم من جمع ألفاظ الجرح والتعديل، وغير ذلك. ‏
 أهمية معرفة كليات العلوم قبل جزئياتها
الكليات في القواعد في علوم الحديث تعطي طالب العلم الولوج إلى هذه الجزئيات والدخول إلى تفاصيلها، فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يلج إلى الشريعة أن يلج إليها من كلياتها لا من جزئياتها؛ لأنه إذا دخل إلى الكليات وصل إلى الجزئيات وعرف قيمتها، بخلاف لو دخل إلى الجزئيات؛ لأنه إذا دخل إلى الجزئيات ظن أنه قد حوى من الشريعة، وتكبر، فيصل إلى علم يسير جداً من بعض الأبواب، ويظن أنه قد استوعب العلم، بخلاف البدء من الكليات، فإذا بدأ من الكليات، فإنه يجد تشعبات الشريعة لديه، فمثلاً إذا بدأ من الأصول بدأ من أركان الإسلام، وجد طريق الصلاة، ووجد طريق الصيام، ووجد طريق الزكاة، ووجد طريق الحج، فإذا دخل إلى الصيام وجد فروعاً كثيرة جداً من جهة الصيام الفرض والنافلة والكفارة وغير ذلك، وإذا دخل إلى الزكاة وجد الزكاة بأنواعها، زكاة النقدين الزروع والثمار وغير ذلك، بخلاف لو جاء من الفرعيات، فإنه يبدأ من الفرع، كأن يعتني مثلاً: بمسائل الصيام النافلة، ويبدأ بصيام يوم عاشوراء ثم يرجع إلى صيام الفرض، ثم يرجع إلى الكليات وما مر بغيرها من الفروع الأخرى، وظن أنه قد أخذ شيئاً من الشريعة، وهذا يورث طالب العلم ضعفاً، وربما كبراً.والزمن المتأخر زمن الإيغال في التخصصات، تجد طالب العلم مثلاً يعتني بباب من الأبواب، وربما بحث معين، يجلس عليه سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، يبحث عن أحكام الشعر، أو أحكام الأظافر، أو أحكام النعال، أو غير ذلك، وهذا بدأ من جزئيات هذا الباب، وجهل الجزئيات الأخرى، فضلاً عن الكليات، وهذا خطأ، فهو ليس بفقيه لا في الفقه، ولا أيضاً في غيره وإنما هو فقيه في الشعر، وفقيه في الظفر، أو فقيه في النعال وغير ذلك، وهذا سببه ما يسمى بالدراسات النظامية، أو كذلك أيضاً الإيغال في الجزئيات في البحوث وغير ذلك، فيظن طالب العلم أنه إذا أوغل في جزئية أنه فهم الشريعة.إذاً: هل أخذ الشريعة بعكسها أم جاء من أصلها؟ أخذها بعكسها، فالواجب على طالب العلم أن يبدأ بالكليات حتى من جهة الحفظ والدراسة، فقد تقدم أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بعلم المتون، وعليه أن يبدأ بالكليات، فما هي الكليات؟ هي الأحاديث الكلية التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيبدأ مثلاً: بالقرآن وهو الأصل الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويقسمه إلى ثلاثة أقسام: عقيدة وأحكام حلال وحرام، ثم قصص، والقرآن في ذلك أصله أغلبي، فهو عام غائي، يعني: أنه يهتم بالغايات لا يهتم بالتفاصيل والجزئيات، ولهذا لا تجد في القرآن عدد الركعات، والصلوات الخمس وإنما تجد وجوب الصلاة، وما يتعلق بمواقيتها، كذلك بالنسبة للزكاة، جاء بالأمر بالزكاة وكذلك أيضاً مسائل الحول، ولكنه ما جاء بمقادير الزكاة والأموال التي يجب فيها من أمور النصاب وغير ذلك، وكذلك أيضاً فيما يتعلق بمسائل الصوم، ومسائل الحج، وجزئيات هذه المسائل.فإذا بدأ بالأخذ بالكليات حتى يصل إلى فرعيات كل مسألة، فإنها تعظم لديه الشريعة ويتهيبها، هذا من جهة القرآن، أما من جهة السنة فيبدأ بالأحاديث الكلية، وثمة رسالة لـابن عساكر رحمه الله، وهي في الأحاديث الكلية، جمع فيها الأحاديث الكلية في نحو ستة وعشرين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه الإمام النووي رحمه الله فأكملها، فسماها الأربعين النووية، فيعتني بها؛ لأنها اعتنت بمجموع ومجمل الأحكام، ولهذا هذه الأحاديث لا تجد فيها التفاصيل، فلا تجد فيها مثلاً ما يتعلق بأحاديث صفة الصلاة، أو بصفة الصيام، أو صفة الزكاة وغير ذلك، لا تجد فيها شيئاً من هذا، وإنما تعتني بالعام.