|
الإنسان في هذه الحياة مسافر في رحلة حتمية، لا يملك إيقافها، ولا التراجع عنها، ورحيل الإنسان عن الدنيا حقيقة مُرَّة، يعلمها الأحياء علم اليقين وإن تجاهلوها، وسيذوقون مرارتها يوماً ما.
وفي هذه المحاضرة تجلية لحقائق الموت والرحيل من الكتاب والسنة وأقوال السلف؛ متضمنة أمثلة من حسن الخاتمة وسوئها، وطرق الاستعداد للرحيل التي لا يستغني عن التفكر فيها كل ذي فكر. |
|
|
|
|
|
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله الله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب أن يجعل للحاضرين والحاضرات في هذا المكان من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة.
اللهم لا تدع لي ولهم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها وأعنت على قضائها، اللهم لا تدع لهذه الوجوه ذنباً إلا غفرته، ولا تدع فيهم تائباً إلا قبلته، ولا لأحدٍ منهم ميتاً إلا رحمته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحةً وهبته وأسعدته يا رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه.
أحبتي في الله! نهاية هذا العام وأفول شمسه، ساقطة في مغيب بحر التاريخ، إشارة إلى الزوال والرحيل والفراق من هذه الدنيا، ورحيل هذا العام يذكر لا محالة برحيل الجميع، يذكر لا محالة برحيل العافية عن الأبدان، ورحيل النور عن الأبصار، ورحيل الكلمات عن الألسن، ورحيل السمع عن الآذان، ورحيل النبض عن الأفئدة، ورحيل الخفقات عن القلوب، ورحيل الحركات عن الأطراف والجوارح، رحيل هذا العام ورحيل كل عامٍ يذكر بأننا كما عشنا ورأينا وعلمنا وعرفنا الحياة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؛ فسوف نذوق الفراق حق اليقين، بعد أن عرفناه علم اليقين وعين اليقين، نحن الآن نعيش في هذه الحياة، والحياة بالنسبة لنا علم اليقين، فنحن نرى الأحياء ونرى أنفسنا، ونعيش الحياة حق اليقين؛ لأننا نرى الحياة في جوارحنا وأبداننا وحركاتنا وحواسنا وفي ذواتنا وما خلق الله فينا، فإن هذه الحياة نعيشها بعلم اليقين وحق اليقين، وكما عشنا الحياة علماً وعيناً وحقاً، فسوف نعيش الفراق علماً وعيناً وحقاً.
أما الفراق بعلم اليقين: فنحن نعلم أننا نفارق أقواماً.
وأما الفراق بعين اليقين: فإننا فقدنا وما عدنا نرى، بل دفنا ووارينا أحباباً وفارقناهم.
وبقي الفراق بحق اليقين: وهو أن نذوق الفراق، وأن نتجرع ذلك الفراق، ولا بد لنا من ذلك شئنا أم أبينا، طال بنا الدهر أم قصر..
نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح
أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح
كل بطاحٍ له يوم على الدنيا بطوح
لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح
رحيل هذا العام يذكر برحيل الصالحين، ويذكر بالأسى على فراقهم، ورحيل هذا العام يذكر برحيل المجرمين، والعبرة بزوالهم، ورحيل هذا العام يذكرنا بحتمية فراقنا وزوالنا وانتقالنا من هذا الدار.
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهربُ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلَّ الردى مما نرجيه أقربُ
رحيل هذا العام أيها الأحبة في الله! يذكرنا بما قاله حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: (جاءني جبريل عليه السلام، وقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) رحيل هذا العام يقول للسادرين: لا تفرحوا بمرور الليالي والأيام:
يسر المرء ما ذهب الليالي وإن ذهابهن له ذهابُ |
|
|
|
أيها الأحبة! رحيل هذا العام شاهدٌ على الكادحين جميعاً يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير القرآن العظيم : المؤمن يكدح ثم إلى الجنة، والكافر يكدح ثم إلى النار.
