إسلام ويب

حث الشرع الحنيف على الطهارة والتنظف حثاً أكيداً، فأمر بالاستنجاء عند قضاء الحاجة، إما بالماء وإما بالحجارة، والماء أفضل؛ لما فيه من زيادة الإنقاء، ومن أراد الصلاة فعليه أن يتوضأ، فإنه لا تصح صلاة بغير وضوء، وقد حث الشرع على السواك؛ لما فيه من طهارة الفم والأسنان.

الاستنجاء بالماء

شرح حديث: (أن رسول الله دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الاستنجاء بالماء.

حدثنا وهب بن بقية عن خالد -يعني الواسطي - عن خالد -يعني: الحذاء - عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة وهو أصغرنا، فوضعها عند السدرة، فقضى حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء) ].

أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة: (باب في الاستنجاء بالماء)، والاستنجاء سبق أن ذكرنا أنه من النجو وهو القطع، وقيل له ذلك لأنه يقطع أثر الخارج من السبيلين، وقد ذكرنا أيضاً فيما مضى أن الاستنجاء يستعمل بالماء وبالحجارة، والاستطابة كذلك تأتي بالماء وبالحجارة، وأن الاستجمار خاص بالحجارة.

وهنا قال: الاستنجاء بالماء، قيل: لعل أبا داود رحمه الله أراد بذلك الرد على من كره أن يستنجى بالماء، قال: لأنه مطعوم فلا يباشر به الخارج، ولكن كما هو معلوم أن النجاسة عندما تزال إنما تزال بالماء، فهذا من جنسه، فكما أن النجاسة تزال بالماء فكذلك أيضاً أثر الخارج يزال بالماء ولا محذور في ذلك ولا مانع، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كلام لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والاستنجاء كما عرفنا يكون بالماء ويكون بالحجارة، ويمكن الجمع بين الحجارة والماء فيما إذا كان هناك شيء له جسم فإنه ينبغي أن يستعمل في ذلك الحجارة، فإذا كان الإنسان في مكان خالٍ وعنده حجارة وعنده ماء وكان هناك شيء من أثر الخارج من الإنسان له جرم لا يناسب أن تمسه اليد فيزال أو يذهب بالحجارة، ثم بعد ذلك إذا لم يبق إلا الأثر الذي على الجلد يزال بالماء، لكن حيث يكون الجرم موجوداً فإنه يزال بشيء آخر غير اليد، وبعد ذلك يؤتى بالماء، ويكون قد جمع بين الحجارة والماء، فالجمع بينهما في مثل هذه الحالة لا بأس به، بل هو المناسب؛ لأن فيه عدم مباشرة اليد للجسم النجس، وكذلك تأتي بعد إزالته بالحجارة إزالة أثره الذي على جسد الإنسان.

وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة، فوضعها عند السدرة)، يعني: عند شجرة من شجر السدر، (فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم وقد استنجى بالماء)، يعني: أنه استعمل الماء لإزالة أثر الخارج، وهذا نص صريح في استعمال الماء؛ لأنه قال: (قد استنجى بالماء) يعني: وضعه عند السدرة، والرسول صلى الله عليه وسلم استعمله وخرج إليهم عليه الصلاة والسلام وقد استنجى بالماء، يعني: قد استعمل هذا الماء الذي وضعه الغلام الصغير عند السدرة، وهذا نص واضح في استعمال الماء في الاستنجاء، ولا يقال: إنه وضوء؛ لأن الاستنجاء غير الوضوء، فالاستنجاء خاص بمحل الخارج، والوضوء إنما يكون على الأعضاء التي ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز، وهي: غسل الوجه -ومنه المضمضة والاستنشاق- وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، هذا هو الوضوء.

والحديث فيه دليل على جواز الخدمة في مثل ذلك، وأنه يتولاها الصغار أنسب من أن يتولاها الكبار، ولا بأس بأن يتولاها الكبار، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب معه كبار وصغار، لكن هذا الحديث الذي ذكره أنس قال: (غلام -أي: صغير- معه ميضأة) والميضأة هي: الوعاء الذي فيه الماء الذي يتوضأ به أو يتطهر به، ويكون صغيراً على قدر حاجة الوضوء، هذا هو الذي يقال له: ميضأة.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة...)

قوله: [ حدثنا وهب بن بقية ].

وهب بن بقية ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي.

[ عن خالد -يعني الواسطي -].

خالد هو ابن عبد الله الواسطي ، ووهب بن بقية عندما روى عن شيخه خالد الواسطي ما زاد على كلمة خالد ، يعني: ذكره مهملاً غير منسوب، فالذي دون وهب بن بقية -وهو أبو داود أو من دونه- هو الذي أتى بكلمة الواسطي وأتى بعدها بكلمة (يعني).

و خالد بن عبد الله الواسطي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

[ عن خالد -يعني: الحذاء -].

