إسلام ويب

تستحب المضمضة من شرب اللبن؛ لأن له دسماً، ولا بأس بترك ذلك. واختلف الفقهاء في النوم هو ناقض للوضوء أو لا، وفي خروج الدم كذلك، وخروج المذي ناقض للوضوء بالإجماع.

الوضوء من شرب اللبن

شرح حديث: (توضئوا مما غيرت النار)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: الوضوء من اللبن.

حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً فدعا بماء فتمضمض، ثم قال: إن له دسماً) ].

هذا الحديث رواه الشيخان والترمذي والنسائي ، وفيه دليل على استحباب المضمضة من شرب اللبن.

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم العلة فقال: (إن له دسماً)، فيستحب للمسلم إذا شرب لبناً أن يتمضمض إن أراد الصلاة؛ حتى يذهب الدسم وتزول البقايا التي في الفم.

الرخصة في ترك الوضوء والمضمضة من شرب اللبن

شرح حديث شرب رسول الله اللبن وصلاته بعده بغير وضوء ولا مضمضة

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: الرخصة في ذلك.

حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن مطيع بن راشد عن توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبناً فلم يمضمض ولم يتوضأ، وصلى).

قال زيد : دلني شعبة على هذا الشيخ ].

شعبة دله عليه؛ لأنه ثقة عنده.

وهذا فيه دليل على جواز ترك المضمضة من شرب اللبن، وأنه ليس بأمر حتم ولا بواجب، وإنما هو مستحب، فإن تمضمض فحسن، وإن ترك فلا حرج، ولا يعتبر هذا الحديث ناسخ للحديث السابق كما زعمه بعضهم، بل فعله عليه الصلاة والسلام يحمل على الاستحباب، وتركه يحمل على الجواز أحياناً.

الوضوء من الدم

شرح حديث جابر في قصة رمي الذي كان يحرسهم في صلاتهد

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: الوضوء من الدم.

حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا ابن المبارك عن محمد بن إسحاق حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف ألا أنتهي حتى أهريق دماً في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً فقال: من رجل يكلؤنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال: كونا بفم الشعب، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها!) ].

الحديث من رواية صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر ، وعقيل بن جابر مجهول، ولم يرو عنه إلا صدقة بن يسار ، ورواه محمد بن إسحاق في المغازي، ورواه أيضاً أحمد والدارقطني ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم .

وليس في هذا الحديث دلالة على الوضوء من الدم على فرض صحته، وإنما فيه الاستمرار في الصلاة، والإنسان إذا خرج منه دم أثناء صلاته وكان مستمراً فإنه يستمر في صلاته، ويكون حكمه حكم المستحاضة التي لا ينقطع عنها دمها؛ لأنه لو قطع الصلاة فلن يفيده ذلك؛ لأن الدماء مستمرة، وكذا الإنسان إذا كان به جرح سيال فإنه يستمر في صلاته، وكذا من فيه سلسل البول، ولأن الاستمرار في الصلاة غير ابتدائها، لأنه قبل أن يبتدئ الصلاة سيعالج هذه الدماء حتى ينقطع الدم عنه، ولهذا استمر عمر رضي الله عنه في صلاته لما طعن وجرحه يثعب دماً، وإن كان قد أناب عبد الرحمن بن عوف في الصلاة، إلا أن ظاهره أنه استمر في صلاته، ويمكن التعليل أيضاً بأن الجراحات التي تصيب الغزاة والمجاهدين في الأسفار والغزوات معفو عنها من أجل المشقة، إذ قد لا يتمكن من غسلها، وليس هناك دليل واضح على نجاسة الدم، لكن جاء في قصة المستحاضة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي)، فخصه بعضهم بالدم الخارج من الفرج، أما كون الوضوء من الدم واجباً فليس هناك دليل واضح على ذلك، وينبغي التفريق بين كون الدم نجساً أو غير نجس، وبين هل هو ناقض أم لا؟ فالدم المسفوح الذي يخرج من الذبيحة نجس لقوله تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، وكذلك الدم الذي يخرج من الفرج كدم الاستحاضة، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك، أما خروج الدم هل هو من نواقض الوضوء؟ فبعض العلماء كالحافظ ابن حجر وغيره يرى أن خروج الشيء الفاحش النجس كالدماء وغيرها من النواقض، وليس هناك دليل واضح يدل على الوجوب، لكن إن توضأ الشخص فهو مستحب؛ إذ فيه الخروج من خلاف من أوجب، لاسيما إذا كان الدم كثيراً.

