اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [43] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [43] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
الوديعة عقد جائز بالنسبة لصاحب الوديعة، ومستحبة بالنسبة للمودع عنده، وإذا تلفت الوديعة عند المودع عنده من غير تعد أو تفريط فلا ضمان عليه، وعلى المودع عنده أن يحفظ الوديعة في حرز يناسبها، فإن غاب المودع عنده أخذ الوديعة معه، أو أودعها عند من يثق به، ولا يج
إقرار البائع وإنكار المشتري
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت، وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع. باب الوديعة: إذا تلفت من بين ماله، ولم يتعد، ولم يفرط لم يضمن، ويلزمه حفظها في حرز مثلها، فإن عينه صاحبها فأحرزها بدونه ضمن، وبمثله أو أحرز فلا، وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها ضمن، وإن عين جيبه فتركها في كمه، أو يده ضمن، وعكسه بعكسه. وإن دفعها إلى من يحفظ ماله، أو مال ربها لم يضمن، وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يطالبان إن جهلا، وإن حدث خوف أو سفر ردها على ربها، فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة. ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها، أو ثوباً فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها، أو رفع الختم، أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن].تقدم لنا بقية شروط الشفعة، وذكرنا من هذه الشروط: أن يأخذ جميع الشقص بجميع الثمن الذي استقر عليه العقد، وكذلك أيضاً من الشروط: ألا يكون الشفيع كافراً على مسلم، وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، وكذلك أيضاً من الشروط: أن يتقدم ملك الشفيع، ثم بعد ذلك تعرضنا لتصرفات المشتري؛ وأن تصرفات المشتري من حيث الجملة تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: أن يكون بعد طلب الشريك بالشفعة، فهذه التصرفات حكمها باطلة. والقسم الثاني: أن يكون ذلك قبل الطلب بالشفعة، وهذه أنواع، وذكرنا منها ستة أنواع أو سبعة: إذا تصرف بالوقف، أو الهبة تصرفاً لا تثبت به الشفعة ابتداءً، أو بالوصية، أو بالإجارة، أو بالبناء والغرس، أو بالزرع، تكلمنا على هذه المسائل. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت).إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت الشفعة، وصورة المسألة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فأقر زيدٌ أنه باع نصيبه على صالح، لكن صالحاً المشتري أنكر وقال: أنا ما شريت شيئاً، فهل لعمرٍ أن يشفع؟ يقول المؤلف رحمه الله: (وجبت) أي: الشفعة، فلعمرو أن يُشفع فيأخذ نصيب زيد، ويعطيه الثمن الذي يدعى أنه باعه به، ولهذا قال: (وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت).والعلة في ذلك: أن البائع أقر بحقين: بحقٍ للشريك وهو الشفعة، وبحقٍ للمشتري وهو الشراء، فالمشتري أنكر حقه، فبقي حق الشريك، فنقول: إن الشفعة ثابتة لشريك البائع.
 

عهدة الشفيع والمشتري
قال المؤلف رحمه الله: (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع).ذكرنا أن العهدة في اللغة: الميثاق واليمين، وأما في الاصطلاح: فعندنا عهدتان: عهدة الثمن، وعهدة المثمن، فعهدة الثمن بمعنى: الرجوع بالثمن إذا تبين أنه معيب، أو أنه مستحق للغير، وعهدة المثمن بمعنى: الرجوع بالسلعة، بالمثمن، بالمبيع إذا تبين أن هذا المبيع مستحقٌ للغير، أو أنه معيب فيقول المؤلف رحمه الله: (عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع). صورة المسألة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فزيدٌ باع نصيبه على صالح، فصالح هو المشتري، لو تبين أن هذا الشقص معيب أو أنه ليس له، فصالح يرجع على من باعه وهو زيد، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وعهدة المشتري على البائع)، فالمشتري هنا صالح، فعهدته على زيد الذي هو البائع هنا.قوله: (وعهدة الشفيع على المشتري)، مثاله: زيد وعمرو شريكان في أرض، فزيدٌ باع على صالح، فعمرو هذا يُشفع على المشتري وهو صالح، فسيكون أخذ النصيب من صالح، فإذا تبين أن في هذا النصيب الذي أخذه عمرو بالشفعة شيئاً كخلل أو أنه معيب مثلاً، فنقول: بأن الشفيع يرجع على المشتري؛ لأنه ملكه من جهته، أما المشتري فإنه يرجع على البائع؛ لأنه ملكه من جهته.
