اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأعداء الأربعة للشيخ : سعيد بن مسفر


الأعداء الأربعة - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن الإنسان في هذه الدنيا في صراع دائم ومعاناة وابتلاء، ولعل أهم أبواب هذا الصراع: صراعه مع أربعة أعداء، فأولهم وأكبرهم وأشدهم عليه الشيطان الرجيم، الذي تتمثل وظيفته في الحياة في إضلال الإنسان بأساليبه المختلفة، ثم تأتي بعد ذلك الدنيا وما فيها من البلايا التي قد تضل الكثير، ثم النفس التي بين الجنبين .. النفس الأمّارة بالسوء والتي لا تدل على خير أبداً، ورابع أعداء الإنسان الهوى، وما أدراك ما الهوى! نسأل الله أن ينصرنا على أعدائنا
الإنسان وصراعه في الحياة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الأحبة في الله! يعيش الإنسان في هذه الحياة في صراع دائم، وفي معركة مستمرة، وفي معاناة، وفي تعب، يقول ربنا عز وجل: يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6].ويقول عز وجل: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4] أي: تعب، ونكد، ومعاناة.وهذا الصراع والمعترك هو مقتضى الابتلاء الذي يمحص الله به بين المؤمنين والمنافقين، وبين الصادقين والكاذبين، وبين المدعين للدعوة التي لا تثبتها أدلة ولا براهين، وبين الصادقين الذين يدعون ويبرهنون على صدق دعواهم، فجاءت هذه الامتحانات، وجاء هذا الصراع، وجاءت هذه المعارك.وفَهْمُ الإنسان لهذه الحقائق يجعله يستشعر أهمية دوره في الصراع، ويهيئ نفسه للمواجهة، ويعرف أنه مطلوب منه ألا يقف مكتوف الأيدي أمام أولئك الأعداء، بل ينبغي له أن يواجه ويثبت ويصبر ويرابط، حتى تأتي ساعة النصر وهي ساعة دخول الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المنتصرين فيها.يقـول ربنـا عز وجل: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ... [آل عمران:185] هذا هو الفوز، وهذا هو النصر: ... وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] إذا دعيت باسمك، ويسمعك أهل الموقف، ويقال لك: ألا إن فلان بن فلان قد سَعُد سعادة لا يشقى بعدها أبداً؛ سيَبْيَضُّ وجهُك؛ وتأخذ كتابك بيمينك؛ وتباهي بهذه الشهادة الربانية وبهذا الكتاب المليء بالحسنات، وتقول لأهل الموقف: هَاؤُمُ اقْرَءوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] ويقول الله عز وجل: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [الحاقة:21] بدلاً عن عيشة الدنيا التي هي عيشة تعب ومعاناة ومكابدة وبلاء، وعيشة صبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله، يقول الله مخبراً عن أهل الجنة: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:26-28].فأهل الإيمان وأهل التصديق الذين خافوا الله في هذه الحياة، والذين رابطوا على حدود الشرع، والذين واجهوا الأعداء المتربصين بالنفس البشرية، وقاموا بالمرابطة عليها حتى ماتوا، يوم القيامة توضع عنهم هذه الأحمال، ويقول الإنسان: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20].فيقول الله: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:21-24]، جزاءُ بدلٍ وتعويض، أتضيع أعمالك هنا؟! أتريدها أن تضيع؟!لا والله، وذاك المضيِّع المتسيِّب، الضال الضائع الذي انغمس في شهواته وسيطرت عليه شبهاته هل يضيع؟! لا، لا بد له من يوم، يقول الله عز وجل: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الجاثية:21-22].فهذه المعارك الضارية والصراعات الطاحنة تدور في عدة جبهات مع النفس والإنسان؛ ولكن أبرز هذه المعارك تدور مع أربعة أعداء، جاء خبرهم في كتاب الله عز وجل، وإلا فالأعداء كثيرون؛ لكنهم يندرجون في النهاية تحت هؤلاء الأعداء الأربعة:
 

العدو الأول: الشيطان
أول عدو وأبرز وأشر عدو: الشيطان أعاذنا الله وإياكم منه:أخبرنا الله عز وجل عن عداوته في القرآن الكريم: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:87]؟! يقـول الله عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ... [فاطر:6] لماذا؟! قال: ... إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6].ويقول الله عز وجل: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس:60].ويقول لآدم: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ... [طه:117] انتبه! إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117] وحصل ما حذر الله عز وجل آدمَ منه؛ لأن إبليس وسوس وأخرج أبانا آدم من الجنة، وحصل له الشقاء؛ لكنه تاب وعاد فتاب الله عليه وهداه.
