إسلام ويب

تحدث الشيخ عن عنوان المحاضرة ومعناه وما سبق من محاولات وعناوين في هذا الموضوع، وعقب ذلك بالدواعي والأسباب التي تدعو إلى طرق هذا الموضوع موضحاً أن الدعاة ملزمون بالقيام بحقوق الآخرين الخاصة والعامة، وبحسن الخلق مع جميع الناس وتجنب روح التسلط، ثم ختم بذكر وجوب الإحسان إلى الناس والدفاع عنهم خصوصاً النساء والعمال.

أهمية شمول الخطاب الدعوي لكل البلدان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

هذا يوم الأحد ليلة الإثنين الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول لعام 1412 للهجرة، أما رقم الدرس فهو التاسع والثلاثون من سلسلة الدروس العلمية العامة، وعنوانه كما قرأتم وسمعتم هو:( صناعة الحياة).

أيها الأحبة.. أقدم بين يدي هذا الدرس بحمد الله تعالى وشكره والثناء عليه بما هو أهله؛ حيث هيأ لنا عودة هذه الدروس واستئنافها بعد انقطاع لم يطل بحمد الله تعالى، وإني لعلى يقين من أن كل ما يكتبه الله سبحانه وتعالى وبقدره فهو خير لنا، مهما كان ظننا بخلاف ذلك، فإن الله تعالى يختار لنا، واختياره عز وجل لنا خير من اختيارنا لأنفسنا: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19].

وفي الصحيح عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: {عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن} فكل ما يصيب المؤمن فهو خير له في دنياه وآخرته، مهما ذهبت به الظنون بخلاف ذلك.

كما أنني أود أن أقدم بين يدي هذا الدرس بتنبيه أرى أنه على جانب كبير من الأهمية لمن يستمعون إلى هذه الدروس، ألا وهو أنه جاءتني رسائل كثيرة من أحبة كرام في بلاد الإسلام في مناطق شتى وبلاد مختلفة، وهم يقولون: إنكم يا معشر الدعاة في هذه البلاد تخاطبون فئة معينة من الناس، مع أن الذين يتلهفون إلى سماع الحق وإلى متابعة الدروس هم موجودون في كل مكان، وليسوا محصورين في إقليم أو بلد.

وأقول: إنه يجب أن يكون هذا المنبر موجهاً لمخاطبة من يستمعون إلى هذه الكلمة في أي مكان وفي أي بلد وفي أي إقليم، فليست الأمثلة التي أذكرها، أو الحديث الذي أتحدث فيه، أو الأخطاء التي أتكلم عنها مقصورة على مجتمع بعينه أو أفراد بذواتهم، وإنما أستحضر في ذهني صورة المسلمين في أي مكان.. وقد أنتزع مثالاً من واقع المسلمين في بلد بعيد، أو أنتزع خطأً من واقع المسلمين في بلد آخر لأتكلم عنه، أو أذكر قضية في شرق البلاد أو غربها، فهموم المسلمين واحدة شرّقوا أم غرّبوا وفي كل مكان، وهذه الحدود والسدود والحواجز الجغرافية والسياسية لا يجوز أبداً أن تحول بين المسلمين بعضهم وبعض.

بل ينبغي أن تكون كلمة الحق للجميع، وأن يتنادى المسلمون إلى توحيد كلمتهم، ولمَّ صفهم، وتقريب وجهات نظرهم، وأن يكون همُّ الداعية إلى الله تعالى هو إصلاح أحوال المسلمين في كل مكان، فهذه الأمةُ أمةٌ واحدة كما وصفها الله تعالى في مواضع من كتابه: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون:52].

تذوب حشاشات العواصم حسرة>>>>> إذا دميت في كف بغداد إصبعُ

وإن بردى أنَّتْ لخطبٍ أصابها لسالت بـوادي النيل للنيل أدمعُ

فهي كلها بلاد الإسلام كما قال القائل:-

بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

ولي بـطيبة أوطار مجنحةٌ تسمو بروحي فوق العالم الفاني

فإن طرسوس مهما لج بي دمها أسمى إلى القلب من فاس وتطوان

دنيا بناها لنا الهادي فأحكمها >>>>>أَعْظِمْ بأحمد من هادٍ ومن بان

صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.

معنى: صناعة الحياة

أما بعد:

فربما كان هذا العنوان: "صناعة الحياة" غريباً بعض الشيء بالنسبة لكثير من الإخوة الذين قرءوا هذا العنوان، ولعل هذه الغرابة أن تزول وتنقشع حينما يستمعون إلى ثنايا هذا الموضوع وتضاعيفه.

وعلى كل حال وبكلمة موجزة مختصرة لا أسبق فيها الموضوع إلا أنني أقول: إن المقصود بهذا الموضوع -صناعة الحياة- هو بيان كيف يتمكن الداعية إلى الله عز وجل من التأثير في المجتمع الذي يعيش فيه، وكيف يتمكن من صياغة المجتمع الذي يحيط به صياغة إسلامية، وإن شئت فقل صناعته على وفق ما يحبه الله ويرضاه.

فالصناعة ليست هي فقط صناعة باليد أو حرفة، وإنما كل ما يمارسه الإنسان يمكن أن يعد صنعة أو عملاً يحتاج الإنسان إلى تعلمه والتدرب عليه وإتقانه؛ حتى يستطيع أن يحصل على ما يريد وأن يصل إلى ما يتمنى.

فالدعوة إلى الله تعالى صناعة، وهي ليست صناعة محصورة، إذا كان الصانع أو النجار يهتم بصناعة شيء معين من الأواني أو الفرش أو الستائر أو الكراسي أو غيرها، فإن الداعية إلى الله يحاول أن يصنع الحياة كلها على وفق ما يحبه الله تعالى ويرضاه، إذ إن الحياة كلها ينبغي أن تكون خاضعة لحكم الله ورسوله.

فالإسلام جاء مهيمناً على الحياة، مسيطراً عليها من ألفها إلى يائها، وليس ثمة شيء يمكن أن نقول: هذا ليس له علاقة بالدين أولا علاقة للدين به، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بشريعة كاملة شاملة، ما فرط الله تبارك وتعالى فيها من شيء، وأنـزل القرآن تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء، وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طائراً يطير بجناحيه -أو يقلب جناحيه في الهواء- إلا وبين لنا منه علماً.

وهذا العلم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم تتوارثه الأجيال لا يضيع منه شيء.

وقد كنا في صبيحة هذا اليوم نقرأ من صحيح البخاري: باب صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقرأ مثلاً حديث أنس رضي الله عنه أو حديث أبي جحيفة أو غيرهم من الصحابة، وكيف كانوا يصفون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعدون الشعرات البيض في رأسه ولحيته، وأنها لا تتجاوز العشرين شعرة، أو لاتصل إلى عشرين شعرة.

فالذين حفظوا كم شعرة بيضاء في رأسه ولحيته عليه الصلاة والسلام، حفظوا لنا كل هديه في كل شئون الحياة، حتى وهو مع زوجه في الفراش، حتى وهو في الخلاء، حتى كيف يغتسل، وكيف يقضي حاجته، علمهم صلى الله عليه وسلم كل شيء، فكان نعم المعلم وكانوا نعم المتعلمين.

هذه صناعة الحياة التي أتقنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتقنها أصحابه من بعده، وحق على الدعاة في كل مكان أن يتقنوا هذه الصناعة، وأن يعرفوا كيف ينتقلوا بالإسلام إلى واقع الحياة، وكيف يطوعوا كل أمور الدنيا لهذا الدين فلا يند شيء عن شريعة ربنا عز وجل.

وهذا الأمر الذي هو صناعة الحياة بالدعوة إلى الله تعالى، وبصياغتها على وفق ما يحب ويرضى، أمر لاشك أن فيه من الصعوبة ما فيه، وأنه يحتاج إلى طول نفس وإلى صبر ويحتاج إلى أناة، ولكنه هو الطريق الوحيد الذي لا طريق غيره، كما قيل:

يا إخوتي درب الجنان طويل وبه المصاعب والمصائب جنة

لكنما هو ليس عنه بديل

المحاولات السابقة لعرض موضوع صناعة الحياة

وسأتحدث في هذا الموضوع بشيء من الاختصار، فأول نقطة أتناولها هي الحديث عن محاولات سابقة لعرض هذا الموضوع، ولعل من الطريف أن أذكر لكم أن هذا الموضوع الواسع جداً حيرني كثيراً حينما أحببت أن أتكلم عنه خاصة وأنا أحرص ألا يتعدى هذا الموضوع ليلة واحدة؛ حتى يتسنى للإخوة سماعه وتداوله بيسر وسهولة.

وإن كنت سبق أن عرضت جوانب أخرى من هذا الموضوع -قد لا أحتاج إلى تكرارها- في محاضرات أو دروس سابقة.

فمثلاً هناك محاضرة بعنوان: ( الداعية والمجتمع) وأخرى بعنوان: (أنتم شهود الله في أرضه) وثالثة بعنوان: (دعاة في البيوت) سبق فيها الحديث عن جوانب من هذا الموضوع.

وأظن بل أجزم أن غيري من الدعاة أو طلبة العلم قد تكلموا عن هذا الموضوع في مناسبات شتى، وإن كانت الذاكرة لا تسعفني بذكر أشرطتهم أو دروسهم أو كتبهم التي تناولوا فيها هذا الموضوع، وإلا لذكرتها أيضاً حتى يتسنى لمن يرغب في استكمال هذا الموضوع أن يحصل على هذه المراجع من كتب وأشرطة ويستفيد منها.

عناوين أخرى

وكنت أحس منذ فترة طويلة بأهمية طرق مثل هذا الموضوع خاصة للدعاة إلى الله تعالى من الرجال والنساء، ولهذا سبق أن أعلنت عن محاضرة في جدة ثم في بريدة ثم في المنطقة الشرقية، وكان العنوان الذي اخترته آنذاك: (وجوب تصحيح المسار) ولكن شاء الله تعالى ألا تقوم المحاضرة في هذه المرات الثلاث، ثم أعلن عنه قبل شهر أو نحو شهر في مكة المكرمة بعنوان آخر وهو: (فن تأليف القلوب) ويشاء الله تعالى ألا تقوم تلك المحاضرة، فتأجلت كما تأجلت أخوات لها من قبل.

فهذه إذن هي المرة الخامسة التي حاولت فيها أن أعرض هذا الموضوع أو أطرح جوانب منه، وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يسددني ويلهمني لأقول ما يحب ويرضى وما ينفع عباده.

أهمية العناية بأساليب الخطاب الدعوي

أما فيما يتعلق بالعنوان وقد أشرت إلى معناه فإنني أود أن أقول: إن الكثيرين من أهل الخير ومحبي الخير قد يتجاهلون الآخرين من الناس، وينظرون إلى ما يعتقدون هم أنه حق، دون أن ينظروا إلى أساليب أو طرائق إيصال هذا الحق إلى الناس.

فيقول قائلهم: إذا كان هذا الأمر حقاً فلا يهمني رضي الناس أم سخطوا، أحبوا أم كرهوا، فالأمر عندي يتعلق بكوني أعرف أن هذه المسألة حق، فإذا عرفت أنها حق فلا أبالي بالناس في أي وادٍ هلكوا، وفي أي مكان كانوا!!