رحيل هذا العام يمضي بسجلاته وصحائفه شاهدةٌ لنا أو علينا، شاهدةٌ لأقوامٍ بالحسنات وشاهدةٌ على آخرين بالسيئات، أقوامٌ مشغولون بالطاعة، وهم غداً في الجنة في شغلٍ فاكهون برحمة الله، وأقوامٌ مشغولون بلا مهمة مشغولون بالسهر ولكن في غير طاعة الله، ومشغولون بالجهد والمجاهدة، ولكن في معصية الله، في متابعة الأفلام والقنوات التي يرون فيها ما يضر ولا ينفع، ويخزي منظره، ولا يستطيع الناظر تغييره، مشغولون باللهو الباطل، مشغولون بالغفلة والسهر، ثم النوم عن الصلاة مع الجماعة، ومشغولات من النساء في الذهاب والإياب والتطواف، والتسيار والتجوال في الأسواق، مشغولات في الجولات في كل المناسبات، تجوالٌ لا يعرف الكلل ولا الملل، مشغولات عن بيوتهن أو عن تربية أبنائهن على طاعة الله عز وجل، مشغولون عن حقوق أوجبها الله عليهم في البر والصلة والقيام بحقوق من ولاهم الله شئونهم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
لحظات الخاتمة هي التي أقضت مضاجع القوم، فحرمتهم نوم الليل والعيش الهادئ، فلم يغتروا بعبادتهم مع كثرتها، ولا بصلواتهم مع خشوعها، ولم يغتروا بكثرة ما أنفقوا من أموالهم في سبيل الله، ولم يغتروا بكثرة صيامهم في الهواجر، ولم يغتروا بكثرة قيامهم في الثلث الأخير من الليل، عن سالم بن بشر أن أبا هريرة رضي الله عنه بكى في مرضه فقيل له: يا أبا هريرة! ما الذي يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي بعد سفري وقلة زادي، وإني أصبحت في صعودٍ مهبطٍ على جنة أو نار لا أدري إلى أيهما يؤخذ بي.
خوف الصالحين من سوء الرحيل هو الذي أقض مضجعهم، وجعلهم يزهدون في هذه الدنيا، فالمؤمن لا بد أن يسيطر عليه هاجس الخوف ومن سوء الرحيل، وهاجس الخوف والحذر من أسباب سوء الرحيل، وهكذا كان الصالحون يخشون سوء الخاتمة، ويسألون الله أن يتوفاهم على الإسلام إذ ربما غلب على الإنسان ضربٌ من الخطيئة، وربما غلب عليك نوعٌ من المعصية، أو جانبٌ من الإعراض، أو نصيبٌ من الافتراء، فملك قلبك وسبى عقلك، وأطفأ نورك، وأرسل عليك حجباً، فلم تنتفع بتذكرة، ولم تنجع فيك موعظة، وربما جاءك الموت وأنت على ذلك، فسمعت النداء وأنت في مكانٍ بعيد ولم تتبين المراد ولم تعلم ما أراد وإن أعاد عليك وأعاد.