وفيه: دليل على مشروعية فعل الأسباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يكلؤنا)، وهو رسول الله، وهو سيد المتوكلين، ومع ذلك قال: (من يكلؤنا) أي: من يحفظنا؟ أو من يحرسنا؟ فانتدب المهاجري والأنصاري.

الوضوء من النوم

شرح حديث ابن عمر: (في رقدتهم لانتظار الصلاة)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب في الوضوء من النوم.

حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا -وفي رواية- حدثنا ابن جريج أخبرني نافع حدثني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شُغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال: ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم) ].

هذا الحديث رواه الشيخان. وقوله: (رقدنا ثم استيقظنا) يعني: نعسنا، فالمراد برقدنا النعاس، وفيه دليل على أن النعاس لا ينقض الوضوء، وكذلك خفقان الرأس، وإنما الذي ينقضه النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس، كما في حديث صفوان بن عسال : (أمرنا أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)، فقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) يعني: النوم المستغرق، وهذا هو الجمع بين الحديثين، فهذا الحديث فيه النوم والمراد به النعاس، وحديث صفوان فيه النوم والمراد به النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس.

وقال الألباني عن حديث ابن عمر : حديث حسن.

وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم . كذلك أيضاً أخرجه محمد بن إسحاق في المغازي.

شرح حديث: (كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ...)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا شاذ بن فياض حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون) ].

وهذا يبين الحديث السابق وأن المراد بالنوم هو خفقان الرأس والنعاس. وهذا الحديث رواه مسلم .

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وزاد فيه شعبة عن قتادة قال: كنا نخفق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر. حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب ، قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (أقيمت صلاة العشاء فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن لي حاجة، فقام يناجيه حتى نعس القوم أو بعض القوم، ثم صلى بهم ولم يذكر وضوءاً) ].

هذا الحديث رواه مسلم ، ولم يذكر وضوءاً، ورواه أيضاً الشيخان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس ، وفيه: أن الصحابة كانوا ينعسون وهم ينتظرون الصلاة فيصلون ولا يتوضئون، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، مما دل على أن النعاس لا يوجب الوضوء، بل لا يوجب الوضوء إلا النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس.

وفيه: جواز مناجاة الواحد إذا كان عنده جماعة، والمناجاة يعني: التكلم معه بخفاء وإسرار، وإنما المنهي أن يتناجى اثنان ويكون معهم ثالث فيتركونه، أو يتناجى ثلاثة معهم رابع وهكذا، وأما إذا تناجى اثنان وهناك اثنان أو ثلاثة أو أربعة فلا حرج، والعلة في المناجاة المنهي عنها أن ذلك الأمر يحزنه، كما جاء في الحديث: (إذا تناجى اثنان ومعهم ثالث فإن ذلك يحزنه) ولأنه قد يتصور أنهم يتكلمون فيه.

وفيه: أنه إذا أقيمت الصلاة وأطال الفصل فلا تعاد الإقامة، ولهذا أقيمت الصلاة وناجى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل، ثم صلى ولم يعد الإقامة، وهذا الرجل قيل: إنه رجل له شأن في الإسلام، والله أعلم.

وفيه: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم لمناجاة هذا الرجل. وفيه: تقديم المهمات والأمور المهمة، وأن هذا لا يؤثر ولو كان بعد إقامة الصلاة.