بل إن البعض يقولون: إذا كان هذا الأمر الذي أقوله حقاً، فإنه لا يهمني قبله الناس أم ردوه، المهم أن أقوم بالحجة، وأؤدي الواجب المفروض علي، ولا يعنيني بعد ذلك أمر الناس.

وفي الواقع أن هذه إذا تأملتها أيها الداعية الكريم، وجدت أنها نوع من الأنانية لا يقبلها الشرع والعقل، ولا تقبلها الفطرة السليمة.

من سيرة الرسول في إقامة المعروف

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو الأسوة والقدوة لكل مسلم وخاصة للدعاة إلى الله تعالى- كان يعتقد أن هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام حق، ولكنه لم يفعل هذا الحق، فما الأمر الذي حال بينه وبين فعل هذا الأمر الذي يعتقد أنه حق عليه الصلاة والسلام؟ إنه رأى أن في تنفيذ هذا الحق مفسدة أكبر، فتركها خشية أن يحدث على الناس شراً، وأن يفهمه الناس ويفسرونه تفسيراً خاطئاً يضر بهم.

فقال لـعائشة كما في الصحيحين: {لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية، فأخشى أن تنكر قلوبهم، لهدمت الكعبة وجعلتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس منه، وباب يخرجون منه}.

فترك عليه الصلاة والسلام إقامة هذا الأمر الذي يعتقد أنه حق مراعاة لمصلحة الدعوة إلى الله، وتأليف قلوب الناس على الخير، وعدم إيجاد أشياء أو أعمال يفسرونها تفسيراً خاطئاً، ويؤولونها تأويلاً ضالاً فتودي بهم، وربما كان سبباً في انحرافهم أو سوء ظنهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم هم حدثاء عهد بجاهلية، فقلوبهم قريبة من الجاهلية؛ فما بالك بغيره من الدعاة الذين وجود الخطأ منهم متصور أصلاً؟! وسوء الظن وارد فيهم أصلاً! لا شك أنهم أولى برعاية هذا الأمر.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعه من قتل المنافقين المندسين في الصف، والذين كانوا يقومون بأسوء الأدوار في صفوف المسلمين، وقد ظهر نفاقهم: وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا [التوبة:74] ولم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من قتلهم إلا أمر واحد بينه هو كما في صحيح البخاري وغيره من حديث جابر فقال: {كيف إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه}.

فترك قتل هؤلاء، ليس لأن دماءهم حرام، ولا لأنه لا يجوز قتلهم، لا؛ ولا لأن وجودهم ليس ضاراً بالمسلمين، وإنما ترك قتلهم خشية من وجود فتنة وضرر، وسوء تفسير من الناس، واستغلال الأعداء لهذا العمل، فقال: {لئلا يتحدث الناس} وفي رواية: {فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه}.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قتل اليهودي الخبيث لبيد بن الأعصم، وقد سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة، ووضعها في بئر في المدينة يقال له: بئر ذروان أو بئر ذي أروان، فوضع فيها السحر، فعقد عقداً، ونفث فيها، وعمل ما عمل، وسحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهولا يفعله.

فجاءه الملكان وقرأا عليه سورتا المعوذتين، وأنقذه الله من شر هذا السحر، ولما قيل له في شأن هذا اليهودي وقتله، فقال عليه الصلاة والسلام: {أما أنا فشفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً} وكذلك لم يأمر بإخراج هذا السحر، بل دفن تلك البئر، ولم يصبه أذى من شر هذا السحر.

فالذي منع الرسول صلى الله عليه وسلم من قتل هذا اليهودي، مع أنه يعتبر ناقضاً للعهد بسحره رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قوله: {وكرهت أن أثير على الناس شراً} مراعاة لمصالح قد أعرفها أنا وأنت أو لا نعرفها.

لكنه صلى الله عليه وسلم بما وهبه الله تعالى من بعد النظر والتجرد وسعة العقل وما ألهمه وما أعطاه وما لقنه وما فهمه، رأى في ذلك شراً وضرراً، ورأى تركه أولى من فعله، فدفن هذه البئر، ولم يفعل بهذا اليهودي شيئاً.

فكان عليه الصلاة والسلام إذاً يعتبر من الحق مراعاة المصالح العامة، والنظر في أحوال الناس، وما يمكن أن يفسروا عليه الأقوال أو الأعمال أو التصرفات، ويراعي ذلك في سائر أموره صلى الله عليه وسلم.

لم يكن خائفاً من كلامهم صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا فيه كل شيء، قال فيه المشركون والمنافقون كل ما يستطيعون أن يقولوا، فقالوا: ساحر، شاعر، كذاب، كاهن، وما تركوا كلمة في قاموس السب والهجاء إلا وألصقوها به صلى الله عليه وسلم، وهو أطهر من السحابة في السماء، ما جرّبوا عليه كذباً قط.

وكان صلى الله عليه وسلم في أقواله وأعماله نموذجاً للخلق الفاضل الكريم، ومع ذلك قالوا فيه ما قالوا، وما بالى بهم، بل كان يقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: {ألا تعجبون كيف يصرف الله تعالى عني سب قريش وشتمهم؟! يشتمون مُذَّمماً وأنا محمد} فهم من شدة بغضهم له عليه الصلاة والسلام ما كانوا يقولون: محمد فعل كذا وكذا؛ بل يقولون: مذمم؛ لأنهم يقولون: ليس هو محمداً؛ لأن محمداً من الحمد، والمشركون يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه غير محمود بل هو مذموم، فيسمونه مذمماً فيقولون: جاء مذمم، ذهب مذمم، قال مذمم فعل مذمم!

فيقول صلى الله عليه وسلم معلقاً على تعييرهم له بهذا اللقب: { ألا تعجبون كيف يصرف الله تعالى عني سب قريش وشتمهم؟!} فهم يشتمون رجلاً اسمه مذمم، وأنا اسمي محمدُ فيصرف الله عني شتمهم لا ينالني ولا يصيبني.

فلم يكن يبالي صلى الله عليه وسلم ماذا يقولون، وماذا يفعلون في حقه، ولكنه كان يبالي ماذا يصيب الدعوة، وماذا يصيب أصحابه صلى الله عليه وسلم، وكان يحرص أشد الحرص على تليين قلوب الناس لدعوته، وتقريبهم إليها، وفتح أفئدتهم لها، فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ بحجزهم عن النار، وهم يتساقطون فيها: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]

تصحيح المسار

فيا أحبتي! أين الداعية الذي يكون في قلبه هذا الهم والحرص على هداية الناس؟!

أين الداعية الذي يحتاج دائماً وأبداً إلى التثبيت والتصبر والتهدئة: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) [النحل:127].. إلى غير ذلك مما صبَّر الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

فلذلك أقول: كان لا بد من تصحيح مسار بعض الإخوة المجتهدين من الدعاة الذين يتجاهلون الآخرين، خاصة في هذا العصر الذي ضعف فيه رصيد الإيمان في نفوس الناس، وكثر فيه أعداء الدعوة ومناوئوها والمتربصون بها، الذين يبحثون عن أدنى زلة أو سقطة من داعية حتى يعتبروها مجالاً للطعن في الجميع.

بل لا يبحثون عن زلة أو ينتظرون سقطة، بل إنهم يأتون إلى أفعال الدعاة والمخلصين التي هي صواب لا خطأ فيها، فيحاولون أن يلبسوها ثوب الخطأ، وأن يعطوها غير ما هي له؛ حتى يشوهوا صورتهم وسمعتهم في نفوس الناس.

أيها الأحبة.. ألا تعتقدون أنه من المحزن حقاً أن هذه الأمة التي يقول أكثر المنتسبين إليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويحبون الله بقلوبهم، ويحبون الرسول صلى الله عليه وسلم بقلوبهم؛ ومع ذلك حيل بين هذه الأمة وبين دعاتها الصادقين في كثير من البلاد، فصارت الأمة تسيء الظن بدعاتها في بلاد كثيرة، وتنظر إليهم شزراً، وتعتقد أنهم من الغلاة، أو أنهم من المتطرفين، أو أنهم من المخربين المفسدين على وفق ما أراد لها العلمانيون، وعلى وفق ما خططوا لها.

فحالوا بين الأمة وبين دعاتها الصادقين، حالوا بين الأمة وبين رجالات الإسلام المخلصين، وحينئذٍ صار المثل كما قيل:

خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقري

فخلا الجو للمنافقين من العلمانيين وأعداء الإسلام، وعبثوا بهذه الأمة بعد ما حالوا بينها وبين الدعاة إلى الله عز وجل.

ولذلك كان العنوان السابق لهذه المحاضرة -كما ذكرت- وجوب تصحيح المسار.

تأليف القلوب

أما العنوان الآخر الذي أسلفته فهو فن تأليف القلوب، فقد كان أستاذ تأليف القلوب هو محمد صلى الله عليه وسلم، وكان يعتبر تأليف القلوب جزءاً من الحق الذي بعث به وجاء به عليه الصلاة والسلام.

من هو الرجل الذي يدّعي أنه أكثر أعباءً وتبعات وتكاليف ومسئوليات من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

أي إنسان في الدنيا -وكانت هموم الدنيا كلها على كتفه- وأي: إنسان يعتقد أنه أشد غيرةً وحرصاً وحماساً على دينه وعلى دعوته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أبداً!

وعلى رغم كثرة أعبائه وتبعاته عليه الصلاة والسلام، وعلى رغم شدة حماسه لدعوته وتفانيه واستغراقه فيها؛ فإنه لم يغفل لحظةً واحدةً عن الحرص على جمع القلوب على هذه الدعوة، وإزالة نفور الناس منها وشموصهم عنها لعلمه صلى الله عليه وسلم أن القلب هو أساس الصلاح والإصلاح، وأن الإنسان -مهما كان- لا يستطيع أن يفرض الحق على الناس بقوة الحديد والنار، ما لم تكن القلوب حول هذا الحق سياجاً يحوطه ويحميه.

ولذلك كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان.. {جاءه يوم من الأيام مخرمة بن نوفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يداري من مخرمة حدة وشدة، وكان فيه غلظة، فسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم يوزع أقبية على الناس -كما جاء في الصحيحين- فقال لابنه المسور: يا بني!! هلم بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطرق الباب فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته عرف لماذا جاء؛ فأخرج قباءً وأمسك به بيديه، وجاء إلى مخرمة يسلم عليه ويقول: يا مخرمة! خبأت هذا لك خبأت هذا لك} لا تغضب، هذا قد أعددته لك، وخبأته لك واحتجزته لك، فطاب خاطره وأخذه وانصرف.

وفي يوم من الأيام وزع النبي صلى الله عليه وسلم أموالاً، وكان سعد بن أبي وقاص حاضراً، فقال: {يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً وتركت فلاناً، والله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً؟ قال: والله إني لأراه مؤمناً، وفي الأخير قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقتال يا سعد؟ -هل المسألة قتال وإلحاح- والله إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه كراهية أن يكبه الله على وجهه في النار}.