وأيضاً خالد الواسطي عندما روى عن شيخه خالد الحذاء ما زاد على كلمة خالد، فمن دونه أتى بكلمة الحذاء وقال (يعني: الحذاء )، وخالد الحذاء هو خالد بن مهران الحذاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والحذاء لقب، قالوا: ولم يكن حذاءً، يعني: يصنع الأحذية؛ لأن النسب تأتي على هذه الصيغة، مثلما يقال: نجار وحداد وخباز، فهذه نسبة إلى هذه الحرفة وإلى هذا العمل، فـالحذاء قد يتبادر إلى الذهن أنه يصنع الأحذية، هذا هو المتبادر إلى الذهن، لكن قالوا: ولم يكن يصنع الأحذية، ولكنه كان يجالس الحذائين فقيل له: الحذاء ؛ لمجالسته الحذائين، فهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن؛ لأن هذه نسبة لكونه كان يجالس الحذائين، ويقال له: الحذاء وهذه نسبة لا تسبق إلى الذهن.

ويقال: إنه كان عند حذاء فقال له: احذ على كذا، يعني: أنه أعطاه نموذجاً أو مثالاً وقال له: احذ عليه، يعني: اعمل شيئاً على حذائه وعلى مقاسه وعلى مقداره، فقيل له: الحذاء لذلك، وهو لقب كما أشرت إلى غير ما يسبق إلى الذهن.

[ عن عطاء بن أبي ميمونة ].

عطاء بن أبي ميمونة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

[ عن أنس بن مالك ].

أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكرهم مراراً.

شرح حديث سبب نزول قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نزلت هذه الآية في أهل قباء: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة:108] قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية) ].

أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه في سبب نزول الآية: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة:108]، وأنها نزلت في أهل قباء، وهم الذين نزل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة، فإنه نزل هناك وبنى مسجد قباء وكان يصلي بالناس فيه، وبعد أيام انتقل إلى المدينة وبدأ ببناء مسجده صلى الله عليه وسلم وحجراته المجاورة للمسجد.

وحديث أبي هريرة فيه أن أهل قباء أثنى الله عز وجل عليهم وأخبر بأنهم يحبون أن يتطهروا، وكانوا يستنجون بالماء، يعني: كانوا يستعملون الماء لإزالة أثر الخارج، وهذا يدل على الاستنجاء بالماء وأنه لا مانع منه ولا محذور فيه، وليس كما قاله بعض أهل العلم: إنه مطعوم فلا يستنجى به، بل يستنجى بالماء ويستنجى بالحجارة، والاستنجاء بالماء أكمل من الاستنجاء بالحجارة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل الماء ويستعمل الحجارة، ولكن استعمال الماء لا شك أنه هو الأتم والأكمل في التطهر وفي حصول النظافة التامة.

تراجم رجال إسناد حديث سبب نزول قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)

قوله: [ قال حدثنا محمد بن العلاء ].

محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب مشهور بكنيته، ويذكر باسمه ونسبه، وقد مرت عدة أحاديث عند أبي داود يذكره باسمه ونسبه، فـمحمد بن العلاء هو أبو كريب وكثيراً ما يأتي بكنيته عند بعض المحدثين وأحياناً يجمع بين الكنية والاسم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

[ عن معاوية بن هشام ].

معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

[ عن يونس بن الحارث ].

يونس بن الحارث ضعيف، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة .

[ عن إبراهيم بن أبي ميمونة ].

إبراهيم بن أبي ميمونة مجهول، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة .

وكلمة (مجهول) إذا أطلقت فيراد بها مجهول العين، وإذا أضيف إليها أنه مجهول الحال فمعناه أن عينه معروفة ولكن جهلت حاله من الثقة والعدالة.

[ عن أبي صالح ].

أبو صالح هو ذكوان السمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي صالح وهو كثير الرواية عن أبي هريرة ، ويأتي ذكره كثيراً بالكنية، واسمه ذكوان ولقبه السمان ، وأيضاً يقال له: الزيات ؛ لأنه كان يجلب الزيت ويجلب السمن ويبيعهما، فكان يقال له السمان ويقال له: الزيات ، نسبة إلى المهنة وإلى العمل الذي كان يعمله، فالسمان والزيات والنجار والخباز والحداد كلها نسب، فهذا اللفظ يراد به النسبة، يعني: أن صاحبه منسوب إلى هذه المهنة، فالخباز منسوب إلى بيع الخبز أو إلى صناعة الخبز وهكذا، وهذا اللفظ على صيغة المبالغة، لكنه لا يراد به المبالغة إذا أريد به المهنة والحرفة، وإنما يراد به النسبة إلى هذا العمل، وقد جاء في القرآن الكريم: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وكلمة (ظلام) ليس المقصود بها نفي المبالغة؛ لأن نفي المبالغة لا ينفي الأصل؛ فإن أصل الظلم بالنسبة لله عز وجل منفي عنه عز وجل، وليس النفي هنا للمبالغة، وإنما المعنى: ليس بذي ظلم، يعني: ليس بمنسوب إلى الظلم.

[ عن أبي هريرة ].

هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر السبعة من الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والحديث في إسناده رجلان أحدهما: مجهول حال، والآخر ضعيف، ولكن قصة نزول الآية في أهل قباء والثناء عليهم فثابت، وإنما الذي فيه كلام والذي لم يصح هو ما جاء أنهم يجمعون بين الحجارة والماء، ويجمعون بين الاستنجاء والاستجمار، هذا هو الذي لم يثبت، وأما قضية استنجائهم بالماء فهذا ثابت.