شرح حديث ابن عباس في الوضوء من النوم حال الاضطجاع

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب ، وهذا لفظ حديث يحيى : عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت، فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) ].

هذا الحديث أوله ثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وينفخ ويصلي ولا يتوضأ؛ لأن نومه صلى الله عليه وسلم لا ينقض وضوءه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (إنما تنام عيناي ولا ينام قلبي).

وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.

أما قوله: (إنما الوضوء على من كان مضطجعاً) هذه لفظة منكرة؛ لأنها من طريق أبي خالد الدالاني ، وأبو خالد الدالاني هذا ضعيف يروي المناكير، وهذه اللفظة منكرة، والمنكر: هو مخالفة الضعيف للثقات. والبخاري لما روى هذا الحديث عن ابن عباس لم يذكر هذه اللفظة؛ لأنها منكرة.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ زاد عثمان وهناد : فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله.

قال أبو داود: قوله: (الوضوء على من نام مضطجعاً) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة ، وروى أوله جماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يذكروا شيئاً من هذا ].

وهذا الحديث فيه تدليس قتادة ، وفيه ضعف أبي خالد الدالاني ومخالفة الثقات.

أما عبد السلام بن حرب فهو ثقة حافظ له مناكير، وهذا من مناكيره.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم محفوظاً.

وقالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تنام عيناي ولا ينام قلبي)، وقال شعبة : إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصلاة، وحديث: القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنهم ].

يعني: أن شعبة إنما روى عنه قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث وهذا الحديث ليس منها: (إنما الوضوء على من كان مضطجعاً)، فيكون منقطعاً غير ثابت.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذكرت حديث يزيد الدالاني لـأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له ].

أي: لأنه منكر، وكأنه يقول له: لا تذكر هذا الحديث على أنه صحيح، إنما هو ضعيف.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقال: ما لـيزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة ؟ ولم يعبأ بالحديث ].

قوله: (ولم يعبأ بالحديث) يعني: بزيادة (الوضوء على من كان مضطجعاً).

وقوله: (يدخل على أصحاب قتادة ) يعني: على شيوخه، فدل على أن هذه اللفظة منكرة لا يعول عليها.

وأخذ بعضهم بهذا وقال: إن الوضوء لا يجب إلا على من كان مضطجعاً، والنوم فيه خلاف طويل، فقال بعضهم: الوضوء مطلقاً لا ينقض، وبعضهم قال: ينقض مطلقاً حتى النعاس، وبعضهم قال: لا ينقض الوضوء إلا إذا كان راكعاً أو ساجداً، وبعضهم يقول: إذا كان مضطجعاً.

والصواب: أن النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس هو الذي ينقض الوضوء، وأما النعاس وخفقان الرأس فهذا لا يؤثر، وبهذا تجتمع الأدلة كما في حديث صفوان بن عسال: (ولكن من غائط وبول ونوم) قال: فالنوم ينقض الوضوء، والأحاديث الصحيحة تذكر أن الصحابة كانوا يجلسون وتخفق رءوسهم وهم ينتظرون الصلاة، ثم يقومون للصلاة ولا يتوضئون، فدل على أنه يجمع بين الحديثين بهذا. وإذا كانت في النوم رؤيا فهو مستغرق.

شرح حديث: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حيوة بن شريح الحمصي في آخرين قالوا: حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ) ].

هذا الحديث رواه ابن ماجة ، والسه: الدبر، والوكاء: هو الرباط، والمعنى: أن العينين رباط للحدث ورباط للدبر، فمن كان مستيقظاً فإنه يعلم بخروج الحدث ويمنع نفسه، وأما إذا نام فإن الحدث يخرج وهو لا يشعر.

والحديث فيه بقية بن الوليد وهو كثير التدليس، وفيه الوضين بن عطاء وهو متكلم فيه، فقد وثقه أحمد وابن معين وضعفه بعضهم.

قال ابن حجر رحمه الله في التلخيص الحبير: وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي هذا.

والحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي من طريق بقية به، وأحمد والدارقطني .