ثم بعد ذلك ينتقل إلى شيء من الأحاديث التي تعتني بتفصيل بعض الكليات، يبدأ بتفصيل المرتبة الأولى، وذلك على نوعين، في أمور العقائد ثمة مصنفات، وفي أمور الأحكام ثمة مصنفات، ويرجع في أمور الأحكام إلى أحاديث الأحكام، فيعتني بها، وثمة مصنفات كثيرة جداً، حولها، وهي عند العلماء على منهجين: منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالمتقدمون يسمون أحاديث الأحكام، ويدخلون فيها العقائد، ويدخلون فيها الفقه، ويدخلون فيها الآداب والسلوك والفتن، وغير ذلك، فيجعلون كل شيء جاء عن الدين فهو من الأحكام، ولهذا تجد من يصنف في هذا الباب، كـالبخاري، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجه، و أبي داود وغيرهم ممن صنف في هذا الباب يدخلونها ويسمونها أحكاماً، ومنهم من جرى على تسميتها بالنص، كالأحكام الصغرى والكبرى والوسطى للإشبيلي، وغيرها من المصنفات في هذا الباب، فالذين يعتنون في باب التوسع في مسائل الدين، يدخلون مسائل الإيمان، ثم مسائل الأحكام، ثم يأتون بعد ذلك بما عداها، والطريقة الثانية: تقسيم مسائل الأحكام، وهي طريقة المتأخرين، جعلوا كتب العقائد منفكة عن كتب الأحكام، فجعلوا الأحكام خاصة بأحكام الفقه الذي يبتدئ بأبواب الطهارة، وينتهي بأبواب الإقرار غالباً، على اختلاف في ترتيب الفقه عند المذاهب الأربعة في هذا الباب، فهم يخصصون الأحكام على هذا المعنى، يأخذ طالب العلم في مسيره في كل باب كتاباً، فإذا كان على طريقة المتقدمين، فإنه قد جمع هذه الأبواب، وإذا كان على طريقة المتأخرين، فلا بد أن ينتبه إذا سار في المسار الفقهي أن ثمة مسار آخر قد تركه، وهو مسار العقائد، فلا بد أن يأخذ كتاباً من هنا وكتاباً من هنا حتى يتلازم معه، فيأخذ كتاباً في العقائد، وكتاباً في الأحكام.وثمة كتب مصنفة في العقائد عند المتقدمين، وعند المتأخرين يسمونها بكتب الإيمان، ككتاب الإيمان لـابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لابن مندة، وكتاب الإيمان لـأبي عبيد القاسم بن سلام وكذلك أيضاً كتب التوحيد، ككتاب التوحيد لـابن خزيمة، وكتاب التوحيد للمقريزي، وغيرها من المصنفات في هذا الباب، وثمة كتب مصنفة في أبواب الأحكام أو ما يسمى بالفقه، وهي مصنفات أيضاً عديدة، ومن أوائلها كتاب عمدة الأحكام للمقدسي رحمه الله، وكتاب المنتقى للمجد ابن تيمية، وكتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، وكتاب المحرر لـابن عبد الهادي، وكتاب فتح الغفار للهندي، جمعوا فيها الأحاديث المتعلقة بأبواب الأحكام.إذا بدأ بالشريعة من نقطته الأولى من الكليات، فإن الإنسان يعرف ما يفوته من العلم، ويستوعبها كما استوعبها الأوائل وأتقنوها، وأدركوا ما فاتهم من العلوم، ولكن لما كثرت هذه الجزئيات والفرعيات من علوم الشريعة عند المتأخرين، فأصبحت كالخيوط والهدف المترامي، إذا أمسك بهدف من فروعها ظن أنه قد أمسك بالشريعة، ولو بدأ من أعلاها ونظر كثرة ما تفرع منها أيقن أنه ما أخذ إلا شيئاً يسيراً، وأنه قد فاته شيء كثير ينبغي عليه أن يستدركه، ولهذا من بدأ بالجزئيات يزداد إيغالاً فيها حتى ينقضي عمره، ويكتشف أنه قد جهل شيئاً كثيراً، وفاته شيء كثير في هذا الباب.