إذاً المسألة ليست مسألة أن هذا أولى وهذا أحق وهذا أفضل، أنا أعطي إنساناً مفضولاً، ترقيقاً لقلبه، وتقريباً لنفسه للإسلام وتأليفاً له على هذا الدين خشية أن يكبه الله على وجهه في النار.

ولو أن هذا الإنسان كبه الله على وجهه في النار فماذا يطول رسول الله صلى الله عليه وسلم منه؟! فهو صلى الله عليه وسلم في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

بل هو في الفردوس الأعلى، وهي منـزلة في الجنة لا تنبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله ويرجو صلى الله عليه وسلم أن يكون هو صاحبها، فاسألوا الله له الوسيلة.

ومع ذلك يهمه صلى الله عليه وسلم هذا الإنسان ألا يدخل النار، ولا يكبه الله تعالى على وجهه في النار، فيتألف قلبه على الحق والخير والإسلام بشيء من لعاعة هذه الدنيا.

بل أعجب من ذلك وأغرب وأهول وأطول أنه في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري: {أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم يوماً من الأيام مالاً على مجموعة من الناس، بعث إليه علي بن أبي طالب من اليمن بذهيبة في أديم فوزعها على أربعة رجال -أعطاها أربعة من المؤلفة قلوبهم- فوجد الناس في قلوبهم، حتى قام رجل، وقال: يا رسول الله! اتق الله!! -سبحان الله رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى رجل من أطراف الناس يقول له: اتق الله!! ويقولها على سبيل الإنكار لهذا القسم!!- فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وقد سمع من الناس وشوشة وكلاما-: ألا تأتمنوني وأنا أمين من في السماء، ينـزل علي الوحي صباحاً ومساء؟! ولما سمع ذلك الرجل الذي يقول: يا رسول الله اتق الله! قال: ويحك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟! فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: يا رسول الله! لأضربن عنقه -دعني أقتله- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، لعله أن يكون يصلي}.

وما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحقيق مع هذا الرجل ولا بسؤاله، ولا بالتحري حوله، ولم يسلط عليه أحداً، وإنما تركه، وأجاب على قوله: ألا تتقي الله؟ بقول صلى الله عليه وسلم: { أولستُ أحقَّ أهل الأرض بأن يتقي الله} أي: أنا الذي آمركم بتقوى الله عز وجل، فتوزيعي لهذا المال هو من تقوى الله عز وجل؛ لأنني ما أعطيته لأقاربي ولا احتجزته لنفسي، وإنما أعطيته أقواماً أتألفهم على الإسلام، وهذا من حق الإمام أن يتصرف فيه على وفق ما يرى المصلحة في ذلك.

{فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله! وإن كان هذا الرجل يصلي، كم من إنسان يصلي وفي قلبه ما فيه! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم}.

إذاً كان النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الموقف يحرص على تأليف قلوب الناس، ويتحمل منهم أخطاءهم وزلاتهم حرصاً على وحدة الكلمة وتقريب الناس من هذا الدين ومن العقيدة.

وفي حديث أنس رضي الله عنه وهو في مسلم أيضاً قال: {كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي وهو يمشي في الشارع، فجبذه - جر برد النبي صلى الله عليه وسلم بردائه - جبذة شديدة، حتى يقول أنس رضي الله عنه يقول: نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت فيها حاشية الرداء -ظهر الاحمرار في عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم من أثر هذه الجذبة أو الجبذة- وقال الأعرابي بكل جفاء وغلظة: يا محمد! مُر لي من مال الله -ما قال من مالك أو مما عندك قال: من مال الله أي: كأنه يقول: ليس لك منه في هذا، فهو يقول: مر لي من مال الله الذي عندك فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟- التفت إليه وتبسم وأمر له بعطاء}.

وكانت الجارية تأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فتذهب به إلى أي سكك المدينة شاءت، وتكلمه فيما تريد، لا يستنكف أو يستكبر صلى الله عليه وسلم، بل يتحمل منهم.

ولك أن تتصور ماذا تقول هذه الجارية، أو ماذا يقول إنسان يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه مشكلة ويبدأ يعطيه من التفاصيل والكلام، وقال وقلت وحصل وكذا وكذا وتفاصيل لا يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى سماعها، وليس عنده في الحقيقة وقت لسماعها، لكنه تعود الحلم والصبر وسعة البال، فكان يعطي أذنه لمحدثه حتى ينصرف عنه.

ويعطي يده لمن يصافحه، فلا يقبض صلى الله عليه وسلم يده حتى يكون ذاك الآخر هو الذي يقبض يده.

: {وفقد يوماً من الأيام بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم رجلاً أو امرأة -كما في حديث أبي هريرة- كان أو كانت تقم المسجد، فقال: أين هو؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: هلَّا كنتم آذنتموني! قالوا: إنه مات في الليل، فكرهنا أن نوقظك؛ فقال: دلوني على قبره -أو قال على قبرها- فذهب إلى القبر فصلى وكبر عليها أربعاً، وأمرهم إذا مات أحد من أصحابه أن يوقظوه بليل أو نهار ليصلي عليه}.

فلم يغفل أو ينسى أو يتجاهل صلى الله عليه وسلم هذه الأمة السوداء التي كانت تقم المسجد.

ربما كثير من الناس يمرون بها ليس لها شأن، وليس لها قيمة، وليس لها اعتبار عندهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعلم الكبير لم يغفل عنها، فلما فقدها أياماً سأل: أين هي؟ ولما علم أنها ماتت انتقدهم على عدم إخباره بذلك، وأمر أن يدلوه على قبرها فكبر عليه أربعاً صلى الله عليه وسلم.

عنايته بالأطفال الصغار في يوم من الأيام -كما في الصحيحين- جيء بثوب جميل، فقالوا من يعطي هذا الثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عن أم خالد بنت خالد بن أبي العاص فجيء بها تُحمل -فتاة صغيرة السن- فأخذها وألبسها هذا الثوب بيده الكريمة صلى الله عليه وسلم.

ولك أن تتصور أنك قد تعطي إنساناً ثوباً، ولكنك تضرب به في وجهه ضرباً، فلا يكون له وقع، لكن حينما تأتي بالصبي الصغير، فتلبسه هذا الثوب بيديك، ثم تمسح عليه، وتقول: ما شاء الله! تبارك الله! ما أجمل هذا الثوب! ما أحسنه! فيكون وقع هذه الكلمات وهذا التصرف في نفس الصبي عظيماً كبيراً.

وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، جيء بهذه الفتاة الصغيرة فألبسها الثوب بيده الكريمة، ثم قال: {ستى يا أم خالد} أي: هذا ثوب جميل حسن بلغة الحبشة وكناها النبي صلى الله عليه وسلم وفي التكنية لها -وقد يكون هذا اسمها أيضاً والظاهر أنه كنية فكناها لما في ذلك- من التحبب إليها.

كل هذه الأشياء -وغيرها كثير مما يطول الكلام به- مما يدخل في باب حرص النبي صلى الله عليه وسلم، على تأليف القلوب وسعة خلقه صلى الله عليه وسلم، وقدرته على صناعة الحياة على وفق ما يحبه الله تعالى ويرضاه من خلال الوصول إلى قلوب الناس.

فكانت قلوبهم وأرواحهم تفديه قبل أيديهم، كانوا في المعارك يموتون دونه عليه الصلاة والسلام، ويقول قائلهم:

كذبتم وبيت الله نبزى محمداً >>>>>ولما نُطَاعِنْ دونه ونناضلِ

ونسلمَه حتى نُصرَّعَ حوله >>>>>ونُذْهَلَ عن أبنائنا والحلائلِ

يموتون دونه صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يعرفون أنه به أنقذهم الله من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الإيمان والتوحيد، وأنقذهم به من النار إلى الجنة، ومع ذلك أيضاً: لِمَا يعرفونه من حسن خلقه وطلاقة وجهه وهشاشته وبشاشته.

وإلا فإن الله عز وجل يقول في محكم التنـزيل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] أي: حتى هؤلاء الذين عرفوا عظيم نعمة الله عليهم ببعثته، يقول الله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

أما العنوان الجديد الذي اخترته وهو صناعة الحياة، فقد ذكرت لك جزءاً من معناه، فالدعاة إلى الله تعالى هم صُنَّاعٌ في هذه الحياة يجب أن يتقنوا صناعتهم، ويتقنوا تخصصاتهم، ويحسنوا عملهم، وعند البيهقي في شعب الإيمان بسند جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه}.

واجبات ومطالب على عاتق الدعاة

فالدعاة إلى الله تعالى مطالبون بأمور:

أولاً: أن يكون كل واحد منهم ملتزماً بإسلامه وحريصاً على دعوته متفانياً في سبيلها، وهذا شرط لا بد منه؛ وإلا فما معنى بأن توصف بأنك داعية فضلاً عن أن توصف بأنك مسلم.

والحسن البصري رحمه الله يقول: [[ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال]] وبعضهم يروي هذا حديثاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح هذا، بل هو من قول الحسن البصري رحمه الله تعالى، أحد أئمة التابعين.

الأمر الثاني: أن يكون الداعية متقناً لتخصصه أياً كان تخصصه، فقيهاً أو عالماً أو مهندساً أو طبيباً أو إدارياً أو عسكرياً أو خبيراً أو غير ذلك، ينبغي أن يكون الداعية نموذجاً في إتقان تخصصه الذي وجه همته إليه، وأن يحرص في هذا الإتقان على أن يكون في ذلك حصول مرضاة الله تعالى، وأن يعطي المثل الطيب للناس في الداعية الذي يحرص على أن يقدم لهم ما يستطيع من الخدمة في دنياهم وقصده إصلاح دينهم.

الأمر الثالث: الذي يطالب به الداعية هو أن يكون قادراً على إقامة الجسور مع المجتمع، ليحظى بمحبة الناس وتقديرهم، فالفتح الحقيقي هو فتح القلوب وليس فتح البلاد، ولم يكن نبوغ الجيل الأول ولم تكن عظمتهم لأنهم فتحوا بلاد كسرى وقيصر فحسب؛ بل أعظم من ذلك بكثير أن الله تعالى أخضع لهم تلك البلاد، حين انفتحت قلوب الناس لهم فأحبوهم من قلوبهم؛ لما يعرفون من صدقهم وإخلاصهم، ولما يعرفون من حرصهم على مصلحة الناس، ولما يعرفون من زهدهم في الدنيا وتخليهم عن زينتها وأبهتها ولما يعرفون من أنهم نموذجاً حياً للصدق والإخلاص في أقوالهم وأعمالهم فأحبهم الناس حتى قال الكفار:

قال أحد المؤرخين البريطانيين الكفار: ما عرف التاريخ من فاتح أرحم وأعدل من العرب.

وهو يعني المسلمين بطبيعة الحال، لكنه يسميهم العرب، ما عرف التاريخ من فاتح أعدل ولا أرحم من العرب.

وكان النصارى يفضّلون أن يحكمهم المسلمون على أن يحكمهم بنو جنسهم من النصارى؛ لأنهم جرّبوا من بني جنسهم فرض الضرائب، والإتاوات، والظلم، والطبقية، والمفاضلة بين الناس، والتسلط، والعنجهية، والعدوان، والقسوة، وجربوا من المسلمين العدل والإنصاف والصدق والتواضع وإعطاء الحق وأخذ الحق، فكان النصارى يفضلون أن يحكمهم المسلمون على أن يحكمهم بنو جنسهم من النصارى، وكذلك غيرهم.