 كيفية تحصين النفس من الشيطان
فيا أخي! جنِّد نفسك من الآن لمحاربة الشيطان، وستستمر في الصراع مع الشيطان فترة طويلة كل العمر؛ ولكن لن تبقى الضراوة والحدة والقوة على درجة واحدة، الآن باعتبار أن الشيطان مسيطر على قيادة الإنسان وفي توجيه الإنسان سيجد صعوبة في البداية؛ لكن إذا فك هذه الرُّبُط والقيود منه وتركه وصارعه وَهَنَتْ وضعفت إلى أن تأتي لحظة من اللحظات لا يستطيع الشيطان فيها أن يضلك أبداً بأي ضلال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر رضي الله عنه، قال: (إيه يا ابن الخطاب ! والذي نفسي بيده ما سَلَكْتَ فجَّاً إلا سَلَكَ الشيطان فجَّاً آخر).لم يستطع الشيطان أن يمشي في الطريق الذي يمشي فيه عمر فضلاً عن أن يوسوس له أو يضله، لماذا؟لأنه تحرر نهائياً من رِبْقة الشيطان.وكذلك كل مؤمن إذا التحق بالله وأيقن بالله، وأخلص العبودية له عز وجل فإن الله يَحميه، كما قـال الله عز وجل: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42].وكما قال عز وجل: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنـُوا وَعَـلَى رَبِّـهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].فمقتضى العداوة أن تجنِّد نفسك للصراع على مخالفة أوامر الشيطان والوقوع في نواهيه بالإتيان بأوامر الله، وترك نواهيه.
العدو الثاني: النفس
العدو الثاني، والجبهة الثانية: هي جبهة النفس:نفسك أنت.نفسي ضدي؟!نعم.لا إله إلا الله! إذاً .. من هو الذي معي! ما دام أن الشيطان ضدي، ونفسي ضدي؟!أي: أنك أنت ضد نفسك!يقول الشاعر:إبليس والدنيا ونفسي والهوى ما حيلتي وجميعهم أعدائي لك حيلة مع نفسك! أن تتحرر وتتمرد على نفسك.النفـس البشـرية خالقها هو الله، يقول الله عز وجل: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7] أي: وما خَلَقَها وفَطَرَها وأَوْدَعـَها، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:8-10].نفسك هذه التي يُتَحَدَّث عنها أعظم حديث، الذي يتحدث عنها هو خالقها تبارك وتعالى؛ لأنه أعرف بصنعها: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14].هو صانعها.الجهاز مَن يعرف مشاكله وعطله، ويعرف إصلاحه إلا شركته الصانعة أليس كذلك؟! وإذا خرب أعطيناه للذي صنعه؛ لكنه إذا خرب وأعطيناه لغير صانعه أفسده.وإذا خرب المسجل وأعطيناه لمهندس السيارة، وقلنا: أصلحه، فقام وشحَّمه ونفخه هواءً. ما رأيكم؟! يصلح المسجل أم يخرب؟! يخرب؛ لأنه ليس هو الذي صنعه.وإذا خربت ساعتك وأعطيتها للنجار، فقام وأدخل فيها مسماراً في الوسط، فإنه يفسدها.كذلك النفس البشرية، مَن الذي خلقها؟!الله.ومَن الذي يعالجها ويصلحها؟!الله.وإذا أعطيناها لغير الله، ماذا يحصل؟!تفسد.ولهذا النفس البشرية اليوم فَسَدَت؛ لأنها عُوْلِجَت عند غير خالقها.
