اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أنواع البيوع للشيخ : عبد الحي يوسف


أنواع البيوع - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
لقد اقتضت سنة الله الكونية أن يكون بين الناس تعاملات، وتبادل المنافع والمصالح لحاجة الناس بعضهم إلى بعض في ذلك، ومن ذلك البيع فقد أحله الله، إلا ما ورد في بعض صوره أنها محرمة، كأن يكون عين المبيع محرماً، كالخمر والخنزير، أو يكون مرد التحريم إلى وجوه مخالفة شرعية بحتة، كالنهي عن البيع بعد الأذان الثاني يوم الجمعة، وكذلك بيع السلاح زمن الفتنة، وغيرها من الصور.
أقسام البيع باعتبار المبيع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.أما بعد: أيها الإخوة الكرام! إن من آكد أحكام المعاملات وأهمها على الإطلاق البيوع، والكلام في هذا الدرس إن شاء الله يتناول أقسام البيوع، ثم التنبيه على بعض البيوع المحرمة، وبيان سبب التحريم.أما أقسام البيوع فبعدما عرفنا أن البيع مما تدعو إليه ضرورة الحياة البشرية أحياناً، وحاجتها أحياناً، وترفهها أحياناً، وعرفنا أن الأصل في البيع الحل، فكل من ادعى التحريم في صورة معينة فلا بد أن يأتي بالدليل؛ لعموم قول الله عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].وإذا أردنا أن نقسم البيوع فإننا نقسمها باعتبار المبيع، وباعتبار أسلوب تحديد الثمن، وكيفية أدائه:أما باعتبار المبيع: فالبيوع على ثلاثة أقسام: بيع مطلق، وبيع الصرف، وبيع المقايضة.أما البيع المطلق: فهو ما يمارسه الناس في سائر أيامهم، من مبادلة عين بنقد، فالإنسان عندما يدفع نقوداً ويأخذ في مقابلها سلعة، هذا نسميه بيعاً مطلقاً.النوع الثاني: وهو بيع الصرف: مبادلة نقد بنقد، وهذا الذي يحصل أيضاً من الناس كثيراً حين يبيعون ريالات بجنيهات أو دولارات بدراهم، أو الجنيه الإسترليني باليورو، ونحو ذلك مما يجري في حياة الناس، هذا تسميه الشريعة صرفاً.أما النوع الثالث فهو المقايضة: وهو أيضاً يجري بين الناس بنفس الاسم, وهو: مبادلة عين بعين، ومبادلة سلعة بسلعة.إذاً: البيع من ناحية المبيع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما بيعاً مطلقاً وذلك حين نبادل عيناً بنقد.وإما صرفاً وذلك حين نبادل نقداً بنقد.وإما مقايضة وذلك حين نبادل عيناً بعين أو سلعة بسلعة.
 

أقسام البيع باعتبار الثمن

 أقسام البيع باعتبار كيفية أداء الثمن
بعد ذلك: عندنا تقسيم البيع باعتبار كيفية أداء الثمن، وينقسم إلى أربعة أقسام:القسم الأول: منجز البدلين، وهو ما نمارسه يومياً، بمعنى أنك تشتري شيئاً فتنجز للبائع الثمن، وينجز لك السلعة أو العين أو البضاعة، فلا يشترط تأجيل الثمن ولا تأجيل المثمن، وإنما كلاهما يسلم في مجلس العقد، ويسمى أيضاً بيع النقد، وهو ما كان منجز البدلين.القسم الثاني: مؤجل الثمن، ويسمونه بيع النسيئة، بمعنى أنك تذهب إلى الدكان فتشتري ما شاء الله لك أن تشتري، فإذا قال لك: الثمن عشرة، تقول له: سآتيك به غداً أو أمهلني إلى آخر الشهر، لا مانع من هذا، ونسميه بيع النسيئة، وهو ما كان الثمن فيه مؤجلاً. القسم الثالث: على العكس، الثمن يعطى عاجلاً، والمثمن يكون مؤجلاً، وهو ما يسميه فقهاؤنا ببيع السلم، الذي يمارسه المزارعون، بمعنى أنه يأخذ منك ثمناً معلوماً في مقابل مثلاً مائة شوال من القمح أو من الفول أو من التمر على أن يعطيه لك وقت الجذاذ، في اليوم الأول من شهر أغسطس مثلاً من عام كذا، هذا نسميه بيع السلم. وقد مارسه الصحابة قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبعدما قدم المدينة، وقال لهم عليه الصلاة والسلام: ( من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ).القسم الرابع: وسيأتي فيه الكلام تفصيلاً، وهو: مؤجل البدلين، وهو ما يسمى بيع الدين بالدين، أو بيع الكالئ بالكالئ.أعيد مرة أخرى: البيع أقسامه باعتبار كيفية أداء الثمن ينقسم إلى أربعة أقسام:القسم الأول: ما كان منجز البدلين، وهو بيع النقد، بمعنى أن يعجل الثمن ويعجل المثمن.القسم الثاني: ما كان المثمن عاجلاً والثمن مؤجلاً، وهذا نسميه بيع النسيئة، وكلاهما جائز.القسم الثالث: ما كان الثمن معجلاً والمثمن مؤجلاً، ونسميه بيع السلم، وهو أيضاً جائز، وهو من قبيل بيع المعدوم؛ لأن السلعة ليست حاضرة، وليست موجودة أصلاً، الزراعة ليست موجودة, وقد تكون وقد لا تكون. وقد علمنا أن من شروط صحة البيع أن يكون المبيع حاضراً مقدوراً على تسليمه، لكن الشريعة أباحت بيع السلم استثناء لحاجة الناس إليه.القسم الرابع: ما كان مؤجل البدلين، وهو بيع الدين بالدين.