فالفتح الحقيقي الذي استطاع المسلمون أن يحققوه هو فتح القلوب، وقد ترتب عليه فتح البلاد.

وقبل أن يوجد الإسلام في أي بلد، وقبل أن يحكم الإسلام في أي بلد، لا بد أن توجد القلوب التي تحبه، ولابد أن توجد القلوب التي تتطلع إلى عزته ونصره وتمكينه.

أيها الأحبة.. لا أفشي لكم سراً إذا قلت لكم: إن هذا العنوان: "صناعة الحياة" هو عنوان مستعار، إنما كان دوري فيه إلا الاقتباس، فهو عنوان كتاب لأحد الفضلاء وهو الأستاذ محمد أحمد الراشد، فقد ألف كتاباً صغير الحجم كبير الفائدة سماه: صناعة الحياة، وهو يتكلم فيه عن نظرية في الدعوة إلى الله عز وجل، فيها من الشمولية ما فيها وأنا أثني على هذا الكتاب وأطريه، وإن كان هذا الثناء وهذا الإطراء لا يعني بالضرورة الموافقة على كل ما في هذا الكتاب، فلكل إنسان رأيه واجتهاده، ولكن المقصود أن الكتاب بصفة عامة كتاب مفيد نافع لمن يقرؤه.

أما وجود اختلاف في مسائل أو اجتهادات مختلفة فيها، فهذا أمر لا غرابة فيه، ولا يحتاج إلى تأكيد، ولكنني أقول ذلك؛ لأن بعض الناس قد يفهموا من الثناء أو الإطراء شيئاً ما.

على كل حال فهذا الموضوع لعله أصبح ظاهره إقامة الجسور والعلاقات مع المجتمع؛ بحيث يحسن ظن الناس بالدعاة إلى الله تعالى، وتتعاظم ثقتهم بهم، ويعرفون أن الدعاة إلى الله تعالى هم الناصحون لهم، الحريصون على دينهم ودنياهم، وأنهم أصدق حديثاً من غيرهم، وأقوم قيلاً، وأنهم أكفأ في إدارة شئون الدين والدنيا، وما كان في الدعاة إلى الله من نقص، فإن هذا النقص موجود في غيرهم بصورة أعظم، وما كان في غير الدعاة إلى الله تعالى من كمال فإنه يجب أن يكون موجوداً في الدعاة إلى الله أيضاً بصورة أعظم.

والموضوع على كل حال -كما أسلفت- موضوع شامل وواسع سأتحدث فيه إن شاء الله تعالى في دروس ومحاضرات متفرقة، وأرجو أن يأذن الله تعالى بخروجه ضمن كتاب مستقل يكون أحد سلسلة رسائل ترشيد الصحوة.

الدواعي إلى طرق موضوع "صناعة الحياة"

والذي دعاني في حقيقة الأمر إلى طرق هذا الموضوع والحديث عنه أمور:

أخطاء الدعاة

أولها: التجاوزات الكثيرة في تصرفات فئة من الدعاة ليست بالكثيرة، أما التجاوزات فهي كثيرة.

هذه الفئة لا تعترف بالناس ولا تقيم لهم وزناً، وتظن أن هذا من باب القوة في الحق ومن باب الصرامة، فيتلقى الناس هذه التجاوزات ويعظمونها ويتحدثون حولها، ويلصقونها بالدعاة إلى الله كلهم جملة وتفصيلاً.

تركيز بعض الدعاة على الأخطاء

الأمر الثاني: طريقة بعض الإخوة في التركيز على أخطاء الآخرين والبحث عنها والعناية بها مما ينعكس سلبياً على ظن الناس بأن الدعاة إلى الله همهم البحث عن نقائص الآخرين، وأنهم يعتقدون في أنفسهم الكمال المطلق، ويعتقدون في غيرهم النقص المطلق.

والواقع أننا يجب أن ننتبه إلى محاسن الآخرين إلى جوار ذكر مساوئهم، فلا يسوغ أبداً أن يكون همنا دائماً وأبداً التنبيه على أخطاء بعض الناس؛ لأن الناس حينئذٍ يتصورون بأنهم مجموعة من الأخطاء!

لا ينبغي هذا، بل ينبغي أن يكون ذكر الأخطاء مسبوقاً بذكر الحسنات؛ حتى يعلم الناس أنك إنسان منصف ومعتدل؛ فأنت تمدح فلاناً بأنه مقيم للصلوات الخمس، وتمدح الآخر بأنه بار بوالديه، وتمدح الآخر بأنه صادق النية صافي القلب، ليس في قلبه غل أو حقد على مسلم، وتمدح الرابع بأنه لا يأكل المال الحرام، وتمدح الخامس بأنه قائم بأعماله الموكلة والمسندة إليه، وهذا.. وهذا..، وما من إنسان -وخاصة المسلمين- إلا وفيه بعض فضائل يمكن أن تمدحه وتثني عليه فيها.

وقد كان من عجيب صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يعرض نفسه على القبائل أنه ربما ذكر للقبيلة ولو شيئاً مما فيها؛ حتى إنه جاء لقوم يقال لهم: بنو عبد الله من قبائل العرب، فقال لهم: يا بني عبد الله! إن الله تعالى قد أحسن اسمكم، ثم دعاهم إلى الله عز وجل.

فكل جسر حاول أن تقيمه مع الناس حاول أن يكون وسيلة للعبور إليهم، والوصول إلى قلوبهم، كلمة طيبة، أنا لا أقول: امدح الناس بالباطل، ولا أقول: اجعل لسانك مداحاً تمدح هذا وذاك، بحق وبغير حق، وبغرض ولغير غرض..

لا! لكن إذا تكلمت مع إنسان أو مع جماعة من الناس أو مع طوائف منهم، فاحرص على أن تمهد بين يدي ما تريد من أخطاء ببعض ما تعلم من الحق والصواب الذي هم فيه.

وهذا المنهج قديم، ومن قرأ في سير الدعاة عرف هذا.

اقرأ مثلاً رسائل الشيخ ابن تيمية للعلماء ورسائله حتى للصوفية، ورسائله لبعض الشيوخ الذين عليهم مآخذ وانحرافات، تجده رحمه الله يمهد لذلك بذكر بعض ما لهم من الفضل وما لهم من الخير، وما لهم من الإحسان، ومن هدى الله على أيديهم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تقويم ما عندهم من الخطأ والاعوجاج.

تصحيح نظرة الناس إلى المتدينين

الأمر الثالث: إن المجتمع أيها الأحبة -وهذه قضية تشغلني كثيراً -وحين أقول المجتمع: أعني مجتمع الأمة الإسلامية في كل بلد، ليس في هذا البلد فقط، وإنما في كل بلاد العالم الإسلامي- المجتمع يستمع إلى أقوال متناقضة عن المتدينين، فهو يسمع من خصوم المتدينين -وبلفظ آخر يسمع من خصومنا حتى يُفهم أننا من ضمن المقصودين أيضاً- يسمع: أن المتدينين قوم جفاة غلاط جهلة، تفكيرهم مغلق، ثقافتهم ضحلة، أهل عقوق وبخس للحقوق، وأنهم أصحاب مطامع دنيوية، وأصحاب طموحات مادية، وأنهم لا يستطيعون تفهم أمور الحياة الدنيا، ولا يستطيعون التعايش مع الناس، وأنهم ضيقو الأفق غير مقدرين للمصالح والمفاسد، وأنهم وأنهم.. فيسمع هجاءً كثيراً، ويسمع كلاماً غزيراً في نقد الدعاة وسبهم وعيبهم بالحق وبالباطل؛ وليس هذا بغريب، فخصمك لا يمكن أن يقول فيك إلا هذا ومثله.

وبالمقابل يسمع الناس في المجتمعات الإسلامية من الشيوخ والدعاة ومحبي الشباب الملتزمين: أن الشباب الملتزمين وأن الدعاة إلى الله تعالى أهل تقوى وصلاح وخلق فاضل كريم، وأهل قلوب تقية نقية، وأهل نفوس سمحة، وأنهم أهل همم عالية، وعقول كبيرة، وتنازل عن حقوقهم، وإعراض عن متاع الحياة الدنيا وزينتها، ونجاح في سائر تخصصاتهم.

فمنهم الطبيب الماهر، ومنهم المهندس الحاذق، ومنهم الفقيه النبيل، ومنهم العالم الجليل، ومنهم المربي الفاضل، ومنهم الخطيب المفوه، ومنهم ومنهم.. وهكذا أيضاً قصيدة طويلة في الثناء على شباب الصحوة وعلى الدعاة إلى الله تعالى.

وأقول بملء فمي: إنهم يستحقون هذا وأكثر منه، وأنا ممن يتغزل -إن صح التعبير- بالثناء عليهم في مواضع كثيرة، وأعتبر هذه قربة أتقرب بها إلى الله تعالى وأحمد الله تعالى عليها.

فقد رزقني الله تعالى حب هؤلاء -علم الله- ولو لم أعرف أسماءهم ولم أعرف وجهاتهم، إلا أنني أقرأ في وجوههم محبة الله ورسوله، وحب الخير للناس، والغيرة على دين الله عز وجل.

فيجد الإنسان في نفسه محبتهم والحرص على مصلحتهم، لا حرصاً في عاجل الدنيا، ولكنه أمر وضعه الله تعالى في قلوبنا لا حيلة لنا في تحصيله كما لا حيلة لنا في دفعه.

ولكن أريد بعد ذلك أن أقول: إن من طبيعة الناس عموماً أنهم يحكمون على المجموع من خلال واحد، من خلال رؤيتهم لفعل شخص واحد قد يحكمون على المجموع، فيعممون الحكم من خلال حوادث فردية، فإذا ابُتلي -مثلاً- بعض الناس بداعية يكون بذيء اللسان أو رديء الخلق، فإن الناس لا يقولون: فلان رديء الخلق ولكن بقية الدعاة صالحون، بل يقولون: هؤلاء الدعاة فيهم.. وفيهم.. وفيهم..، ثم يستشهدون بقول فلان والعكس بالعكس، فقد يكون هناك داعية صالح فتجد أن المجتمع المحيط به والبيئة القريبة منه تثني على الدعاة كلهم وتستشهد بفعل فلان.

وهذا أمر سمعته كثيراً فقد سمعت من يثني على الشباب الصالحين، فإذا قلت له: ماذا رأيت منهم؟ قال: ولدي فلان ولد صالح وهو يفعل كذا وكذا وكذا، ثم أثنى عليه خيراً.

وسمعت والله من ينال من الشباب الخيرين، ومن الدعاة إلى الله تعالى، ويصفهم بأبشع الأوصاف والألقاب، ويشتمهم، ويقول: إن الأشرار خير منهم، وما رأينا منهم خيراً، فإذا سألته وقلت له: لماذا؟ قال: فلان.. فذكر ولده أو جاره أو قريبه، وأنه فعل وفعل، وفعل ثم ذكر أشياء قد يكون بعضها حقاً، وقد يكون بعضها باطلاً، ولكن الواقع يشهد أن بعض هذا الكلام يكون حقاً في كثير من الأحيان.

