|
نعم الله على الإنسان لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم العظيمة والجليلة نعمة اللسان، ذلك العضو الصغير الذي يتقلب عند الكلام ويقلب الطعام.. هذا العضو قد يكون سبباً لدخول صاحبه الجنة أو النار، فإن استغله الإنسان في طاعة الله وذكره؛ سلك به طريق الجنة، وإن استغله في الغيبة والنميمة وقول الزور وغيرها؛ قاده إلى النار. |
|
|
|
|
|
الحمد لله الذي خلق اللسان، وفجَّر منه ينابيع الحكمة والبيان، وهدى إلى الجنان أو إلى دركات الجحيم والنيران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الديان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى والمجتبى للهداية إلى الجنان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه في كل زمان ومكان، وجعلنا وإياكم منهم برحمته ومنه وكرمه إنه هو العظيم الرحمن.
أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
إخواني في الله: الحمد الله الذي منَّ عليَّ وعليكم بالاجتماع في هذا البيت المبارك من بيوت الله، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمُنَّ علينا جميعاً بأن يكون مجلسنا مجلساً مباركاً مشهوداً بالخير، وأسأله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه موجباً للفوز بعظيم رحمته.
أيها الأحبة في الله: إن لله عز وجل على الإنسان نعماً وفضائل عظيمة ومنناً لا يحصيها إلا هو سبحانه وتعالى، ومن هذه النعم والمنن والفضائل والنوائل: أن خلقه وكان معدوماً، وأعطاه وكان بئيساً محروماً.
من هذه النعم تلك النعمة العظيمة الجليلة الكريمة يوم خلقه؛ يوم براه فصوره وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، يوم تقلب ذلك المخلوق الضعيف المسكين في ظلمات الأرحام تحت منِّه ولطفه ورحمته، فخلقه وسواه، ومنَّ عليه بالخير وأعطاه، فما أعظم خلقته، وما أدق درايته وقدرته.
خلق هذا المخلوق، وجعل في خلقه شواهد وحدانيته، ودلائل عظمته وألوهيته وربوبيته، يوم أطعمه ولا مطعم له سواه، ويوم سقاه ولا يسقي تلك الأحشاء الظامئة أحدٌ سواه.
ثم من هذه النعم تلك الأعضاء التي خلقها وصَّورها وأوجدها وبراها، تلك الأعضاء التي وقف أمامها الأطباء والحكماء، فحارت عقولهم في بديع صنع الله! يوم وقف الأطباء والحكماء أمام أسرار عظمته ودلائل وحدانيته وألوهيته..!
قف أمام ذلك العقل الذي لو أراد الناس أن يدركوا دقائق ما فيه من العلوم المعقدة لحارت في ذلك أفهامهم وعقولهم.
قف أمام العين، فسبحان من قذف فيها نور البصر! ولو سلب ذلك النور ما استطاع أحدٌ في الوجود أن يرده.
قف أمام السمع فلو سلب الله السمع ما استطاعت أطباء الدنيا أن ترده لحظةً واحدةً.
يدٌ سبحان من خلقها وبراها! سبحان من مدَّها وبسطها! جرت فيها الدماء، وصرفت فيها عروقها من الله فاطر السماء، فإن قبضها الله فلا يستطيع أحدٌ سواه أن يبسطها، ولئن بسطها الله فشلت، لن يستطيع أحدٌ لحظةً أن يقبضها، فسبحانه! لا إله إلا هو فتبارك الله رب العالمين.
تقف أمام هذه الشواهد، وأمام هذه الدلائل والعلامات الصادقة التي تدل على أنه الواحد، فلئن تحرك الإنسان بهرتك حركته، ولئن نام مضطجعاً حقيراً ذليلاً بهرتك ذلته، فسبحان الله العظيم! لكي يعلم كل مخلوق أنه تحت أمره وتحت خلقه وقدره وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83] خلق هذه المخلوقات لكي يقف الإنسان أمامها فيسبح ويمجد فاطر الكائنات! خلق هذه المخلوقات لكي تمتلئ القلوب بتعظيم فاطر الأرض والسماوات، خلقها وفطرها وبراها، فلا يعقب حكمه، ولا يغير صنعه تبارك الله رب العالمين!