قال ابن أبي حمزة في شأن الخاتمة: هذه التي قطعت أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حسن الحال؛ لأنهم لا يدرون بما يختم لهم، كان الصحابة يخافون من ساعة الرحيل، أفلا نخاف نحن يا معاشر المفرطين؟ كان الذين بلغوا وجاوزوا القناطر يخشون من سوء الرحيل، أفلا نخاف نحن مستودعات الخطيئة، ومخازن الغفلة واللهو عن طاعة الله وذكره؟ |
|
|
|
نعوذ بالله -أيها الأحبة- من سوء الخاتمة، ونسأل الله حسن الرحيل وحسن الخاتمة، فإن أقواماً لا يزالون في لهواتهم وغفلاتهم سادرين حتى تأتيهم الخاتمة على أسوأ حالٍ أو تجعلهم يرددون أسوأ حالٍ كانوا يفعلونها في الدنيا، فقد أخرج البيهقي في الشعب عن الربيع بن برة وكان عابداً بـالبصرة ، قال: أدركت الناس بـالشام وقد قيل لرجلٍ لما حضرته الوفاة: قل: لا إله إلا الله، فقال: اشرب واسقني، كان شراباً للخمر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقيل لرجلٍ بـالبصرة : يا فلان، قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول ويغني:
يا رب سائلة يوماً وقـد تعبت أين الطريق إلى حمام منجابِ
وهذا القائل هو رجل طلبت منه امرأة أن يدلها على حمام منجاب، فدلها إلى منـزله وذهب يأتي بشيء ونسي إغلاق بابه، فخرجت وقد تعلق بها، فجعل يدور بالأسواق يبحث عنها ويردد هذا البيت، فمات على أخذة حال فعل وهو تلك الفعلة الشنيعة مات وهو يردد هذا البيت، وهو يغني.
وذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الثبات عند الممات أن رجلاً احتضر، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال هو كافرٍ بلا إله إلا الله، وقيل لآخر وهو يحتضر: قل: لا إله إلا الله، فقال: حيل بيني وبينها، وصدق الله العظيم: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبأ:54]ويقول ابن الجوزي أيضاً: وسمعت آخر وهو في مرض الموت يقول: ربي يظلمني ربي يظلمني، من سوء ظنه بربه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: إنسانٌ يمنع أخاه من مجالسة الصالحين وحضور المحاضرات والدروس مع أنه على خيرٍ وعلى دين، فما العمل في ذلك؟
الجواب: على أية حال يا أحبابنا! ونقولها بصراحة: لعل حادث تفجير العليا في مدينة الرياض كما علمت ونقل إلي أن أناساً اضطربوا، ومنهم من نكص على عقبيه، ومنهم من حلق لحيته، ومنهم من تراجع عن مجالس الصالحين، وآباء حذروا أبناءهم، فنقول لهؤلاء: لا، لا، لا، ليس هذا هو الحل، نعم، نحن نبرأ إلى الله عز وجل من منهج التكفير، ونبرأ إلى الله عز وجل من هذه الفعلات القبيحة الشنيعة، ونبرأ إلى الله من هذا الأسلوب، ونبرأ إلى الله من كل ما يخالف الشرع والحق والهدى الذي عليه كبار علمائنا الأجلاء، ندين ديانة لله عز وجل بحبهم والثقة بمنهجهم ولا نتزحزح عن ذلك أنملة، لكن في المقابل يأتي أقوام يقول لك: إذاً الحل أن نحذر من التجمعات، نحذر من جلوس الشباب مع بعض، نحذر من رحلات الشباب إلى العمرة مع بعض، نحذر من رحلات الشباب إلى الحج مع بعضهم، نحذر من اجتماع الشباب في المساجد لقراءة كتاب الله أو الذكر أو الحلقات.
لا، لا، لا، إذا أخطأ طبيبٌ فلا يمنع الطب كله، وإذا أخطأ رجل أمنٍ فلا يلغى الأمن كله، وإذا أخطأ رجل حسبة فلا تلغى الحسبة كلها، وإذا تصرف شابٌ وإن كان مظهره مظهر التزامٍ بالسنة، ومنهجه منهجٌ منحرف، فإن ذلك لا يعطل أو يعرقل في مسيرة الدعوة شيئاً، الدعوة إلى الله بأساليبها الشرعية، وضوابطها المرعية، وآدابها، علينا أن نستمر فيها، الكتاب النافع قراءة وتوزيعاً، الشريط النافع تسجيلاً وتوزيعاً، الموعظة، الرسالة.