إذاً أنت أيها الداعية! عبارة عن عينة للبقية من الدعاة، فإن أحسنت في تصرفاتك وأقوالك وأفعالك ومعاملتك للناس، ووصلت وتسللت بحسن تلطف إلى قلوبهم؛ فنعم الممثل أنت لنا! ونعم المعبر عنا! ونعم الناطق بلساننا! فأنت الرائد الذي لا يكذب أهله، وإن كانت الأخرى فلا حول ولا قوة إلا بالله!

وهذا لا يعني أننا نطالب الدعاة ألا يدعوا إلى الله تعالى، وألا يقوموا بهذا الواجب إلا إذا كانوا مثالاً للأخلاق الفاضلة والكمالات.. لا! لكن يعني أن الإنسان ينبغي أن يحرص أشد الحرص على ذلك، ويبحث عن تحقيق وسائل هذه الدعوة بكل ما يستطيع.

وإذا علم أن هدف الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو إزالة المنكرات القائمة وإحلال المعروف بدلاً عنها، علم أن البحث عن دواعي القبول واجب وكما قيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ولهذا تكلم العلماء في هناك حالات يحرم فيها إنكار المنكر.. لماذا؟ لأنه لن يزول بالإنكار بل سيزيد، وتكلموا عن حالات يحرم فيها الأمر بالمعروف.. لماذا؟ لأنه لن يتحقق إذا أمرت به، بل سوف يزول معروف آخر كان موجوداً أو يتحقق منكر آخر، والمقصود هو زوال المنكر وحصول المعروف.

وكذلك المقصود في الدعوة هو تحقيق الخير ونشره، وإزالة الشر والنهي عنه، والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد وتعطيلها.

الفهم الجزئي للجهاد

النقطة الرابعة: مما يدعو لتناول هذا الموضوع أن طائفة من الدعاة نسيت كل هذه المعاني، وكل هذه الألوان من المجاهدات المشروعة والواجبة، وظنت أن الأمر يبدأ وينتهي في ميدان المعركة بالسلاح، وأن الحكم للسيف في كافة الظروف والأحوال، وهذا ليس بصحيح، وربما استشهد قائلهم بقول الشاعر:

حينما تبدأ القنابل بالعزف >>>>>تموت القصائد العصماء

وقول الآخر:

السيف أصدق إنباء من الكتب>>>>>>>>>>في حده الحدُّ بين الجد واللعب

بيض الصفائح لاسود الصحائف في>>>>>متونهن جلاء الشك والريب

ونحو نقول: نَعَمْ! السيوف ينجلي بها الحق من الباطل في ميدان المعركة؛ لكن ميدان المعركة ليس هو ميدان القتال فقط، بل نحن في منازلة مع أعداء الله تعالى في كل الميادين.

ففي ميدان الاقتصاد منازلة بين دعاة الحق وبين دعاة الربا والكسب الحرام، وفي ميدان الأمور الاجتماعية منازلة بين دعاة الطهر والعفاف والفضيلة ودعاة الرذيلة والانحراف، وفي ميدان العلم منازلة بين دعاة الحق ودعاة الباطل، وفي ميدان الطب منازلة، وفي ميدان الإعلام منازلة، وفي كل ميدان من ميادين الحياة منازلة ومعركة ضارية حامية الوطيس، هي في حقيقتها -والله الذي لا إله غيره- أعظم وأشد وأكثر فتكاً من المعارك العسكرية.

ولكن أكثر الناس لا يدركونها؛ لأن الناس كثيراً ما يتكلمون عن حصول معركة في المكان الفلاني، والداوعي تتوفر على نقلها، لكن أقل الناس من يتكلمون عن الصراع بين الحق والباطل في هذه الميادين؛ لأنه صراع قد يكون مستتراً مستخفياً في كثير من الأحيان، لا يدركه إلا العاقلون العالمون المتابعون.

إن الجهاد -أيها الأحبة- بالسيف شريعة قائمة، ولا عز للإسلام إلا بالجهاد، ولكن هذا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام له ألوان أخرى.

فالدعوة إلى الله تعالى شريعة أخرى قائمة، وحسن الخلق شريعة أخرى قائمة، وتأليف القلوب شريعة قائمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شريعة قائمة، والإحسان إلى الخلق شريعة قائمة، وسياسة الناس بالحسنى شريعة قائمة، فلماذا هذه النظرة الجزئية المختزلة؟!

جوانب القضية -كما أسلفت لكم- كثيرة، وقد تحيرت كثيراً كيف أقدمها لكم، ثم اخترت أن أقدمها بشيء من الإيجاز والاختصار على أن تنتهي إن شاء الله في هذه الليلة.

القيام بحقوق الآخرين الخاصة والعامة

فالجانب الأول الذي أطالب نفسي وأطالب إخواني من الدعاة إلى الله تعالى والمنتسبين إلى العلم الشرعي بالقيام به هو: القيام بحقوق الآخرين من الخاصة والعامة.

فأما الخاصة فكالوالدين والأزواج والأبناء والإخوة والجيران والزملاء، ولكل من هؤلاء حقوق على وجه الخصوص، وفي هذه الحقوق آيات ونصوص، وليس المجال مجال بسطها وعرضها، وأوسع من ذلك كله حق المسلم على المسلم، فالسلام ورد السلام، وتشميت العاطس، ونصر المظلوم، وكف الأذى، وإبرار المقسم، وعيادة المريض، واتباع الجنائز كل هذه حقوق بينها النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث البراء وغيره، وهي حقوق ثابتة راسخة يجب على المسلم أن يؤديها لأخيه المسلم، فكيف بالداعية وأخيه الداعية؟! أو إلى أخيه المسلم الذي يحتاج أن يكون مدعواً إلى الله تعالى؟!

آثار القيام بحقوق الناس

كم سمعنا من أب يقول: يا ولدي بارك الله فيك! وكثر الله من أمثالك! فأنت بار بوالدك، وصول لرحمك، محسن إلى جيرانك، لم أسمع منك طيلة عمري كلمة سخط، تمر علي كل صباح، فتقبل رأسي وتقول: يا أبت! صبحك الله بالخير! وفي المساء تمسيني وتقول: مسَّاك الله بالخير! وربما أغلظت لك في القول، وهجرت لك في العبارة، فتتبسم في وجهي وتقول: عفا الله عنك يا أبتاه، وفي المقابل ينطلق هذا الأب ليمدح شباب الإسلام، ويمدح الدعاة إلى الله تعالى، ويمدح طلبة العلم كلهم لهذا السبب.

وكم سمعنا من أسرة تثني على الشباب المتدينين، وتقول في المجالس العامة والخاصة: لا تزوجوا إلا المتدينين، فإذا قيل لهم: لماذا؟ قالت الأم: بنتي أخذها واحد متدين، فأحسن إليها، وأكرم جوارها، وقام بحقوقها، ورباها على الخير، وحفظها وقام بحقها، فرأينا أن المتدينين خير للناس، وهكذا تجد أن حسن المعاملة من أخ أو ابن أو أب أو زوج أو قريب تنطلق إلى الجميع، فتكون خيراً وبراً لهم، وربما تعدت أيضا إلى الدعاء للعلماء والدعاة وطلبة العلم الذين كانوا سبباً في هداية هؤلاء واستقامتهم على الطريق نظراً لعنايتهم بالنشء تلك العناية وترتيبهم لهم تلك التربية.

وكثير من الناس يثني على الشباب المتدينين لماذا؟ قال: لأنهم يرعون الكبير، أو يرحمون الصغير، أو يدلون الأعمى، أو يحترمون غيرهم، أو يتلطفون في حديثهم، أو يقومون بالخدمات المناسبة سواء في الأزمات أوفي غير الأزمات، أو لأنهم كما يقال يفزعون عند النوائب وعند الحاجة وهذه الأشياء وغيرها كثير كلها رصيد في نفوس الناس للمتدينين يظهر عند الحاجة إليه.

آثار ترك حقوق الآخرين

وربما وجدنا في مقابل ذلك أباً يقول: لا ندري ما هؤلاء المطاوعة؟ وما منا أحد إلا سمع هذا الكلام من بعض الآباء خاصة يكونون بعيدين عن العلم والخير ومجالس الذكر، لا ندري من هؤلاء المطاوعة كما يسميهم. صحيح أن منهم من يكون ذا لحية أو ذا ثوب قصير، ولكن ما إن تتكلم مع الواحد منهم حتى يزجرك وينهرك ويغلظ عليك في القول، فهولا يعرف للكبير حقاً، ولا يعرف للصغير رحمة، وينسى جميع عيوبه، ولا يعرف إلا عيوب الآخرين.

وربما تسمع أباً ثالثاً يقول: ولدي قتل في معركة في ميدان من ميادين الجهاد، وأنا لم أكن علمت أنه قد سافر أصلاً، وربما سمعنا هذا من آباء فضلاء غيورين.

وربما سمعت أماً، تقول: وقد غضبت بنتها الملتزمة من وجود خادمة بالبيت، فقالت البنت الملتزمة: لا يمكن أسكن مع هذه المرأة أما أنا أو هي!

لا تريد وجود خادمة في المنـزل، وقد تكون الخادمة غير مسلمة، وفي وجودها أضرار كثيرة، وليست هذه محاضرة للكلام عن ضرر الخادمة، لكن الكلام حتى تستطيع أن تخرج الخادمة من المنـزل، قالت لأمها: لا يمكن وجود هذه الخادمة في المنـزل إما أنا أو هي، إذا ما خرجَتْ فأنا سوف أذهب إلى أخوالي أو إلى جدي أو إلى جدتي.

فقالت لها أمها: والله هذه الخادمة خيرٌ لنا منك -لنفترض هذه الفتاة ملتزمة- وأنفع، فأنتِ إما أن تكوني في المدرسة أو تكوني في غرفتك تقرئين أو تنامين أو تكلمين زميلاتك في الهاتف، ومالك عمل في البيت إلا النقد والاعتراض، وهذا خطأ، وهذا لا يصلح، وهذا لا يكون، وهذا لا يصير!

أما أن تقومي بدورك، وتقومي بواجبك، وتخدمي أباك وأمك، فهذا ما لا تفعلينه.

أنا أقول: هذا مثال لواحدة فقط، وإلا فإنني أقول: إن كثيراً جداً من الشباب وكثيراً جداً من الفتيات المؤمنات المتدينات هم أكثر من غيرهم قياماً بالحقوق، لكنني أعالج تلك الظاهرة السلبية الموجودة في بعض هؤلاء.

من أسباب القسوة على الأهل عند بعض الدعاة

وأيضاً ينبغي أن يراعى أن بعض الدعاة يشحنون الشباب والتلاميذ بقصص المواجهة مع الأهل.

فتجد مثلاً الداعية يذكر كثيراً لطلابه وتلاميذه قصة أبي عبيدة عامر بن الجراح، وكيف قتل أباه، وكيف أن عمر قتل قريبه، وأبا بكر وفلان وعلان، فيذكر قصص المؤمنين الأولين، فينشأ الشاب الصغير أحياناً، وفي قلبه روح المواجهة والتحدي والإصرار، فهو مستعد للمقاومة في البيت، حتى ولو كان آباؤه متدينين وصالحين، فتجده عند أقل خطأ -بل حتى عند أشياء ليست خطأً أحياناً- يثور في وجوههم ويقاومهم ويتكلم في حقهم، وربما خرج من المنـزل وتركه لمثل هذه الأسباب.

