اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قراءة موضوعية في كتاب الاعتصام [6] للشيخ : يوسف الغفيص


قراءة موضوعية في كتاب الاعتصام [6] - (للشيخ : يوسف الغفيص)
لا بد لكل قول من دليل وحجة، والدليل عند أهل السنة الكتاب والسنة والإجماع والقياس.. إلخ. ووقوع أهل البدع في المخالفات عند الاستدلال يكون لسببين: الجهل بلسان العرب، والجهل بقواعد ومقاصد الشريعة، فالمستدل إما عالم راسخ، وإما جاهل زائغ متبع للمتشابهات، وقد ذم الله عز وجل الزائغين في سورة آل عمران ووصفهم بعدم الرسوخ. والسبب الرئيسي في رد المبتدع للمحكمات والأحاديث الصحيحات هو عدم موافقتها لهواه. وإن مما يعرف به الزائغ أيضاً ترك المقيد والخاص والأخذ بالعام والمطلق، وتحريف الأدلة، وتقديم المحتمل على البين الواضح.
مناهج الاستدلال
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:فقد انتهينا إلى الباب الرابع من الأبواب العشرة التي ذكرها الشاطبي في كتابه، وسبق معنا التعليق على الأبواب الأولى من كتابه، وهذا الباب الرابع تضمن جملة من المسائل:المسألة الأولى: تكلم فيها الشاطبي عن منهج الاستدلال، وكأن هذا الباب بعامة مسائله هو كلام عن منهج الاستدلال وتطبيقاته عند المخالفين للسنة، فالأقوال والأحكام هي نتائج لمقدمات سابقة، والمقدمات هي ما نقصده بالأدلة وبطريقة الاستدلال ونحو ذلك، فإذا تحصل قول عند أهل السنة والجماعة فلا بد أن هذا القول إنما جاء عن استدلال، وإذا تحصل قول عند أي طائفة من طوائف المسلمين أو عند أي معين من الناس فلا بد أن هذا القول جاء عن وجه من الاستدلال، أو تقليد لمن استدل، فالأقوال من حيث هي لا بد لها من استدلال سابق.وفرق بين الدليل من حيث هو وبين الاستدلال وهي الطريقة والسلوك الذي يستعمله المعين، قد يكون الدليل من حيث هو مما يصح اعتباره، ولكن الاستدلال لا يكون معتبراً، وقد لا يكون الدليل من حيث هو معتبراً، بل يكون الدليل مخترعاً محدثاً لا يصح أن يكون دليلاً في هذا الباب، وربما صح أن يكون دليلاً في مسائل دون مسائل وهلم جرا.
 الحث على العناية بمقاصد وقواعد الشريعة
قال: [ لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب ]، وهذا لاشك أنه سبب وجيه. قال: [ وإما لعدم الرسوخ في معرفة المقاصد الشرعية وقواعد الشريعة ] وهذا أيضاً من العلم الذي يفوت كثيراً، ليس فقط من خالف السنة من أهل البدع، بل ومن أصحاب العلم والعناية بالسنة، وهو أن فقههم وعنايتهم بمعرفة قواعد ومقاصد الشريعة فيه كثير من النقص، ولعل من سبب ذلك أننا إذا سألنا الآن عن كتب القواعد والمقاصد نجد أنها تدور ربما على عدد ليس بالكثير من الكتب التي كتبها بعض الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة والتي نظَموا بها القواعد الفقهية المقولة عندهم، ولا شك أن هذه الكتب لها قدرها ووقارها، لكنها ليست هي التي تعبر وحدها عن الفقه لهذا الأصل العظيم، بل فقه هذا الأصل لا يكون إلا بتتبع كلام الله سبحانه وكلام رسوله، والعناية بالمقارنة بين أوجه العلم في القرآن، وأوجه العلم في الحديث، فهذه هي التي تبني الفقه -أعني: فقه المقاصد- القراءة في كتب العلماء المحققين إلى غير ذلك، فهذا سبب لا شك أنه وجيه.قال: [ وإما للأمرين معاً ] أي: أن هذا يؤثر وهذا يؤثر.إذاً هو ذكر من حيث السبب إما نقص في فقه كلام العرب، أو نقص في فقه مقاصد الشريعة، أو للأمرين معاً.
المحكم والمتشابه في القرآن
ثم بعد ذلك انتقل كلامه إلى آية من كتاب الله في صدر سورة آل عمران، وهي قول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] إلى آخر السياق، هنا وصف للكتاب بأن منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، وترى أن في كتاب الله آيات أخرى وصفت القرآن بأن جميعه محكم، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] ووصف القرآن بأنه متشابه.