كل أساليب الدعوة لا بد أن تستمر كما هي، وألا تكون سبباً في النكوص والتراجع، فلنحذر من أن تكون سبباً في المشكلات أو المفاجئات، أو الأفكار المنحرفة، أو المناهج المستوردة، علينا أن نحذر منها، لكن ليس الحل أن نغلق كل خير بنيناه ونقول لا فائدة، لا، يا أحبابنا! ماذا نعمل في مواجهة الغزو الفضائي؟ الآن الهواء الذي نتنفسه ونتنقل فيه مملوء بالصور والكلمات والأصوات، سبعة وأربعين قناة فضائية باللغة العربية تبث مع مئات القنوات التي تبث باللغات الأخرى الأجنبية، نحن مستهدفون، وهي موجهة إلينا في ظل هذا الزخم الهائل من الحرب الإعلامية عبر المجلات والدشوش والأطباق والمستقبلات الفضائية، نأتي مع هذا ونقول: الحل أن نغلق مجالسنا، ومكاتبنا، وحلقات القرآن، واجتماعات الشباب ولقاءاتهم، لا، فالحل هو أن نحذر من المسالك الجائرة والمناهج المستوردة والأفكار المشبوهة، وأن تستمر الدعوة أصلب عوداً وأقوى مكانة وقدماً راسخةً بإذن الله عز وجل، وأما هذا الأخ الصالح الذي يحذر أخاه من مجالسة الصالحين، فنقول: يا أخي الحبيب! والله لئن جالسهم فهو في خير، ولو جالس الأشرار، لربما تمنيت أن يموت ولا رأيته على بعض الأحوال.
أب كنت أعرفه وكان له ولد، يقول: كنت لا ألتفت لتربيته والعناية به، قال: فما كان من فترة إلا وتأتيني الأخبار عن فساده، ولواطه، وانحرافه، ومخدراته، قال فسألت الله إن كان في سابق علمه أن ليس له هداية أن يأخذ روحه، قال فما جاوز أسبوعاً إلا ضربته سيارة وتوفي.
والله إني كنت معه في المقبرة وهو يقول: الحمد لله الذي أخذه، فيا أخي الحبيب! هل أنت تندم يوم أن يصحب أخوك جلساء صالحين يدلونه إلى الهدى؟ نعم أنا مع الذين إذا كان لأحدهم ولد أو أخ لا تسلم ولدك أو أخاك لأي جليس، إذا جاءت مجموعة شباب يزورون ولدك، فتقول لهم: أهلاً وسهلاً بالشباب، اجلسوا، ماذا عندكم يا إخواني؟ أين الكتب التي تقرءونها؟ ماذا تسمعون من الأشرطة؟ اخرج معهم في رحلة، إذا وجدت القوم عندهم أسرار ولف ودوران وأشياء مخبئة، فاعلم أنهم كما قال ابن مسعود: إذا رأيت القوم يتسارون في أمر دينهم، فاعلم أنما يؤسسون بدعة، حينئذٍ اسحب أخاك وابحث له عن جلساء طيبين غير هؤلاء، لأن دين الحق واضحٌ كالشمس، لا يحتاج إلى وزوزة أو سرية أو كواليس أو خنادق أو أماكن خفية، أما الذي عنده بدعة أو الذي عنده طريقة تخالف العلماء وتخالف الدعاة، وتخالف ما شرع الله من الدعوة إليه، فلا شك أنه سيضطر إلى السرية، وسيضطر إلى مثل هذه الأساليب، لكن نقول: إذا كنت مشفقاً خائفاً على أخيك، فليس الحل هو منعه، بل الحل أن تدخل في وسط زملائه وتنظر ماذا يقرءون وماذا يصنعون وأين يذهبون ومن يزورون وبمن يتأثرون؟ فإذا وجدتهم على منهجٍ صحيح، فالحمد لله، وإن وجدتهم على بدعة أو شرٍ، أو تفجير أو تكفير، أو عدوان أو ضلالة، فعليك أن تسحبه منهم ولو بلغت لحاهم ما بلغت، ولو بلغت ثيابهم ما بلغت، ولو بلغت أقوالهم ما بلغت. |
|
|
|
|
