اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أبواب السنة [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


أبواب السنة [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
إن تفكر الإنسان فيما لا يستطيع أن يصل فيه إلى غاية ونتيجة يوصله إلى الحيرة، ومن ذلك مسألة القدر، ولهذا يقول أبو حنيفة عليه رحمة الله: هذه مسألة مقفلة ضاع مفتاحها، ويقول ابن تيمية رحمه الله: ما من أحد من الناس إلا وفي نفسه حسكة من هذه المسألة.فينبغي للإنسان في هذه المسألة أن يؤمن وأن يسلم؛ لأن عقله وإدراكه محدود، وحاله في ذلك كحال بقية حواسه من سمع وبصر ونحو ذلك.
باب اجتناب البدع والجدل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.قال المصنف رحمه الله: [ باب اجتناب البدع والجدل.حدثنا سويد بن سعيد، وأحمد بن ثابت الجحدري، قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر بن محمد، عن جابر بن عبد الله، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم مساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ثم يقول: أما بعد، فإن خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكان يقول: من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي وإلي ).حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المديني أبو عبيد، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما هما اثنتان: الكلام، والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ألا إن ما هو آت قريب، وإنما البعيد ما ليس بآت، ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، ألا إن قتال المؤمن كفر، وسبابه فسوق، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ألا وإياكم والكذب فإن الكذب لا يصلح بالجد ولا بالهزل، ولا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإنه يقال للصادق: صدق وبر، ويقال للكاذب: كذب وفجر ) ].وإنما كان الغالب في وصف الهداية أن يكون بالقول والفعل كان ما ينسب للنبي عليه الصلاة والسلام هدي، وكذلك ما ينسب للأنبياء: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وأما ما يتعلق بكلام الله عز وجل فهو كلامه سبحانه وتعالى، وأمر الله عز وجل به نبيه، وأيضاً أمر به سائر الأمة، ولهذا عند الاجتماع يقال: كلام الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: [ ( ألا وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله عز وجل كذاباً ).حدثنا محمد بن خالد بن خداش، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، قال: حدثنا أيوب (ح)وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري، ويحيى بن حكيم، قالا: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: ( تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات [آل عمران:7] إلى قوله: (( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ))[آل عمران: 7]، فقال: يا عائشة، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عناهم الله، فاحذروهم ) ]. ‏
 ارتباط حب المجادلة بالابتداع في الدين
فسر الإمام أحمد رحمه الله: (لا يقبل الله لصاحب بدعة توبة)، قال: لا يوفق للتوبة؛ لأنه يفعل بدعته تديناً، ولهذا يتوب العاصي وقلما يتوب المبتدع، بل تتضخم لديه البدعة وتنمو.قال: [ حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن منصور الحناط، عن أبي زيد، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته ). حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، وهارون بن إسحاق، قالا: حدثنا ابن أبي فديك، عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من ترك الكذب وهو باطل، بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها ) ].ولا يؤتى الإنسان الجدل إلا وهو صاحب بدعة، ويورثه ذلك اعتداداً برأيه، وبحثاً وشكاً في اليقينيات، حتى يصل الى الشك بأصول اليقينيات، حتى يشك الإنسان فيما يراه بعينه، وقد بلغت كثير من الطوائف في الشك بمثل هذا، والله سبحانه وتعالى قد كفى الإنسان الجدال والمراء بالوصول إلى الغايات، فبين الله عز وجل له ذلك. وأشبه الفلسفة بالحبل المتشابه الطويل الذي يبحث الإنسان عن طرفيه والله عز وجل أعطاه طرفه الأول وأعطاه طرفه الثاني، ثم يبحث، فإذا ابتعد به ثني الحبل عن طرفه شك، وإذا قرب من الطرف تيقن، ثم يتقلب من شك ويقين حتى يصل، وربما مات ولم يصل، ولهذا الفلاسفة دخلوا في أمور الفلسفة كحال تتبع الإنسان في الحبل يذهب ويجيء يريد بذلك أن يثبت اليقينيات القطعيات التي أثبتها الله في كتابه بعقله المجرد، فتقرب به منه الحقيقة وتجتمع القرائن موافقة لكلام الله ثم تبتعد به مرة أخرى، ثم تقرب به، ثم تبتعد مرة أخرى، ولا يحصل من ذلك شيء. ولهذا يتمنى من مات منهم أن يموت على عقائد العجائز؛ لأن الشريعة ما جاءت لتحير، وإنما جاءت لتدل وتهدي، الشرائع ما جاءت لتحير الناس، بل تدلهم وتهديهم، أن يأخذها الإنسان بأسهل سبيل، هذه القاعدة التي اختلت عند كثير من الناس اختلت لوازمها، فاختلوا من جهة البحث، والنظر، وضعف لديهم التسليم.