وقد ذكروا قصة أبي عبيدة كما قلت لكم- مع أن قصة أبي عبيدة في قتله لوالده غير صحيحة - وقد نبه الإمام النووي في كتابه المجموع وغيره من أهل العلم إلى أن قصة قتل أبي عبيدة لوالده غير صحيحة، وأن والد أبي عبيدة قد مات في الجاهلية أو قتل.

لكن ينسى هؤلاء أن يذكروا قصة سعد بن أبي وقاص، وأصلها في صحيح مسلم، وقد رواها الإمام أحمد في مسنده كاملة، قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: نـزل فيَّ أربع آيات من القرآن، وذكر قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] وذكر قول الله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1] وذكر الآية الثالثة، وذكر الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [العنكبوت:8].. كيف نـزلت؟

لما أسلم سعد قالت أمه: أليس صاحبهم يأمرهم ببر الوالدين وصلة الرحم؟! والله لا آكل طعاماً حتى يكفر، فكانوا إذا احتاجوا إلى أن يعطوها الطعام، شجروا فمها بعود أو عصاً، ووضعوا فيه الطعام بالقوة، فأنـزل الله تعالى قوله: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [العنكبوت:8] أي: أنه كان على سعد أن يلطف بأمه، وربما جاء في بعض الروايات أنه قال: والله لو كان لها مائة نفس فماتت نفساً نفساً، ما رجعت عن ديني، وهو لن يرجع عن دينه بطبيعة الحال، لكن كان يستطيع أن يطلب منها أن تأكل وأن يهادئها بغير ذلك، فأمره الله تعالى بالإحسان إلى والدايه حتى ولو كانا مشركين: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ [العنكبوت:8].

إذن ينبغي أن يتنبه الداعية إلى الأثر السلبي لمثل هذه الأساليب التربوية في معاملة الشباب لوالديهم ومجتمعهم، وإلى أن يوجد الموازنة بين مثل هذه القصص والأخبار مع تلك الآيات والأحاديث والقصص والأخبار التي فيها بيان حقوق الوالدين، وحقوق الأهل، والأقارب، والجيران، وحقوق المسلمين.. إلى غير ذلك، حتى ينشأ نشأة سليمة معتدلة متوازنة.

حسن الخلق

ننتقل بعدها إلى نقطة أخرى أيضاً وهي قضية حسن الخلق، وحسن الخلق لا حاجة لي أن أتكلم الآن عن أهميته في الدين، وأن الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وأن النبي صلى الله عليه وسلم لخص مهمة رسالته بقوله: {إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق} وفي رواية: {مكارم الأخلاق}.

فالكلام عن هذا يطول، وإنما أتكلم عن أن الداعية ينبغي أن يتحلى بقدر طيب من ذلك.

تربية النفس على حسن الخلق

ونحن لا نطالب الداعية أن تتكامل فيه جميع الصفات في يوم وليلة، لكن يجب أن يسعى إلى تكميل نفسه بكل ما أوتي من قوة.

فأنت -مثلاً- أيها المسلم، تتعلم الحلم من خلال حياتك العملية، حين تكون في السيارة، ويكون أمامك شخص بطيء الحركة أو ضعيف في فن قيادة السيارة، تتعلم الحلم من خلال مشيك وراءه، فلا تزعجه بالمنبه أو تسعى إلى الخروج بطريقة غير معقولة مثلاً، تعتبر هذه فرصة؛ لأن تمارس الحلم وتعرف ما مقدار قدرتك على ضبط أعصابك، أو تستمع إلى شخص بطيء الكلام مولع أحياناً بذكر التفاصيل التي لا حاجة إليها، فتتعلم الحلم من خلال الصبر عليه، فتضع أذنك لشخص يذكر لك قصة، أو يسألك سؤالاً، فيعطيك ثلاث صفحات في كلام لا جدوى منه ولا طائل من ورائه، ويذكر لك تفاصيل، وجزئيات، وأسماء، وأحداثاً، وأخباراً، وأرقاماً، وفي النهاية تجد السؤال جزئياً وصغيراً وقصيراً، فبعض الناس يقوم في وجه هذا الإنسان، وربما نفض يده وربما عاتبه وربما وبخه.

لكن عود نفسك قدر المستطاع وتعلم وجرب، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الخطيب البغدادي وغيره وسنده جيد أنه عليه الصلاة والسلام قال: {إنما الحلم بالتحلم} وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ومن يتصبر يصبره الله} يتعلم الصبر، يتعلم الحلم، يتعلم حسن الخلق، الحياة مدرسة تتعلم فيها.

أحياناً تتعامل مع شخص فظ غليظ صخاب يرفع الصوت بذيء العبارة! عود نفسك أن تقابله بالهشاشة والبشاشة والابتسامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي كما مر قبل قليل.

أحياناً تجد جفاءً من بعض من تواجههم، جفاء بالقول وجفاء بالفعل، فجرب نفسك كيف تكون أعصابك حينئذٍ؟ وعلى الشاب والمسلم بشكل عام أن يتجنب الانتصار للنفس، وأقول بملء فمي: نحن كثيراً ما ننتصر لأنفسنا أكثر من انتصارنا للحق الذي نتحمس له.

من آثار الغضب

فقد ترى شخصاً على منكر، فتنكر عليه بلطف وبكلمة طيبة، فيجادلك فتجادله بالتي هي أحسن، فإذا سبك هذا الإنسان أو نال منك أو سب قبيلتك فنجد أنك بسرعة غضبت وثارت أعصابك، وتكلمت عليه بما لا يحسن وما لم يحدث منك حين رأيت المنكر! وهكذا تكتشف يا أخي الحبيب أنك غضبت لنفسك، أو أنني أنا إن كنت صاحب الموقف غضبت لنفسي أكثر مما غضبت للحق الذي رأيته مهدراً أومن المنكر الذي رأيته قائماً أومن المعروف الذي رأيته متروكاً.

والداعية بشر على كل حال، ونحن لا نطالب بأخلاق الملائكة، وإنما نطالبه أن يحاول أن يقتدي بأخلاق الأنبياء، فمسئوليته كبيرة ومكانته ليست كغيره:

قد هيؤوك لأمر لو فطنت له>>>>> فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

وفي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب} والله ما أجمل أن أجلس على هذا الكرسي وعلى هذه الماسة، وأتكلم معكم بالكلام الطيب والأخلاق الفاضلة، ونسرد فيها القصص، لكن ربما من أقل موقف يذهب كل هذا أدراج الرياح، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة! ما صنعنا شيئاً إذا كان الأمر كذلك.

ينبغي -أيها الإخوة- أن يتحول هذا الكلام إلى منهج عملي لنا في أشخاصنا، وفي ذوات نفوسنا، وإلا فلا فائدة في الكلام حينئذ.

تجنب التسلط وإلقاء الأوامر

ومما يجب أن يراعى أيضاً ألا يكون في أسلوب الداعية في إنكاره للمنكر نوعاً من التسلط أو ممارسة -كما يقولون- الأستاذية على الآخرين، وإشعارهم بأنهم لا بد أن ينفذوا منذ البداية.

بل إن أمكن أن ينفذ الناس ويغيروا من قبل أنفسهم وبواسطة قناعاتهم الذاتية؛ فهذا هو الأفضل والأمثل، فأحياناً تجد على إنسان خطأً فلا تأت من منطلق أنك أستاذ أو أنك فوقه أو أن لك سلطة، فتقول له: غيِّر وتأمره منذ البداية بالقوة، ربما تأخذه العزة بالإثم فيرفض، لكن لو أتيته -كذا لو كان لك سلطة- في البداية تأتيه بالأسلوب الحسن وبالكلمة الطيبة وبالمحاولة، وكأنك لا تملك أية وسيلة إلا الكلمة، فحينئذٍ ربما يقتنع ويغير من ذات نفسه، ويكون هو نفسه أكثر حماساً منك -ربما- لتغيير هذا الأمر، والحكمة يحصل الإنسان بها على أشياء لا يمكن أن يحصل عليها بالقوة.

الإحسان إلى الناس والدفاع عن مصالحهم

الأمر الثالث أو الجانب الثالث من جوانب الموضوع: هو الإحسان إلى الناس والدفاع عن مصالحهم، وخاصة الضعفاء والفقراء والمعوزون.

لا شك أن من الدين الحديث عن هموم الناس المعيشية وما يعانونه وما يواجهونه من مشاكل أو مصاعب أو مصاعد أو أزمات والسعي للتخفيف عنهم بكل وسيلة ممكنة، فهذا من الدين، وإنه لشرف كبير جداً للعالم أو الداعية أن يقصده الناس في كل ما ينوبهم وينـزل بهم من أمر الدين أو أمر الدنيا.

فأنا أعتبر أنه شرف للعالم أن الفقير يأتي يطلب عنده المساعدة، وأن المظلوم يأتي يطلب عنده النصرة، وأن الذي عنده مشكلة في البيت يأتي يطلب منه حلها، وأن الذي يبحث عن عمل من حقه أن يحصل عليه يأتي للداعية أو العالم ليشفع له أو يحرص على إيصاله إلى حقه.

لا شك أن هذا شرف كبير للداعية ودليل على أنه يتقن صناعة الحياة.

القرآن وهموم الناس

ونحن نجد في القرآن الكريم لوماً وتقريعاً للذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والذين لا يهتمون بالفقراء والمساكين والمعدمين في آيات كثيرة جداً، حتى في مكة حين كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك شيئاً من الدنيا، ومع ذلك كان القرآن ينـزل: بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:1-6] الذين أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون:1-2]. ويقول عز وجل: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً [الفجر:27-20] ويقول سبحانه: فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد:11-16] إلى آخر الآيات.

إذاً عُني القرآن -حتى في مكة- بالحديث عن هموم الناس المعيشية الدنيوية، في الدفاع عن حقوق المستضعفين، في رفع الظلم عن المظلومين، في المطالبة بحقوقهم وحمايتهم، وأقل ما يمكن هو وعيد الذين يقومون بظلم الناس وبخسهم والاعتداء على حقوقهم، وعيدهم بالنار هذا أقل ما تملك، ولكنك قد تملك أحياناً أكثر من ذلك، فيجب عليك أن تفعله.

الرسول ومعالجة مشاكل الناس

ولما فتح على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وجاءت الدنيا في يده كان عليه الصلاة والسلام يقول: {أنا أولى بكل مسلم، أيما مسلم ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ وعليَّ، وأيما مسلم ترك مالاً فليرثه ورثته من كانوا}.

العلماء ودفع ظلم الحكام عن الناس

ولقد كان العلماء عبر العصور وعبر التاريخ يقاومون الحكام الجائرين النهابين وما يطرحونه على الناس ويفرضونه من العشور والضرائب والإتاوات وغيرها، ويجاهدون لتنفيذ شريعة العدل بين المسلمين، ويعتبرون هذا جزءاً من واجب المجاهدة التي ألقاها الله تعالى على عواتقهم، وهذا مع أنه جزء من الدين -فإن الدين جاء بتحقيق بالعدل- إلا أنه مع ذلك سبب لقبول الناس للحق ومحبتهم للعلماء.