وقال: وهم -يقصد من ذكر عبد الرحمن بن عائذ من الصحابة- قال: ووهم من من ذكره من الصحابة.

والحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي من طريق بقية وأحمد والدارقطني ، وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي هذا، وقال أبو زرعة : لم يسمع من علي ، وقال ابن حجر في التلخيص: وفي هذا النفي نظر؛ لأنه يروي عن عمر كما جزم به البخاري .

ومعنى قوله: (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ) أي: أن الإنسان إذا كان مستيقظاً فإنه سيعلم بخروج الحدث، وسيمنع نفسه من ذلك، وأما إذا كان نائماً فإن الحدث سيخرج منه، فالاستغراق في النوم ناقض للوضوء.

ما جاء فيمن يطأ الأذى برجله

شرح حديث: (كنا لا نتوضأ من موطئ ... )

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يطأ الأذى برجله.

حدثنا هناد بن السري وإبراهيم بن أبي معاوية عن أبي معاوية ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثني شريك وجرير وابن إدريس عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله : (كنا لا نتوضأ من موطئ، ولا نكف شعراً ولا ثوباً) ].

هذا الحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي وابن خزيمة، وقال: هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش من شقيق. وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي .

وقال الألباني: حديث صحيح.

وقد ذكر أبو داود الاختلاف في هذا السند هل هو بصيغة التحديث أم بصيغة العنعنة؟

قال رحمه الله: قال إبراهيم بن أبي معاوية فيه: عن الأعمش عن شقيق عن مسروق، أو حدثه عنه قال: قال عبد الله، وقال هناد عن شقيق أو حدثه عنه قال: قال عبد الله.

وهذا اختلاف فإذا ثبت أن الأعمش لم يسمع من شقيق صار وطأ الأذى بالرجل فيه تفصيل: فإن وطأ نجاسة رطبة فلابد من غسل رجله، وأما إذا وطأ نجاسة يابسة فلا يضره ذلك، ولا يجب عليه الوضوء.

وقوله: ( ولا نكف شعراً ولا ثوباً ) هذا ثابت في صحيح مسلم، والمعنى: أن المسلم إذا سجد فإنه يسجد على شعره وثوبه ولا يكفهما؛ لحديث: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، وألا أكف شعراً ولا ثوباً) رواه مسلم في صحيحه.

فإذا مشى في الأرض فالأصل فيها الطهارة إلا إذا علم أنها متنجسة فيغسل رجله ولا يعيد الوضوء، قوله: ( كنا لا نتوضأ من موطأ ولا نكف شعراً ولا ثوباً ) الوطء لا يتوضأ منه، وإنما تغسل الرجل إذا وطئت نجاسة رطبة، وإن وطئت يابسة فلا تغسل.

وأبو معاوية هو محمد بن خازم ، ذكر الحافظ رحمه الله في التقريب بأنه ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره.

وهو في الأعمش من أوثق الناس وأحفظهم لحديثه.

وكف الثياب معلوم مثل من يشمر ذراعه أو ذراعيه، لأن النبي نهى أن يكف المصلي ثيابه وشعره، وقد رأى ابن عباس رجلاً معصوب الشعر فحل شعره، وأنكر عليه ذلك.

وعقد الشعر معناه منعه من إصابة الأرض، ففي حالة الركوع يتركه، إلا إذا كان ينسدل في حالة السجود فيصيب من حوله فلا يتركه، وكذلك إذا كان يمنعه من أن يباشر الأرض بجبهته.

ما جاء فيمن أحدث في الصلاة

شرح حديث: ( إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف )

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب فيمن يحدث في الصلاة.

حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد الصلاة) ].

هذا الحديث فيه أن خروج الريح يبطل الصلاة والوضوء، وعليه أن يعيد الوضوء والصلاة. والحديث صححه أحمد والترمذي والنسائي والدارمي وابن حبان من طريق عاصم الأحول .