 

الوديعة

 مخالفة المودع في مكان حفظ المال
قال رحمه الله: (وإن عين جيبه فتركه في كمه أو يده ضمن).أي قال له: احفظ المال في الجيب، فترك المال في كمه، وكان في الزمن السابق كانت لهم أكمام واسعة، وهذه الأكمام الواسعة كان يكون فيها خياطات بمثل الجيب، يُدخلون فيها بعض الأشياء، فهو الآن قال: ضعها في جيبك، فوضعها في كمه، أي: في جيب الكم، فهل يضمن أو لا يضمن؟ قال المؤلف رحمه الله: (يضمن)؛ لأن الجيب أحرز من الكم، فهو الآن خالف. ومثله أيضًا لو قال: احفظها في جيبك، فجعلها في يده، فإنه يضمن؛ لأن كونها في يده عرضة للسقوط والسهو والغفلة ونحو ذلك، لكن إذا كانت في الجيب فهذا يكون أضمن لها. قال رحمه الله تعالى: (وعكسه بعكسه).أي إذا قال: احفظها أو اتركها في كمك، فجعلها في جيبه، أو قال: اجعلها في يدك فجعلها في جيبه، فهنا نقول: إنه لا يضمن، لأنه حفظها بما هو أحرز.
صور دفع الوديعة من المودع عنده

 دفع الوديعة للأجنبي أو الحاكم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يطالبان إن جهلا).ما المراد بالأجنبي؟ قلنا: هذا المصطلح يتكرر في كلام الفقهاء رحمهم الله، وهذا يختلف باختلاف السياقات، فالمراد بالأجنبي هنا: الأجنبي عن الوديعة وعن المودع، ليس هو المودِع، وليس هو من يحفظ مال المودِع، هذا هو الأجنبي، فلم يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، ولم يدفعها إلى من يحفظ مال ربها، وإنما دفعها لرجلٍ أجنبي فتلفت عنده أو سُرقت. أو دفعها للحاكم؛ كالقاضي مثلاً أو الأمير، فتلفت أو سُرقت، هل يضمن المودَع أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: (وعكسه الأجنبي والحاكم)، أي: بأنهما يضمنان، وهذا إذا دفعها للأجنبي والحاكم ولم يكن له عذر -كما سيأتينا إن شاء الله- أما لو حصل خوف فخاف على الوديعة، أو حصل سفر ونحو ذلك، فدفع الوديعة فهذا سيأتي إن شاء الله، لكن المقصود هنا أنه ليس له عذر حين أعطاها للأجنبي أو للحاكم، فهل يضمن أو لا يضمن؟ على كلام المؤلف رحمه الله أنه يضمن؛ لأنه فرط، والمودع لم يرض إلا بائتمانه ولم يرض بائتمان غيره، فلو كان يرضى بائتمان غيره لدفع الوديعة إليه! وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله.قال المؤلف رحمه الله: (ولا يطالبان إن جهلا)، إذا جهلا أنها وديعة، يقول المؤلف رحمه الله: (لا يطالبان)، أي: هذا الرجل الأجنبي. أو الحاكم الذي دُفعت له الوديعة وأخذها، ثم تلفت عنده هذه الوديعة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا يطالبان). لكن قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إن جهلا)، فيؤخذ من ذلك أنهما إن كانا يعلمان أنها وديعة فتلفت تحت أيديهما، أنهما يطالبان، وعلى هذا عندنا حالتان: الحالة الأولى: حالة الجهل أنها وديعة. الحالة الثانية: حالة العلم أنها وديعة، فإذا كانا يجهلان أنها وديعة فلا يطالبان ولا ضمان عليهما، اللهم إلا إن تعديا أو فرطا؛ فإن المودع الأول له أن يطالبهم. فعندنا الآن مطالبة، وعندنا قرار الضمان أو تضمين، فإذا كانا يعلمان أنها وديعة فللمالك أن يطالب المودَع الأول، وله أن يطالب المودَع الثاني الذي هو الأجنبي والحاكم، فله أن يطالب كلًا منهما، بقينا في قرار الضمان، وقرار الضمان يكون على المودع الثاني؛ لأن التلف حصل تحت يده، ولأنه تعدى بقبول الوديعة، وكان الواجب عليه أن لا يقبل الوديعة إذا كان يعلم أنها وديعة، وأن المودع الأول لم يؤذن له بالإيداع.