 صفات النفس
والحديث عن النفس البشرية أصدق حديث عنها إذا جاء عن الله؛ لأنه هو الذي خلقها ويعرف أسرارها، وقد ذكر الله عز وجل النفس البشرية في القرآن وبيَّن أن لها ثلاث صفات:1/ نفس أمارة بالسوء.2/ نفس لوامة.3/ نفس مطمئنة.فالنفس الأمارة بالسوء هي: طبيعة النفس، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53] ليست آمرة، بل أمَّارة، صيغة مبالغة، أي: لا تأمر إلا بالسوء، ولا تحب إلا الشر، تكره القيود، وتحب الدَّعة والتفلُّت والنوم، تريد الاسترخاء والضياع والضلال واللعب، ألا ترى أنك عندما تصلي التراويح في المسجد في رمضان مع إمام يطيل الصلاة، وأطول صلاة الآن لا تستغرق نصف ساعة، أو ساعة إلا ربع، أو ساعة على الأكثر، كم تحس فيها مِن التعب مِن نفسك؟! وهي تتعبك في رجليك وركبتيك ونفسك، وتنظر فتقول: يا ألله يا ربِّ! وتنظر في الساعة، وتقول: طوَّل الإمام، إلى أن تخرج وقد تَمَلَّخْتَ، وإذا خرجت من المسجد وذهبت إلى السوق لتتقضَّى فإنك تمر في السوق أربع ساعات متنقلاً من معرض إلى معرض، ومن دكان إلى دكان، وترجع إلى البيت كأنك تمشي على ورد، ولا تحس بتعب، مَن تعَّبك في المسجد، وريَّحك في السوق؟! إنها النفس الأمارة بالسوء.لماذا؟!لأنها تعرف أن جلوسك في المسجد فيه خير، وجلوسك في السوق فيه سوء، وضياع لحياتك، نظرة، خطرة، غفلة، مشكلة، معصية، إذاً .. هي ترغِّبك في الشر وتبعدك عن الخير، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53].هذه أصل طبيعة النفس، كل نفس بشرية أمارة بالسوء، لكن يتدخل الشرع وتأت أوامر الدين على هذه النفس فتغير من طبيعتها، وتجعلها أمارة بالخير، فتقاومُ النفس وتقول: لا. لن آمر بالخير، سأبقى آمر بالشر؛ لكن يُعَيِّي الإنسان أن يأمرها بالخير إلا غصباً، ثم بعد ذلك تحصل مرحلة ثانية، فتصير هذه النفس لوامة.ما معنى لوامة؟! قال العلماء: تدعو إلى الباطل، ثم تلوم عليه، تدعوك إلى الباطل، فإذا فعلتَه جاءت النفس وقالت لك: أين إيمانك؟! أين دينك؟! أين أنت؟! ألست مؤمناً؟! ألست متديناً؟! تزني؟! تسكر؟! تكذب؟! أين خوف الله؟!هذه هي اللوامة، وهذه مرتبة جيدة، أحسن من النفس الأمارة؛ لأنها تلومك قليلاً؛ ولكنها ترتقي بالمجاهدة، وبالعسف لهذه النفس، وبالتدريب، وبالمعاندة لها، إلى أن ترتقي إلى النفس المطمئنة؛ وهي النفس التي اطمأنت إلى الله، وسكنت إليه، اطمأنت إليه عقيدةً، واطمأنت إليه عبادةً، فاطمأنت إليه، فانتقلت من الجهل إلى العلم، ومن الظلام إلى النور، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الشك إلى اليقين، ومن حياة اللعب والفوضى إلى حياة الجد والانتظام، سكنت نفسك، اطمأنت، هذه النفس إذا اطمأنت يقال لها عند الموت: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي ... [الفجر:27-28] فقد أديتِ واجبكِ، وقمتِ بمسئوليتكِ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ... [الفجر:28] إلى فاطرك وخالقك، إلى الذي استجبتي لأمره، وانتهيتي عن نـهيه، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً ... [الفجر:28] في حقيقتها مَرْضِيَّةً [الفجر:28] أي: مرضي عنها من قبل خالقها وفاطرها، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:29-30] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذه النفوس.