دلك الرجل يده بالأرض إذا استنجى

شرح حديث أبي هريرة: (كان النبي إذا أتى الخلاء أتيته بماء...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى.

حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك وهذا لفظه (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله -يعني: المخرمي - حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن المغيرة عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة فاستنجى).

قال أبو داود : في حديث وكيع : (ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ).

قال أبو داود : وحديث الأسود بن عامر أتم ].

ذكر المغيرة في السند زيادة غير صحيحة، وإنما إبراهيم يروي عن أبي زرعة .

وهنا أورد أبو داود رحمه الله باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى، وقد ذكرت مراراً وتكراراً أن ذكر الرجل لا مفهوم له؛ لأن الأحكام هي للرجال والنساء، لكن لكون الغالب أن الخطاب والكلام إنما هو مع الرجال يأتي التعبير بالرجل، وليس له مفهوم أن المرأة لا تكون كذلك، وكذلك يأتي في أكثر الأحاديث ذكر الرجل أو الرجال والأحكام هي عامة للرجال والنساء، وذكر الرجل أو الرجال إنما هو لكون الخطاب معهم في الغالب، هذا هو السر والسبب في التنصيص على الرجال مع أن الحكم يعم الرجال والنساء ولا يختص بالرجال دون النساء، والمقصود: أنه عند الاستنجاء إذا كان في اليد أثر أو رائحة فإنها تدلك على الأرض حتى تزول تلك الرائحة أو ذلك الأثر الذي فيها من أثر النجاسة، ويمكن أنه في بعض الأحيان قد يكون الماء قليلاً فيحتاج معه إلى دلك، وأما إذا كان الماء كثيراً فإنه يتابع الإزالة بالماء حتى يزول الأثر عن اليد وعن الجسد وعن المكان الذي فيه النجاسة حتى يزال منه أثر النجاسة، هذا هو المقصود بالدلك، فإذا كان هناك حاجة إلى دلك اليد فإنها تدلك بالأرض وبالتراب.

أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد جاء من طريقين: من طريق الأسود بن عامر عن شريك ، ومن طريق وكيع عن شريك ، وذكر أبو داود رحمه الله الحديث على لفظ الأسود بن عامر عن شريك حيث قال: وهذا لفظه.

يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة فاستنجى) والتور والركوة وعاءان، يعني: إما هذا أو هذا، ويحمل فيهما الماء ويوضع فيهما الماء.

وقوله: (فاستنجى) هذا يدل على ما دل عليه الباب الذي قبله من ذكر الاستنجاء بالماء؛ لأنه ذهب بماء في تور أو ركوة فاستنجى صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: وفي حديث وكيع الذي هو الطريق الثاني: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دلك يده بالأرض، ثم أتاه بماء آخر فتوضأ)، وفيه تنصيص على الدلك الذي هو محل الشاهد للترجمة.

وفيه أيضاً أن الإناء الذي توضأ منه غير الإناء الذي استنجى منه، ولعل السبب في ذلك: أن الماء لم يكن كافياً فانتهى، أو أنه ما بقي منه إلا القليل الذي لا يكفي للوضوء فاتاه بماء آخر وتوضأ به، وهو لا يدل على أن الماء الذي يتوضأ به غير الماء الذي يستنجى به، فلا مانع من أن الإنسان يكون معه ماء في وعاء يستنجي منه ثم يتوضأ بباقيه، لا بأس بذلك ولا مانع منه، والذي ورد في الحديث لعل السبب فيه أنه إما انتهى الماء الأول الذي بالتور أو الركوة أو أنه بقي منه قليل لا يكفي، فأتاه أبو هريرة بإناء آخر فيه ماء فتوضأ به صلى الله عليه وسلم.

وقوله: [ قال أبو داود : وحديث الأسود بن عامر أتم ] الأسود بن عامر هو الأول، وحديث وكيع فيه ذكر الدلك وفيه ذكر الوضوء، وفي (عون المعبود) فسر ذلك وقال: إن حديث الأسود بن عامر أتم وحديث وكيع أنقص، وذكر أن حديث وكيع روي بصيغة أخصر فيها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه ماء فجلس وتوضأ).

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (كان النبي إذا أتى الخلاء أتيته بماء...)

قوله: [ حدثنا إبراهيم بن خالد ].

إبراهيم بن خالد ثقة، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة .

[ عن الأسود بن عامر ].

الأسود بن عامر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

[ عن شريك ].

هو شريك بن عبد الله النخغي القاضي الكوفي صدوق يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

[ قال: وهذا لفظه ].

أي: لفظ الأسود بن عامر ؛ لأن شريكاً ذكر في الإسنادين، فالذي يراد بقوله: (وهذا لفظه) أي: لفظ الأسود عن شريك ، وأما لفظ وكيع عن شريك فهو الذي أشار إليه في الآخر أو أشار إلى ما اشتمل عليه في الآخر؛ لأنه ساق حديث الأسود بن عامر على لفظه حيث قال: (وهذا لفظه)، وأما الآخر فقال: حديث وكيع كذا، واشتمل على كذا.

[ ح وحدثنا محمد بن عبد الله ].

