اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ : عبد الحي يوسف


أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم عظيمة وما بعث إلا متمماً لمكارم الأخلاق، ومن أخلاقه رحمته صلى الله عليه وسلم فقد كان رحيماً بالصغار والكبار وجميع الخلق حتى كان رحيماً بالمنافق والكافر ورحيماً بالبهائم وبالجهال من الأعراب صلى الله عليه وسلم.
مفهوم الخلق
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.تقدم معنا الكلام عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية، وهذه الصفات من الأحاديث والسنن، وكما تعلمون بأن السنة يعرفها المحدثون بأنها: ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات وصفات خَلقية أو خُلقية، والمعلوم بأن هذه الصفات الخَلقية بعضها ما يمكن التأسي فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لكونها جبلة وخلقة، يعني: كونه صلى الله عليه وسلم كان أبيض مشرباً بحمرة ما يمكن للإنسان أن يغير لونه، وكون النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بالطويل البائن ولا القصير المتردد، بعضنا طويل بائن وبعضنا قصير متردد، ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا الآدم، وبعض الناس قد يكون أبيض أمهق وبعضهم قد يكون آدم. كان صلى الله عليه وسلم شثن الكفين، مسيح القدمين، دقيق المسربة، سواء الصدر والبطن، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة, هذه كلها أشياء جبله الله عز وجل عليها خلقة وطبيعة. لكن فائدة الكلام عن الصفات الخُلقية أن يحاول الإنسان الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه، فمثلاً كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية تملأ لحيته صدره، يحاول الإنسان أن يقتدي به في ذلك.كان صلى الله عليه وسلم طيب الريح، كما مر معنا قول أنس : ( ما شممت عنبراً ولا مسكاً أطيب من ريحه )، يحاول الإنسان قدر الإمكان أن يكون طيب الريح.ما ذكر عنه صلى الله عليه وسلم من نظافة ثوبه ووضاءة وجهه، يحرص الواحد منا على أن يحافظ على خصال الفطرة التي أمر بها نبينا عليه الصلاة والسلام؛ من أجل أن يتشبه به قدر الإمكان.فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهمإن التشبه بالكرام فلاح. اليوم نبدأ في الكلام عن صفاته الخلقية عليه الصلاة والسلام، وأول ما نبدأ به الكلام: تعريف الخلق، يقال: الخلُق والخلْق, خلق وخلق، يعني بضم اللام وإسكانها.الخلُق والخلْق: الدين والطبع والسجية.في الاصطلاح يطلق الخلق على معنيين: الصفة القائمة بالنفس على سبيل الرسوخ، ويطلق على التمسك بأحكام الشرع فعلاً وتركاً.والمعنى أن الخلق على نوعين:أخلاق جبلية: صفة قائمة بالنفس على سبيل الرسوخ يستحق بها صاحبها المدح أو الذم، يعني يقول لك: فلان هذا طبعه الكرم، وفلان هذا طبعه البخل، ذاك لا يتكلف الكرم، وإنما الكرم فيه سجية وطبيعة وصفة قائمة بالنفس ما يستطيع أن يفارق الكرم أبداً، لو لم يجد إلا روحه لقدمها، والآخر - نسأل الله العافية! - البخل فيه سجية وطبيعة، ما يستطيع أن يفارق البخل أبداً، لو يستطيع أن يبخل بالهواء لبخل به!ولذلك لما سئل بعض الناس عن أحد الناس، قيل له: كيف أطباقه، أي كيف صحونه؟ قال له: مثل حب البطيخ، يعني: كحب البطيخ، قيل له: هل يأكل معه أحد؟ قال: نعم، ميكائيل وجبريل عليهما السلام، هما طبعاً ما يأكلوا، قيل له: أما يعطي أحداً شيئاً؟ قال له: والله لو جاءه يعقوب و جبريل و ميكائيل وطلبوا منه خيطاً ليخيطوا به ثوب يوسف الذي قد من دبر ما أعطاه! - هذه مبالغة - لكن يوجد أناس بهذه الصفة نسأل الله العافية!
 