وقال أبو عيسى : حديث علي بن طلق حديث حسن .

وقال الشيخ أحمد شاكر : إسناده صحيح.

قلت: هذا الحديث لا بأس به، وهو أصح من حديث عائشة الذي فيه: (إذا خرج من أحدكم مذي أو دم أو قلس فلينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته ولا يتكلم)، فهو حديث ضعيف، وقد أخذ به بعض العلماء كـمالك وأبي حنيفة وغيرهما وقالوا: إذا أحدث الإنسان وهو في الصلاة فإنه ينصرف ويتوضأ ولا يتكلم، وليبنِ على صلاته السابقة.

وقد ذكرنا أن حديث عائشة حديث ضعيف فلا يعارض حديث علي بن طلق ؛ لأنه حديث صحيح، وعليه العمل، وهذا إذا كان في الصلاة، وإن كان خارج الصلاة بطل الوضوء وعليه أن يتوضأ من جديد.

ومثله إذا كان يطوف وخرج منه الحدث فإنه يبطل الطواف، وعليه أن يتوضأ ويعيد الطواف من جديد، وهذا هو الصواب وهو الذي عليه الفتوى، وعليه جمهور العلماء. وبعض العلماء يرى الطهارة ليست شرطاً للطواف، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، وقال الإمام أبو حنيفة وغير إنه يجبره بجمع، والصواب الذي عليه الجمهور وهو أن الطواف من غير طهارة باطل.

ما جاء في المذي

شرح حديث علي في المذي

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في المذي.

حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبيدة بن حميد الحذاء عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي رضي الله عنه قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل) ].

هذا الباب فيه بيان حكم المذي، والمذي: هو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة وعند اشتداد الشهوة وتذكر الجماع، وقد لا يحس الإنسان بخروجه، فلهذا جاء الشرع بتخفيف حكمه، فنجاسته نجاسة مخففة.

وحديث علي رضي الله عنه هذا أخرجه النسائي ، وأخرجه الشيخان من حديث محمد بن علي وهو: ابن الحنفية عن أبيه بنحوه مختصراً، وفيه دليل على أن خروج المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير خلافاً لمن قال: إنه يوجب الغسل، وهو قول شاذ.

وفي هذا الحديث: أن علياً رضي الله عنه قال: كنت رجلاً مذاء، ومذاء صيغة مبالغة، أي: أنه كان كثير المذي، قال: فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، أي: أصابه تشقق بسبب كثرة الاغتسال في الشتاء، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة)، فدل هذا على أن المذي إنما يوجب الوضوء لا الغسل، وهو يدل على وجوب غسل الذكر كله من المذي، فقد قال له: (فاغسل ذكرك) وتأوله بعضهم أن المراد غسل ما أصابه المذي، والصواب أن المراد غسل جميع الذكر، وهذا بخلاف البول فإنه يغسل رأس الذكر فقط، وأما المذي فإنه يغسل الذكر كله، وكذا يغسل أنثييه من المذي، فقد جاء في بعض الروايات: (اغسل ذكرك وأنثييك)، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم: أن غسل الذكر والأنثيين يتقلصان بسبب الماء.

قوله: ( فإذا فضخت الماء فاغتسل ) أي: إذا صببته بشدة فاغتسل، والمراد بالماء هنا المني، فهذا يدل على أن المني يوجب الغسل، وهو الذي يخرج بقوة وبلذة، وأما إذا خرج بغير شهوة كما يخرج من المريض فحكمه حكم البول، فقد يصاب الإنسان بمرض يسمى الإبردة، فإذا أصيب بهذا المرض خرج منه المني من غير شهوة، وهذا لا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، فالذي يوجب الغسل هو الذي يخرج دفقاً بلذة وبقوة؛ بسبب الشهوة.

وكذلك إذا خرج منه المني في النوم ولو لم يذكر احتلاماً فإنه يجب عليه الغسل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء)، وهذا الحديث حكمه باقٍ في خروج المني في النوم، فإذا رأى المني في ثوبه أو فخذيه فإن عليه أن يغتسل ولو لم يذكر احتلاماً.