ثم قال: (ح) وهذه (ح) هي للتحول من إسناد إلى إسناد؛ لأن أبا داود رحمه الله ذكر الإسناد الأول ثم ذكر إسناداً آخر؛ ليبدأ بشيخ آخر من شيوخه وهو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي

، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي .

[ حدثنا وكيع ].

وكيع هو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة مشهور مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

[ عن شريك عن إبراهيم بن جرير ].

إبراهيم بن جرير هو ابن عبد الله البجلي، وأبوه هو الصحابي الجليل جرير بن عبد الله وإبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

[ عن المغيرة ].

قوله: (عن المغيرة ) ذكر (عن المغيرة ) جاء زيادة خطأً؛ لأنه ليس من رجال الإسناد، وإنما الذي في الإسناد هو رواية إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، ولهذا المزي في تحفة الأشراف لما ذكر رواية إبراهيم قال: إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة.. ثم ذكر هذا الحديث، فالحديث عن إبراهيم عن ابن أخيه، وليس فيه المغيرة بينهما، وفي (عون المعبود) ذكر عدة وجوه تدل على أن هذا زائد غير ما فعله المزي ، فإنه ذكر عدة وجوه من الأدلة الدالة على أن هذا لفظ مقحم، وأنه زيد في الإسناد خطأً وليس في رجال الإسناد هنا شخص يقال له: المغيرة، بل الحديث من رواية إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير .

وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي زرعة .

وأبو زرعة يطلق على عدد من الرواة، لكن هذا شخص متقدم؛ لأنه من التابعين يروي عن أبي هريرة ، وهناك أبو زرعة الرازي في القرن الثالث الهجري من شيوخ الإمام مسلم وهو عبيد الله بن عبد الكريم ، وهناك أبو زرعة الدمشقي وهو كذلك في زمانه، وهناك أبو زرعة العراقي الذي هو ابن العراقي زين الدين ، فهناك عدد من العلماء يلقبون بأبي زرعة، لكن هذا شخص متقدم؛ لأنه من التابعين يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو يروي عنه أحاديث كثيرة، ومما رواه عنه آخر حديث في صحيح البخاري : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).

[ عن أبي هريرة ]

أبو هريرة مر ذكره.

ما جاء في السواك

شرح حديث: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب السواك.

حدثنا قتيبة بن سعيد عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه قال: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة) ].

أورد أبو داود رحمه الله باب السواك. وذلك بعد أن أورد أبو داود رحمه الله التراجم المتعلقة بالاستنجاء والاستجمار وآداب قضاء الحاجة، وهي أبواب متعددة تتعلق بآداب قضاء الحاجة وبما يكون به إزالة أثر الخارج بعد ذلك، ثم انتقل إلى الطهارة وإلى الوضوء وكذلك تطهير الفم وتنظيفه حتى تكون رائحته طيبة، وذلك باستعمال السواك، وقد جاء في سنن النسائي أنه قال عليه الصلاة والسلام: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، فالسواك فيه فائدة دنيوية وهي كونه مطهرة للفم، وفيه فائدة دنيوية وأخروية وهي أنه مرضاة للرب؛ لأن رضا الرب عز وجل فيه الفوائد الدنيوية والأخروية، وفيه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بين الفائدة والحكمة من مشروعية السواك، وأن فيه طهارة ونظافة ونزاهة ورائحة طيبة، وفيه رضا الله سبحانه وتعالى حيث قال عليه الصلاة والسلام: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).

وهذا الحديث فيه الجمع بين ذكر الفائدة العاجلة والآجلة؛ لأن الفائدة العاجلة هي في كونه مطهرة للفم، والفائدة العاجلة والآجلة هي كونه مرضاة لله سبحانه وتعالى؛ لأن مرضاة الله عز وجل فيها الفوائد العاجلة والآجلة، ويشبه هذا -أي: الجمع بين الفائدتين: العاجلة والآجلة- ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه في مرض موته لما طعنه المجوسي الطعنة التي نال الشهادة بها وتحقق بذلك ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أنه شهيد، وأيضاً استجاب الله دعاءه بأن ينال الشهادة في سبيل الله وأن يكون ذلك في بلد رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه دعا بهذه الدعوة في إحدى سفراته، كما في صحيح البخاري أنه قال: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل وفاتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم)، وقد حقق الله له ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وطعن وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، طعنه رجل مجوسي، وبقي أياماً وبطنه مفتوحة، وكانوا يسقونه اللبن فيخرج من جوفه، ويسقونه الماء فيخرج من جوفه، وكان يغمى عليه ويفيق، فكان الناس يعودونه، فممن عاده رجل شاب جاء إليه وأثنى عليه ومدحه، وقال: هنيئاً لك يا أمير المؤمنين! صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسنت صحبته، ثم صحبت أبا بكر، ثم وليت، ثم شهادة، ثم كذا وعدد له أشياء يمدحه فيها فقال: (وددت أن يكون ذلك كفافاً لا علي ولا لي)، وهذا من تواضع أولياء الله، كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] فلما ذهب الغلام وإذا ثوبه يمس الأرض فقال: (ردوا علي الغلام. فردوه إليه، فقال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك)، أنقى لثوبك يعني: لا يتوسخ ولا يصيبه شيء من الأذى إذا رفعته، وهذه فائدة عاجلة وفائدة دنيوية، والفائدة العاجلة والآجلة في قوله: (وأتقى لربه)؛ لأن تقوى الله عز وجل فيها الفوائد الدنيوية والأخروية، كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وقال عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، وقال سبحانه: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29].

