اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المعاملات المالية المعاصرة [8] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


المعاملات المالية المعاصرة [8] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
الودائع المصرفية تنقسم إلى قسمين: ودائع غير استثمارية، وهي إما ودائع مستردة؛ كودائع الصكوك والأوراق المالية للمصرف مقابل أجر، وقد أجازها الحنابلة، وإما ودائع مخصصة لعميل معين، بحيث يأخذ منه المصرف مبلغاً لتسديد فواتير أو شراء أسهم جائزة.. إلخ، وهذا جائز،
الودائع المصرفية
بسم الله الرحمن الرحيمإن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وبعد:تقدم لنا في الدرس السابق ما يتعلق بأقسام صور مسألة الإجارة المنتهية بالتمليك، وذكرنا أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: جائز.والقسم الثاني: محرم.والقسم الثالث: مختلف فيه وهما إذا ضبط بضوابط.وذكرنا هذه الضوابط، وأن بعض العلماء منع من هذا القسم -القسم الثالث- مطلقاً؛ بناءً على أن فيه اشتراط عقدٍ في عقد، وهذا لا يصح، وأيضاً فيه تعليق عقد البيع على شرط مستقبل، وتعليق عقد الهبة على شرط مستقبل... إلى آخره.الرأي الثاني: الصحة بتلك الضوابط لانتفاء هذه المحاذير؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، واشتراط عقد في عقد الصواب أنه صحيح، وكذلك أيضاً تعليق العقود الصواب أنها صحيحة... إلى آخره.وذكرنا شيئاً من الصور التي أجازها مجمع الفقه الإسلامي.أما ما يتعلق بالودائع المصرفية، وأقسامها، وأنواع كل قسم، وبيان أحكامها فسوف يكون في الآتي:
 حكم الإيداع في المصارف
المسألة الثانية: حكم الإيداع في مثل هذه المصارف.والمقصود المصارف التي تتعامل بالربا وقد يكون لها معاملات مباحة.لا شك أن وضع النقود فيها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].لما ظهرت مثل هذه المصارف اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله على أقوال، ومن أشهر هذه الأقوال قولان:القول الأول: التفصيل: وأن المصرف لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن تكون جميع معاملاته محرمة، فهذا لا يجوز وضع النقود فيها، لما في ذلك من الإعانة على الربا، ولا شك أن الربا من كبائر الذنوب، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].الأمر الثاني: أن يكون لهذا المصرف موارد أخرى مالية مشروعة غير ربوية، فقالوا: يجوز وضع النقود في هذا المصرف ما دام أن معاملاته ليست ربوية محضة، وإنما له موارد مالية مشروعة غير ربوية.والعلة قالوا: لأن الإنسان إذا أودع في مثل هذه المصارف التي تتعامل بالربا وبغير الربا، لا يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية، وإذا لم يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية فالأصل في ذلك الحل؛ لأن هذا أمر محتمل، والأصل في ذلك الحل.قالوا: والبُعد عن هذا أولى.فتلخص الرأي الأول: أنهم يقسمون هذه المصارف إلى قسمين: القسم الأول: مصارف معاملاتها ربوية محضة.وأيضاً يظهر من كلامهم أن المعاملات المباحة النادرة هذه لا عبرة بها؛ لكونها منغمرة في المحرم، فهذا لا يجوز وضع الدراهم أو النقود فيها؛ لما في ذلك من الإعانة على الربا.