اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [12] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح متن الورقات [12] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
هناك مخصصات خصصت أدلة الشريعة وقيدتها، وقد تكون المخصصات إما متصلة أو منفصلة، ومن المخصصات المتصلة التي لا بد من معرفتها: الشرط والصفة، ومن المخصصات المنفصلة: الحس، والعقل، والشرع.
التخصيص بالشرط
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم عن المشروط، والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد]. تقدم لنا أن المخصصات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: مخصصات متصلة.والقسم الثاني: مخصصات منفصلة.وذكرنا من المخصصات المتصلة الاستثناء، وذكرنا أنه يشترط في الاستثناء شروط لكي يكون مخصصاً، وهي: الشرط الأول: النية، وهو أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه.والشرط الثاني: الاتصال حقيقةً أو حكماً.والشرط الثالث: أن يبقى شيء من المستثنى منه.والشرط الرابع: الاستثناء من الجنس.والشرط الخامس: أن يكون المستثنى والمستثنى منه صادرين من متكلم واحد.والشرط السادس: أن يلفظ بالاستثناء، وأنه إذا نوى الاستثناء بقلبه فهل يكفي ذلك أو لا يكفي؟ وذكرنا تفصيلاً لذلك. ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله: (والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم عن المشروط).هذا المخصص الثاني من المخصصات المتصلة، وهو الشرط، والشرط تقدم تعريفه، وقلنا: بأنه في اللغة: العلامة، وأما في الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، والمراد بالشرط هنا: تعليق شيء بشيء بإن الشرطية أو إحدى أخواتها. ‏
 شروط صحة التخصيص بالشرط
بالنسبة للشروط التي سبقت في الاستثناء، لابد أن ترد هنا: فالشرط الأول: لا بد من الاتصال حقيقةً أو حكماً، فمثلاً لو قال: أنت طالق وبعد ساعة قال: إن دخلت الدار، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: لا يصح، أو قال: هذا بيتي وقف، ثم قال: إن شاء الله، فهذا تأخر ولم يتصل شرطه، أو قال: هذا بيتي وقف ثم بعد ذلك قال: إن دخلت الدار، أو قال: هذا بيتي وقف، ثم قال: إن شاء الله، أو قال: إن رضي أبي، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: إن كان الفاصل طويلاً فلا يصح هذا.وكما تقدم لنا في الاستثناء أنه إذا كان الكلام واحداً ولم يطل الفصل فإنه يصح الاستثناء, فكذلك يصح الاستثناء هنا.وأيضاً نية الشرط لو أنه لم ينو لا يصح النفي، فلا بد أن ينوي الشرط -كما قلنا- في الاستثناء، فلو أنه قال: أنت طالق، ثم بعد ذلك قال: إن شاء الله وهو لم ينو لا يصح، وتقدم لنا أن الصحيح أنه يصح.وكذلك لابد أن يكون الشرط والمشروط صادرين من متكلم واحد، فلو أنه قال: وهبتك ألف ريال، ثم بعد ذلك قال شخص: إن رضي أبي أو إن شاء الله أو نحو ذلك، فإن هذا لا يصح، فلا بد أن يكون الشرط والمشروط صادرين من متكلم واحد، ولا بد من اللفظ، فلو أنه نوى الشرط بقلبه فإن ذلك لا يكفي، ولهذا قال الملك لسليمان: قل: إن شاء الله.وأيضاً الشرط الواقع بعد جمل متعاطفة يرجع إلى جميع الجمل، فلو قال: أكرم الرجال، وطلبة العلم إن دخلوا الدار، فقوله: (إن دخلوا الدار) هذا يرجع للرجال، ويرجع لطلبة العلم، فهذا الإكرام ليس خاصاً بطلبة العلم، فالرجال إذا دخلوا الدار فإنهم يكرمون، وطلبة العلم إن دخلوا الدار فإنهم يكرمون، وهذا الشرط يتكلم عليه الفقهاء رحمهم الله كثيراً في أحكام الطلاق، ويتكلمون عليه في الأوقاف والوصايا والإقرارات، ولكن أكثر ما يتكلمون عليه في الطلاق، والعتق, مثل لو قال لرقيقه: أنت حر ثم قال: إن رضي أبي... إلى آخره.