نصائح وتوجيهات لطالب علم الحديث
فالعلماء عليهم رحمة الله في علوم الحديث، ومنها هذه الرسالة يعتنون بقواعد الحديث وضبطه من باب لم ذلك الشتات المتفرع في ماذا؟ في علم الحديث فقط؛ لأنهم أرادوا أن يعيدوه إلى شيء من أصله، وذلك لكثرة المصنفات في هذا الباب، فأنصح طلاب العلم الذين يبدءون بعلوم الحديث بجملة من النصائح.أول هذه النصائح: ألا يعتنوا بالمطولات الكثيرة في علوم قواعد الحديث ومصطلحه، وأن يبدءوا بالمختصرات اليسيرة، كالبيقونية، والموقظة، ونخبة الفكر، ونزهة النظر، وشروحها وغيرها من هذه المصنفات اليسيرة في هذا الباب، وهي مصنفات متعددة، وأكثر المصنفات في هذا الباب هي مصنفات الأئمة الشافعية؛ لأنهم قد اعتنوا في هذا الباب أكثر من غيرهم من بقية المذاهب، فيعتني طالب العلم بهذا الباب، وبالمختصرات، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الكتب المتوسطة في هذا، التي ليست هي بالمطولات، وليست بالمختصرات، كتدريب الراوي وغيرها، وأما الكتب المطولة، كالمنظومات من الألفيات وشروحها، كفتح المغيث في شرح ألفية الحديث، فهذه أنصح طالب العلم أن تكون مرجعاً له، لا أن يعتني ويوغل بجزئياتها، لماذا؟ لأنها لا تفيد طالب العلم كثيراً في التطبيق لماذا؟ لأسباب:السبب الأول: أنهم يوغلون في جزئيات لا أثر لها في التطبيق.ثانياً: أنهم يوغلون في تفاصيل خلافها لفظي، أو ربما أيضاً من جهة الثمرة وعائدتها على الإنسان يسيرة جداً.الأمر الثالث: أن المطولات فيها تأثر بطرائق المتكلمين، ومناهجهم، فقد دخل المتكلمون في علم الحديث، فدخلوا في قواعد الجرح والتعديل، ودخلوا أيضاً في قواعد الحديث، وفي أبواب العلل، ودخلوها لا عن طريق ممارسة للجزئيات، وإنما بنوع من التقعيد، وإذا قعد الإنسان وليس بممارس دخل في دائرة التقليد لمن قعد، ولهذا تمكن الأصوليون من التقليد في علوم الحديث تمكناً ظاهراً، ولم يكن لديهم شيء من التحرير إلا النزر اليسير، وهذا ما أثر على الكتب المطولة في هذا الباب، فيقولون مثلاً: الجرح مقدم على التعديل، أو الجرح لا يقبل إلا مفسراً، وهذه التقعيدات وهذه القواعد يأخذونها عن بعضهم، ولهذا تجد الأمثلة عند المتأخرين هي أمثلة المتقدمين، ولا يجدون مثالاً، فإذا كانوا لا يجدون مثالاً يمثل به على مدى أربعمائة سنة أو خمسمائة سنة، فكيف يحررون في جزئيات في التطبيق؟ مما يدل على أن هذه إنما هي حكايات لمسائل يقفون عليها في مصنفات غيرهم، ولهذا التحرير فيها ضئيل، فأنصح طالب العلم في ذلك أن يجعل المطولات هي للمرجع، فلا يعتني بها حفظاً، ولا يعتني بها إيغالاً بالتتبع والقراءة.ما الذي يعتني به طالب العلم، وهي الوصية الثانية؟ أن يعتني طالب العلم بكتب العلل، وهي التي تعتني بجزئيات الجزئيات بدقائق المسائل، وعلم العلل علم دقيق جداً، وملكته في ذلك شاقة، وصعبة جداً لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الملكة في هذا الباب إلا بشق الأنفس، وربما تعذر عليه، مضى عليه عمر طويل جداً، أو ربما مضى عليه عمره كله، ولم يستطع حينئذٍ أن يصل إلى التمكن في هذا الباب، لهذا أوصيه بالقراءة في كتب العلل، فهي كثيرة كما تقدم معنا في هذا الباب.والوصية الثالثة: أن يكثر طالب العلم من المحفوظات، فكلما كان طالب العلم للمحفوظات أكثر، فإنه يكون حينئذٍ أبصر بمعرفة متون الحديث ورواتهم؛ لأن الإنسان إذا حفظ الحديث، فإنه يتطعمه حساً، كحال الإنسان الذي يكثر نظراً للأشياء يستطيع أن يميزها، وأن يميز الشاذ منها؛ لأنه أدام النظر، ولهذا الإنسان حينما يكون في بلاد مثلاً في جنوب شرق آسيا ونحو ذلك، يمر ببعض البلدان فيرى أنهم واحد من جهة صورتهم الظاهرة، لكن لو سأل رجلاً خبيراً منهم، فقال: هذا ملامحه من بلدة كذا، وهذا ملامحه من بلدة كذا، وهذا من بلدة كذا، أو ليس كذلك؟ بلى.كذلك أيضاً في هذا البلد الذي يعيش فيه يعرف من أحوال الناس أن هذا من بلدة كذا، وهذا من بلدة كذا، وإذا تكلموا يعرفهم بلحن قولهم، ولكن إذا كان الإنسان بعيداً عنهم، وسمعهم يظن أن لغتهم واحدة أليس كذلك؟ هذا كحال الإنسان الأجنبي عن هذا العلم الذي لم يوغل فيه، فكلما استكثر الإنسان من الحفظ أصبح لديه ملكة قوية جداً بالتمييز بين المتون، ويعرف المتن الذي يجري على النسق الذي لديه، والمتن الغريب الذي لا يجري على ما لديه، وكلما كان الإنسان أكثر استيعاباً للحديث أصبح أكثر دقة بمعرفة المخالف ولو لم يقف عليه بعينه، ولهذا تجد بعض الناس مثلاً يقول: هذا من بلدة كذا، فإذا ينفي يقول: بل أنت من بلدة كذا، فتجزم أنت ولو نفى، ولو جاء بشهود، أو ليس كذلك؟ تقطع بهذا، هكذا كان عند الأئمة عليهم رحمة الله ملكة في نقد الحديث، لماذا؟ أنت حكمت على سحنة رجل، وعلى منطقه بماذا؟ لأنك عايشت هذا المنطق عشرين أو ثلاثين سنة، هم كذلك أيضاً عايشوا الحديث وحفظوه في ليلهم ونهارهم، فإذا جاء لديهم حديث قالوا: هذا منكر، يدركها الإنسان بالحس، لا يستطيع أن يبرهن عليها.فتجد بعض الناس إذا تكلم تقول: هذا من الجنوب، أو تقول: هذا من الشمال، هذا من العراق، هذا من كذا، لكن إذا أتيت بشخص إنجليزي، أو شخص بعيد تقول له: هذا من كذا، يعجب ويحتار كيف تميز هؤلاء؟ أنت عندك الأمر بسيط أو ليس كذلك؟ كذلك تجد عند الحفاظ الكبار ملكة قوية جداً تقف لديها، فلذلك أنت حينما ترد كلام أبي حاتم و أبي زرعة لأن أحداً منهم لم يبرهن على قوله، فهو كرد الأعجمي حينما تميز له الجنوبي والشرقي والعراقي من غيره، وتقول: الجرح لا يقبل إلا مفسراً، وتحتاج إلى بينة، وهذا هو الفرق بين طريقة الأوائل، وبين طريقة المتأخرين.أنت تريد أن يأتي لك ببرهان أن هذه اللهجة عراقية، وهو لا يستطيع أن يبرهن لك، لماذا؟ لأنه يحتاج إلى قاموس كامل، وإلى برنامج صوتيات كامل حتى يفرز لك فهذا قد ملكه على مدى عشرين أو ثلاثين سنة.كذلك أيضاً بالنسبة للنظر، تجد الإنسان إذا نظر يستطيع أن يميز أن هذا من بلدة كذا، وهذا من بلدة كذا.وهذا من بلدة كذا، ولهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم أن يكثر حفظاً للسنة، فإذا أكثر حفظاً للسنة وأخذاً لها، واستوعبها، فإنه يستطيع أن يميز، فالأئمة الأوائل كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث، فإذا جاءهم حديث يند عما لديهم استطاعوا أن ينكروه، وإذا جاءهم حديث يوافق ما لديهم، لكنه ليس عندهم توقفوا، فأصبح عندهم نوع من التوقف، يقول: هذا ليس عندي، من أي بلدة؟ من بلدة كذا، يقول: أنا دخلت هذه البلدة، وسمعت ما فيها من أحاديث، إذاً لم ينكره من جهة التركيب اللفظي، ولم ينكره من جهة الحكم، ولكن توقف؛ لأنه لم يوافق ما لديه.ولهذا تجد في كلام بعض الأئمة حينما يسئل عن بعض الأحاديث يقول: لا أدري، لماذا؟ لأنها جرت على النسق الذي لديه، ولكن لم يبلغ إليه هذا الحديث، وإذا لم يجري على النسق الذي عنده بادر بإنكاره؛ لأن الإنسان إذا تحدث بشيء لا يخرج عن نسقه، فكيف بإحكام الشريعة؟ فالشريعة محكمة لا تأتي بأشياء متضاربة، ومتعارضة من جهة اللفظ والسياق؛ لأنها لغة محكمة، وكذلك المعاني في ذلك محكمة؛ لهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمحفوظات، ويكثر من هذا.