فضل مكارم الأخلاق
أما منزلة الأخلاق من الدين فيبينها الآيات والأحاديث الكثيرة، فمن الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم :( إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون, قالوا: يا رسول الله! عرفنا من الثرثارون ومن المتشدقون، فمن المتفيقهون؟ قال: المتكبرون ).و( سئل صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: تقوى الله وحسن الخلق )، ( وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال: الأجوفان، الفم والفرج )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( لن تسألوا الناس بأموالكم ولكن اسألوهم بأخلاقكم ).وكذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ), وقال صلى الله عليه وسلم: ( البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( ما نحل والد ولداً نحلة أفضل من خلق حسن ).وأثنى النبي عليه الصلاة والسلام على بعض الصحابة بمكارم أخلاقهم، فمثلاً أثنى على أبي بكر للرحمة: ( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر )، وأثنى على عمر بالشدة: ( وأشدها في دين الله عمر )، وأثنى على عثمان بالحياء : ( وأصدقها حياء عثمان )، وأثنى صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس قال: ( إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة ) وأثنى ربه عليه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، ونفى عنه الصفات السيئة والأخلاق الرديئة، فقال سبحانه: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، وأثنى عليه جل جلاله أنه: رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128], قال أهل التفسير: من ثناء الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أعطاه اسمين من أسمائه جل جلاله.ونحن بحاجة إلى استحضار هذه المعاني؛ لأننا في زمان حسن الخلق فيه عملة نادرة، لو تأملنا في أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نجد أن الأخلاق الكريمة التي تفرقت في الناس اجتمعت في نبينا عليه الصلاة والسلام, فالواحد من الناس: قد يكون شجاعاً ولكنه بخيل، والآخر: قد يكون كريماً لكنه جبان، والثالث: قد يكون حليماً لكنه متكبر، والرابع: قد يكون زاهداً لكنه عجول، لكن كل مكارم الأخلاق التي اتفقت عليها الأمم نجدها متمثلة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

نماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم

 رحمته صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية
ورحمته بـصفوان بن أمية ، وكان رجلاً كافراً لما فتحت مكة هرب، فجاء عمير بن وهب الجمحي وكان متزوجاً من أخت صفوان قال: ( يا رسول الله! إن صفوان قد هام على وجهه فأمنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عمامته.. )، رمز الأمان، ( فخرج عمير يطوي الأرض طياً حتى لحق بـصفوان ، قال له: جئتك من عند خير الناس، وأطيب الناس، وأفضل الناس، إن رسول صلى الله عليه وسلم قد أمنك، قال: إني أخافه على نفسي.. ) - صفوان قال: إني أخافه لأن عندي جرائم كثيرة - ( فأخرج له عمامة النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء صفوان وهو على فرسه، قال: يا محمد! زعم رسولك أنك قد أمنتني شهرين، قال: بل أربعة، انزل أبا وهب ) لو كنت أنا وأنت حكاماً، لقلت له: أعندك بعد ذلك جرأة تتكلم؟! والله لا أمان لك ولا شهر تعال سأريك، لا، الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ( بل أربعة، نزل الرجل وجلس في مكة على كفره، ولما أراد صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى حنين طلب منه أدراعاً.. ) قال له: ( أغصباً يا محمد؟ )؟ يعني تريد تأخذها بالقوة - قال: ( بل عارية مستردة، وذهب صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونصره الله عز وجل، ورجع فأعطى صفوان مائة من الأبل، ثم مائة، ثم مائة.. )، ثلاثمائة، انظر الآن لو أن أحداً أهدى لك ثلاثمائة ركشة ما نقول حاجة فخمة، لا، ركشة، فأنت ستراه خير الناس وأفضل الناس وسيد الناس، ولو كان من كان، فالرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة ومائة ومائة، ( ثم وجد بعض الدروع قد تلفت، فعرض عليه ضمانها.. )، إنه يعوضه، فقال: ( يا رسول الله! أنا اليوم في الإسلام أرغب، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، يقول رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض الناس إلي، والله ما زال يعطيني ويعطيني ويعطيني.. حتى صار أحب الناس إلي.هذا من رحمته صلى الله عليه وسلم بهذا الكافر، وما زال يستدرجه ويستدنيه ويستعطفه ويستميله، حتى أخذ بناصيته إلى الخير، فصار من الأخيار بعد ما كان رأساً في الأشرار.ومن رحمته أنه ( ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه ).وكذلك في آخر عمره صلى الله عليه وسلم دعا ربه بهذا الدعاء: ( أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة وطهوراً ).أيها الإخوة الكرام! لو أراد الإنسان أن يتتبع خُلق النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة يجد بأن هذا الخلق مطرد، ويبلغ قمته يوم القيامة، فإن الأنبياء جميعاً الواحد منهم يقول: نفسي نفسي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أمتي أمتي ). نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عبادة الرحماء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net