وأما إذا احتلم في النوم ولم يجد بللاً في ثوبه فلا يجب الغسل؛ لأنه العبرة بخروج المني، وأما في اليقظة فإنه يجب عليه الغسل بخروج المني، وبالجماع ولو لم يخرج المني كما سيأتي في الأحاديث.

وإذا خرج منه المني بعد الغسل فبعض العلماء يقولون: إنه لا غسل عليه، لكن ينبغي للإنسان ألا يعجل وألا يبادر بالاغتسال حتى يتأكد من خروج المني، ولو اغتسل بعد أن يقضي حاجته من البول فهذا يكون أولى.

إسناد آخر لحديث علي في المذي

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود : (أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمره أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة) ].

في هذا الحديث أن علياً أمر المقداد أن يسأل له، وفي حديث آخر أنه أمر عماراً بذلك، وفي رواية أخرى أنه سأل بنفسه، وقد جمع ابن حبان بين هذه الأحاديث: بأن علياً أمر عماراً أن يسأل، ثم أمر المقداد، ثم سأل بنفسه، وهذا الحافظ رحمه الله يقول: إنه جمع بيّن إلا أن قوله في بعض الروايات إنه استحى من السؤال بنفسه لا ينافي قوله إنه سأله بنفسه، فهذا يحمل على المجاز، أي: يحمل قوله: سأله بنفسه أنه هو الآمر، ومن أمر فكأنما سأل.

وهذا الحديث فيه أن المذي فيه الوضوء وليس فيه غسل، وأن المني يوجب الغسل، ولهذا قال: (إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة)، والمراد بالنضح هنا تمام الغسل لا الرش.

وقوله: (إذا دنا من أهله فخرج منه المذي) أي: ماذا عليه أن يفعل؟ والمذي هو ما يخرج من الإنسان عند اشتداد الشهوة. وهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة ، وهو منقطع؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد بن الأسود ، لكن يشهد له ما قبله.

قال الشارح: وقد رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس في قصة علي والمقداد موصولاً. أي: من رواية أخرى.

وأما هذه الرواية فهي منقطعة.

وسليمان بن يسار المدني هو أحد الفقهاء السبعة، روى عن زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة وميمونة مولاته.

وأما روايته عن المقداد فالظاهر أنها منقطعة، لكن الحديث شاهد لما قبله، وروي موصولاً من طريق أخرى كما رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس، وهي موصولة، وهو يشهد لما قبله، ويدل على أن المذي يوجب غسل الفرج والوضوء فقط دون الغسل.

والمراد بالنضح ليس مجرد الرش كما ينضح بول الصبي الذي لم يأكل الطعام بالماء، فنجاسته مخففة، فإذا أصاب الثوب يكفيه الرش، لكن خروج المذي من الذكر فيه الغسل ولا يكفي الرش.

وعلى كل حال فإن هذه الرواية ثابتة من طريق أخرى، ويشهد لها الحديث الذي قبله.

شرح حديث علي في غسل الذكر والخصيتين

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن هشام بن عروة عن عروة أن علي بن أبي طالب قال للمقداد، وذكر نحو هذا، قال: فسأله المقداد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليغسل ذكره وأنثييه.

قال أبو داود : ورواه الثوري وجماعة عن هشام عن أبيه عن المقداد عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: حدثنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن حديث حدثه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قلت للمقداد رضي الله عنه فذكر معناه.

قال أبو داود : رواه المفضل بن فضالة وجماعة والثوري وابن عيينة عن هشام عن أبيه عن علي بن أبي طالب ، ورواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن المقداد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أنثييه ].