لكن متى تكون نفسك مطمئنة؟!تحتاج منك إلى جهد وجهاد، تحتاج منك إلى تدريب هذه النفس، ومخالفة لهوى النفس، يقول الله عز وجل: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40] نهاها.النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ الآن الشباب الذين نسميهم: الشباب الملتزم؛ شباب الصحوة، هؤلاء أناس كانوا عاديين، يسمعون الأغاني، ويفعلون المنكرات، ويتكاسلون عن الصلوات، وربما يتركونها، إي نعم؛ لكن حصل عندهم يقين، ويقظة في القلب، وشعور، وعرفوا أن الطريق الصحيح ليس هذا، وأن الطريق الصحيح هو الإسلام، فقرروا التوبة، وفَطَمُوا نفوسهم عن المعاصي، ما الذي حصل؟!لا شيء، كان الشخص منهم ينظر إلى الحرام، فقال: والله لن أنظر.كان يسمع الغناء، فقال: والله لن أسمع.كان ينام عن الصلاة، فقال: والله لن أنام، سأقوم لأصلي.ماذا حصل؟! هل حصل شيء؟!لا. النفس عندما رأت الجد منه استكانت؛ لأن النفس -كما يقول ابن القيم - كالفرس، إن وجدت خيَّالاً ماهراً مشت واستسلمت وأذعنت، وإن وجدت خيَّالاً عاثراً ولا يعرف، رَفَسَتْه، وأسقطته، وداست على بطنه ومشت عليه.لماذا؟!لأنه ليس بماهر.وكذلك أنت كن ماهراً مع هذه النفس، زُمَّ خطامها، ولذلك جاء في الحديث عند أحمد والترمذي: يقول عليه الصلاة والسلام: (الكيِّس -العاقل صـاحب اللب- مَن دان نفسـه -أي: أدانها، دائماً هي المدينة أمامه- وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني).النفس العدوة ينبغي لك أن تنصِّب نفسك لمجاهدتها، أي: تحارب نفسك، أنت تحارب نفسك، تحاربها على طاعة الله، تحاربها ضد معصية الله، تلزمها إلزاماً، تضربها بسوطِ التخويف بالنار، تشدها بشوقِ الترغيب في الجنة، مَنِّها بما في الجنة، خوِّفها بما في النار، ستجدها تمشي معك، وإذا مشت استرحت؛ لأن مِن الناس مَن هو حمارُ نفسه، تهدبه نفسُه في كل مكان، ومِن الناس مَن نفسُه حماراً له، يمشِّيها كيفما يريد.هذه هي النفس، وهذه أقسامها، ثلاثة أقسام:1/ نفس أمارة بالسوء: وهي نفس الفاجر.2/ نفس لوَّامة: وهي نفس المسلم الضعيف.3/ نفس مطمئنة: وهي نفس المؤمن القوي، الذي نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه النفوس.
العدو الثالث: الدنيا
العدو الثالث، والميدان الثالث من ميادين الصراع: ميدان الدنيا :-هذه الحياة الدنيا بما فيها من مغريات وشبهات وشهوات وملهيات، هذه عدو لك، وأبرز أعداء الدنيا: المال والبنون، يقول الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] .. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] مالك عدوك وأنت تجمعه، وولدك الذي من صلبك عدوك، الدنيا كلها عدوك، لماذا؟لأن هذه الدنيا تريد أن تصرفك عن الحقيقة التي خُلِقت من أجلها، فتعيش بعيداً عن ميادين الجدية، تعيش لاهياً وعابثاً وعاجزاً، تتفانى وتتصارع على الشهوات، وتغرق في شهوات البطون، وتستمتع بشهوات الفروج، فتقضي حياتك في غير طاعة الله عز وجل فتخسر.