الوصية الرابعة: أن يكثر طالب العلم من التطبيق العملي وهو علم التخريج وهذا مهم جداً، فإذا مارس طالب العلم معرفة التخاريج بالتطبيق العملي، فإن ذلك يعطيه ملكة قوية جدا ًفي هذا، وطالب العلم يخرج الحديث بنفسه مستقلاً، ثم يعرضه على من يعرفه من أهل الاختصاص في هذا، وعليه ألا يستقل بنفسه، حتى لا يكون لديه أخطاء، ثم بعد ذلك يجد أن الأخطاء تتكرر لديه، ولا يشعر بهذا، وإذا وجد الخطأ لا يحزن ولا يجزع، بل ينبغي أن يفرح؛ لأن الخطأ عتبة الصواب، فإذا عرف الخطأ فليعلم أنه اكتسب شيئاً صحيحاً، فليفرح بالخطأ لا أن يحزن على الصواب، والنفوس تنفر من الخطأ، ولكن الذي يريد أن يصل إلى الصواب يفرح بالصواب ويغض طرفه عن الخطأ؛ لأنه فرح بشيء، فأبعد حلو هذه بمر تلك، لهذا ينبغي على طالب العلم أن يعتني بالتخريج، والتخريج في ذلك له طرق ومناهج.وثمة مصنفات عديدة في طرق التخريج لدى المعاصرين، فالتخريج عند الأئمة معروف، فهم يسلكونه ويمارسونه ولهم مناهج في ذلك، لكنهم لم يصنفوا في مسائل التخريج وطرقها، وإنما هي من تصنيفات المعاصرين.فيعتني طالب العلم بهذا، ثم يعرضه على أهل الاختصاص، ثم بعد ذلك يستمر، فإذا لم يجد طالب العلم من يعرض عليه ذلك العلم يعرضه على من؟ يعرضه على الكتب التي اعتنت في هذا الباب، فثمة مصنفات عديدة على المذاهب الأربعة في كتب التخريج، وثمة مصنفات على مذهب الإمام الشافعي وهي كثيرة جداً أوسعها كتاب البدر المنير لـابن ملقن عليه رحمة الله، والكتب التي تفرعت عنه أو لم تتفرع عنه في مذهب الإمام الشافعي أكثر عناية في هذا الباب، وهي كتب كثيرة، ككتب الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، وككتاب التلخيص الحبير.وثمة مصنفات أيضاً في مذهب أبي حنيفة عليه رحمة الله، ككتاب نصب الراية للإمام الزيلعي عليه رحمة الله، وثمة أيضاً مصنفات في هذا الباب في مذهب الإمام أحمد رحمه الله، واعتنى بهذا الألباني عليه رحمة الله في كتابه إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وثمة مصنفات في مذهب الإمام مالك عليه رحمة الله لبعض المالكية من المغاربة من المتأخرين فقد اعتنوا بتخريج الأحاديث الواردة في مذهب الإمام مالك، لكن أكثر المذاهب الأربعة عناية بالتخريج هو: مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وذلك لأن أكثر المحدثين الذين يعتنون بعلوم الحديث وقواعده هم من الشافعية، فاهتموا في هذا الباب، وذلك كالأئمة الكبار، كـابن كثير، و الذهبي، و السخاوي، و السيوطي، وغيرهم ممن صنف في علوم الحديث كهذا المصنف البيقوني عليه رحمة الله.الأئمة الشافعية هم أكثر المحدثين الذين اعتنوا في هذا الباب سواء في شروح الحديث، أو في علوم الحديث من جهة قواعده، وكذلك ضوابطه، فيقرن ما لديه من ذلك بكتب التخريج، وكتب العلل؛ لأنه ربما بعض المخرجين يجري على طرائق من قواعد المصطلح تخالف ما عليه مثلاً بعض المتقدمين من الأئمة الكبار، فيقرن كتب العلل بكتب التخريج حتى يكون لدى طالب العلم شيء من الملكة في ذلك، ثم يجد طالب العلم أنه يصحح الأخطاء مرة بعد مرة حتى تتلاشى الأخطاء ويكثر الصواب، فيندر لديه الخطأ بكثرة الممارسة حتى يخرج باستقلال نفسه ألف أو ألفين حديث على سبيل الانفراد، ثم بعد ذلك يجد طالب العلم أنه قد استقل في هذا الباب.هذه الكتب على ما تقدم الإشارة إليه ومنها هذا الكتاب المنظومة البيقونية هي تعطي مفاتيح للوصول إلى علم من العلوم، وهذا العلم هو علم قواعد الحديث.