هذا الحديث ذكر فيه المؤلف رحمه الله هذه الروايات المعلقة؛ ليبين الاختلاف في رواية غسل الذكر والأنثيين، ولهذا اختلف العلماء في غسل الأنثيين تبعاً لثبوت هذه الرواية أو عدم ثبوتها، ولكن الحديث الأول وهو حديث هشام بن عروة عن عروة فيه غسل الذكر والأنثيين، والمراد بالأنثيين الخصيتين، فهي ثابتة من رواية عروة بن الزبير عن علي ، وعروة معاصر لـعلي رضي الله عنه، وكان ابن عشرين سنة لما ذهب علي إلى الكوفة.

وكذلك غسل الأنثيين ثابت من رواية أبي عوانة الإسفرائيني في صحيحه من حديث سليمان بن حيان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله، وفيه يغسل ذكره وأنثيية، فتثبت رواية الغسل وعليه فيجب غسل الذكر والأنثيين -أي: الخصيتين- من المذي، وكأن الحكمة والله أعلم حتى يتقلص الإحليل وهذا خاص بالمذي، وأما البول فلا تغسل الأنثيان وإنما يغسل رأس الذكر فقط.

وقد أراد المؤلف أن رواية غسل الأنثيين غير واردة من وجه صحيح؛ لأن حديث زهير عن هشام بن عروة فيه انقطاع؛ فـزهير لم يسمع منه، وأما رواية عروة فثابتة، وكذلك رواية أبي عوانة الإسفرائيني ثابتة ذكرها ابن القيم رحمه الله، فرواية أبي عوانة عن علي ثابتة.

لكن رواية زهير عن هشام إن كانت ثابتة فتكون كل من الروايتين تعضد الأخرى، وإن لم تثبت كان المنقطع يعضد المتصل.

قال في الحاشية: وإسناد هذا الحديث واضح.

وهذا كأنه يرى سماع زهير وهو زهير بن حرب بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما معجمة مولاهم أبو خيثمة النسائي الحافظ، روى عن جماعة منهم ابن عيينة وحفص بن غياث، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما.

ولم يذكر روايته عن هشام فيحتاج إلى تأمل.

والصواب أن عروة سمع من علي بن أبي طالب، فقد كان ابن عشرين عاماً عندما ذهب معه إلى الكوفة.

شرح حديث سهل بن حنيف في نضح المذي بالماء

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم - أخبرنا محمد بن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال: (كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إنما يجزيك من ذلك الوضوء، قلت: يا رسول الله! فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك بأن تأخذ كفاً من ماء فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه) ].

هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وفيه أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، ولهذا قال: ( إنما يجزيك من ذلك الوضوء ).

وفيه أن المذي إذا أصاب الثوب فإنه يكفيه النضح وهو الرش بدون غسل؛ لأن نجاسته مخففة كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه؛ لأن الإنسان قد يبتلى به كثيراً ولاسيما الشاب، فالله تعالى خفف في حكمه بأن جعل نجاسته مخففة يكفيها الرش مثل بول الغلام الرضيع، وأما بول الجارية فلابد من غسله، ولهذا قال: ( يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح بها من ثوبك)، تنضح: بمعنى ترش، ( حيث ترى ) أي تبصر فيه، أو حيث ترى -بالضم- أي: تظن.

والنضح بالنسبة للذكر المراد به الغسل، وبالنسبة لما أصابه من الثوب فالمراد به الرش، فالنضح يأتي لهذا ولهذا. والمذي المعروف عنه أنه نجس، ونجاسته مخففة، ولا يجب فيه الغسل بل الوضوء. والمني الذي هو أصل الإنسان طاهر.

شرح حديث عبد الله بن سعد الأنصاري في غسل الذكر والخصيتين من المذي

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عبد الله بن وهب حدثنا معاوية -يعني ابن صالح - عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم ].

حرام بن حكيم بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين هو الأنصاري العبدلي، وأما المهاجرون ففيهم حزام بالزاي، وهو حزام بن حكيم .

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة) ].

وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وهو حديث لا بأس بسنده، وفيه دليل بين على غسل الذكر والأنثيين، وعلى أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، وأن المذي يكون عقب البول متصلاً به.