القسم الثاني: أن يكون لهذا البنك أو المصرف موارد مالية شرعية، فقالوا: يجوز وضع الدراهم فيها؛ لأن الإنسان إذا وضع دراهمه لا يتحقق أنها تستخدم في الأمور المحرمة. والبعد من هذا أولى للشبهة. هذا القول الأول.القول الثاني: التفصيل بين الحاجة وعدم الحاجة.فإذا كان هناك حاجة أو ضرورة فلا بأس، يعني: إذا كان إنسان يحتاج أو يضطر إلى ذلك، فإن هذا جائز، وإذا لم يكن هناك حاجة أو ضرورة فإنه لا يجوز.. إذا كان هناك حاجة بحيث لا يتمكن إلا في هذا المصرف، أو يخشى على دراهمه الضياع، أو تكون أمواله كثيرة بحيث أنه لا يتمكن من حفظها في مكان آخر غير المصرف فهذا جائز، ومع عدم الحاجة أو الضرورة فإن هذا لا يجوز.الرأي الثالث: التفصيل قالوا: إن أمكن وضع هذه الأموال عند من يستقدمها في معاملات مالية مشروعة فهذا هو الواجب، وإذا لم يمكن واحتاج إلى ذلك فإنه جائز.ويظهر أن مسألة الحاجة اليوم، يعني: ما دام أن الناس ربطوا بهذه المصارف وهذه البنوك، فالحاجة الآن عمّت؛ لأن الناس الآن ربطوا بمثل هذه المصارف، فلا تكاد تجده يبيع أو يشتري إلا عن طريق المصارف لحاجته إلى التوثقة؛ لأن كثيراً من المعاملات ضبطت، لكن إذا كان الإنسان يستغني فهذا هو الأبرأ.والرأي الثالث هو أقرب الأقوال؛ لما في ذلك من البعد عن المحرم وخصوصاً الربا الذي هو من كبائر الذنوب.هذا بالنسبة للنوع الأول من قسمي الودائع المصرفية الاستثمارية، وهي الودائع الجارية التي تكون تحت الطلب.
الودائع الائتمانية
النوع الثاني: الودائع الائتمانية.الودائع الائتمانية هي: عبارة عن عقد يكون بين العميل والمصرف، يضع في المصرف مبلغاً من المال تحت تصرف العميل، خلال مدة معينة.وقد يكون ذلك حقيقة، يعني: المصرف يضع مثلاً كذا وكذا من الدراهم تحت تصرف العميل، وقد يكون ذلك حكماً يعني: أنه يتعهد له بوضع مبلغ من المال، ويكون من حق العميل سحب هذا المبلغ.حكم هذه الودائع الائتمانية، الغالب في الودائع الإسلامية -البنوك- أنها لا تضع هذه المبالغ للعملاء إلا بفوائد، يعني: كونه يكون هناك اتفاق بين المصرف وبين العميل على أن المصرف يتعهد بوضع مبالغ تكون تحت تصرف العميل، له أن يأخذها متى شاء، هذه حكمها أنها إقراض من المصرف للعميل.والمصارف الربوية هذه تقوم بأخذ فوائد على هذا الإقراض، وكون المصرف يقوم بإقراض العميل مقابل فائدة هذا محرم ولا يجوز. وتقدم أن ذكرنا في مسألة جمعية الموظفين أن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أن المنافع التي يستفيدها المقرض من وراء قرضه أنها من الربا، وذكرنا ضابط ذلك، ولأن القرض يراد به الإرفاق والإحسان، وإرادة وجه الله عز وجل، فكون المقرض يشترط فيه منفعة يكون قد أخرجه عن موضوعه، فنقول: هذا محرم ولا يجوز، وبعض الناس يقول: أنا أعرف من نفسي أنني مثلاً سأسدد، مثلاً لو اشترط البنك على العميل، قال: إذا ما سددت في وقت كذا وكذا عليك فائدة، يقول: أعرف أنني سأقوم بالسداد في وقت كذا وكذا، وأنه سيأتيني مثلاً مرتب ويأتيني مال.. نقول: أصل الدخول في هذا العقد محرم، حتى ولو كان الإنسان يعرف أنه سيسدد، كونك توقع على عقد محرم لا يجوز أصلاً، فكونك تقول: أنا أعرف من نفسي أنني سأسدد... إلى آخره، هذا لا ينفع، فالدخول في العقود المحرمة هذا باطل ومحرم ولا يجوز، ومن أكل أموال الناس بالباطل.
