اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [20] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح متن الورقات [20] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
اختلف العلماء في حجية قول الصحابي، والراجح أنه حجة ما لم يخالف صحابياً آخر أو صريح القرآن. والخبر ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، ومنه الآحاد ومنه المتواتر. وإنما ذكره العلماء في أصول الفقه لتعلقه بدليل السنة، والمتواتر يوجب العلم القطعي، وهو نوعان: معنوي و
قول الصحابي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله: [وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره على القول الجديد].قول الصحابي من الأدلة المختلف في حجيتها، والمراد بقول الصحابي: ما نقل إلينا عن أحد من الصحابة من فتوى أو قضاء أو رأي أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص ولم يجمع عليها.
 الراجح في حجية قول الصحابي
الأقرب في قول الصحابي أن يقال بالتفصيل، فيقال: أولاً: إن خالف نصاً أو قول صحابي آخر فهذا ليس بحجة.وثانياً: إذا خالف عموم القرآن أو عموم السنة، أو إطلاق القرآن أو إطلاق السنة، أو ما يدل عليه ظاهر القرآن أو ما يدل عليه ظاهر السنة؛ فهذا نقول: بأنه ليس حجةً، ولكن نحمل قول الصحابي رضي الله تعالى عنه على سبيل الندب والاحتياط.ثالثاً: ما عدا ذلك فإنه يكون حجة، فأصبح أن قول الصحابي لا يخلو من هذه الأمور الثلاثة.ومن أمثلة ذلك: في قول الله عز وجل في قضاء رمضان: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ، فالله عز وجل أوجب عدةً من أيام أخر، وظاهر ذلك أن من لم يصم حتى جاءه رمضان الثاني لا يلزمه إلا عدة من أيام أخر، ولكن ورد عن أبي هريرة بإسناد ثابت، وعن ابن عباس أنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، ويترتب على هذا أن العلماء رحمهم الله اختلفوا هل يجب أن يطعم أو لا يجب؟فنقول: الأظهر أننا نحمله على الندب؛ لأن ظاهر القرآن فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ، لا يجب إلا عدة من أيام أخر، وعلى هذا فقس؛ يعني: في الأشياء التي تكون مخالفة لظاهر القرآن نقول: هذه نحملها على الندب والاحتياط، وهذا إذا لم يظهر له مخالف، أو لم يخالف صريح النص. فإن خالف صريح النص أو خص العام أو قيد المطلق فهذا نقول: ليس بحجة.ومن الأمثلة على ذلك: إيجاب العدة، فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه فيمن وطئت بشبهة أنه يجب عليها العدة، مع أن ظاهر القرآن أن إيجاب العدة للمطلقة فقط، فهي التي تعتد بثلاثة قروء، أما غير المطلقة فهذه تستبرأ فقط، وعلى هذا نحمل ما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه -مع أنه مخالف لظاهر القرآن- على الاحتياط، فنقول: بأنها تعتد على سبيل الاحتياط فقط، وأما الواجب فإنه استبراء.ومثل ذلك أيضاً: ما ورد عن الصحابة في التيمم أنه يكون بضربتين، مع أن السنة صريحة بأنه يتيمم بضربة واحدة، فنقول: هذا على سبيل الاحتياط كما قال الحنابلة رحمهم الله، يعني: يجوز له أن يتيمم بضربتين، مع أن السنة إنما وردت بضربة واحدة، كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: (أنه لما علم عمار ضرب بضربة واحدة). فالظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام اقتصر عليها، وكوننا نزيد ضربة أخرى فهذا خلاف الظاهر.
الأخبار
قال المؤلف رحمه الله: [وأما الأخبار فالخبر: ما يدخله الصدق والكذب، والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر].الأصوليون يوردون جملةً من مباحث مصطلح الحديث في مؤلفاتهم في أصول الفقه، وهذه المباحث إنما يريدون هذا إن الأدلة المتفق عليها؛ لأنهم يبحثون الأدلة المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فيبحثون عن السنة وحجية السنة، وإذا كان كذلك فإنهم يحتاجون إلى إيراد شيء من مباحث مصطلح الحديث؛ لأن المستدل بالسنة يحتاج إلى أمرين: الأمر الأول: ثبوت هذه السنة.والأمر الثاني: دلالة هذه السنة على الحكم.فنحتاج إلى أمرين: الأمر الأول: أن هذه السنة ثابتة. والأمر الثاني بعد ثبوتها: هل هي دالة على الحكم المراد إثباته أو ليست دالة؟ وبهذا نحتاج إلى أن ننظر في بعض مسائل مصطلح الحديث؛ لأنه كما ذكرت أن العلماء رحمهم الله يتطرقون للسنة على أنها هي الدليل الثاني من الأدلة المتفق عليها، أما القرآن فلا يحتاج إلا إلى نظر واحد فقط؛ لأن القرآن منقول إلينا بالتواتر، فثبوته قطعي لا خلاف في ذلك، لكن يحتاج إلى نظر آخر وهو دلالة النص من القرآن على الحكم المراد إثباته، وهذا يبحث في دلالة الألفاظ، ولكن السنة لما كان يبحث فيها ما يتعلق بالإسناد، فهذا يحتاج إلى البحث في جملة من مباحث مصطلح الحديث.
 أقسام الخبر
قال المؤلف رحمه الله: (والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر).الخبر باعتبار وصوله إلينا ذكر المؤلف رحمه الله أنه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: آحاد. والقسم الثاني: متواتر.