 أهمية معرفة كليات العلوم قبل جزئياتها
الكليات في القواعد في علوم الحديث تعطي طالب العلم الولوج إلى هذه الجزئيات والدخول إلى تفاصيلها، فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يلج إلى الشريعة أن يلج إليها من كلياتها لا من جزئياتها؛ لأنه إذا دخل إلى الكليات وصل إلى الجزئيات وعرف قيمتها، بخلاف لو دخل إلى الجزئيات؛ لأنه إذا دخل إلى الجزئيات ظن أنه قد حوى من الشريعة، وتكبر، فيصل إلى علم يسير جداً من بعض الأبواب، ويظن أنه قد استوعب العلم، بخلاف البدء من الكليات، فإذا بدأ من الكليات، فإنه يجد تشعبات الشريعة لديه، فمثلاً إذا بدأ من الأصول بدأ من أركان الإسلام، وجد طريق الصلاة، ووجد طريق الصيام، ووجد طريق الزكاة، ووجد طريق الحج، فإذا دخل إلى الصيام وجد فروعاً كثيرة جداً من جهة الصيام الفرض والنافلة والكفارة وغير ذلك، وإذا دخل إلى الزكاة وجد الزكاة بأنواعها، زكاة النقدين الزروع والثمار وغير ذلك، بخلاف لو جاء من الفرعيات، فإنه يبدأ من الفرع، كأن يعتني مثلاً: بمسائل الصيام النافلة، ويبدأ بصيام يوم عاشوراء ثم يرجع إلى صيام الفرض، ثم يرجع إلى الكليات وما مر بغيرها من الفروع الأخرى، وظن أنه قد أخذ شيئاً من الشريعة، وهذا يورث طالب العلم ضعفاً، وربما كبراً.والزمن المتأخر زمن الإيغال في التخصصات، تجد طالب العلم مثلاً يعتني بباب من الأبواب، وربما بحث معين، يجلس عليه سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، يبحث عن أحكام الشعر، أو أحكام الأظافر، أو أحكام النعال، أو غير ذلك، وهذا بدأ من جزئيات هذا الباب، وجهل الجزئيات الأخرى، فضلاً عن الكليات، وهذا خطأ، فهو ليس بفقيه لا في الفقه، ولا أيضاً في غيره وإنما هو فقيه في الشعر، وفقيه في الظفر، أو فقيه في النعال وغير ذلك، وهذا سببه ما يسمى بالدراسات النظامية، أو كذلك أيضاً الإيغال في الجزئيات في البحوث وغير ذلك، فيظن طالب العلم أنه إذا أوغل في جزئية أنه فهم الشريعة.إذاً: هل أخذ الشريعة بعكسها أم جاء من أصلها؟ أخذها بعكسها، فالواجب على طالب العلم أن يبدأ بالكليات حتى من جهة الحفظ والدراسة، فقد تقدم أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بعلم المتون، وعليه أن يبدأ بالكليات، فما هي الكليات؟ هي الأحاديث الكلية التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيبدأ مثلاً: بالقرآن وهو الأصل الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويقسمه إلى ثلاثة أقسام: عقيدة وأحكام حلال وحرام، ثم قصص، والقرآن في ذلك أصله أغلبي، فهو عام غائي، يعني: أنه يهتم بالغايات لا يهتم بالتفاصيل والجزئيات، ولهذا لا تجد في القرآن عدد الركعات، والصلوات الخمس وإنما تجد وجوب الصلاة، وما يتعلق بمواقيتها، كذلك بالنسبة للزكاة، جاء بالأمر بالزكاة وكذلك أيضاً مسائل الحول، ولكنه ما جاء بمقادير الزكاة والأموال التي يجب فيها من أمور النصاب وغير ذلك، وكذلك أيضاً فيما يتعلق بمسائل الصوم، ومسائل الحج، وجزئيات هذه المسائل.فإذا بدأ بالأخذ بالكليات حتى يصل إلى فرعيات كل مسألة، فإنها تعظم لديه الشريعة ويتهيبها، هذا من جهة القرآن، أما من جهة السنة فيبدأ بالأحاديث الكلية، وثمة رسالة لـابن عساكر رحمه الله، وهي في الأحاديث الكلية، جمع فيها الأحاديث الكلية في نحو ستة وعشرين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه الإمام النووي رحمه الله فأكملها، فسماها الأربعين النووية، فيعتني بها؛ لأنها اعتنت بمجموع ومجمل الأحكام، ولهذا هذه الأحاديث لا تجد فيها التفاصيل، فلا تجد فيها مثلاً ما يتعلق بأحاديث صفة الصلاة، أو بصفة الصيام، أو صفة الزكاة وغير ذلك، لا تجد فيها شيئاً من هذا، وإنما تعتني بالعام.