فإذا رأى الناس أن العلماء قد أفلحوا في تخفيف الرسوم والتكاليف التي أثقلت ظهورهم، وأنهم دافعوا عن حقوقهم، وأنهم وقفوا في وجوه ظالميهم؛ عرفوا أنهم لا يريدون بالناس إلا الخير، ولا يريدون إلا المصلحة العامة للآخرين.

حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول -كما في صحيح البخاري- يقول: {أبغوني ضعفاءكم؛ فهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم واستغفارهم} فلا تزدر أو تحتقر عملاً تقدمه لضعيف أو فقير أو مسكين أو مظلوم، أو حتى لإنسان ضعيف العقل أو إنسان ضعيف البنية أو لشخص لا يوجد من يدافع عنه؛ فإن الله تعالى يحب العبد الذي ينصر أخاه المسلم بالحق لا بالباطل.

والضعفاء والفقراء عادة أصفى فطرة وأسلم قلباً وأبعد عن الأبهة والخيلاء التي عادة ما تكون في الكبراء والمترفين والأثرياء.

ولهذا وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على مصالح الناس الدينية والدنيوية بقوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

فالأمر الذي يشق على الناس يشق على النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم حتى في أمور دنياهم، وهكذا ورثة النبي صلى الله عليه وسلم من العلماء والدعاة، وما مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية أو سلطان العلماء العز بن عبد السلام -في الدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم- منا ببعيد.

الدفاع عن حقوق العمال

وكما أن من الدين الحديث عن حقوق المستضعفين والفقراء المظلومين والمهضومين والدفاع عن مصالحهم الدنيوية، فكذلك من الدين الحديث عن حقوق العمال ومآسيهم ومعاناتهم، فهم طبقة في المجتمع لا يكاد يشعر بها أحد، ولا يكاد يدافع عنها أحد.

ولست أقصد فقط العمال الذين أتوا من الخارج وخاصة حين يكونون مسلمين؛ بل حتى حين يكون الإنسان عاملاً في أي بلد، سواء كان في بلده، أوفي غير بلده، ولستُ أتحدث عن بلد بعينه، وإنما أتكلم عن بلاد المسلمين من مشرقها إلى مغربها، وفي كل بلد طبقات من العمال سواء من أهل البلد الأصليين أومن الطارئين عليهم من غيرهم.

فهذه الطبقة من العمال تعاني ما تعاني من أرباب العمل في أحيان كثيرة، تعاني من الجور والظلم، وتعاني من منع الرواتب، وتسكن أحياناً في زرائب لا تسكنها حتى الحيوانات، ولا تجد في كثير من الأحيان القوت الذي تأكله، بل لا تجد في أحيان كثيرة التذكرة التي تستطيع أن تسافر بها، وربما حُمّلوا من العمل ما لا يطيقون... إلى غير ذلك من ألوان الظلم التي قد تكون سبباً في عقوبة من الله عز وجل تنـزل بالمجتمع الذي يظلم هؤلاء الضعفاء والمساكين ولا يؤدي حقوقهم.

مع أن هذا الظلم هو أخطر قنبلة يمكن أن تنفجر في أي مجتمع، وقد استغلت الشيوعية هذا الخطر -خطر العمال والمظلومين- زماناً طويلاً، ومنتهم الأماني بأنها سوف تعيد إليهم حقوقهم المهضومة، وتدافع عن مصالحهم، وترفع الظلم عنهم، فاستغلتهم أبشع استغلال، ورفعت شعار: يا عمال العالم اتحدوا، وادعت أنها سوف تحكم باسم طبقة العمال أو البيروليتاريا كما يسمونها، وباسم العمال سرقوا العمال أيضاً!!

وهذا ليس بغريب فهم -أعني الشيوعيين- أتباع الشيطان، والله تعالى يقول: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً [الإسراء:64] فجنود الشيطان يعدون الناس بالوعود الكاذبة ولا يوفون.

أما جنود الله تعالى وأتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم ينبغي أن يعدوا الناس الوعود الصحيحة، بل ينبغي أن يقدموا للناس عربون الوفاء والصدق فيما يقولون، وأن يكون واحدهم صاحب وعد حق كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

ولما جعله على خزائن الأرض وعده فوفى ووجده حفيظاً عليماً كما وصف نفسه عليه صلاة الله وسلامه.

الدفاع عن المرأة وحقوقها

ومن الدين أيضاً الحديث عن المرأة والدفاع عن حقوق المرأة، ومن المؤسف جداً أن يتولى الدفاع عما يسمى بحقوق المرأة العلمانيون وأعداء المرأة، فيتظاهرون بأنهم مدافعون عن حقوقها، وأنهم يريدون رفع الظلم عنها، وقد يستغلون بعض الظلم الذي يوجد حقيقة على المرأة في بعض البيئات وبعض المجتمعات.

ومرة أخرى أقول: أنا لا أتكلم عن بلد بعينه، بل أتكلم عن مجتمع المسلمين في كل مكان، وسيكون هذا المجتمع هو ميدان حديثي في المستقبل بإذن الله تعالى بشكل عام دون حاجة إلى التذكير الدائم بهذا الأمر.

فالمرأة تعاني أحياناً من منع الميراث، وأحيانا تمنع حتى من العبادة المشروعة، وأحياناً يتصرف فيها أبوها، وكأنها سلعة للبيع والشراء، ولا يأخذ رأيها حتى في بضعها وفي من ينكحها ومن يزوجها! في الرجل الذي يكون شريك حياتها.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول -كما في الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجة بسند جيد- يقول صلى الله عليه وسلم: {إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة} ولا يكفي الكلام حينما نتكلم عن المرأة أن نتكلم عما يجب على المرأة، يجب أن تفعل، ويجب أن تفعل! بل يجب أن نتكلم أيضاً عما يجب للمرأة.. عن حقوق المرأة، وهذه أعظم ضمانة نستطيع أن نقطع بها الطريق على دعاة تغريب المرأة وتخريبها المسمين بدعاة تحرير المرأة.

فلن تنصت لدعاوى المستغربين والعلمانيين الذين يستغلون الظلم الواقع عليها، ويطالبون بحقوقها، لن تنصت لدعواهم إذا استطعنا نحن المسلمين وطلبة العلم والدعاة إلى الله أن ندافع عن حقوق المرأة، ونبين الظلم الذي وقع عليها، وأنه يجب رفعه ممن وقع منه في، أي: بيئة كان وفي أي بيت كان وفي أي مجتمع كان.

بذل النصيحة والمشورة

ومن الإحسان أيضاً إلى الناس: بذل المستطاع من جاه أو مال أو مشورة أو نصيحة في دين أو دنيا، فيكون الداعية إلى الله تعالى أو طالب العلم أو الشاب المتدين أول المسارعين إلى البذل والعطاء والكرم والجود بكل ما يملك من مال أو جاه أو شيء يستطيعه أو رأي؛ حتى يعلم الناس أن الدنيا ليست من مطامعه ولا من مطامحه، ولسان حاله يقول:

قلبي خليٌّ عن الدنيا ومُطَّلبَي>>>>> ربي فليس سراب العيش من أربي

وأقل درجات الإحسان على كل حال؛ هو كف الأذى عن الناس بالقول أو الفعل أو المزاح.

فمثلاً تراعي ألا تخدش مشاعر الناس بقسوة العبارة، وأنت تستطيع ليونة العبارة، وتراعي أن تبتسم في وجوه الناس، فتبسمك في وجه أخيك صدقة، وتراعي ألا توقف سيارتك بحيث تؤذيهم، وقد اشتكى إلى بعض الإخوة من بعض الإخوة الذين يأتون إلى هذا الدرس أنهم قد يوقفون سيارتهم بطريقة تمنع الآخرين الذين جاءوا للتسوق من الانصراف، وتحملهم بعض الأذى أو تشق عليهم، وتسمح للناس بالتجاوز في الطريق سواء كانوا رجالاً على أقدامهم أو ركباناً على سيارتهم، ولا تعتبر أن من الشجاعة أو الشطارة أن تسرع بسيارتك بألا يتجاوز أحد أمامك، لا ترمِ القمامة في مكان غير ملائم يكون مؤذياً لك أو لغيرك، لا توقف سيارتك أمام باب الجيران أو غيرهم من الناس.

وهكذا مئات من الأمثلة بل ألوف من أمثلة السلوكيات التي لو تفطن لها الإنسان لأدرك عظيم خطرها لموقف الناس من الدعاة، وأدرك أنه في كل خطوة أو تصرف -حتى لو كان في نظرنا تافهاً- فإنه يستطيع أن ينفع أو يضر من خلال هذا التصرف.

قد يقول قائل: كون الواحد يشرب البيبسى ثم يلقى به من نافذة السيارة ماذا يضر؟ وهل يستحق هذا أن تتكلم عنه في محاضرة؟

فأقول: إن مثل هذا التصرف هو عبارة عن نقطة من سيل! إذا كثرت مثل هذه التصرفات مع نوعية معينة من الناس أحدثت عند الآخرين تصوراً، مع أن القضية ليست هذه القضية الجزئية البسيطة، لكنها قضية آلاف الأمثلة التي هي في مجموعها تشكل الحياة، ونحن نتكلم عن صناعة الحياة.

فكن يا أخي الحبيب من صناع الحياة الذين يتقنون الوصول إلى قلوب الناس بكافة الوسائل! بل بالأمور البسيطة اليسيرة.

شبهة وجوابها

سيتساءل البعض -وربما يكون هناك أسئلة قرأت بعضها من هذا القبيل- يقول: كأننا جعلنا عملنا إذاً بحسب رضا الناس؟!

فأقول: أولاً: رضا الناس في مثل تلك الأشياء والأحوال التي تكلمت عنها هو من رضا الله عز وجل لأمور منها:

أنه ليس في هذه الأشياء معصية لله تعالى، بل هذه الأمور إما أن تكون طاعة لله عز وجل أوهي على أقل الأحوال أمور مباحة لا حرج فيها؛ فرضا الناس من رضا الله.

ثانياً: أن الهدف -في كسب رضا الناس حينئذٍ- ليس لأن ننال مديحهم وثناءهم، ولا أن نسلم من شرهم، ولكن أن نحقق استجابتهم للدعوة إلى الله تعالى، إنك ستواجه الناس أيها الداعية بأشياء كثيرة خلاف ما يألفون وخلاف ما يحبون مما اعتادوا هم عليه وهو منكر، فتريد أن يتركوه وأن تفطمهم عنه.

وهناك أشياء مدعاة للكراهية ومدعاة للامتعاض منهم، فلا بد أن تعوضهم عن ذلك بتوفير بعض ما يحبونه بحيث تدفع كما يقولون: هذا يبرِّد هذا! فيكافئ أحدهما الآخر، ولا يجوز أن يكون دورك أيها الداعية مقتصراً على كلمة لا، أو كلمة حرام فحسب، بل يجب أن تقول: حرام لما هو حرام، وتقول: لا فيما يجب أن يقال فيه: لا، وأن يتعدى دورك مع هذا إلى الدور الإيجابي المؤثر في الحياة.