ما يلزم المودع عند خوفه أو سفره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن حدث خوف أو سفر؛ ردها على ربها، فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة).قوله: (إن حدث خوف)، أي: حدث في البلد خوف، فاضطرب الأمن، وخشي على هذا المال المودع، (أو سفر)، أي: أراد المودع أن يسافر وعنده هذه الوديعة، فما الذي يعمله؟ قال: (فإن غاب ردها). الحالة الأولى: إذا حدث خوف أو سفر فرد الوديعة على ربها.الحالة الثانية: إن غاب ربها فلم يكن موجودًا، فيحملها إن كان ذلك أحرز وأحفظ لها، فإذا لم يتمكن أن يردها على ربها فإنه يحملها، لكن بشرط أن يكون الحمل أحفظ لها.قال رحمه الله: (إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة).ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أنه يعطيها ثقة، ولا يدفعها إلى الحاكم، أي: لا يذهب إلى القاضي ويعطيه الوديعة. والرأي الثاني: وهو المذهب ومذهب الشافعية: أنه يدفعها إلى القاضي، وعلى هذا تكون المراتب أربع: المرتبة الأولى: أنه يردها إلى أصحابها. المرتبة الثانية: إذا غاب صاحبها يأخذها معه في السفر، بشرط أن يكون ذلك أحرز. المرتبة الثالثة: على المذهب ومذهب الشافعية: لابد أن يدفعها إلى القاضي، فإن تعذر القاضي فإنه يدفعها إلى ثقة. والرأي الثاني: أنه لا حاجة إلى أن يدفعها إلى القاضي، وهذا مذهب المالكية، وهو الذي مشى عليه الماتن، وبهذا يكون الماتن في هذه المسألة خالف المذهب، وما ذهب إليه المالكية هو الصواب، فلا حاجة إلى أن يدفعها إلى القاضي، بل له أن يدفعها إلى ثقة. ويدل لذلك: أن النبي صلى الله علية وسلم لما أراد أن يهاجر، أودع الودائع التي كانت عنده عند أم أيمن رضي الله تعالى عنها. فأصبحت المراتب ثلاث مراتب، إذا حصل عذرٌ من خوف، أو أراد أن يسافر، ونحو ذلك: المرتبة الأولى: أن يردها إلى صاحبها. المرتبة الثانية: أن يأخذها معه في السفر إن كان ذلك أحفظ لها. المرتبة الثالثة: أن يدفعها إلى ثقة، وهل هناك مرتبة رابعة، أو لا؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.