باب اجتناب الرأي والقياس
قال المصنف رحمه الله: [ باب اجتناب الرأي والقياس.حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، وعبدة، وأبو معاوية، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر (ح)وحدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن مسهر، ومالك بن أنس، وحفص بن ميسرة، وشعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ) ].وفي هذا إشارة إلى أن الذي يوجد العالم ويرفعه هو الله، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، الجاهل الذي يصنع منه عالم يرفعه العامة، والناس، والغوغاء، والظلمة، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى إذا لم يبقي عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً )، ولهذا ولاية العالم لا يسقطها أحد؛ لقيام موجبها وعدم رفعه وهو العلم، ولهذا يقول ابن حزم رحمه الله: أن كل ولاية تسقط إلا ولاية العالم، لا يسقطها إلا من رفعها، وهو الله سبحانه وتعالى.قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو هانئ حميد بن هانئ الخولاني، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه ).حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، قال: حدثني رشدين بن سعد، وجعفر بن عون، عن ابن أنعم -هو الإفريقي- عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( العلم ثلاثة، فما وراء ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة ) ].ومعنى (أن إثمه على من أفتاه): إذا كان متيقناً أنه على صواب فذاك ارتجل فتيا على خلاف الصواب فقلده، أما إذا كان شاكاً بصدقه، أو غير متيقن بعلمه فإنه لا يجوز له أن يقتدي به وأن يحمله الأمانة؛ لأنه يحتملها معه كذلك.قال: [ حدثنا الحسن بن حماد سجادة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: ( لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه ).حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا ابن أبي الرجال، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون، وأبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا ) ].وحديث عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل مع وروده من عدة أوجه إلا أن مداره على متروك، ويروى أيضاً في المراسيل إلا أنه أيضاً في حكم المطروح، وألحقه بعضهم بالوضع.
 ارتباط حب المجادلة بالابتداع في الدين
فسر الإمام أحمد رحمه الله: (لا يقبل الله لصاحب بدعة توبة)، قال: لا يوفق للتوبة؛ لأنه يفعل بدعته تديناً، ولهذا يتوب العاصي وقلما يتوب المبتدع، بل تتضخم لديه البدعة وتنمو.قال: [ حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن منصور الحناط، عن أبي زيد، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته ). حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، وهارون بن إسحاق، قالا: حدثنا ابن أبي فديك، عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من ترك الكذب وهو باطل، بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها ) ].ولا يؤتى الإنسان الجدل إلا وهو صاحب بدعة، ويورثه ذلك اعتداداً برأيه، وبحثاً وشكاً في اليقينيات، حتى يصل الى الشك بأصول اليقينيات، حتى يشك الإنسان فيما يراه بعينه، وقد بلغت كثير من الطوائف في الشك بمثل هذا، والله سبحانه وتعالى قد كفى الإنسان الجدال والمراء بالوصول إلى الغايات، فبين الله عز وجل له ذلك. وأشبه الفلسفة بالحبل المتشابه الطويل الذي يبحث الإنسان عن طرفيه والله عز وجل أعطاه طرفه الأول وأعطاه طرفه الثاني، ثم يبحث، فإذا ابتعد به ثني الحبل عن طرفه شك، وإذا قرب من الطرف تيقن، ثم يتقلب من شك ويقين حتى يصل، وربما مات ولم يصل، ولهذا الفلاسفة دخلوا في أمور الفلسفة كحال تتبع الإنسان في الحبل يذهب ويجيء يريد بذلك أن يثبت اليقينيات القطعيات التي أثبتها الله في كتابه بعقله المجرد، فتقرب به منه الحقيقة وتجتمع القرائن موافقة لكلام الله ثم تبتعد به مرة أخرى، ثم تقرب به، ثم تبتعد مرة أخرى، ولا يحصل من ذلك شيء. ولهذا يتمنى من مات منهم أن يموت على عقائد العجائز؛ لأن الشريعة ما جاءت لتحير، وإنما جاءت لتدل وتهدي، الشرائع ما جاءت لتحير الناس، بل تدلهم وتهديهم، أن يأخذها الإنسان بأسهل سبيل، هذه القاعدة التي اختلت عند كثير من الناس اختلت لوازمها، فاختلوا من جهة البحث، والنظر، وضعف لديهم التسليم.