ثم بعد ذلك ينتقل إلى شيء من الأحاديث التي تعتني بتفصيل بعض الكليات، يبدأ بتفصيل المرتبة الأولى، وذلك على نوعين، في أمور العقائد ثمة مصنفات، وفي أمور الأحكام ثمة مصنفات، ويرجع في أمور الأحكام إلى أحاديث الأحكام، فيعتني بها، وثمة مصنفات كثيرة جداً، حولها، وهي عند العلماء على منهجين: منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالمتقدمون يسمون أحاديث الأحكام، ويدخلون فيها العقائد، ويدخلون فيها الفقه، ويدخلون فيها الآداب والسلوك والفتن، وغير ذلك، فيجعلون كل شيء جاء عن الدين فهو من الأحكام، ولهذا تجد من يصنف في هذا الباب، كـالبخاري، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجه، و أبي داود وغيرهم ممن صنف في هذا الباب يدخلونها ويسمونها أحكاماً، ومنهم من جرى على تسميتها بالنص، كالأحكام الصغرى والكبرى والوسطى للإشبيلي، وغيرها من المصنفات في هذا الباب، فالذين يعتنون في باب التوسع في مسائل الدين، يدخلون مسائل الإيمان، ثم مسائل الأحكام، ثم يأتون بعد ذلك بما عداها، والطريقة الثانية: تقسيم مسائل الأحكام، وهي طريقة المتأخرين، جعلوا كتب العقائد منفكة عن كتب الأحكام، فجعلوا الأحكام خاصة بأحكام الفقه الذي يبتدئ بأبواب الطهارة، وينتهي بأبواب الإقرار غالباً، على اختلاف في ترتيب الفقه عند المذاهب الأربعة في هذا الباب، فهم يخصصون الأحكام على هذا المعنى، يأخذ طالب العلم في مسيره في كل باب كتاباً، فإذا كان على طريقة المتقدمين، فإنه قد جمع هذه الأبواب، وإذا كان على طريقة المتأخرين، فلا بد أن ينتبه إذا سار في المسار الفقهي أن ثمة مسار آخر قد تركه، وهو مسار العقائد، فلا بد أن يأخذ كتاباً من هنا وكتاباً من هنا حتى يتلازم معه، فيأخذ كتاباً في العقائد، وكتاباً في الأحكام.وثمة كتب مصنفة في العقائد عند المتقدمين، وعند المتأخرين يسمونها بكتب الإيمان، ككتاب الإيمان لـابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لابن مندة، وكتاب الإيمان لـأبي عبيد القاسم بن سلام وكذلك أيضاً كتب التوحيد، ككتاب التوحيد لـابن خزيمة، وكتاب التوحيد للمقريزي، وغيرها من المصنفات في هذا الباب، وثمة كتب مصنفة في أبواب الأحكام أو ما يسمى بالفقه، وهي مصنفات أيضاً عديدة، ومن أوائلها كتاب عمدة الأحكام للمقدسي رحمه الله، وكتاب المنتقى للمجد ابن تيمية، وكتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، وكتاب المحرر لـابن عبد الهادي، وكتاب فتح الغفار للهندي، جمعوا فيها الأحاديث المتعلقة بأبواب الأحكام.إذا بدأ بالشريعة من نقطته الأولى من الكليات، فإن الإنسان يعرف ما يفوته من العلم، ويستوعبها كما استوعبها الأوائل وأتقنوها، وأدركوا ما فاتهم من العلوم، ولكن لما كثرت هذه الجزئيات والفرعيات من علوم الشريعة عند المتأخرين، فأصبحت كالخيوط والهدف المترامي، إذا أمسك بهدف من فروعها ظن أنه قد أمسك بالشريعة، ولو بدأ من أعلاها ونظر كثرة ما تفرع منها أيقن أنه ما أخذ إلا شيئاً يسيراً، وأنه قد فاته شيء كثير ينبغي عليه أن يستدركه، ولهذا من بدأ بالجزئيات يزداد إيغالاً فيها حتى ينقضي عمره، ويكتشف أنه قد جهل شيئاً كثيراً، وفاته شيء كثير في هذا الباب.