السؤال: سائل يقول: أنا شابٌ أحب الصلاح والالتزام، ولكني لا أستطيع ترك المعاصي ولا أقدر على الالتزام بالطاعات كلها، فما الطريق لذلك؟
الجواب: أما دعوى عدم الاستطاعة على ترك المعاصي، فلا أظنها دعوى صادقة، ولو قال السائل مع حبه للالتزام: أنه يستسلم للمعاصي، لكان صادقاً، أما قضية أن الإنسان لا يستطيع، والله لو أن أحداً أتاك ليأخذ من جيبك ريالاً لدافعته مدافعة الأبطال الأشاوس، فلن تكون عاجزاً عن مدافعة شيطانك وهواك كما تقدر على دفع عدوٍ حسيٍ ولو كان قوياً جداً، فقضية عدم الاستطاعة في ترك المعاصي ليست بصحيحه، ولكن أنا أقول لك: كيف تستطيع أن تترك هذا؟ اترك الأسباب التي توصلك أو تذكرك أو تشغلك بذلك، فمثلاً: بعض الناس تجده يسافر مع رفقاء السوء، ثم يذهبون إلى مكان دعارة أو فساد، ثم يقول: أنا ما استطعت أن أمسك نفسي عن الزنا، لو أردت أن تمسك نفسك عن الزنا ما صاحبت جلساء السوء، ولو أردت أن تمسك نفسك عن الزنا ما ذهبت معهم إلى هذا المكان، تجد رجلاً يسبح في البنزين، ثم يقول: عجباً كيف أكون قابل للاشتعال، أنت تجمع على نفسك كل العناصر التي تنتهي إلى المعصية، ثم تقول: لا أستطيع أن أمسك نفسي عن المعاصي!
لا. أنت تستطيع أن تصبر نفسك عن المعصية بمجاهدة النفس وإبعادها عن مكان المعصية، وجليس المعصية، وزمان المعصية، وظرف المعصية، وكل ما يتعلق بالمعصية، وحينئذٍ تكون قادراً بإذن الله عز وجل، نعم يجتمع في العبد أن يكون عاصياً وفي نفس الوقت أن يكون محباً للأخيار، قد يقول قائل: كيف هذا يحب الصالحين ولا يمسك نفسه عن المعاصي؟! بل يجتمع في الإنسان خيرٌ وشر، ويجتمع فيه إخلاصٌ ونفاق، ويجتمع فيه حقٌ وباطل، ويجتمع فيه خطأ وصواب، والذين ينظرون إلى الناس أو الدول أو المجتمعات أو الأفراد إما خير لا شر فيه، وإما شر لا خير فيه، فهم يجحفون أو ينافقون، ولكن العدل أن ترى في كل نفسٍ، وفي كل مجتمع، وفي كل دولة، وفي كل كبيرٍ وصغير، فيهم خير وفيهم شر ويتفاوتون بين القلة والكثرة في الخير والشر.
فهذا الأخ الحبيب نقول له: جزاك الله خيراً، ونسأل الله أن يجعلك مع الصالحين بما أحببتهم، والمرء مع من أحب، كما جاء الرجل وسأل النبي، وقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب يوم القيامة) والآخر الذي جاء وسأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت كثير عملٍ، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت يوم القيامة) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات:22] المرء مع من أحب يوم القيامة، فمن أحب الصالحين يكون معهم بإذن الله، ولكن لا ينال درجاتهم، وربما يحال بينه وبينهم إذا هو اقترف من الفواحش والآثام والكبائر والمنكرات ما يمنعه من البلوغ واللحاق بهم أو بمنازلهم ودرجاتهم.
فيا أخي الحبيب! ما دمت محباً للخير وأهله، فجاهد نفسك، واعلم أنها لذة منقضية ويبقى إثمها، ولو صابرت النفس على الطاعة، لوجدت أنه تعبٌ قليل ويبقى أجره وثوابه بإذن الله عز وجل.