 حكم الإيداع في المصارف
المسألة الثانية: حكم الإيداع في مثل هذه المصارف.والمقصود المصارف التي تتعامل بالربا وقد يكون لها معاملات مباحة.لا شك أن وضع النقود فيها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].لما ظهرت مثل هذه المصارف اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله على أقوال، ومن أشهر هذه الأقوال قولان:القول الأول: التفصيل: وأن المصرف لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن تكون جميع معاملاته محرمة، فهذا لا يجوز وضع النقود فيها، لما في ذلك من الإعانة على الربا، ولا شك أن الربا من كبائر الذنوب، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].الأمر الثاني: أن يكون لهذا المصرف موارد أخرى مالية مشروعة غير ربوية، فقالوا: يجوز وضع النقود في هذا المصرف ما دام أن معاملاته ليست ربوية محضة، وإنما له موارد مالية مشروعة غير ربوية.والعلة قالوا: لأن الإنسان إذا أودع في مثل هذه المصارف التي تتعامل بالربا وبغير الربا، لا يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية، وإذا لم يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية فالأصل في ذلك الحل؛ لأن هذا أمر محتمل، والأصل في ذلك الحل.قالوا: والبُعد عن هذا أولى.فتلخص الرأي الأول: أنهم يقسمون هذه المصارف إلى قسمين: القسم الأول: مصارف معاملاتها ربوية محضة.وأيضاً يظهر من كلامهم أن المعاملات المباحة النادرة هذه لا عبرة بها؛ لكونها منغمرة في المحرم، فهذا لا يجوز وضع الدراهم أو النقود فيها؛ لما في ذلك من الإعانة على الربا.القسم الثاني: أن يكون لهذا البنك أو المصرف موارد مالية شرعية، فقالوا: يجوز وضع الدراهم فيها؛ لأن الإنسان إذا وضع دراهمه لا يتحقق أنها تستخدم في الأمور المحرمة. والبعد من هذا أولى للشبهة. هذا القول الأول.القول الثاني: التفصيل بين الحاجة وعدم الحاجة.فإذا كان هناك حاجة أو ضرورة فلا بأس، يعني: إذا كان إنسان يحتاج أو يضطر إلى ذلك، فإن هذا جائز، وإذا لم يكن هناك حاجة أو ضرورة فإنه لا يجوز.. إذا كان هناك حاجة بحيث لا يتمكن إلا في هذا المصرف، أو يخشى على دراهمه الضياع، أو تكون أمواله كثيرة بحيث أنه لا يتمكن من حفظها في مكان آخر غير المصرف فهذا جائز، ومع عدم الحاجة أو الضرورة فإن هذا لا يجوز.الرأي الثالث: التفصيل قالوا: إن أمكن وضع هذه الأموال عند من يستقدمها في معاملات مالية مشروعة فهذا هو الواجب، وإذا لم يمكن واحتاج إلى ذلك فإنه جائز.ويظهر أن مسألة الحاجة اليوم، يعني: ما دام أن الناس ربطوا بهذه المصارف وهذه البنوك، فالحاجة الآن عمّت؛ لأن الناس الآن ربطوا بمثل هذه المصارف، فلا تكاد تجده يبيع أو يشتري إلا عن طريق المصارف لحاجته إلى التوثقة؛ لأن كثيراً من المعاملات ضبطت، لكن إذا كان الإنسان يستغني فهذا هو الأبرأ.والرأي الثالث هو أقرب الأقوال؛ لما في ذلك من البعد عن المحرم وخصوصاً الربا الذي هو من كبائر الذنوب.هذا بالنسبة للنوع الأول من قسمي الودائع المصرفية الاستثمارية، وهي الودائع الجارية التي تكون تحت الطلب.