باب في الإيمان
قال المصنف رحمه الله: [ باب في الإيمان.حدثنا علي بن محمد الطنافسي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وستون أو سبعون باباً، فأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان ).حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان (ح)وحدثنا عمرو بن رافع، قال: حدثنا جرير، عن سهيل، جميعاً عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.حدثنا سهل بن أبي سهل، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، قالا: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ( سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعظ أخاه في الحياء، فقال: إن الحياء شعبة من الإيمان ). حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن الأعمش (ح)وحدثنا علي بن ميمون الرقي، قال: حدثنا سعيد بن مسلمة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ) ]. ‏
 جهاد الطلب في الإسلام
وهذا أصل في إثبات جهاد الطلب، ومعلوم أن الجهاد على نوعين: جهاد دفع، وجهاد طلب، وجهاد الطلب دليله جملة من الأدلة في كلام الله وكذلك أيضاً في السنة، ومنها هذا الحديث: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهد )، إذاً: أمر بالبداءة بذلك وهو جهاد الطلب، ولا أعلم من أنكر جهاد الطلب من الأئمة من السالفين والمتأخرين إلا في زماننا.قال: [حدثنا أحمد بن الأزهر، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ).حدثنا محمد بن إسماعيل الرازي، أنبأنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الله بن محمد الليثي، حدثنا نزار بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعن جابر بن عبد الله، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: أهل الإرجاء، وأهل القدر ).قال أبو الحسن: حدثنا أبو عثمان البخاري سعيد بن سعد، قال: حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن عياش- عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن مجاهد عن أبي هريرة وابن عباس، قالا: الإيمان يزيد وينقص.قال أبو الحسن: حدثنا أبو عثمان البخاري، حدثنا الهيثم، حدثنا إسماعيل، عن حريز بن عثمان، عن الحارث، أظنه عن مجاهد، عن أبي الدرداء، قال: الإيمان يزداد وينتقص ].وهذه الأخبار التي يوردها المصنف رحمه الله في زيادة الإيمان ونقصانه إيراد ما جاء في كلام الله، والثابت في الصحيحين من زيادة الإيمان ونقصانه أحرى وأولى بالإيراد، ولكن لما كان الكتاب في هذا إنما هو إيراد للأحاديث المرفوعة، وكذلك أيضاً الموقوفة كان إيراد هذه الموقوفات يرى أنه سداً واعتضاداً لا احتجاجاً واعتماداً، وإلا الظاهر في كلام الله عز وجل والقطع في ذلك فيه غنية.
باب في القدر
قال المصنف رحمه الله: [ باب في القدر.حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، ومحمد بن فضيل، وأبو معاوية (ح)وحدثنا علي بن ميمون الرقي، حدثنا أبو معاوية، ومحمد بن عبيد، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قال عبد الله بن مسعود: ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، أنه يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقول: اكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقي أم سعيد، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها ).حدثنا علي بن محمد، حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت أبا سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي، قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشيت أن يفسد علي ديني وأمري، فأتيت أبي بن كعب ]. ‏
 شأن الطوائف قبل الإسلام وبعده مع القدر
وهذا الحديث ضعيف، ولكن فيه تشبيه بالمجوس هنا، باعتبار أن المجوس يؤمنون بوجود خالقين، فهم يؤمنون بالنور والظلمة، باعتبار أن النور هي خالقة للخير، والظلمة كذلك هي خالقة الشر، وذلك أن الذين ينفون القدر يقولون: الله عز وجل لم يقدر شيئاً، إذاً: فمن خلق أفعال العباد؟ قالوا: خلقوا أفعالهم، فقد جعلوا خالقاً مع الله، فالله عز وجل خلقهم ولم يخلق أفعالهم، وهم خلقوا أفعال أنفسهم، فآمنوا بوجود خالقين، فكان فيهم شبه من المجوس. ومسألة القدر هي من المسائل التي ضلت بها الطوائف قبل الإسلام وبعده، والطوائف في ذلك متنوعة، البابليون في العراق وكذلك في شمالها يقولون: إن مسألة القدر يتعدد المؤثرون المتدخلون المتصرفون فيها، فينسبون ذلك للأفلاك، هذا يتصرف بكذا، وهذا يتصرف بالبشر، وهذا يتصرف بالبهائم، وغير ذلك، والمجوس ينتشرون في بلاد فارس ونحو ذلك في هذه المسألة، وطائفة الرافضة ممن تأثر بهذه العقيدة، وهي مسألة نفي القدر. وكذلك العقلانيون من الفلاسفة، كـأرسطو وأفلاطون وغيرهم، فإنهم في هذه المسألة لما تحيروا قالوا بوجود خالق، ولهذا فإن أرسطو يؤمن بوجود خالق، ولكن من جهة تدبير أمر الكون قال: إن الخالق أوجد المخلوقات ثم جعل لها نظاماً وناموساً تسير عليه، وهو ما يسمى بالحتمية عند الكلاميين، قالوا: فجعلها تسير وفق نظام لا تخرج عنه ثم تركها، إذاً: الكون يدير نفسه، وهذا أيضاً على نحو تلك العقيدة. والمتكلمون ممن ينتسبون للإسلام جروا على طريقة المشائين من أصحاب أرسطو، كـابن سينا والفارابي والكندي، وغيرهم ممن يسمون بالمشائين ويسيرون على طريقة المشائين، أرسطو كان له أصحاب يأخذون منه عقيدته الكلاميه وفكره الكلامي، وذلك أنه يعلم غالباً وهو يمشي ذاهباً وراجعاً، ويعلم من حوله، فسموا بالمشائين، أصحاب أرسطو، ثم من أخذ عنهم ممن جرى على هذه العقيدة من الفلاسفة المنتسبين للإسلام كـابن سينا والفارابي، وكذلك الكندي، وغيرهم من الفلاسفة جروا على هذا الأمر، قالوا: ثمة حتمية سببية أجراها الله وهي تدير نفسها ولا شأن للخالق بها، ويجري على هذا المنوال الفلاسفة المتكلمون أيضاً في زماننا هذا من متكلمي الليبرالية وبعض الملاحدة من الماركسيين والعلمانيين وغيرهم.نقف على هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أبواب السنة [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net