ثم اعلموا أيها الأحباب! أن كثيرً من الشهوات الموجودة يستطيع الإنسان أن يدفعها بالحلال، وأغلب شهوات الشباب اليوم هي شهوات في الغرائز والجنس، وتلك لا أسهل من دفعها بالزواج، ولكن الشباب، أو بعض الشباب أو بعض الناس هم الذين يصنعون القيود والأغلال والسلاسل على أنفسهم، فيشترط الواحد مئات الشروط في الزوجة التي يريد أن يتزوجها، وربما الفتاة تشترط مئات الشروط في الشاب التي تريد أن تتزوجه، وحتى يجد الفتى فتاته، وحتى تجد الفتاة فتاها، بين تلك الفترة إلى الزواج ربما البعض قد أشغل نفسه بمعصية أو زل زلة في معصية ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولو أنه بادر بسد النفس وحاجتها بالحلال، حتى وإن كان ما سد به النفس أقل مما كان يرجوه ويتمناه من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، لكان معاناً من الله، وكما في الحديث: (وثلاثة حقٌ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء) فالناكح الذي يريد العفاف أظنه لا يتردد أن يتزوج فتاةً ولو مطلقة أو كبيرة في السن، ولو فتاة عندها مشكلة من المشكلات، المهم أن يحصن نفسه، وسيجعل الله له بها قبولاً وعفة وإحصاناً، وإذا منَّ الله عليه بغنىً وسعة ثم رغب في أن يستزيد، فله أن يستزيد إذا كان قادراً على الباءة بشروطها، والعدل بحقوقه وواجباته، أما أن الإنسان يقول: لا أريد إلا كذا من الأوصاف، وحتى الآن لم أجد هذه الأوصاف إذاً لا بد أن أتمتع بالسفر والعبث والزنا والصور والأفلام وغير ذلك، نقول: لا يا أخي الحبيب! املأ نفسك بالحلال الذي شرعه الله وستجد ما يغنيك به الله عن الحرام. |
|
|
|
|
السؤال: هل للموت علامات؟
الجواب: نعم، إذا نزل بأحدٍ الموت، فمن علاماته أن يشخص بصره، وربما فغر فاه، ومالت أرنبته -أرنبة الأنف- وبردت قدماه، وربما بعضهم يسمع لصدره شيء من الحشرجة أو الشهيق وغير ذلك، فكلها من العلامات الجلية، إذا نزل الموت يعرف بعلاماته، برود القدم؛ لأن الروح تنزع من القدم، ثم من الساق، ثم من الفخذ، ثم من الجوف، ثم يكون في الذروة يكثر الشهيق والزفير والحشرجة في الصدر، لأنها مرحلة النزع الأخيرة، ثم يشخص البصر لأن الروح تخرج مع الأنف، يقال: مات حتف أنفه، لأن الروح تخرج مع الأنف ثم يتبعها البصر، فنسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة. |
|
|
|
|
السؤال: ما هي الطرق السليمة للاستعداد لوقت الرحيل إلى الله عز وجل؟
الجواب: معلومٌ أيها الأحبة! أن المسلم لا يدري متى أجله، ولكن إذا دنا الأجل دنواً بيناً، فله علامات، ولكن لنعلم أن هناك علامات جلية وواضحة وهناك أمارات، فمن ذلك بلوغ الستين (قد أعذر الله إلى امرئٍ بلغه الستين من عمره) كما في صحيح البخاري ، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك) فالذي بلغ الستين أو السبعين هو يمشي حقيقة في الفائدة، أما رأس المال فقد استوفاه، هو ميتٌ يمشي على وجه الأرض، وخيركم من طال عمره وحسن عمله، وكما يقول القائل:
إذا الرجال ولدت أولادها
وأصبحت أسقامها تعتادها
وأنهكت من مرضٍ أجسادها
تلك زروعٌ قد دنا حصادها