الخبر المتواتر
قال المؤلف رحمه الله: [فالمتواتر ما يوجب العلم, وهو: أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، ويكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد].المؤلف رحمه الله بدأ بالمتواتر, وأخر البحث في الآحاد؛ لأن البحث في الآحاد يطول جداً، بخلاف البحث في المتواتر.
 أقسام المتواتر
المتواتر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: متواتر لفظي. والقسم الثاني: متواتر معنوي.أما المتواتر اللفظي: فهو ما تواتر لفظه ومعناه؛ ومثاله ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، فهذا تواتر لفظه ومعناه، وقد رواه ما يقرب من سبعين صحابياً من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.القسم الثاني: المتواتر المعنوي: وهو ما تواتر معناه دون لفظه، وهذا له أمثلة, مثل المسح على الخفين، فهذا تواترت الأحاديث فيه، ولكن التواتر هذا لجملة المسح، وليس لحديث من أحاديث المسح. ومثل ذلك: رفع الأيدي في الدعاء, فهذا تواتر معنوياً وغير ذلك.
خبر الآحاد
قال المؤلف رحمه الله: [والآحاد: هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم، وينقسم إلى مرسل ومسند، فالمسند ما اتصل إسناده].عندما تكلم المؤلف رحمه الله عن المتواتر شرع الآن في القسم الثاني وهو الآحاد.
 ما يوجبه خبر الآحاد
قال المؤلف رحمه الله: (ولا يوجب العلم). تقدم لنا أن المتواتر يوجب العلم الضروري وليس العلم النظري، يعني: العلم اليقيني الجازم الذي لا يتمكن الإنسان من الانفكاك عنه، كما قلنا: وجود الخلافة العباسية، ووجود الخلافة الأموية، ووجود الخلفاء الراشدين، فهذا علم ضروري لا يتمكن الإنسان من الانفكاك عنه.لكن بقينا في خبر الآحاد هل يوجب العلم أو لا يوجب العلم أو إنما يوجب الظن؟ المسألة هنا فيها ثلاثة آراء: وقول المؤلف رحمه الله: (ولا يوجب العلم) هذا قول جمهور أهل العلم، أي: أن خبر الآحاد لا يوجب العلم، بل يفيد الظن فقط؛ وهو رجحان صحة الخبر لمن نسب عنه، أو لمن أخبر عنه. واستدلوا على ذلك بأدلة، ومن أدلتهم: قالوا: أن خبر الواحد يعتريه الغلط، ويعتريه الكذب والغفلة والنسيان، فإذا كان كذلك فإنه لا يوجب العلم الضروري.والدليل الثاني قالوا: لو أفاد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، نقول: لا يلزم من ذلك أن نصدق كل خبر نسمعه، لو أفاد العلم، وهذا غير موجود الآن، فكل إنسان لا يصدق كل خبر يسمعه. وهذا الرأي الأول.الرأي الثاني: أنه يفيد العلم ولا يفيد الظن، وهذا ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله، وذهب إليه جماعة من أهل الحديث قالوا: بأنه يفيد العلم ولا يقتصر على مجرد الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة، ومن أدلتهم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان -كما تقدم لنا- يبعث رسله في تبليغ العقائد، وتبليغ الأحكام، ولو كان يفيد مجرد الظن لم يبعث النبي عليه الصلاة والسلام آحاد الصحابة؛ لأن هذا الواحد يجب تصديقه والأخذ بما قال، فإذا كان كذلك فإنه لا يقتصر على أنه يفيد الظن، ولو قلنا: بأنه يفيد الظن ما وجب تصديقه، ولكن إذا قلنا: بأنه يفيد العلم فهذا وجب تصديقه.الرأي الثالث: وهو التفصيل في هذه المسألة: وهو أن خبر الآحاد في الأصل يفيد الظن، هذا من حيث الجملة، لكن لا يمنع أن يرتقي إلى إفادة العلم واليقين باحتفاف القرائن. وهذا القول هو الأقرب، وهو الذي تجتمع به أقوال المسألة وأدلتها.وقد ذكر العلماء رحمهم الله قرائن تحتف بخبر الآحاد تخرجه إلى العلم، ومن هذه القرائن: إخراج الشيخين للحديث في الصحيحين، يعني: إخراج البخاري ومسلم الأحاديث في الصحيحين، هذه قرائن على أنه يفيد العلم، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أن أحاديث الصحيحين مقطوع بصحتها، ونقله عن بعض الأئمة، وهذا -يعني كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- ليس على إطلاقه، فإن أهل المصطلح استثنوا، كـابن الصلاح رحمه الله قال: يستثنى بعض الأحاديث في الصحيحين لا يقطع بصحتها، ولكن نقول: من حيث الجملة الأحاديث المخرجة في الصحيحين تفيد القطع والعلم.كذلك أيضاً من القرائن: كثرة طرق الحديث، وسلامته من الشذوذ والعلة وضعف الرجال، وهذا مما يرقيه عن درجة الظن إلى درجة العلم، وكذلك أيضاً من القرائن ما رواه الأئمة، كما لو رواه الإمام أحمد؛ ويشاركه فيه الشافعي، أو رواه الشافعي ويشاركه فيه الإمام مالك وغير ذلك، فما رواه الأئمة من القرائن التي تحتف بخبر الآحاد وتخرجه إلى درجة العلم. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [20] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net