اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [83-97] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [83-97] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
لقد آتى الله ذا القرنين القوة وأسباب التمكين في الأرض؛ فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأقام العدل بين الناس، حتى بلغ بين السدين ووجد يأجوج ومأجوج يؤذون الناس ويفسدون في الأرض؛ فبنى سداً منيعاً يحجز يأجوج ومأجوج عن أذية الآخرين، فلم يستطيعوا الخروج من ذلك السد، ولن يخرجوا إلا في آخر الزمان حين يأذن الله لهم بالخروج.
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين ...) إلى قوله: (وما استطاعوا له نقباً)
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، وصلى الله وبارك على سيدنا رسول الله.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: يقول تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً [الكهف:83-98].
 المراد بقوله تعالى: (لا يكادون يفقهون قولاً)
وقوله: قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً [الكهف:93]، (يفقهون) بمعنى يفهمون، فالفقه هو الفهم، وفي قراءة حمزة و الكسائي : (لا يكادون يُفْقِهون قولاً)، قال ابن جرير رحمه الله: وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى، يعني: القراءتان غير متناقضتين، فهؤلاء القوم لا يَفهمون ولا يُفهمون، وهذا ظاهر، كما لو زار هذه البلاد أحد الناس ممن يتكلم بلغة نادرة ليست من اللغات الحية كما يقولون، فهذا الإنسان لا يكاد يفهم عنه الناس، ولا يكاد يفهم الناس، يعني: باللسان لا تفاهم، إلا أن يستعين بشيء آخر، ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم لا يعرفون شيئاً من لغة غيرهم، ثم إن لغتهم مخالفة للغات الأمم المعروفة، أي: مخالفة للغات التي تتكلم بها أمم من الناس، بحيث لا يعرفها تراجمة ذي القرنين ، ومعلوم أن الملوك دائماً يتخذون من يترجمون لهم، وينقلون إليهم ما يقوله الناس، وينقلون عنهم إلى الناس؛ ولذلك نقرأ في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم العبرانية، قال له: ( فإني لا آمن يهود )، فتعلمها زيد في سبعة عشر يوماً، يعني: في سبعة عشر يوماً أتقن لغة القوم، وكذلك نقرأ في صحيح البخاري في كتاب الإيمان: بأن هرقل عظيم الروم لما بلغته رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يدعوه فيها إلى الله، طلب بعض تجار العرب، فجيء له بـأبي سفيان ، فبدأ هرقل يخاطب أبا سفيان عن طريق الترجمان، فـذو القرنين عليه السلام كان معه هؤلاء التراجمة الذين ينقلون إليه لغات الناس؛ لكنه وجد هؤلاء القوم يتكلمون بلغة غريبة؛ لأن صقعهم منقطع عن الأصقاع، وبلادهم بعيدة عن البلاد، ولا يوجد من يستطيع إفهامهم مراد الملك، وهم لا يستطيعون الإفهام، وهناك احتمال آخر بأنهم كانوا موغلين في البلادة والبداوة، بحيث لا يفهمون ما يقصده من خاطبهم، ولا غرابة في هذا فقد كان موجوداً حتى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر الصحابة رضوان الله عليهم خبر ضمام بن ثعلبة ، وهو رجل جاء من قبل نجد، ثائر الرأس، يعني: شعره كثير غير مرجل ولا مرتب، يقول الصحابة: نسمع دوي صوته ولا ندري ما يقول، مع أن الصحابة عرب أقحاح، والرجل عربي؛ لكنه لما كان موغلاً في البداوة يعني: بدوياً، وجاء من غير جهة الحجاز، جاء من نجد، ورغم أن صوته عال إلا أن الصحابة لا يفهمون كلامه، فقال: ( يا محمد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بنحو صوته: ها أم )، يعني: نعم أنا هنا، وهذا من فقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الإنسان البدوي الذي اعتاد أن يصرخ حين يتكلم ويعلي صوته لو قال: يا محمد! وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يقول لسائر أصحابه: (لبيك) بصوته الخفيض عليه الصلاة والسلام، وأسلوبه الهادئ لاستغرب الأعرابي ذلك؛ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يزيل عنه الوحشة، بمعنى أنه نحن يا أخي مثلك أعراب فماذا تريد؟ قال: ( يا محمد! فأجابه النبي: ها أم، قال له: إني سائلك فمشدد عليك المسألة، فلا تغضب، قال له: سل، فبدأ يطرح أسئلته على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان آخرها أنه قال له: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذه ولا أنقص )، يعني: سألتزم بما قلت؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق ).