 دفع الوديعة للأجنبي أو الحاكم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يطالبان إن جهلا).ما المراد بالأجنبي؟ قلنا: هذا المصطلح يتكرر في كلام الفقهاء رحمهم الله، وهذا يختلف باختلاف السياقات، فالمراد بالأجنبي هنا: الأجنبي عن الوديعة وعن المودع، ليس هو المودِع، وليس هو من يحفظ مال المودِع، هذا هو الأجنبي، فلم يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، ولم يدفعها إلى من يحفظ مال ربها، وإنما دفعها لرجلٍ أجنبي فتلفت عنده أو سُرقت. أو دفعها للحاكم؛ كالقاضي مثلاً أو الأمير، فتلفت أو سُرقت، هل يضمن المودَع أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: (وعكسه الأجنبي والحاكم)، أي: بأنهما يضمنان، وهذا إذا دفعها للأجنبي والحاكم ولم يكن له عذر -كما سيأتينا إن شاء الله- أما لو حصل خوف فخاف على الوديعة، أو حصل سفر ونحو ذلك، فدفع الوديعة فهذا سيأتي إن شاء الله، لكن المقصود هنا أنه ليس له عذر حين أعطاها للأجنبي أو للحاكم، فهل يضمن أو لا يضمن؟ على كلام المؤلف رحمه الله أنه يضمن؛ لأنه فرط، والمودع لم يرض إلا بائتمانه ولم يرض بائتمان غيره، فلو كان يرضى بائتمان غيره لدفع الوديعة إليه! وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله.قال المؤلف رحمه الله: (ولا يطالبان إن جهلا)، إذا جهلا أنها وديعة، يقول المؤلف رحمه الله: (لا يطالبان)، أي: هذا الرجل الأجنبي. أو الحاكم الذي دُفعت له الوديعة وأخذها، ثم تلفت عنده هذه الوديعة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا يطالبان). لكن قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إن جهلا)، فيؤخذ من ذلك أنهما إن كانا يعلمان أنها وديعة فتلفت تحت أيديهما، أنهما يطالبان، وعلى هذا عندنا حالتان: الحالة الأولى: حالة الجهل أنها وديعة. الحالة الثانية: حالة العلم أنها وديعة، فإذا كانا يجهلان أنها وديعة فلا يطالبان ولا ضمان عليهما، اللهم إلا إن تعديا أو فرطا؛ فإن المودع الأول له أن يطالبهم. فعندنا الآن مطالبة، وعندنا قرار الضمان أو تضمين، فإذا كانا يعلمان أنها وديعة فللمالك أن يطالب المودَع الأول، وله أن يطالب المودَع الثاني الذي هو الأجنبي والحاكم، فله أن يطالب كلًا منهما، بقينا في قرار الضمان، وقرار الضمان يكون على المودع الثاني؛ لأن التلف حصل تحت يده، ولأنه تعدى بقبول الوديعة، وكان الواجب عليه أن لا يقبل الوديعة إذا كان يعلم أنها وديعة، وأن المودع الأول لم يؤذن له بالإيداع.
الانتفاع بالوديعة
قال رحمه الله تعالى: (ومن أودع دابةً فركبها لغير نفعها، أو ثوباً فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرزٍ ثم ردها، أو رفع الختم...).هذه المسألة حكم ما إذا تصرف المودع بالوديعة، وهذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون ذلك لمصلحة الوديعة، مثلاً: ركب الدابة لمنفعة الدابة؛ لكي يسقي الدابة، أو ليعلفها، أو خشي على الثوب من العبث -أن تأكله هذه الدودة مثلاً- فأخرج الثوب ونشره، فإذا كان ذلك لمنفعة الوديعة فإن ائتمان المودع لا يزول، ولا ضمان عليه، هذا الأمر الأول، ومثله: لو أخرج الدراهم، أو نقل الدراهم من مكان لمكان لكون ذلك أحرز، أو خشي عليها، فإذا كان ذلك لمصلحة الوديعة فلا ضمان. الأمر الثاني: ألا يكون ذلك لمصلحة الوديعة، كأن يكون أُعطي السيارة وديعة، فركب السيارة لشغلٍ أو عمل له، أو لبس الثوب المودع لكي ينتفع به هو، أي: لمصلحته هو لا لمصلحة الوديعة، فحصل التلف أو السرقة للوديعة، فهل يضمن، أو لا يضمن المودع؟ نقول: يضمن؛ لأنه تعدى، وكما تقدم لنا أن التعدي: هو فعل ما لا يجوز، فهذه التصرفات التي تصرفها لا تجوز له. لكن لو أنه رد الوديعة إلى مكانها، ولنفرض أنه أخذ السيارة فاستعملها، ثم بعد ذلك رد السيارة إلى مكانها وأقفلها، فسُرقت السيارة أو احترقت! فالمشهور من المذهب ومذهب الشافعية: أنه يضمن؛ لأنه لما تعدى في المرة الأولى زال ائتمانه، ولا يعود ائتمانه إلا بعقد جديد، لابد أن يعقد معه المالك عقد الوديعة مرةً أخرى. والرأي الثاني رأي الحنفية والمالكية: أنه إذا تاب وأعاد الوديعة إلى حرزها، ثم بعد ذلك تلفت أو سُرقت، أنه لا ضمان عليه, وأن ائتمانه يعود بلا عقد، والله أعلم.