التخصيص بالصفة
قال: (والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد).هذا الكلام يشتمل على مبحثين: المبحث الأول: التخصيص بالصفة، أي: من المخصصات المتصلة التخصيص بالصفة، وتقدم أن ذكرنا القسم الأول التخصيص بالاستثناء، ثم بعد ذلك التخصيص بالشرط، والآن شرع المؤلف رحمه الله بالتخصيص بالصفة، ومبحث المطلق والمقيد كما سيأتي إن شاء الله. ‏
 حالات وقوع الصفة
إذا وقعت الصفة بعد جمل, فهذا لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون الصفة بعد الجمل، فهذه فيها خلاف بين أهل العلم هل ترجع للجميع أو ترجع للجملة الأخيرة؟ كالخلاف في الاستثناء، مثال ذلك قال: أكرم العلماء وطلاب العلم الحفظة، فقوله: أكرم العلماء، العلماء عام، وقوله: وطلاب العلم، عام مضاف إلى معرفة, فجمع المضاف إلى معرفة عام، ولكن لما قال: الحفظة هل قوله: الحفظة يرجع إلى طلبة العلم أو يرجع إلى العلماء وطلبة العلم؟ فهذا موضع خلاف.فالصحيح في ذلك: أنه يرجع للجميع, فيرجع للعلماء وكذلك يرجع لطلبة العلم، وقيل: بأنه لا يرجع إلا إلى الجملة الأخيرة.الحالة الثانية: أن تكون الصفة قبل الموصوف فهذه ترجع للجميع، مثل أن يقول: أكرم الحفظة من العلماء وطلبة العلم، فهذا يرجع للجميع.الحالة الثالثة: أن تكون الصفة في الوصف بعد إحدى الجمل، فهذا يرجع للجملة القبلية دون الجملة البعدية، مثل أن يقول: أكرم العلماء الحفظة وطلبة العلم، فالصفة هنا تخصص القبلية ولا تخصص البعدية.وكما تقدم لنا في الشرط أنه لا بد للصفة لكي تكون مخصصة أن تتصل بالموصوف حقيقةً أو حكماً، اللهم إلا الشيء اليسير فهذا يتجاوز عنه، فمثلاً لو قال: أوقفت هذا البيت على طلابي، ثم قال: الحفظة، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ يصح ما دام أنه متصل، ولكن يشترط الاتصال، أو مثلاً قال: طلقت زوجاتي، فزوجاتي هنا من صيغ العموم؛ لأنه جمع مضاف إلى معرفة، ثم قال: السيئات، أي زوجاتي السيئات.إذاً: الوصف هذا يصلح للتخصيص بشرط الاتصال.وكما قلنا في الشرط نقول في الصفة، أي: لا بد أن ينوي، فهل تشترط النية أو لا تشترط النية؟ وهل يشترط أن يكون الكلام الصفة والموصوف صادرين من متكلم واحد؟ وهل لا بد من اللفظ، هذا كله كما قلنا في الاستثناء.
المطلق والمقيد
شرع المؤلف رحمه الله بالمطلق والمقيد، والمطلق والمقيد من المباحث المهمة في أصول الفقه؛ لأنه يتعلق بدلالة الألفاظ.
 حالات حمل المطلق على المقيد
من المباحث المهمة المتعلقة بالمطلق والمقيد، هو مبحث متى يحمل المطلق على المقيد؟فهذه المسألة لا تخلو من أربع حالات: الحالة الأولى: أن يتفق الحكم والسبب، أي: أن الحكم في كل من المطلق والمقيد يتفق، وكذلك السبب يتفق، فهنا يحمل المطلق على المقيد، فإذا اتفق كل من الحكم والسبب فإننا نحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، مثل قول الله عز وجل: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [البقرة:173]، فقوله: (الدم) هذا مطلق، والله عز وجل قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145] ، فقوله: (أو دماً مسفوحاً) هذا مقيد، فقيد الدم بكونه مسفوحاً، والحكم واحد وهو تحريم الدم، والسبب في التحريم ما فيه من المضرة سواء كان في الأول أو في الثاني، في المطلق أو المقيد، فالحكم تحريم الدم، والسبب هو: ما فيه من المضرة، فهنا نحمل المطلق على المقيد بالاتفاق.الحالة الثانية: أن يتفق الحكم ويختلف السبب؛ مثال ذلك: قول الله عز وجل في كفارة القتل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، وقال الله عز وجل في كفارة الظهار فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3] فلم يقيد، ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3-4]، ففي الأول أطلق، وفي الثاني قيد، فهل نحمل المطلق على المقيد أو لا؟ جمهور الأصوليين على أنه يحمل، فالحكم واحد وهو إعتاق رقبة في كفارة هذا الحكم، ولكن السبب هنا مختلف، في الأول القتل، وفي الثاني الظهار، فهل نحمل المطلق على المقيد أو المقيد على المطلق؟ هذا موضع خلاف بين الأصوليين، ولكن أكثر الأصوليين على أنه ما دام أن الحكم متفق فإنه يحمل المطلق على المقيد.الحالة الثالثة: أن يختلف الحكم ويتحد السبب، مثال ذلك: أن الله عز وجل قال في صيام كفارة الظهار: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:4]، وقال في الإطعام: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4]، فالحكم هنا مختلف، والسبب واحد وهو الظهار، فالإطعام سببه الظهار، والصيام سببه الظهار، ولكن الحكم هنا مختلف، فهذا إطعام وهذا صيام، والصيام قيد بكونه متتابعاً، فهل نقيد الإطعام بكونه متتابعاً أو لا؟إذاً: إذا اختلف الحكم وإن اتحد السبب لا تقييد، وعلى هذا لا يشترط في إطعام الستين المسكين أن يكون ذلك متتابعاً, ولو أطعمت اليوم عشرة وغداً عشرة وهكذا، فإن هذا صحيح.الحالة الرابعة: أن يختلف الحكم والسبب جميعاً، وهذا متفق عليه بين الأصوليين على أنه لا يحمل.مثاله: قال الله عز وجل في الصيام في كفارة الظهار: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4] ، وقال في كفارة الإطعام في اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89]، فقيد الصيام هناك بأنه متتابع، والإطعام في كفارة اليمين مطلق، إطعام عشرة مساكين، فالإطعام مطلق ولم يقيد بالتتابع، فهنا الحكم مختلف والسبب مختلف، فالحكم في آية المجادلة الصيام، وفي آية المائدة الإطعام، إذاً: الحكم مختلف، والسبب مختلف، ففي آية المجادلة الظهار، وفي آية المائدة اليمين، هنا نقول: بالاتفاق على أنه لا يحمل إذا اختلف الحكم والسبب. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [12] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net