شروط صحة البيع
أيها الإخوة الكرام! نكرر بأن البيع من أجل أن يقع صحيحاً لا بد له من شروط، وهذه الشروط بعضها يتعلق بالعاقدين، وبعضها يتعلق بالمعقود عليه. ‏
 الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المعقود عليه
أما ما يتعلق بالمعقود عليه: فذكرنا فيما مضى أن له شروطاً:الشرط الأول: لا بد أن يكون المعقود عليه طاهراً أو متنجساً يمكن تطهيره، أما إذا كان نجساً كالكلب فلا يجوز بيعه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثمن الكلب خبيث )، ومثله الخمر؛ لأن الخمر لا تتطهر، ومثله الخنزير فلو غسلته ببحار الدنيا فإنه لا يطهر فهو نجس العين، فلا بد أن يكون المبيع طاهراً. الشرط الثاني: أن يكون المعقود عليه منتفعاً به، فلا يصح أن يباع الشيء الذي لا ينتفع به؛ كالأوساخ والقاذورات وما أشبه ذلك.الشرط الثالث: لا بد أن يكون المعقود عليه مملوكاً للبائع.الشرط الرابع: لا بد أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه، وقد ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الملاقيح والمضامين ) . الملاقيح: ما كان في أصلاب الآباء. والمضامين: ما كان في أرحام الأمهات.يعني: عندي تيس فأقول لك: هذا التيس في صلبه عشرة تيوس مثلاً، أو عشر شياه أبيعها لك بكذا، هذا ما يصح؛ لأن هذا الشيء ليس مقدوراً على تسليمه، قد يموت التيس بما في صلبه.ومثله أيضاً: نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين، وهو ما كان في أرحام الأمهات، ( ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة ) ؛ لأن هذا كله غير مقدور على تسليمه.ومثله أيضاً: بيع البعير الشارد، وبيع السمك في الماء، والطير في الهواء، هذا كله ليس مقدوراً على تسليمه، فلا بد أن يكون المبيع مالاً طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه، مملوكاً للبائع وقت العقد.الشرط الخامس: لا بد من العلم بالثمن والمثمن، ولا بد أن تنتفي الجهالة أو ما سمته الشريعة غرراً، وسيأتي معنا الكلام في أن الغرر إذا كان يسيراً قليلاً فإنه مغتفر.الشرط السادس: كذلك من شروط صحة البيع عدم التوقيت، ما معنى عدم التوقيت؟ما يصح أن أبيعك داري، فأقول لك: أبيعك هذه الدار بثمن كذا إلى سنة كذا، لا، بل البيع يقتضي تمليك المبيع للمشتري مطلقاً، وهذا مقتضي صيغة البيع؛ لأنه كما قلنا: الإيجاب هو إرادة التمليك، والقبول إرادة التملك، فلا يصح التوقيت في المبيع، بمعنى: أني أبيعك الشيء إلى أجل معلوم فهذا لا يصح بحال، وهو الذي يسميه علماؤنا بيع الوفاء.
بيع الجزاف.. صفته وحكمه
أيها الإخوة الكرام! أريد أن أذكر مسألة يسيرة، والحاجة ملحة في عرض حكمها، وهو ما يسميه علماؤنا ببيع الجزاف. ما معنى كلمة الجزاف؟ الجزاف: الشيء غير المقدر على وجه التحديد، لما أقول: فلان هذا يتكلم جزافاً يعني لا يبالي، وبيع الجزاف الآن شائع في عالم الاستثمارات، أن تباع كمية كبيرة من السلع دفعة واحدة دون أن يعرف مقاديرها على وجه التفصيل. تعقد صفقات ضخمة مرة واحدة، دفعة واحدة، على سبيل الإجمال.ومثاله الآن: مما يحصل في هذه البلاد مثلاً أن الناس يبيعون المحاصيل بالرؤية، وهذه المحاصيل مما يمكن أن يكال، ويمكن أن يوزن، لكن ما يكيلونه ولا يزنونه وإنما يبيعونه جزافاً.ولذلك نقول: بيع الجزاف في اصطلاح أهل العلم: هو بيع ما يكال أو يوزن أو يعد جملة بلا كيل ولا وزن ولا عد، مثاله أيضاً بيع الطوب، أو البطيخ، أو البرتقال وغيرها، والفواكه عموماً ومحاصيل الخضروات وما أشبه ذلك تباع في الغالب جزافاً.