 دفع الوديعة للأجنبي أو الحاكم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يطالبان إن جهلا).ما المراد بالأجنبي؟ قلنا: هذا المصطلح يتكرر في كلام الفقهاء رحمهم الله، وهذا يختلف باختلاف السياقات، فالمراد بالأجنبي هنا: الأجنبي عن الوديعة وعن المودع، ليس هو المودِع، وليس هو من يحفظ مال المودِع، هذا هو الأجنبي، فلم يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، ولم يدفعها إلى من يحفظ مال ربها، وإنما دفعها لرجلٍ أجنبي فتلفت عنده أو سُرقت. أو دفعها للحاكم؛ كالقاضي مثلاً أو الأمير، فتلفت أو سُرقت، هل يضمن المودَع أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: (وعكسه الأجنبي والحاكم)، أي: بأنهما يضمنان، وهذا إذا دفعها للأجنبي والحاكم ولم يكن له عذر -كما سيأتينا إن شاء الله- أما لو حصل خوف فخاف على الوديعة، أو حصل سفر ونحو ذلك، فدفع الوديعة فهذا سيأتي إن شاء الله، لكن المقصود هنا أنه ليس له عذر حين أعطاها للأجنبي أو للحاكم، فهل يضمن أو لا يضمن؟ على كلام المؤلف رحمه الله أنه يضمن؛ لأنه فرط، والمودع لم يرض إلا بائتمانه ولم يرض بائتمان غيره، فلو كان يرضى بائتمان غيره لدفع الوديعة إليه! وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله.قال المؤلف رحمه الله: (ولا يطالبان إن جهلا)، إذا جهلا أنها وديعة، يقول المؤلف رحمه الله: (لا يطالبان)، أي: هذا الرجل الأجنبي. أو الحاكم الذي دُفعت له الوديعة وأخذها، ثم تلفت عنده هذه الوديعة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا يطالبان). لكن قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إن جهلا)، فيؤخذ من ذلك أنهما إن كانا يعلمان أنها وديعة فتلفت تحت أيديهما، أنهما يطالبان، وعلى هذا عندنا حالتان: الحالة الأولى: حالة الجهل أنها وديعة. الحالة الثانية: حالة العلم أنها وديعة، فإذا كانا يجهلان أنها وديعة فلا يطالبان ولا ضمان عليهما، اللهم إلا إن تعديا أو فرطا؛ فإن المودع الأول له أن يطالبهم. فعندنا الآن مطالبة، وعندنا قرار الضمان أو تضمين، فإذا كانا يعلمان أنها وديعة فللمالك أن يطالب المودَع الأول، وله أن يطالب المودَع الثاني الذي هو الأجنبي والحاكم، فله أن يطالب كلًا منهما، بقينا في قرار الضمان، وقرار الضمان يكون على المودع الثاني؛ لأن التلف حصل تحت يده، ولأنه تعدى بقبول الوديعة، وكان الواجب عليه أن لا يقبل الوديعة إذا كان يعلم أنها وديعة، وأن المودع الأول لم يؤذن له بالإيداع.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [43] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net