ومذى يمذي مثل مضى يمضي، ومن الرباعي أَمذى يُمذي.

وكل فحل يمذي، وهذا عام في جميع الفحول.

شرح حديث عبد الله بن سعد في استمتاع الرجل من امرأته الحائض

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هارون بن محمد بن بكار حدثنا مروان -يعني ابن محمد - حدثنا الهيثم بن حميد حدثنا العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه: (أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار، وذكر مؤاكلة الحائض أيضاً)، وساق الحديث ].

هذا الحديث فيه دليل على جواز استمتاع الرجل من امرأته الحائض بما فوق السرة؛ لقوله: ( لك ما فوق الإزار )، والإزار يكون من السرة إلى الركبة، وقد دل هذا الحديث على أنه يستمتع بما فوق السرة وهذا هو الأفضل، وأن يأمرها أن تضع إزاراً إذا أراد أن يستمتع بها، ولكن لا بأس في الاستمتاع بما تحت الإزار أيضاً بشرط اجتناب الفرج، ويدل على هذا حديث أنس عند مسلم : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي: إلا الجماع، فدل على أن قوله: ( لك ما فوق الإزار ) محمول على الاستحباب، فالأفضل أن يباشر ما فوق الإزار وأن يأمرها أن تضع إزاراً من السرة إلى الركبة، هذا هو الأفضل، ولكن لا بأس بالاستمتاع بما تحت الإزار مع اجتناب الجماع.

ويدل هذا الحديث على مؤاكلة الحائض، وفيه الرد على اليهود الذين لا يؤاكلون الحائض ولا يجالسونها ولا يجامعونها، بل يهجرونها في البيوت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ).

ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك سأله بعض الصحابة: أفلا نجامعها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظن أنه غضب عليه، والسائل هو أسيد بن حضير ثم جاءه بعد ذلك بلبن فسقاه، فعلم أنه لم يغضب عليه.

والحديث أخرجه غيره مطولاً عن معاوية يعني: ابن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن ثابت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في البيت؟ وكأن الشيخ اختصره، أو من ساق الحديث اختصره، وذكر أن رواية هذا الحديث ثابتة، وأن رواية حرام بن حكيم عن عمه ثابتة، فذكر الآن ما يتعلق بالاستمتاع من الحائض، ولم يذكر حكم الماء من الماء؛ اكتفاء بذكره الحديث السابق.

لكن في الحديث الذي بعده كذلك ذكر الاستمتاع، وكأن المؤلف رحمه الله أدخل حديث الاستمتاع، ووجه المناسبة أنه عند الاستمتاع تشتد الشهوة ويخرج المذي، فلهذا ذكره.

وحديث عبد الله بن سعد فيه الأمر بالاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، وحديث معاذ الذي سيأتي فيه أن التعفف عن ذلك أفضل، وصرح المؤلف بأن حديث معاذ ضعيف.

شرح حديث معاذ في جواز إتيان الحائض فيما فوق الإزار

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هشام بن عبد الملك اليزني حدثنا بقية بن الوليد عن سعد الأغطش وهو ابن عبد الله عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي قال هشام: وهو ابن قرط أمير حمص، عن معاذ بن جبل قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: فقال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل).

قال أبو داود : وليس هو -يعني الحديث- بالقوي ].

هذا الحديث ضعيف وقد ضعفه أبو داود رحمه الله، وفيه أربع علل إحداها: عنعنة بقية بن الوليد وهو مدلس.

والثانية: ضعف سعد الأغطش .

والثالثة: الانقطاع فإن عبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ.

والرابعة: في متنه نكارة، وهي زيادة قوله: (والتعفف من ذلك أفضل)، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستمتع بما فوق الإزار، وكان إذا أراد أن يستمتع من أهله أمرها بأن تضع الإزار فيستمتع بها، فكيف يكون التعفف أفضل، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث ضعيف.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن أبي داود كتاب الطهارة [13] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

https://audio.islamweb.net