قصة يأجوج ومأجوج مع ذي القرنين
هؤلاء القوم لا يفهمون ولا يُفهمون؛ لكن ذا القرنين عليه السلام كان عبداً موفقاً، أي: يصحبه توفيق ربه؛ ولذلك استطاع أن يفهم ما يريد القوم، وقالوا: ما ترجمته يا ذا القرنين ؟ هكذا خاطبوه بغير لقب ولا إجلال، على عادة البدو، يعني كقول ضمام بن ثعلبة : يا محمد! فما قال يا رسول الله! ولا قال: يا نبي الله! ولا قال: يا خليل الله! بل لما قال له الصحابة: ويلك، اخفض صوتك، فإنك تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله لا أخفض، أنا صوتي هكذا، فهؤلاء البدو أيضاً قالوا: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً [الكهف:94]، يا ذا القرنين ! يا أيها الملك! يا من مكنت في الأرض! يا من تستطيع أن تكف عنا شر الأشرار، وإفساد المفسدين، إنا نبلغك خبراً، إن من وراء هذا السد قبيلتين من الناس، وهما يأجوج ومأجوج، وقد قرأ عاصم -وهي القراءة التي نقرأ بها- وحده بالهمزة: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف:94]، وقرأ الجمهور بألف بغير همز: (إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض).
 هلاك يأجوج ومأجوج
يأجوج ومأجوج يخرجون على الناس يظهرون الفساد في الأرض، حتى إن المسيح ومن معه من المؤمنين يوحي الله عز وجل إليه: أني قد أخرجت عباداً لي، لا يدان لأحد بقتالهم -يعني لا تحاول يا عيسى بن مريم أن تقاتلهم- وإنما حرز عبادي إلى الطور -يعني: اخرج أنت ومن معك من المؤمنين فاصعدوا في جبل الطور- قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى يكون رأس الثور أحب إلى أحدهم من مائة دينار )، مثلاً: لو عرضوا عليك رأس ثور أو مائة دولار فأيهما تختار؟ لن يختار أحد رأس الثور، وإنما كلنا سنختار المائة دولار؛ لكن المسيح ومن معه يعانون من الجوع، ومن الضيق، حتى يتمنوا الطعام، ( حين ذلك يرغب المسيح إلى الله في أن يخلص العباد من شرهم، فيرسل الله عز وجل عليهم النغف )، النغف: دود يكون في أنوف الإبل، وهذه سنة الله أن كل من تجبر على الله عز وجل يهلكه بأضعف مخلوقاته، فـالنمرود الذي قال: (أنا أحيي وأميت) أهلكه الله بحشرة وهي بعوضة أو ذبابة دخلت في منخره، فجعلت تطن في دماغه؛ فما كان يستريح حتى يضرب بالنعال على أم رأسه، فهذا الذي قال: أنا أحيي وأميت، يأتي الناس بالنعال من الخدم والحشم ويضربون على رأسه من أجل أن يسكت.و أبرهة الذي أراد أن يهدم البيت العتيق سلط الله عليه طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ [الفيل:3-4]، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، وكل حجر فوق العدسة ودون الحمبصة، فيقع الحجر على رأس الواحد منهم فيخرق رأسه، ويحرق جوفه، ويخرج من دبره، ويخلص إلى الفيل الذي تحته فيقتله، وما عهد بأن حجراً صغيراً يقتل طائراً، وهذه الأحجار تقتل الإنسان وتقتل الفيل الذي تحته؛ فالله على كل شيء قدير، فيرسل على يأجوج ومأجوج النغف -الدود-؛ لأنه بعدما تخلو الأرض من الناس كما جاء في بعض الروايات يقولون: ( قد علونا أهل الأرض -نحن أقوى أهل الأرض- هلم فلنقاتل أهل السماء فيرسلون سهامهم، فترجع مخضبةً بالدماء )، جاء في بعض الروايات بأنهم يقولون: ( قد علونا أهل الأرض، وفرغنا من أهل السماء، وقد قتلنا الله، فيرسل الله عليهم النغف هذا الدود، فيتركهم فرساً )، فرائس، يقتلهم الله عز وجل، يطلب المسيح عليه السلام من رجل ممن معه، يقول: من يأت بخبر الأرض يكن رفيقي في الجنة، يعني: يتسلل واحد منكم من دون أن يراه يأجوج ومأجوج فينظر ما الخبر، فيذهب هذا الرجل فيجد الأرض لم يخل منها شبر من نتنهم وزهمهم، حيث يحصل فساد بيئي عام؛ لأن الجثث قد ملأت الأرض، وقد تعفنت الأرض، فيرجع إلى المسيح فيخبره، فيرغب المسيح عليه السلام إلى الله، فيرسل الله عز وجل طيراً كأعناق البخت، تأخذ هذه الجثث، فتلقيها في البحار حيث شاء الله، وينزل الله من السماء مطراً يغسل الأرض من نتنهم وزهمهم، وتنبت الأرض نباتها بعهد آدم، أي أن الأرض تطهر، وتنبت نباتها بعهد آدم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حتى يجتمع النفر من الناس على قطف العنب فيشبعهم، وحتى يجتمع القبيلة من الناس على الرمانة فتشبعهم، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدةً فلا يعبد إلا الله )، وهذا كله يكون في زمان نزول المسيح بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.فـذو القرنين جزاه الله خيراً، وأحسن إليه كما أحسن إلى خلقه بنى هذا السد من أجل أن يحول بين هاتين الأمتين المفسدتين، وبين إظهار الفساد في الأرض.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [83-97] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net