 وقفة مع قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)
والله عز وجل قد أنبأنا عن حقيقة الدنيا على صيغة العلم، يقول ربنا عز وجل في سورة الحديد: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... [الحديد:20] هذه حقيقة الدنيا، الله يتحدث عنها وهو أعلم بها. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ .... [الحديد:20].لعب؛ أكثر الناس يحب أن يلعب.لَهْو.زينة؛ تغيير ملابس، تغيير سيارة، تغيير مفارش، تغيير موكيت، فقط زينة.تفاخر؛ أنا في رتبة كذا، أنا في مكان كذا، أنا عندي سيارة أحسن، أنا عندي كذا، أنا عندي رصيد، هذه هي الحياة الدنيا.وما مَثَلُها؟! قال الله ... كَمَثَلِ غَيْثٍ ... [الحديد:20] أي: نبات .. أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ ... [الحديد:20] وهل هناك غيث في الدنيا يستمر أخضر؟! لا، بل لا بد لكـل أخضـر أن يغْبَر ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ... [الحديد:20] هذا مَثَل الحياة للإنسان، غيث في فترة الشباب، ثم فترة الكهولة والشيخوخة، وهي مصَفِّر، ثم تصير حطاماً، ثم تموت، ... وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ... [الحديد:20] لمن؟! لمن لم يعرف أمر الله ولم يسِر على طريق الله ... وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ... [الحديد:20] لأهل الإيمان ... وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:20-21].هذا هو العدو الثالث؛ الدنيا، فانتبه منها! فلا تخدعك، فتجمع المال من الحرام، وترفع أرصدتك؛ لكن في النار، وتدخل عليك دخولاً من نار، انتبه! لا تأكل إلا طيباً، ولا تكنِز إلا طيباً، ولا تقع بقدمك إلا في طيب، حتى تسلم، أما الحرام فإنه لا يورِّث إلا الناراً -والعياذ بالله-، يقول عليه الصلاة والسلام: (كل لحم نَبَتَ من سحت فالنار أولى به).
العدو الرابع: الهوى
الميدان الرابع والأخير عدو لدود: الهوىأي: المزاج والكيف، كما يقول بعض الناس: أنا على كيفي!أنت على كيفك؟!لا. أنت عبد، هل علمتم بعبد يمشي على كيفه؟! أم إنه يمشي على كيف سيده؟! ما رأيكم؟! العبد المملوك يمشي على كيفه وهواه، أم على كيف سيده؟!على كيف سيده.وأنت ماذا أنت؟!عبد، نعم عبد.عبد لِمَن؟لمن خلقك، فلا ينبغي أن تكون على هواك، يجب أن تكون على مراد مولاك؛ لأنك إذا سرت على هواك ضللت، وإذا سرت على أمر مولاك هُدِيت، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ... [الجاثية:23] الذي اتخذ إلهه مولاه، ماذا حصل؟! قال الله: ... وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ... [الجاثية:23] لما اتخذ إلهه هواه أضله الله على علم ... وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ... [الجاثية:23] كيف سيرى، القلب مختوم، والسمع مختوم، والبصر عليه غشاوة، وهذا على علم، يعصي الله على علم، قال الله: ... فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23].انتبه! أخطر الأشياء عليك الهوى، المزاج، يجب أن يكون هواك ومزاجك موافق للشرع، ولهذا جاء في الحديث: يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به) أي: يكون مرادك وهواك ومزاجك موافقاً ومتبعاً لشرع الله ولما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الإيمان، أما أن يكون هواك ضد الشرع، ومزاجك ضد تكاليف الأمر والنهي، فهذا هوى شيطاني.
 وقفة أخيرة مع الأعداء الأربعة
هؤلاء هم الأعداء الأربعة:1/ إبليس.2/ النفس الأمارة بالسوء.3/ الدنيا.4/ الهوى.جنِّد نفسك -يا أخي- إن كنت تريد النجاة، وليس بينك وبين أن تضع عن كاهلك السلاح وأن تُلْقِي عن نفسك الصراع إلا أن تموت! وما أقرب أن تموت! فقد تموت هذه الساعة، وقد تموت الليلة، وقد تموت غداً، وقد تموت بعد شهر أو بعد سنة أو بعد سنوات، المهم أنك ستموت، ففترة الصراع محدودة؛ لكن فترة العذاب غير محدودة، فالذي يقول: والله لا أقدر أن أصارع! هذه صراعات صعبة! أظل أصارع الشيطان، وأصارع النفس؟! لا والله، أتركهم، أتركهم أمامي كلهم، فهذا صحيحٌ أنه ينبسط؛ لكنه يعذب عذاباً لا يُعَذَّبُ به أحداً من العالمين.ففترة الصراع محدودة ثم تنتهي، أما فترة العذاب فغير محدودة، ويتمنى الإنسان في الآخرة أنه يرجع، كما قال الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12].أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزكي نفوسنا، وأن يقبل صالح أعمالنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يهدينا إلى كل سبل الخير، وأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يوفق المسلمين وحكامهم إلى كل خير، وأن يصرفهم عن كل شر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأعداء الأربعة للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net