 بيع المال الربوي بجنسه جزافاً
أيها الإخوة الكرام! لا يجوز بيع المال الربوي بجنسه جزافاً. عندنا الأموال نوعان: أموال ربوية، وأموال غير ربوية.الأموال الربوية التي عينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أصناف: ( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح رباً إلا مثلاً بمثل، يداً بيد, هاء وهاء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى, الآخذ والمعطي سواء ).والعلة في الذهب والفضة الثمنية، أنهما أثمان للأشياء، ويقاس عليها الآن النقود، فلا يصلح أن أعطي لك كوماً من الجنيهات، ثم بعد ذلك أقول لك: أعطني مثلها من الريالات أو الدولارات أو أدين نصفها مثلاً فهذا لا يجوز؛ لأن هذه أموال ربوية لا بد فيها من العد، فلا يصلح الجزاف فيها.والأربعة الأصناف الأخرى التي هي البر: الذي هو القمح والشعير والتمر والملح العلة فيها الاقتيات والادخار، أي: أنها مقتاتة ومدخرة، فيقاس عليها كل مقتات مدخر؛ مثاله: الذرة، الدخن، الفول، الفاصوليا، السكر، العدس، وقس على ذلك مما يسميه علماؤنا بالقطنيات ونحوها.فما يصح بيع شيء من هذه بغيره جزافاً، فلا يجوز أن أعطي لك لورياً من القمح، وأقول لك: أبادله لك بلوري من الشعير، لا، لا بد هاهنا من الكيل أو الوزن؛ لأن هذه أموال ربوية يشترط فيها التماثل إذا اتحد الجنس، فإذا كان قمح بقمح أو فول بفول، أو تمر بتمر فلا بد من التماثل والتقابض.أما إذا اختلف الجنس كتمر بقمح مثلاً فإنه لا يشترط التماثل، لكن يشترط التقابض، فممكن أن أبيع لك شوالاً من التمر بشوالين من القمح، لكن لا بد من التسليم والتسلم.وبهذا يتضح أن المعاملة التي تحصل في بعض الولايات أو بعض الأقاليم، من أنه يبيع لك شوالاً من فول جديد بشوالين قديم، أو شوالاً من تمر جديد بشوالين قديم، ومثله ما يفعله النساء حين تذهب إحداهن إلى بائع الذهب فتسلم إليه ذهبها القديم فيزنه، ثم بعد ذلك يعطيها ذهباً جديداً أقل، فهذه معاملة ربوية، ولو كره الناس هذا الكلام لا بد أن نقوله. إذاً: الأموال الربوية التي هي ستة أصناف, لا يصح بيعها جزافاً، بل لا بد من العد في المعدود، والوزن في الموزون، والكيل في المكيل؛ لماذا؟ لأن العلماء ذكروا قاعدة: أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، يعني: لو أننا جهلنا التماثل فهو حرام، مثلما لو أننا علمنا أن التفاضل حرام، فلا بد من العلم بالتماثل.
أسباب النهي عن بعض البيوع
إذا علم هذا فننتقل إلى البيوع المحرمة، أو بعبارة أخرى البيوع المنهي عنها: وأسباب النهي عن البيع قد ترجع إلى العقد, وقد ترجع إلى غيره.
 الأسباب الأكثر شيوعاً للبيوع المنهي عنها في وقتنا المعاصر
أكثر الأسباب شيوعاً في وقتنا المعاصر راجعة إما إلى تحريم عين المبيع، كالبلاد التي يباع فيها الخمر مثلاً، وإما أن يكون راجعاً إلى اشتمال العقد على الربا، فهذا كثير في هذه البلاد وغيرها، وإما أن يكون لاشتمال العقد على الغرر، وهذا كثير أيضاً في هذه البلاد وفي غيرها، وإما أن يكون راجعاً إلى الشروط الفاسدة التي تئول إلى الربا أو الغرر أو مجموعهما.والخلاصة: أن البيوع الفاسدة في زماننا هذا: إما أن يكون الفساد فيها راجعاً إلى أن عين المبيع في ذاته محرم، وإما لاشتمال العقد على الربا، أو اشتماله على الغرر، أو اشتماله على شروط تئول في مجموعها إلى الربا أو الغرر.