الوديعة لأجل
النوع الثالث: الوديعة لأجل، وهي عبارة عن المبالغ النقدية التي يودعها أصحابها في المصارف، لأجل معين، لا يستحق لهم سحبها إلا بعد مضي فترة محددة يتفق عليها العميل مع المصرف.فيضع مثلاً ألف ريال أو مائة ألف ريال في هذا المصرف، لا يتمكن من سحبه إلا بعد مضي شهر أو شهرين مثلاً.مقابل هذا: أن المصارف تقوم بدفع فوائد ربوية لهذا العميل؛ مقابل أنه لا يتمكن من سحب هذه الأموال إلا بعد مضي شهر أو شهرين مثلاً على حسب ما يتفقان عليه، وتكثر الفائدة كلما كثر الأجل، وتقل كلما قل الأجل، وكلما كثر الأجل كثرت الفائدة وازدادت، وكلما قل الأجل نقصت الفائدة.فهذا لا إشكال أنه محرم، الإيجار بهذا الغرض لا شك أنه محرم ولا يجوز.وهذه الفوائد الربوية: ما حكم أخذها؟ هذا فيه رأيان:ذكرنا أنه محرم ولا يجوز، وهذا قول جماهير المتأخرين أنه محرم الدخول في عقد الربا؛ لأن الربا محرمٌ بالإجماع، وأيضاً يحرم أخذ هذه الفوائد؛ لأن هذه من القروض التي جرت منفعة، وتقدم عن الصحابة أن كل قرضٍ جر منفعة فهو ربا. فكون العميل يضع دراهمه عند هذا المصرف هو إقراض من العميل للمصرف بشرط أن يعطيه والمصرف يقوم بإعطائه هذه الفائدة، فالجمهور على أن الدخول في عقد الربا محرم ولا يجوز كما سلف؛ لأن الربا محرم وأدلته ظاهرة في القرآن والسنة.وثانياً: كونه يأخذ هذه الفائدة هذا من الربا أيضاً؛ لأن أخذ المنافع مقابل القرض ربا كما ورد ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا بأس من أخذ الفوائد الربوية، وذكروا لذلك شبهاً وأهم هذه الشبه شبهتان:الشبهة الأولى: أن الربا المحرم في القرض إنما هو في القروض الاستهلاكية دون القروض الاستثمارية.والقروض الآن استثمارية، فلا يكون الربا داخلاً فيها، والفرق بين القرض الاستثماري والقرض الاستهلاكي أن القرض الاستهلاكي يستقرض منك مثلاً ألف ريال لكي يشتري طعاماً أو شراباً، لكي يسكن، أو يشتري لباساً... فكونك تأخذ عليه فائدة، قالوا: هذا هو المحرم، أما أن نقول: استقرض لكي يبيع ويشتري إلى آخره، ليس لكي يستهلك وإنما لكي يستثمر، وتأخذ عليه فائدة قالوا بأن هذا هو الجائز.فهم يقولون: الربا المحرم في القروض إنما هو في القروض الاستهلاكية وليس في القروض الاستثمارية.وقروض البنوك هذه قروض استثمارية وليست قروضاً استهلاكية، فالبيت يأخذ الدراهم هذه ولا يصرفها إلا بعد مضي مدة، وفي خلال هذه المدة يقوم بالبيع والشراء فيها، أو يقوم بإيداعها في بنوك أخرى ويأخذ عليها فوائد ويعطي العميل بعضاً من هذه الفوائد التي أخذها.فقالوا: هذه قروض استثمارية، فإذا كان كذلك فالمحرم هو ما كان في القروض الاستهلاكية دون ما كان في القروض الاستثمارية.والجمهور أجابوا عن هذا فقالوا: هذا باطل للأوجه التالية:الوجه الأول: أن العباس رضي الله تعالى عنه كان يأخذ الربا، وتصير قروضاً استثمارية، ما كان يأخذها في القروض الاستهلاكية؛ لأن العباس رضي الله تعالى عنه كان رجلاً كريماً، ولا يُعقل في مثل حال العباس أنه يرابي مع من يريد أن يأكل أو يشرب، وإنما يرابي مع من يريد أن يتاجر ويفشل.الوجه الثاني: قالوا بأن ديون بني المغيرة المخزوميين التي كانت لثقيف، وبنو المغيرة كانوا أهل جاه وشرف، ولا يعقل أن بني المغيرة كانوا يأخذون الربا على من يقتات.والوجه الثالث من رد هذا القول: العمومات؛ فإن عمومات الأدلة لم تفرق بين القروض الاستهلاكية والقروض الاستثمارية، والوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو عدم التفريق بين القروض الاستهلاكية والقروض الاستثمارية.كذلك أيضاً العلماء في السابق لم يفرقوا هذا التفريق وإنما حرموا المنافع التي يكتسبها المقرض، ولم يفرقوا بين القروض، وأيضاً حرموا الربا ولم يفرقوا.ومثل هذا التفريق مخالف لإجماع العلماء السابقين، فبطلت هذه الشبه من أربعة أوجه:الوجه الأول والثاني: العمومات وأنها لم تفرق، والصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يفرقوا، والعلماء لم يفرقوا.الوجه الثالث: أن العباس كان يأخذ الربا ولا يُظن به أنه يأخذ الربا ممن يقتات، وإنما هو رجل كريم إنما يأخذه ممن يستثمر.الوجه الرابع: أن بني المغيرة المخزوميين كانت لهم ديون عند ثقيف، ولهم ربا... إلى آخره، ولا يُعقل أنهم كانوا يأخذون الربا ممن يريد القوت، وإنما ممن يريد التجارة.