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أيها الأحبة في الله: إن لهذا اللسان زلات، وله آفات إذا بلي بها العبد فقد خسر الدنيا والآخرة؛ يوم يصبح الإنسان ويمسي وهو لا يراقب الله ولا يخافه فيما يقوله لسانه يوم يصبح الإنسان ويمسي وقد أطلق للسانه العنان لينتهك حدود الله ويغشى محارمه، ولا يخاف الله في عباده؛ يوم يصبح ذلك اللسان جريئاً على حدود الله ومحارمه، فتخط له في صحائف السيئات زلاته وآفاته! فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم قولاً سديداً وعملاً صالحاً رشيداً.
|
|
|
|
|
|
ومن آفات اللسان: كثرة السباب واللعن الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صاحبها لا يكون شفيعاً، ولا شهيداً يوم القيامة، كثرة السب واللعن تحرم الإنسان الشفاعة والشهادة يوم القيامة -والعياذ بالله- قال صلى الله عليه وسلم: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) كلما حصل شيء يقول لعنة، كلما وقع شيء تلفظ بلعنة، فإذا كثرت منه اللعنة فإنه لا يكون شفيعاً، ولا شهيداً -والعياذ بالله- يوم القيامة.
|
|
|
|
|
الثرثرة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله كرهها لعباده المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) كره لكم، وإذا كان الشيء يكرهه الله جلَّ وعلا، فحريٌ بالمسلم أن يتقيه ويدعه، مثل كثرة الكلام في فضول الدنيا، وكانوا يقولون: من دلائل نقص عقل الرجل أو نقص عقل المتكلم، مثل كثرة ثرثرته وحديثه في الدنيا، هذا يدل على نقص عقله؛ لأن العقل يعقل الإنسان عن الكلام في الفضول، فليكن منطق الإنسان منطقاً حكيماً سليماً، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى فقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ولذلك -قال عليه الصلاة والسلام يبين لنا أن الله إذا رزق العبد حفظ لسانه فلم يتكلم إلا فيما يعنيه، كان ذلك من حسن إسلامه- قال صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
|
|
|
|
|
|
|
ألا وإنَّ للسان آفات، فكما أن لله حقوقاً يزل فيها اللسان، فإن للعباد حقوقاً تزل فيها الألسن، تلك الحقوق التي تهتك بها عورات المسلمين، تلك الحقوق التي تضيع فيها حدود الله رب العالمين، إنها الحقوق التي ينتهكها الإنسان بالكلمة الواحدة في وجه أخيه أو غيبته.
ومن آفات اللسان التي تكون بين الإنسان وأخيه: الغيبة، وهي أن يذكر أخاه بما لا يحب أن يذكره به، قالوا: (يا رسول الله أرأيت لو كان فيه ما قلت؟ قال: إن كان فيه ما قلت فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) فإن كان ما قلت فيه فهي غيبة، وإن لم يكن فيه ذلك فقد بهته وظلمته.
الغيبة يوم يجلس الإنسان في تلك المجالس فيظن أن الله لا يسمعه ولا يراه، فيذكر أخاً من إخوانه، ويذكر عيباً من عيوبه، فيقول: فلان فيه كذا وكذا، وفلان فعل كذا وكذا، وحينئذٍ تخط هذه الكلمة في صحيفة عمله لكي يلقى الله جل وعلا بذنبه.
ألا وإن الغيبة من آفات اللسان وزلاتها، ومما يجب على كل مسلم أن يخاف الله ويرجوه، ويَسلم منه إخوانه المسلمين عند غيبتهم عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون يده ولسانه) أي: المسلم الكامل والمسلم الحق.
