اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [29] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [29] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
كان الرجل في الجاهلية إذا أراد أن يعاقب زوجته آلى ألا يقربها سنة أو سنتين أو نحو ذلك فهدم الإسلام هذا المبدأ، وأجاز الإيلاء بشرطين الأول: قصد التأديب. الثاني: ألا يزيد على أربعة أشهر، والإيلاء يحصل بجميع ألفاظ الحلف وأنواعه باتفاق، وإنما وقع الخلاف فيما إذا حلف بغير الله والجمهور على أنه إيلاء، ويحصل الفيء بالجماع.
قوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص...)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: فتكلمنا في المجلس السابق عن اللغو في الأيمان، وتكلمنا على شيء من أحكامها، وخلاف العلماء في ذلك، وقبل ذلك تكلمنا على التساهل بجعل الله عز وجل عرضة للأيمان بحيث يكون حائلاً عن الإنسان أن يبادر بعمل الخير فيكسب صالحاً، أو يمسك عن عمل سوء.واليوم نتكلم على قوله سبحانه وتعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:226].في هذه الآية جملة من المسائل والأحكام نتكلم عليها وعلى ما يليها. ‏
 إلحاق ترك الجماع من غير إيلاء بالإيلاء
ومن المسائل المتعلقة في ذلك، الذي يترك زوجته من غير إيلاء، يترك قربها وجماعها من غير إيلاء، فهل يدخل في هذا الباب أم لا؟ بأن هجرها ولم يحلف على ذلك، فهل يوقف عند أربعة أشهر ويؤمر بالفيئة أو الرجوع؟العلة في الآية هو عدم الإضرار بالزوجة سواء كان ذلك بيمين أو بغير يمين، وإنما ذكر الله عز وجل الإيلاء وهو الحلف والقسم؛ لأنه هو الغالب الذي يلزم الإنسان به نفسه ويدفع المعرة عند غيره، كما كان الجاهليون في ذلك، حيث يدفعون اللوم من الناس في الإضرار بأزواجهم أنهم حلفوا وملزمون بالوفاء بذلك.ولهذا نقول: إن الإنسان إذا هجر زوجته ولو كان من غير إيلاء فإنه يؤمر بالفيئة عند الأربعة أشهر، والنص له علة، والعلة في ذلك هي دفع الإضرار, ويتحقق ذلك سواء كان بيمين أو بغيرها.وإنما ذكر الله عز وجل الإيلاء وهو اليمين؛ لأن هذا هو الأصل الذي كان عليه الناس بالإضرار بالزوجات فيمتنعون عن قربهن لسنة وسنتين, ويجعلون ذلك حائلاً بينهم.ولهذا نقول: إن النصوص الشرعية إذا نزلت على حال فلا يقيد بذلك الحال وإنما العبرة بعموم المعنى الذي ارتبطت به تلك العلة، والعلة التي لأجلها أنزل الله عز وجل ذلك الحكم هو عدم الإضرار بالزوجة.ولهذا نقول: إن من ترك زوجته ولو من غير حلف لأكثر من أربعة أشهر فإنه يؤمر بالفيئة, وإذا لم يرجع يؤمر بالطلاق، وإذا امتنع عن الطلاق فيفسخ الحاكم عقده في ذلك إلا إذا أسقطت الزوجة حقها، أو قام عذر الزوج في ذلك من زوجته، كأن تكون الزوجة في ذلك مريضة أو يكون الزوج حبيساً أو مسافراً لنفقة زوجته ونحو ذلك، وهي ممتنعة عن اللحاق بزوجها.ولهذا نقول: إن الزوجة إذا امتنع زوجها عن الإتيان إليها لكونها وكونه في بلدين مختلفين، فإنه لا يؤمر بالفيئة أو الطلاق؛ لأن الزوجة مأمورة بالخروج مع زوجها في البلد الذي يتقوت ويتكسب منه، وإذا امتنعت عن اللحاق به فهي أسقطت حقها الذي عليه، وذلك بالحق المتعلق بها، أما الحق الغير المتعلق بها كسفر الرجل إلى نزهة أو سفر الرجل لفضول التجارة أو نحو ذلك، فإن هذا يكون من حق الزوجة في ذلك وهي بالخيار بعد أربعة أشهر على الصحيح من أقوال الفقهاء.ومن الفقهاء من يقول: إن الأجل مرتبط بالإيلاء وما عدا ذلك فإن حكمه حكم آخر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث أقواماً، وكذلك الصحابة في الغزو، وبعضهم يذهب عن أهله أشهراً وربما عاماً أو نحو ذلك، ولم يجعلوا ذلك من أحكام الإيلاء فيؤمرون بالفيئة.ولكن نقول: هذا من الأمور الواجبة التي قام العذر فيها في مسائل الجهاد، وحاجة الثغور، إلا أن الإضرار بالزوجة في ذلك، إن طلبت في ذلك رجوع زوجها لحاجتها إليه ولم يرجع، فإن لها الحق في ذلك أن تفسخ طلاقها ويقضي في ذلك الحاكم وكل حالة بحسبها.أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [29] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net