فأرشده رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى هذه الفوائد العاجلة والآجلة بقوله: (ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك) فهذا من جنس ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، ففي الحديث فائدة دنيوية وفائدة دنيوية وأخروية، وعمر رضي الله عنه وأرضاه قال هذا الكلام مع ما هو فيه من الشدة، فمع ما هو فيه من الشدة ما تساهل في أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي نبهه رجل أثنى عليه ومدحه مدحاً عظيماً، ولكنه لما رأى هذا الأمر المنكر نبهه عليه، وهذا يدلنا على أن الأمور المحرمة ينبه عليها، ولا يتساهل في بعض الأمور كما يقال في هذا الزمان بعض العبارات الخاطئة، كقولهم: الدين فيه لباب وقشور! وبعض الناس يتكلم في القشور ويترك اللباب.

وهذا كلام ساقط؛ فإن الدين كله لباب ولا قشور فيه، وإذا كان عمر رضي الله عنه وأرضاه قد نبه على تحريم الإسبال والابتعاد عنه مع ما هو فيه من الشدة وما هو فيه من المرض الشديد والألم الشديد، فهذا يدلنا على أن أمور الدين كلها يجب العناية بها، ولكن عندما تكون هناك أمور مجتمعة يبدأ بالأهم فالأهم، يعني: إذا كان هناك أمر خطير وقع فيه الإنسان وأمر آخر دونه بكثير فلا يذهب ويتكلم في الأمر اليسير ويترك الأمر الخطير، بل الواجب البداءة بالأمر الخطير والأمر الشديد والعظيم، ثم بعد ذلك يؤتى بما وراءه، كما فعل رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ فإن كل نبي من الأنبياء كان يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ثم بعد ذلك ينبه على الأخطاء التي وقع فيها قومه، مثل الذين كانوا ينقصون المكاييل والموازين، فإن نبيهم بعدما دعاهم إلى التوحيد نبههم على ما عندهم من الأخطاء وما عندهم من الأمور المحرمة، فبدأ بالأهم فالأهم.

والرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ..)، وهذا يبين لنا تقصير الذين ينتسبون إلى الدعوة في هذا الزمان ويعنون بأمور فرعية وأمور جزئية وهي في الحقيقة مهمة، ولكن أهم منها إخلاص العبادة لله عز وجل والابتعاد عن الشرك وتحقيق التوحيد، وهذا هو الأهم، وهذا هو الذي يجب البداءة به ويجب العناية به، والأمور الأخرى تأتي تبعاً، لكن لا تكون هي كل شيء وهي الشغل الشاغل، والشيء الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم هو الذي يهمل وهو الذي يغفل عنه، فقد يرى بعض هؤلاء الناس يطوفون بالقبور ويستغيثون بالأموات ولا يحرك ذلك عندهم ساكناً، وتكون هناك أمور جزئية وأمور فرعية يشتغلون بها ولا يلتفتون إلى هذا الوباء وهذا الضرر الكبير الذي يقع فيه كثير من المسلمين في كثير من أقطار الأرض، ومع ذلك لا ينبهون على هذه الأخطاء ولا يتكلمون فيها.

فالواجب هو التنبيه على ما هو أخطر، ثم بعد ذلك ينتقل إلى ما هو دونه، والذي يغفل الجانب الأعظم والجانب الأهم الذي هو التوحيد فإنه مثل الإنسان الذي يرى إنساناً فيه جرح ينزف ويرى فيه دمل في أحد أطرافه فيأتي ليعالج الدمل ويترك الجرح الذي ينزف على ما هو عليه مع أن ذاك يؤدي إلى الهلاك وهذا أمره أخف!

فالواجب هو العناية بأصول الدين وفروعه كلها، ولا يجوز أن يقال: إن الدين فيه لباب وقشور، بل كله لباب، ولكنه متفاوت في الأهمية، فهذا اللباب ليس على حد سواء، بل هو متفاوت، وأهم شيء وأعظم شيء يدعى إليه وينبه عليه هو إفراد العبادة لله عز وجل والابتعاد عن معصيته وعن الشرك الذي هو محبط للذنوب والذي لا يغفره الله عز وجل وكل ذنب دونه فهو تحت مشيئة الله عز وجل.

وهذا الذي جاء في هذا الحديث تحت هذه الترجمة التي هي باب السواك، فيه بيان فائدة السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا الحديث الذي عند النسائي والمشتمل على أنه مطهرة للفم ومرضاة للرب.