فإذا رأى الإنسان مثل هذه العلامات الطبيعية، فلاشك أنه يعد نفسه في عداد المقبلين على الآخرة، ومن المؤسف أنك ترى أقواماً كباراً في السن كما يحدثنا الإخوة وخاصة الذين يعملون في الخطوط الجوية، يقولون: كم رأينا أناساً قد جاوزوا الستين وجاوزوا السبعين، والواحد منهم بعد أن بلغ ما بلغ من العمر، والمفترض منه أن يقبل على المسجد وعلى الركوع والسجود وتلاوة كتاب الله وانتظار الصلاة بعد الصلاة، تجده يعود في مراهقة مزعجة في آخر حياته، فيقضي حياته بين بومباي ومانيلا ودول أخرى يقضي عهراً وفساداً ومصائب، وكثيراً منهم من يعود محمولاً في تابوتٍ ليحدث أو يحكي قصة رحيلٍ سيئة مخزية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كذلك يعلم الإنسان إذا حل به مرضٌ في الغالب أن صاحبه لا يشفى منه، هذه من دلائل أن الإنسان سوف ينتهي به الأمر إلى الموت، فلا بد أن يستعد ولا ينزعج للقاء الله عز وجل، بل ربما بعض الذي يصابون بمرضٍ في الغالب ينتهي بأحدهم إلى الموت، إذا علم بذلك أن تلك فرصة أن يعلم، أي الخير هو أم هذا الذي هو سادر في شهواته وغفلاته وملذاته ومعاصيه، ثم يأتيه الموت على أخبث حالٍ تخزيه عند الله يوم القيامة؟ والناس يبعثون على ما ماتوا عليه، فربما كتب الله لبعض الناس مرضاً قبل موتهم بأيامٍ أو أشهر ليكون لهم عبرةً وعظةً واستعداداً، يوصون فيه ويردون المظالم ويتوبون إلى الله، ويجتهدون في الطاعات، فتكون نهاية حسنة مع أن هذا المرض لا يزال بأحدهم حتى يخرج من الدنيا وما عليه خطيئة، وربما كانت له المنزلة من الجنة لا يبلغها بعمله، فيشدد عليه البلاء حتى يبلغها بما ابتلاه الله به.
أيها الأحبة! فلنحرص دائماً على الاستعداد لهذا الموت، لأننا نموت في كل ليلة اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [الزمر:42] فأنتم هذه الليلة سوف تموتون، وكلنا سنموت، ولكن أرواحاً تسرح، وأرواحاً تعود من جديد إلى أجسادها، فعلينا أن نستعد لذلك، وخير استعداد للموت هو البراءة والتوبة من السيئات والمنكرات، والاجتهاد في فعل الواجبات، وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) لا نريد من كثير عمل، أولاً ترك المحرمات وفعل الواجبات، ثم إذا أردت أن تنال مزيداً من القربى عند الله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به... الخ) فأول قربة البراءة من المحرمات والاجتهاد في الواجبات والطاعات يا أخي المسلم!
وحينما نتكلم عن الاستعداد للرحيل، فليس ذلك بدعوة إلى أن يترك الإنسان مكسبه ومعيشته وعمله الذي يؤجر فيه، لأن الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، والذي يسعى على أولاده يطعمهم من الحلال، له بكل ما يطعمهم من ريالٍ أو درهمٍ حسنات، كما جاء في الحديث: (إنك ما أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله، حتى ما تضعه في فيّ امرأتك إلا كتب لك به الأجر) فذلك من الاستعداد للرحيل، لا نظن أن الاستعداد للرحيل الاعتكاف في الزوايا والصوامع والتكايا والأربطة، لا نظن أن الاستعداد للرحيل هو أن يبقى الإنسان متسولاً من الشحاذين، ويقول: أنا مستعد، لا، الاستعداد للرحيل أن تكون قوياً في دينك، قوياً في دعوتك، قوياً في طاعتك، قوياً في دنياك أيضاً: (والمؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف). |
|
|