ليسلم الناس جميعاً منك، وارض لعل الله يرضى عنك، سلِّم المسلمين من لسانك، فإذا جلست في المجلس وأردت أن تذكر مسلماً فاجعل الجنة والنار بين عينيك .. إذا أردت أن تذكر أخاك المسلم فلا تذكره إلا بخير، ولا تذكر عيوبه، فإن ذكر العيوب هتكٌ لستر الله جل وعلا عليه، ولذلك قال الإمام مالك رحمة الله عليه كلمةً عجيبةً غريبةً! قال رحمه الله: أعرف أناساً لا عيوب عندهم تكلموا في عيوب الناس، فأوجد الناس لهم عيوباً، وأعرف أناساً عندهم عيوب سكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم.
أعرف أناساً لا عيوب عندهم -أهل استقامة وطاعة- ولكنهم يتكلمون في عيوب الناس: فلان فيه .. وفلان فيه، يهتكون ستر الله عليهم، فأوجد الناس لهم عيوباً -أي: صارت الناس تظلمهم وتقول: فيهم. وهو ليس فيهم- لأنهم هتكوا ستر الله على عباده، وأعرف أناساً عندهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فسكت الناس عن عيوبهم، فالكلام في عيوب الناس لا خير فيه.
عليك نفسك فاشتغل بعيوبها ودع عيوب الناس للناس
سل الله العافية، فإن عيَّرت مبتلىً فلعل الله أن يعافيه ويبتليك، ولذلك ذُكر عن الإمام محمد بن سيرين -وهو إمامٌ من أئمة التابعين وصفحةٌ من صفحات السنة المشرقة والصلاح والعبادة في زمانه، وقد أوصى أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن يغسله إذا مات- أنه لما كان في آخر حياته أصابه الدين، فقال: والله إني لأعرف الذنب الذي من أجله بليت بالدين. قالوا: وما ذاك؟ قال: قلت لرجلٍ قبل أربعين عاماً: يا مفلس!!
أذية المسلم لا تفوت؛ إما أن ينتقم الله من المؤذي في الدنيا، أو ينتقم منه في آخر لحظاته من الدنيا، أو ينتقم منه في الآخرة، أو يجمع الله له بين الثلاث النقم والعياذ بالله.
عورات المسلمين عظيمة! ما خلق الله الإنسان لكي يهتك عورات المسلمين: (من ستر مسلماً ستره الله، ومن تتبع عورة مسلمٍ تتبع الله عورته) وورد في الرواية الأخرى: (ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره).
فاتق الله، لسانك لا تذكر بها عورة مسلم، وخف الله في هذه العورات والعيوب التي في الناس، وقل: يا مسلِّم سلِّم. وقل: الحمد الذي عافاني مما ابتلاهم به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً.
اتق الله في عورات المسلمين، ولا تذكر عورة مسلم؛ فإن الله يسترك كما سترتهم، ويعافيك إذا حمدت الله عز وجل على العافية إذا رأيتهم.
وينبغي على المسلم إذا نظر إلى عورة أخيه المسلم أن يسعى في استصلاحها، وألا يشمت بها، فمن كمال إيمان المؤمن أنه يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن كنت مؤمناً حقاً فلا تتبجح في المجالس وتقول: يفعلون .. ويفعلون .. ولكن هيئ من نفسك ذلك المؤمن الصالح، واحتسب تلك الخطوات التي تشتري بها رحمة الله ولتذهب إلى هذا المبتلى وتلقي في أذنه كلماتٍ ينفعك الله بها في الدنيا والآخرة، فتذكره بالله وتُهدي إليه العيوب، فلعل ذلك أن يكون سبباً في صلاحه.. هذا هو المنبغي على الإنسان، أما أن يجلس بين إخوانه، ويذكر العيوب والمثالب فهذا لا ينبغي.
وقد يكون العبد صالحاً فيذكر فواحش ومنكرات تقع في المجتمع، وهذا لا ينبغي خاصةً إذا شهر بها على وجه لا يترتب عليه المصالح؛ فإن ذلك ضرره أعظم من نفعه، وخطره أعظم من خيره، قال سفيان رحمه الله: إذا سمعتم بالفواحش والمنكرات، فلا تذيعوها فإنها ثلمةٌ في الدين.