 حكم الإيداع في المصارف
المسألة الثانية: حكم الإيداع في مثل هذه المصارف.والمقصود المصارف التي تتعامل بالربا وقد يكون لها معاملات مباحة.لا شك أن وضع النقود فيها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].لما ظهرت مثل هذه المصارف اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله على أقوال، ومن أشهر هذه الأقوال قولان:القول الأول: التفصيل: وأن المصرف لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن تكون جميع معاملاته محرمة، فهذا لا يجوز وضع النقود فيها، لما في ذلك من الإعانة على الربا، ولا شك أن الربا من كبائر الذنوب، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].الأمر الثاني: أن يكون لهذا المصرف موارد أخرى مالية مشروعة غير ربوية، فقالوا: يجوز وضع النقود في هذا المصرف ما دام أن معاملاته ليست ربوية محضة، وإنما له موارد مالية مشروعة غير ربوية.والعلة قالوا: لأن الإنسان إذا أودع في مثل هذه المصارف التي تتعامل بالربا وبغير الربا، لا يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية، وإذا لم يتحقق أن ماله صار في المعاملات الربوية فالأصل في ذلك الحل؛ لأن هذا أمر محتمل، والأصل في ذلك الحل.قالوا: والبُعد عن هذا أولى.فتلخص الرأي الأول: أنهم يقسمون هذه المصارف إلى قسمين: القسم الأول: مصارف معاملاتها ربوية محضة.وأيضاً يظهر من كلامهم أن المعاملات المباحة النادرة هذه لا عبرة بها؛ لكونها منغمرة في المحرم، فهذا لا يجوز وضع الدراهم أو النقود فيها؛ لما في ذلك من الإعانة على الربا.القسم الثاني: أن يكون لهذا البنك أو المصرف موارد مالية شرعية، فقالوا: يجوز وضع الدراهم فيها؛ لأن الإنسان إذا وضع دراهمه لا يتحقق أنها تستخدم في الأمور المحرمة. والبعد من هذا أولى للشبهة. هذا القول الأول.القول الثاني: التفصيل بين الحاجة وعدم الحاجة.فإذا كان هناك حاجة أو ضرورة فلا بأس، يعني: إذا كان إنسان يحتاج أو يضطر إلى ذلك، فإن هذا جائز، وإذا لم يكن هناك حاجة أو ضرورة فإنه لا يجوز.. إذا كان هناك حاجة بحيث لا يتمكن إلا في هذا المصرف، أو يخشى على دراهمه الضياع، أو تكون أمواله كثيرة بحيث أنه لا يتمكن من حفظها في مكان آخر غير المصرف فهذا جائز، ومع عدم الحاجة أو الضرورة فإن هذا لا يجوز.الرأي الثالث: التفصيل قالوا: إن أمكن وضع هذه الأموال عند من يستقدمها في معاملات مالية مشروعة فهذا هو الواجب، وإذا لم يمكن واحتاج إلى ذلك فإنه جائز.ويظهر أن مسألة الحاجة اليوم، يعني: ما دام أن الناس ربطوا بهذه المصارف وهذه البنوك، فالحاجة الآن عمّت؛ لأن الناس الآن ربطوا بمثل هذه المصارف، فلا تكاد تجده يبيع أو يشتري إلا عن طريق المصارف لحاجته إلى التوثقة؛ لأن كثيراً من المعاملات ضبطت، لكن إذا كان الإنسان يستغني فهذا هو الأبرأ.والرأي الثالث هو أقرب الأقوال؛ لما في ذلك من البعد عن المحرم وخصوصاً الربا الذي هو من كبائر الذنوب.هذا بالنسبة للنوع الأول من قسمي الودائع المصرفية الاستثمارية، وهي الودائع الجارية التي تكون تحت الطلب.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المعاملات المالية المعاصرة [8] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net