حكم البداءة بالبسملة
والمصنف رحمه الله ابتدأ بذكر الله سبحانه وتعالى في قوله: ( بسم الله الرحمن الرحيم، أبدأ بالحمد مصلياً على محمد خير نبي أرسلا ).البدء بذكر الله عز وجل في المصنفات والمكاتبات هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان يكتب إلى الناس ويسمي الله عز وجل، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى فلان، فهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيره من حديث عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس في كتابة النبي عليه الصلاة والسلام وغيرها، وأما الذكر الذي يذكره الإنسان في غير البسملة كالحمدلة أو الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فهل يجزئ عن البسملة أم لا؟نقول: إن ذكر الله سبحانه وتعالى في افتتاح الأمور الهامة سنة متأكدة، بل قال بعض العلماء بوجوبها لحديث أبي هريرة : ( كل أمر ذي بال لا يبتدئ فيه ببسم الله فهو أجدم )، وقالوا: هذا دليل على الوجوب، ولكن هذا الحديث معلول؛ وذلك أنه يرويه الخطيب البغدادي من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو معلول بالإرسال، قد جاء الحديث بألفاظ عدة، فجاء ( لا يبتدئ به ببسم الله )، وجاء ( بالحمد لله )، وجاء ( بذكر الله )، وأصح هذه الأحاديث ( بحمد الله )، ثم يليه ( بسم الله )، ثم يليه بعد ذلك ( بذكر الله )، لكن أصل الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما السنة بالبداءة فهي سنة عملية ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ‏
 حكم البداءة بالبسملة في الشعر
وبداية المصنف رحمه الله بالبسملة في هذه المنظومة إشارة إلى البداءة بالبسملة في الشعر، وهذه المسألة قد حكى فيها الخلاف الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لآداب الراوي على قولين: منهم من قال بجواز أو استحباب البسملة بالمنظومات والشعر، ومنهم من قال بعدم استحباب ذلك وكراهته، وحكى ذلك عن الزهري و سعيد بن جبير، وقد انعقد الإجماع على أن الشعر كالنثر من جهة المعنى، وأنه يأخذ حكمه كذلك من جهة الاستحباب والوجوب وغير ذلك من التكاليف.
أقسام الحديث
قال رحمه الله: [ مصلياً على محمدٍخير نبي أرسلاوذي من أقسام حديث عدة وكل واحد أتى وحده ].يقول: ( وذي من أقسام الحديث عدة ) يعني: وهذه من أقسام الحديث عدة، أقسام الحديث كثيرة وحصرها شاق؛ وذلك لكثرة أنواعها واعتبارات العلماء في تقسيمها، واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في الاعتبارات التي يقسم لأجلها الحديث على اختلاف مناهجهم ومسالكهم في ذلك، ومجمل ذلك أنهم يختلفون في تقسيم الأحاديث بحسب الاعتبار، ونقول: إن أقسام الحديث على اعتبارات: ‏
 تقسيم الحديث باعتبار حكمه
والاعتبار الثالث: باعتبار حكمه، وذلك لكل حديث صحيح وضعيف وحسن، ومنهم من يجعله على قسمين: صحيح وحسن، ويجعل ما علا من الحسن في حكم الصحيح، وما دنا من الضعيف في حكم الضعيف، وكل واحد على مراتب ودرجات، فالصحيح على مراتب، منها ما علا شرطه، كصحيح البخاري و مسلم، فإن شرطهما في ذلك قوي جداً يختلف عن شروط غيرهم، ومنها ما دون ذلك، ومنها الصحيح لذاته، ومنها الصحيح لغيره، ولهذا اعتنى العلماء عليهم رحمة الله بأصح الأسانيد أو ما يسمى بسلاسل الذهب، فيقولون: أصح الأسانيد عند المدنيين مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، أو الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر، وأحاديث الكوفيين أصحها إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، ويذكرون في الأحاديث الحسان وكذلك الأحاديث الضعيفة أنواعاً كثيرة جداً، نكمل البحث فيها في الغد بإذن الله تعالى، ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح المنظومة البيقونية [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net