والحديث يجر بعضه بعضاً، وقد دعا ذلك إلى أن نذكر المثال المناسب الموافق له، ثم بيان ما كان عليه عمر رضي الله عنه من الاعتناء بجميع أمور الدين، وأن هذا الذي يقال: إنه عندما ينبه الإنسان إنساناً يجر الثياب يكون هذا اشتغالاً بالقشور، هذا قول باطل، ثم ليتهم حين يتركون هذا يدعون إلى التوحيد أو ينبهون الناس على فضل التوحيد؛ وإنما يدعون إلى أمور أخرى هي شغلهم الشاغل، ولا يتكلمون إلا فيها في الليل والنهار!

وقد انتهى أبو داود رحمه الله من الأحاديث المتعلقة بالاستنجاء والاستجمار وآداب قضاء الحاجة وما يتعلق بذلك، ثم انتقل إلى الطهارة وبدأ بالطهارة التي تسبق الوضوء وتعقبه سواء كان الإنسان على وضوء أو على غير وضوء.. قبل الوضوء وبعد الوضوء.. عند الوضوء وعند الصلاة، فكون الإنسان يستاك ليس له وقت معين، ولكنه جاء فيه ما يدل على استعماله في بعض الأحوال وفي بعض المناسبات مثل: عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند القيام من النوم، وعند دخول المنزل، وكذلك عند تغير رائحة الفم، وفي مناسبات جاءت بها السنة.

وعلى كل حال السواك ليس له أوقات معينة، فيمكن الإنسان أن يستاك في أي وقت.

ثم أورد المصنف حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ]، وفي بعض الروايات: (لولا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وهذا يدل على أهمية السواك وأنه ينبغي استعماله وأن يحرص عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما منعه من أن يأمر به أمر إيجاب إلا خوفه من المشقة على الناس، لكن بقي الاستحباب وبقي الندب؛ لأن قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)، يعني: أمر إيجاب؛ وأما الأمر بالندب فموجود وقائم، ولكن الذي ما حصل هو الإيجاب، ولهذا استنبط بعض أهل العلم من هذا الحديث فائدتين أصوليتين إحداهما: أن الأصل في الأوامر الوجوب؛ لأن قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم..) فيه أنه لو لم يكن الأصل في الأمر الوجوب ما قال هذا رسول الله؛ لأنه لو أمرهم به لوجب عليهم، ولحصل بذلك مشقة، فدل هذا على أنه لم يأمرهم به أمر إيجاب، ولكن بقي أمر الاستحباب.

الثانية: إثبات الندب، وأن أحكام الشرع ليست على حد سواء، ففيها ما هو مأمور به على سبيل الإيجاب، وفيها ما هو مأمور به على سبيل الاستحباب، فهذا الحديث فيه الدلالة على تقسيم الأشياء المأمور بها إلى واجب ومستحب.

فهذا الحديث فيه الدلالة على قاعدة الأصل في الأوامر الوجوب، وعلى تقسيم الأوامر إلى ما هو واجب وإلى ما هو مستحب.

والأصوليون يعرفون الواجب بقولهم: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه ويطلبه الشارع طلباً جازماً، والمندوب هو: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ويطلبه الشارع طلباً غير جازم.

وقوله: [ (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة) ]، يعني: بتأخير العشاء عن أول وقتها، والصلوات كلها يستحب الإتيان بها في أول وقتها إلا العشاء؛ فإن تأخيرها -إذا لم يكن هناك مشقة- أفضل، وكذلك الظهر في وقت شدة الحر الأفضل الإبراد بها، وأن تؤخر حتى تنكسر حدة الشمس وشدة الحر، والمقصود هو التأخير حيث لا يكون هناك مشقة، لكن إذا وجدت المشقة وشق على الناس التأخير فإن تقديمهم الصلاة هو المطلوب، فلو وجد أناس كانوا قد تعبوا وكدحوا يشق عليهم أن تؤخر الصلاة فإنها تقدم الصلاة.

فالأصل أن الصلاة تكون في أول وقتها، ولكن إذا كان هناك جماعة مع بعض وكانوا سيجلسون وسيتأخرون في جلوسهم وأرادوا أن يؤخروا فإن ذلك أفضل إذا لم يخش أن يخرج الوقت، أما إذا كان هناك خشية خروج الوقت فلا يجوز تأخير الصلاة إلى آخر وقتها أو إلى قريباً من ذلك إذا كان يترتب عليه فوات الصلاة في وقتها.

تراجم رجال إسناد حديث: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة)

قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

[ عن سفيان ].

سفيان هو ابن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

وإذا جاء سفيان يروي عنه قتيبة فالمراد به سفيان بن عيينة ؛ لأن سفيان بن عيينة متأخر عن سفيان الثوري ، فـسفيان الثوري توفي سنة (161هـ)، وابن عيينة توفي سنة (197هـ) يعني: قريباً من المائتين، فهو متأخر وقتيبة عمر؛ لأن عمره بلغ تسعين سنة، فقد ولد سنة (150هـ) ومات سنة (240هـ) فأدرك عشر سنوات من حياة الثوري ، لكن عندما يأتي سفيان يروي عنه قتيبة فالمراد به ابن عيينة المكي .

[ عن أبي الزناد ].

أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان مشهور بلقبه أبي الزناد ، وهو لقب على صفة الكنية؛ لأن أبا الزناد ليس كنية وإنما هو لقب على صيغة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن .

وهو عبد الله بن ذكوان المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

[ عن الأعرج ].

الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، والأعرج لقب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

[ عن أبي هريرة ].

أبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره.

وأحاديث أبي هريرة يأتي فيها كثيراً أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، والأعرج أحياناً يأتي بلقبه وأحياناً يأتي باسمه عبد الرحمن بن هرمز ، والأعرج لقب وقد ذكرنا فيما مضى أن معرفة الألقاب ومعرفة الكنى مهمة، فائدتها: ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما لو ذكر باسمه مرة وبقلبه مرة أخرى، فإن من لا يعرف ذلك قد يظن أن هذا شخص وهذا شخص مع أن الواقع أن الاسم واللقب كليهما يرجعان إلى شخص واحد وليس إلى شخصين.

وقوله: [ عن أبي هريرة يرفعه ].

كلمة (يرفعه) تعادل (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: بدل ما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يرفعه) فهذه الصيغة تعادل (قال رسول الله).

فقوله: (يرفعه) يعني: يرفعه ويسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه من العبارات التي تدل على الرفع وليس فيها التصريح بإضافة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها بمعناه وبحكمه، ومثلها: يبلغ به، ورواية، وقد سبق أن ذكرنا في الدروس الماضية أن قوله: (رواية) يعني: يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو كان من كلامه ما قال فيه: يرفعه، ولا قال: رواية، وإنما يقول: عن أبي هريرة قال كذا، يعني: فيكون موقوفاً عليه، لكن حيث يأتي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يرفعه أو ينميه أو رواية أو يرويه وما إلى ذلك فإن هذه الصيغ كلها بمعنى الرفع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وإسناد الحديث إليه وأنه من كلامه صلى الله عليه وسلم وليس موقوفاً على الصحابي، وكما هو معلوم أيضاً أن لفظ الحديث لا يمكن أن ينطق به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) هذا لا ينطق به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون من كلام الصحابي، بل هو من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

شرح حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، قال أبو سلمة : فرأيت زيداً يجلس في المسجد وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك ].

أورد أبو داود حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وهذا الحديث لفظه مثل لفظ حديث أبي هريرة إلا أنه بلفظ (أمتي) وهناك بلفظ: (على المؤمنين) وهناك زيادة ذكر العشاء وتأخير العشاء، وهنا خاص بالسواك.

وقوله:[ (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ] الكلام فيه كالكلام في حديث أبي هريرة المتقدم.

ثم أخبر أبو سلمة الذي يروي عن زيد بن خالد أن زيد بن خالد رضي الله عنه كان يصطحب معه السواك ويكون من أذنه منزلة القلم من أذن الكاتب، وأنه كان إذا قام إلى الصلاة استاك.

وهذا يدل على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من المبادرة ومن الملازمة لتنفيذ الأحكام وتنفيذ السنن وتطبيقها، وأنهم كانوا يستسلمون وينقادون لما يأتي عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهم السباقون إلى كل خير والحريصون على كل خير، ما كان مثلهم قبلهم ولا يكون بعدهم مثلهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم خير الناس وأفضل الناس وهم أسبق الناس إلى كل خير، وهم أحرص الناس على كل خير، وكل خير في اتباعهم، وكل شر في اتباع من خلف ولم يكن من السلف.

تراجم رجال إسناد حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)

قوله: [ حدثنا إبراهيم بن موسى ].

إبراهيم بن موسى هو الرازي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

[ عن عيسى بن يونس ].

هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

[ عن محمد بن إسحاق ].

هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني صدوق مدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

[ عن محمد بن إبراهيم التيمي ].

محمد بن إبراهيم التيمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

[ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ].

أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ثقة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

[ عن زيد بن خالد الجهني ].

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. والله أعلم.

شرح حديث: (أن رسول الله أُمر بالوضوء لكل صلاة ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا أحمد بن خالد حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر رضي الله عنهما لكل صلاة طاهراً وغير طاهر عمَّ ذاك؟ فقال: حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنهما حدثها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك لكل صلاة)، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة.

قال أبو داود : إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله بن عبد الله ].

سبقت ترجمة أبي داود لباب السواك، ومر ذكر بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فيها بيان تعظيم شأن السواك والحث عليه والترغيب فيه، وأنه لم يكن واجباً، ولكنه كان مندوباً إليه مرغباً فيه؛ حيث قال عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).

ثم أورد أبو داود رحمه الله أن محمد بن يحيى بن حبان سأل عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، يعني: سواء كان على وضوء أو كان على غير وضوء: ما هو المستند في هذا؟ وما هو الدليل؟ أو ما الذي عول عليه في ذلك؟ فـابن عمر رضي الله عنه كان يتوضأ لكل صلاة سواء جاء وقت الصلاة وهو على وضوء أو أنه جاء وقد أحدث، فكان يتوضأ لكل صلاة، فسأل محمد بن يحيى بن حبان ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر عن فعله هذا: على أي شيء بناه؟ وعلى أي شيء أتى به؟ فقال عبد الله بن عبد الله حدثتني أسماء بنت زيد بن الخطاب عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر : (أن النبي عليه الصلاة والسلام أُمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً وغير طاهر فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك عند كل صلاة)، فكان عبد الله بن عمر يرى أن به قوة، فكان يتوضأ لكل صلاة. يعني: سواء كان على طهارة أو غير طهارة.