 صفات أهل الزيغ الواردة في آية آل عمران
قال: [القسم الثاني: من ليس براسخ في العلم، وهو الزائغ، فحصل له من الآية وصفان: أحدهما بالنص وهو الزيغ] لأن من تتبع المتشابه من العلم فإنه يوصف بالزيغ، كما وصفهم القرآن بذلك، [ والثاني: عدم الرسوخ في العلم ]، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعنى بالمحكمات، ومما ينقص في كثير من طلبة العلم أنهم يبدءون بالمتشابه من العلم، ومسألة الإحكام والتشابه في العلم مسألة نسبية، إذا تكلمت في الفقه، فمن الفقه ما هو متشابه ومنه ما هو محكم، وإذا تكلمت في العقائد فالأمور التي يدخلها التشابه والأمور التي يدخلها الإحكام هي من المسائل الإضافية، بمعنى: أنك إذا تكلمت عن الاعتقاد تقول: الأصول التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة جميعها أصول محكمة، لكن لا ينبغي لطالب العلم أن يأتي ويتكلف أسئلة على هذه الأصول، ويتطلب جواباً عليها، مثلما عرض في بعض مراحل التاريخ لما تكلم أهل السنة في الاستواء على العرش وعلو الله، قالوا: وإذا نزل إلى السماء الدنيا هل يخلو من العرش أو لا يخلو من العرش؟هذا السؤال من حيث الأصل يعد من التكلف، ومن فرض المتشابه، وادعاء المتشابه على هذه الأصول؛ لأنه بهذا يزل العامة، وربما زل بعض الخاصة في الإجابة عن هذا السؤال، وإلا فإنه يُعلم عند التحقيق أنه ما من سؤال يسأله أحد إلا وفي الشريعة جواب عليه، ولكن بعض الأسئلة تكون مزلة أقدام من حيث الجواب عليها، فلا يتتبع فيها، ومثله في الفقه، فعلى الطالب أن يتتبع المحكم من المسائل؛ ولهذا أرى أنه يعنى بمعرفة المسائل التي عليها إجماع، والمسائل التي عليها أقوال الأئمة الأربعة، والمسائل التي عليها أقوال الجماهير، والمسائل التي شاع فيها الخلاف، ثم بعد ذلك تأتي الرتبة الثانية في معرفة الدقائق من هذا العلم.
أوجه المخالفات عند متبعي المتشابه
ثم بعد ذلك ينتقل الشاطبي رحمه الله إلى مسألة أخرى، فيقول: إن وجوه المخالفات عند الذين يتبعون المتشابه، أو عند الذين يدعون السنة، وليسوا من أهلها، يقول: وجوه المخالفات عندهم تصل إلى تسعة وجوه، سينبه المصنف هنا إلى المبررات التي يتكئ عليها من يخرج عن السنة إلى البدعة، يقول: من يخرج عن السنة إلى البدعة عنده مبرر لهذا الخروج، واحد من هذه الأوجه التي يشير إليها.
 استناد المبتدعة إلى المنامات
التاسع يقول: [ وأضعف هؤلاء احتجاجاً قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات ]، وهذا مع الأسف عرض في أحوال بعض السالكين والعابدين من الذين بنوا ما يتعلق بتعبدهم على ما هو من مسائل المنامات، وهذه المنامات دخلت على الباطنية كثيراً، والباطنية يميلون إلى التقليد والتمسك والتصوف، فتجد أنهم يبررون بعض الفعل بأن فلاناً من الشيوخ أو من الصالحين أو ما إلى ذلك قد رأى مناماً، فيقول: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كذا، أو رأى رجلاً صالحاً فقال له: كذا، ولا شك أن من يدعي ذلك فإنه على درجة من الخطأ، الرؤى منها ما هو مبشر، ( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ) ؛ فهذه أمور ثابتة في السنة، لكن أن المنام يندب إلى عمل ليس له أصل شرعاً، فلا شك أن هذا مخالف لقول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، وهذه حقيقة علمية إيمانية بينة عند المسلمين، فلا يمكن أن تبتدع بدعة، أو يُنشأ عمل بحجة منام من المنامات مهما كان الذي رأى المنام، ومهما كان الذي يرونه في المنام؛ ولهذا يقول بعضهم: إنه رأى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى مكان كذا وكذا، وافعل فيه كذا وكذا، يقال: هذا من تلبيس الشيطان؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إما أن يكون هذا العمل موجوداً في سنته، فهو في سنته قبل هذا المنام، وإما ألا يكون هذا موجوداً في سنته كالذهاب إلى أمكنة معينة؛ لتعظيمه أو نحو هذا من البدع، فلا شك أن هذا يخالف قول الله جل وعلا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، والدين كمل الواجب منه وحتى المستحب، فكل ما سمي ديناً من واجب العمل والقول أو من مستحبه فإن الله قد أكمله بما بعث به رسوله في هذا الكتاب، وبما جاء في وحي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتوفي رسول الله والأمة على المحجة البيضاء لا نقص فيها ولا شوب.بعد ذلك انتقل المصنف إلى مسألة أخرى تتعلق بتقسيم البدعة إلى بدعة حقيقية وبدعة إضافية، وسنتكلم عن هذا التعريف وعن هذا المصطلح، وهل هو مناسب أو ليس مناسباً، في المجلس القادم إن شاء الله تعالى.هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا، وآله وأصحابه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قراءة موضوعية في كتاب الاعتصام [6] للشيخ : يوسف الغفيص

http://audio.islamweb.net