مثال: إذا كان عند أسرتك زواج، فأنت تعرف أنه سيقع في الزواج منكر، فلا يجوز أن يكون دورك فقط أن تقول لا تفعلوا، لا تفعلوا، لا تفعلوا؛ لأنهم لن يطيعوك حينئذٍ.

بل ينبغي أن تحجز مكاناً لقبول رأيك، فتحاول أن تخدمهم؛ فتوزع بطاقات الدعوة للزواج، تيسر الأمور، تستقبل الضيوف، تقوم بالخدمات، توفر الإمكانيات، تأتي بالبسط، والمعدات الكهربائية، والمصابيح التي يحتاج إليها، والعقود الكهربائية... إلى غير ذلك.. بحيث تكون فعالاً ومؤثراً في عملية تيسير موضوع الزواج.

فإذا جاءت قضية الأمور التي لا تجوز قلت: لا! هنا قفوا! لا نريد أن نرتكب ما حرّم الله عز وجل، لا نريد أن نأتي بالغناء المحرم فيسمعه الناس، لا نريد أن يسمع الرجال أصوات النساء، لا نريد اختلاط الرجال بالنساء.

وهكذا يكون كلامك مؤثراً لماذا؟ لأنك أصبحت صاحب قرار، أصبحت فعلاً قد حجزت مكاناً لرأيك قبل أن تقول الرأي أو تقدمه نفسه.

أيها الأحبة.. لقد حيل بين المسلمين وبين معرفة حقيقة الدعاة -كما ذكرت قبل قليل- بحوائل كثيرة، فجعلوا قبول الدعوة، في كثير من الأحيان أمراً فيه صعوبة، بل قد صوّرهم الإعلام بكافة الصور، ونحن ينبغي أن نسعى دائماً وأبداً إلى إزالة هذه الصورة، وأن يعلم الناس حقيقة ما في قلوب الدعاة لهم.

وأترك ما بقى من الكلام، وهولا شك كلام مهم، ولكن أريد أن أترك بعض الوقت للأسئلة، وهذه بعض الأسئلة.

الأسئلة

التوفيق بين تأليف القلوب وإنكار المنكر

السؤال: كيف نوفق بين تأليف القلوب وإنكار المنكر؟ حيث إن هذا الشخص لا تعرفه من قبل حتى تعامله بما يصلح له؟

الجواب: أصلاً تأليف القلب ليس له حد محدود، الابتسامة مثلاً: ابذل الابتسامة لكل أحد، فإذا وجدت هذا الإنسان عليه منكر، وتريد أن تنبهه عليه، فاجعل رسولك إليه الابتسامة الطيبة الصادقة التي تعبر عن قلب لا يحمل له إلا الحب.

ثم صافحه بحرارة وتكلم معه، واسأله عن أحواله، حتى إذا وجدت في قلبه ميلاً إليك، وهدأت نفسه، وزال ما يجب، فتسلل إليه بالأسلوب الذي تعتقد أنه مناسب، وتحدث معه فيما تريد.

فقه أولويات الدعوة

السؤال: هل إذا ظننت أن إنكاري للمنكر قد يجلب منكراً آخر، أو يقضي على معروف، هل الظن يخولني ترك إنكار المنكر؟

الجواب: المسألة مسألة اجتهاد، فالإنسان الذي يريد إنكار المنكر إن استطاع وكان الأمر يتسع إلى أن يستشير غيره ممن يكون أعلم منه، فليستشر غيره في ذلك.

لكن إن كان الأمر لا يسعف ولا يمكن إلا أن يقوم هو بذلك، فعليه أن يجتهد وسعه في هذا الأمر ولا يألو، ويعمل بما يغلب على ظنه؛ لأن هذه الأمور ليس فيها يقين بطبيعة الحال، إنما فيها غلبة ظن، فإن غلب على ظنه أن المنكر يزول أنكر، وإن غلب على ظنه أنه قد لا يزول، ولكن لن يترتب مفسدة فإنه ينكر أيضاً.

لكن إن غلب على ظنه أنه لن يزول المنكر، بل سيوجد منكر آخر أعظم منه، أو يزول معروف أعظم، فحينئذ لا ينكر.

مراعاة شعور الناس لا يستلزم ترك الحق

السؤال: من يقول: إني إذا راعيت شعور الناس في أعمالي فإني لن أعمل كثيراً من الحق؟ فماذا نقول له؟

الجواب: أقول: إن مراعاة الناس في هذه الأمور بالأسلوب الذي تكلمت عنه تفصيلاً هو من الحق كما حرصت على إظهار ذلك منذ البداية، من الحق الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وعمله ودعا إليه واتخذه مبدأً في كثير من أعماله وأقواله وأحواله عليه الصلاة والسلام.

ثم إن الواقع يدل على أنك إذا راعيت شعور الناس حصلت على كثير مما تريد، وقد قال عبد الله بن المبارك: [[حسن الخلق شيء هين! وجه طلق وكلام لين]] الناس ليس في التعامل معهم صعوبة بل هو سهل، وبمجرد أن يكون وجهك طلقاً وكلامك ليناً، تحصل منهم على شيء كثير، وهذا أمر مجرب.

فليس المطلوب منك -الآن- أن تترك الدعوة أو تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تترك الإصلاح، لا! المطلوب أن تقوم بذلك كله، لكن أن تجعل الوسيط بينك وبين الناس جسوراً قائمة.

سمعتك بين الناس حسنة، تقوم بمصالح الناس الدنيوية، تحرص على ما ينفعهم، تتلطف إليهم بالخلق الفاضل، لا تترك سبيلاً إلى الوصول إلى قلوبهم والتسلل إليها إلا سلكته، ثم مع ذلك وقبله وبعده تدعوهم إلى الله تعالى، وستجد أن النتائج أكبر بكثير مما تتصور، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله} الحديث.

فإذا ملكت قلب هذا الإنسان فكأنك استعبدته، فأصبحَ طوعَ بنانك، فنحن لا نريد استعباد الناس لأنفسنا، إنما نريد تعبيدهم لرب العالمين.

التلطف والمزاح مع الزملاء

السؤال: لي زملاء منهم رئيسي ومنهم من هو دون ذلك؛ فهل أمازحهم في سبيل الدعوة وقلبي كاره لهم؟ وما رأيك في دائرة خدمات فيها مهندس مجوسي يرأس نحو150 مسلم.. هل من نصيحة للمسئولين الذين ولوا هذا المجوسي؟

الجواب: هذه كارثة أن يكون في بلاد الإسلام مجوسي يتولى على المسلمين، سواء كان ذلك في دوائر حكومية، أوفي شركات أهلية، وهي مصيبة موجودة، وأحياناً هذا الكافر يؤذي أولئك المسلمين في مناسبات الصلاة أو الصيام أو الحج أو غير ذلك.

وأما التلطف والممازحة لزملائك في العمل بقصد دعوتهم إلى الله تعالى فلا حرج عليك في ذلك.

وسائل لكسب الإخوة الصغار

السؤال: ما هي الطرق والوسائل التي أستطيع بها أن أكسب قلوب إخواني الصغار ولكي أَبني أنا ما يهدمه والدي في التعنيف والضرب؟

الجواب: كسب قلوب الصغار سهل، فالصغار أصحاب قلوب طيبة وأصحاب فطرة سليمة، فتكسب قلبهم من خلال الكلام الطيب، من خلال اللطف معهم، من خلال القصص التي تقدمها لهم، من خلال الحلوى التي تهديها لهم، أو اللعبة الطيبة، أو تركبهم معك في السيارة إن كنت صاحب سيارة، وتحاول أن تساعدهم على حل واجباتهم، ولا تقسو عليهم، وإذا أخطئوا تصحح لهم الخطأ بالأسلوب المناسب، وتستمر على ذلك، وقد ترى أحياناً أن من الواجب أن تغضب عليهم أو تعاقبهم، لا مانع من ذلك، لكن لا يكون ذلك منك هو القاعدة أبداً، بل يكون هذا عند الحاجة.

مسئولية الدعوة إلى الله

السؤال: ما رأيك في الاعتقاد السائد عند بعض الناس أن الدعوة إلى الله تعالى ملقاة على عاتق طلاب الشريعة والدراسات الدينية، وينفي المسئولية عن طلاب التخصصات الأخرى؟

الجواب: لا أبداً! الحياة مدرسة، فيها صناع من كل الألوان والأنواع، وكل الدعاة إلى الله تعالى من صناع الحياة الذين يجب أن يقوموا بدعوتهم من خلال تخصصاتهم، فالفقيه يتكلم فيصدقه الطبيب ويصدقه الاقتصاد.

وربما قال الفقيه مثلاً: إن الربا يمحق المال، فلم يصدقه الناس -أو كثير من الناس- لضعف يقينهم، فقام عالم الاقتصاد وقال: صدق الفقيه! الربا يمحق الاقتصاد وهذه هي الأدلة، فقال الناس: آمنا وصدقنا.

وربما قال الفقيه: الزنا سبب للانهيار، والزنا سبب لكثير من الأمراض، والزنا سبب لتفكك الروابط؛ فشك الناس في أمره، فقام الطبيب وقال: صدق الفقيه! وهذه هي الإحصائيات، وهذه هي الأدلة وهذه هي الأرقام، فصدقه الناس، فنحن نحتاج إلى كوادر من كافة التخصصات تقوم بالدعوة إلى الله تعالى.

وهذا الموضوع أيضاً في كثير من المحاضرات والدروس ألفت النظر إليها منها محاضرة للشيخ سعيد بن زعير، بعنوان: الدعوة إلى الله مسئولية من، ومنها محاضرة للشيخ عبد الوهاب الناصر بعنوان: العمل للدين مسئولية الجميع.

إثم من ترك الحكمة في دعوته إلى الله

السؤال: بعض الدعاة بل كثير منهم إذا أراد النصح والإرشاد همه أن يبرئ ذمته في هذا الأمر، بغض النظر عما يؤول إليه فتجده يأمر وينهى.. باختصار فيرمي الكلام ويذهب، وكثيراً ما سمعته يقول: أنا بَرَّأْتُ ذمتي، أما النتيجة فيتحملها هو!! مع أنها نصيحة جافة جداً؛ فما رأيك؟

الجواب: أشرت إلى هذا الأمر، لا ينبغي أبداً أن يكون الداعية أنانياً بهذه الصورة؛ بل إن براءة الذمة قد لا تتحقق بهذا، ما رأيك في إنسان دعا بجفاف -كما قال: بكلمة جافة- ولم يمهد لها، فكانت النتيجة أن تضاعف المنكر؟! أعتقد أنه آثم! اللهم إلا أن يكون اجتهد وسعه حينئذ، فالمجتهد غير آثم، لكن إن كان غير مجتهد فحينئذ يكون آثماً، فلا تبرأ ذمته بل يتحمل وزراً جديداً، وينبغي أن يعرف الداعية أنه كما عليه أن يعرف الحق الذي يدعو إليه عليه أن يعرف الطريق في الدعوة إلى هذا الحق.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صناعة الحياة للشيخ : سلمان العودة

https://audio.islamweb.net