بيع الدين بالدين وعلاقته بالبيوع المحرمة
نذكر أيها الإخوان! البيوع المحرمة تفصيلاً:فأول البيوع المحرمة: بيع الدين بالدين، أو بيع الكالئ بالكالئ، وقد ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، و الحاكم في المستدرك, و البيهقي و الدارقطني : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ )، وهذا الحديث إسناده ضعيف، ولكن حصل الإجماع عليه، وليس معنى أن الحديث إذا كان ضعيفاً أنه يهمل، فهناك أحاديث ضعيفة باتفاق، والعمل عليها حاصل باتفاق، مثال ذلك حديث: ( الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه )، هذا الحديث ضعيف، ولكن باتفاق أهل العلم أن الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه فإنه لا يجزئ التطهر به. إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بشيء نجس فلا يصلح أن يستعمل أصلاً لا في عبادة ولا عادة، وأما إذا تغير بشيء طاهر فممكن أن يستعمل في العادات، مثاله: ماء وضعت فيه الشاي، فتغير طعمه ولونه وريحه، فلا ينفع أن تتوضأ به, ولكن ممكن أن تشربه هنيئاً مريئاً.فإذاً هذا حديث ضعيف، ولكن الإجماع منعقد على العمل به.مثال آخر: حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الذي يرويه عن أبيه عن جده في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي فيه تفصيل الصدقات أي: الزكوات التي تتعلق ببهيمة الأنعام، وفيه تفصيل الديات؛ أن في المارن كذا وفي المنخر كذا، وفي الشفة كذا، وفي الإصبع كذا، وهذا الحديث أيضاً ضعيف، ولكن الإجماع واقع على العمل به.وهاهنا أيضاً حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)، فهذا الحديث ضعيف, لكن قال الإمام أحمد : ليس فيه حديث صحيح, لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. هذا الكلام نقله الحافظ ابن حجر رحمه الله في التلخيص الحبير عن الإمام أحمد . ‏
 صور عقود الاستصناع وحكمها
لكن هناك صورة أخرى: وهي بيع الاستصناع، أو عقد الاستصناع، بمعنى: أن فلاناً من الناس نجار مثلاً، أو أن فلاناً من الناس حداد، أو ما أشبه ذلك من الصنائع، فأنا أشترط عليك وأقول: أريد كذا وكذا من الأثاث، وأنت تشترط علي كذا من المال، فأقول لك: بأني سأدفع لك الثمن إن شاء الله في الأول من ربيع. بعض أهل العلم يقول: بأن عقد الاستصناع لا بأس أن يكون الثمن فيه مؤجلاً إلى أجلٍ معلوم.الصورة الرابعة: بيع سلعة موصوفة في الذمة مؤجلة بسلعة موصوفة في الذمة مؤجلة.مثاله: أبيعك سيارات ليست موجودة وإنما موصوفة, لا زلنا نصنعها -مثلاً في مصنع جياد- على أن يكون في مقابل هذه السيارات ثلاجات من مصنع لبهر الموجود هاهنا، وليست السيارات موجودة ولا الثلاجات موجودة، مثلما نقول: بيع سلعة موصوفة في الذمة بسلعة مؤجلة موصوفة في الذمة، كلاهما مؤجل وكلاهما موصوف في مؤجل التسليم.فإذا ألحقنا هذا ببيع السلم فلا يصلح؛ لأن بيع السلم شرط صحته أن يكون الثمن معجلاً في مجلس العقد، أما إذا ألحقناه بعقد الاستصناع فلا يظهر فيه حرج عند من يقولون: إن الاستصناع عقد مستقل لا يلحق بعقد السلم فلا يضر فيه تأجيل الثمن، أو المثمن المؤجل أصلاً، تأجيل الثمن أو تأجيل قبض رأس المال في مجلس العقد.قريب من هذه الصورة ما ذكره أبو عبيد رحمه الله في كتاب الأموال في تصويره لبيع الكالئ بالكالئ حيث قال: صورته أن يسلم الرجل الدراهم في طعام إلى أجل, فإذا حل الأجل يقول الذي عليه الطعام: ليس عندي طعام، ولكن بعني إياه إلى أجل، فهذه نسيئة انقلبت إلى نسيئة، فلو قبض الطعام ثم باعه منه أو من غيره لم يكن كالئاً بكالئ.يعني: بيننا عقد سلم، فتقول لي: سأسلمك في اليوم الأول من أغسطس مائة شوال من التمر، وأقول: وأنا أعطيك الثمن، فإذا جاء الأول من أغسطس تقول لي: تمر السنة هذه ما حمل، ولكن هذه المائة شوال بعني إياها، فهذا لا ينفع؛ لأن هذا من بيع الدين بالدين.أسأل الله أن يعلمني وإياكم علماً نافعاً، وأن يرزقنا عملاً صالحاً، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أنواع البيوع للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net