والحديث أورده أبو داود من أجل قوله: (ثم أمر بالسواك)، هذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت هذه الترجمة، وقد سبق أن مر أن السواك سنة وليس بواجب، وقيل: إن ما جاء في هذا الحديث يدل على وجوبه، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يدل دلالة واضحة على أنه غير واجب؛ لأنه لو كان واجباً لم يكن هناك حاجة إلى أن يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فهو مرغب فيه ومستحب، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما الوضوء لكل صلاة فقد كان أُمر به صلى الله عليه وسلم أولاً فشق ذلك عليه، فخفف ونسخ ذلك، وأمر بالسواك، عند كل صلاة، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يرى أن به قوة، فالذي نسخ هو الوجوب، وأما الاستحباب فلا يزال باقياً، ولذلك كان يتوضأ لكل صلاة على أساس أنه مستحب، وأن هذا أكمل وأفضل، ولا شك أن تجديد الوضوء سائغ، وعدم تجديده والبقاء على الوضوء الأول كافٍ ومجزئ ولا يلزم التجديد، لكنه إذا جدد الوضوء فإن ذلك حسن وهو خير إلى خير، وابن عمر رضي الله عنه وأرضاه رأى أن ما حصل آخراً إنما هو نسخ للوجوب، وأنه انتقل إلى الاستحباب، فكان ابن عمر رضي الله عنه يرى أن به قوة، ولذا كان يتوضأ لكل صلاة سواء كان على طهارة أو على غير طهارة، يعني: إما أن يتوضأ ابتداءً أو يتوضأ تجديداً للوضوء.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أُمر بالوضوء لكل صلاة...)

قوله: [ حدثنا محمد بن عوف الطائي ].

محمد بن عوف الطائي ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في مسند علي أو في خصائص علي .

[ حدثنا أحمد بن خالد ].

أحمد بن خالد صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة والأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة.

[ حدثنا محمد بن إسحاق ].

هو محمد بن إسحاق المدني صدوق يدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

[ عن محمد بن يحيى بن حبان ].

محمد بن يحيى بن حبان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

[ عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ].

هو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

[ حدثنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب ].

أسماء بنت زيد بن الخطاب قيل: لها صحبة، وحديثها أخرجه أبو داود .

[ أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر ].

عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر قيل: له صحبة، وحديثه أخرجه أبو داود .

فـأسماء بنت زيد بن الخطاب وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر كل منهما خرج حديثه أبو داود ، فلا يأتي هذا الرجل وهذه المرأة في الكتب الستة إلا عند أبي داود ؛ لأنهما ممن انفرد بالرواية عنه أبو داود ، وعبد الله بن حنظلة هذا أبوه هو الغسيل المشهور بغسيل الملائكة؛ لأنه كان على جنابة فسمع الدعاء للجهاد والنداء للجهاد فخرج مسرعاً ولم يغتسل، فقتل واستشهد، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رآه تغسله الملائكة، فكان يقال له: الغسيل أو يقال له: غسيل الملائكة، وعبد الله هذا هو ابن حنظلة الغسيل .

ثم بعد ذلك قال أبو داود : (إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق وقال: عبيد الله بن عبد الله )، وإبراهيم بن سعد هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

ومحمد بن إسحاق مر ذكره.

والخلاف بين هذه الرواية والرواية السابقة أن الرواية السابقة فيها: عبد الله بن عبد الله وهذه الرواية فيها: عبيد الله بن عبد الله أخوه، وعبيد الله بن عبد الله هذا هو شقيق سالم الذي هو أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديث عبيد الله بن عبد الله أخرجه أصحاب الكتب الستة، فسواء كان هذا أو هذا فإن كلاً منهما ثقة، وحيثما دار الحديث فهو يدور على ثقة، فاختلاف الرواية التي فيها أنه عبد الله مع الرواية التي فيها أنه عبيد الله لا يؤثر ذلك في الحديث؛ لأن كلاً منهما ثقة.

الأسئلة

حكم تقديم حضور الدرس على صلاة النافلة

السؤال: بعض الطلاب إذا صلى الفرض استدبر القبلة واستقبل حلقة الدرس -التي تكون وسط المسجد- ولم يصل الراتبة التي بعد الفرض، فهل عملهم هذا صحيح؟

الجواب: ليس هذا بصحيح، بل على هؤلاء الطلاب أن يصلوا الراتبة، والإنسان إذا وصل إلى المكان الذي هو قريب يمكن أن يصليها في مكانه وذلك بأن يستقبل القبلة ويصلي، وإذا فرغ من الصلاة فإن مكانه محجوز به، ولا أحد ينافسه فيه، فيجمع بذلك بين الإتيان بالسنة الراتبة وبين حضور الدرس، والسنن الرواتب على الإنسان أن يحافظ عليها، وهي: أربع قبل الظهر وثنتان بعدها وثنتان بعد المغرب وثنتان بعد العشاء وثنتان قبل الفجر. والله أعلم.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن أبي داود [012] للشيخ : عبد المحسن العباد

https://audio.islamweb.net