إذا سمع الناس أن فلاناً فعل .. وفلاناً فعل قد تقتدي بهم، ولكن حاول ألا تذكر هذه العورات إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة من التحذير، وبيان الخطأ كما هو واجب على العالم، ويجب أن يصحب ذلك إخلاص النية لله جل وعلا والإشفاق، وأن يكون ذلك النصح بأسلوب يدل على حسن قصد صاحبه، فنعم والله من يصنع ذلك! فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبين ذلك ويفعل ذلك صلوات ربي وسلامه عليه.
فمن حقوق المسلم على أخيه المسلم ألا يذكر عورته، وألا يشهر به، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يوجه يصعد على المنبر ويقول: (ما بال أقوام؟) ما قال: يا فلان بن فلان: لمَ فعلت كذا وكذا؟ لا يشهر صلوات ربي وسلامه عليه، إلا إذا وجدت المصلحة المقتضية لذلك، أو غلب على الظن اندراء المفسدة بتشهيره.
ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن جاراً جاء يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جاره، فأمره أن يخرج متاعه عن بيته، فصار كلما مرَّ عليه الناس قالوا له: ما بك؟ ما شأنك؟ قال: جاري يؤذيني، فكل من مرَّ لعن جاره وسبه وآذاه. فقال له جاره لما رأى ذلك: ارجع إلى بيتك، فلن ترى ولن تسمع مني إلا خيراً).
ألا وإن من أعظم من ينبغي أن يستر هو جارك وأقرب الناس منك، فإن من حق الجار على الجار ألا ترسل لسانك على عورته، ولا تدل على عورته، ولذلك وصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار، ووصى من قبله كتاب الله الواحد القهار.
وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام على قدميه ومعه رجلٌ يناجيه، فوقف حتى طال موقف النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء صحابي يريد النبي صلى الله عليه وسلم في حاجةٍ وذلك الرجل يناجي النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمه المرة تلو المرة، يقول الصحابي: حتى أشفقت على النبي صلى الله عليه وسلم من طول القيام، فلما فرغ الرجل من ذلك المقام ومضى وانصرف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)؛ حتى ظننت أن الله سيجعل الجار كالابن الذي من النسب يرثك وترثه.
فلا تذكر عورة الجار؛ لأن الجار قريب منك تسمع صيحته وتعلم حاله وتعرف أبناءه وبناته وما يكون غالباً من شأن أهله، فلذلك كان من حقه العظيم أن تستر عورته، ولا تفضح شيئاً من ذلك. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أيها الأحبة في الله: نتحدث في الوقفة الأخيرة عن كيفية حفظ الإنسان لسانه من الآفات:
|
|
|
|
أما السبب الثاني الذي يعين على حفظ اللسان من الآفات والزلات: أن تسأل الله جل وعلا الذي منه صلاح الأحوال، ومنه الكرم والفضل بطيب المقال، وتسأله أن يرزقك قولاً سديداً، قل: اللهم إني أسألك لساناً يرضيك عني، وأعوذ بك من لسانٍ يغضبك عليَّ، سل الله أن يعطيك قولاً يرضيك عنه، وادعه، فإن الله يستجيب لمن دعاه، سل الله في الأسحار، واسأله آناء الليل وأطراف النهار أن يحفظ لك لسانك فلا تحمل ذنوب الناس.
ولذلك قد يمسي الإنسان ويصبح راكعاً ساجداً، قائم الليل وصائم النهار، وحسناته لمن تكلم فيهم، يغتاب وينم وهو قائم الليل صائم النهار، حسنات القيام والصيام لمن هتك ستره وآذاه، فاجتهد رحمك الله في سؤال الله أن يحفظ لك لسانك عن أذية المسلمين وعن أعراض عباد الله المؤمنين، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حفظ اللسان.
|
|
|
|
|
ومن الأمور التي تعين على حفظ اللسان: قراءة سير السلف الصالح رحمة الله عليهم، ففيها النماذج الكريمة التي تحيي في الأنفس الاشتغال بما يعني عما لا يعني.
|
|
|
|
|
ومما يعين على حفظ اللسان: استغلاله في طاعة الله جل وعلا، واستشعار ما عند الله من الفضل إذا سخر الإنسان لسانه في طاعة الله، فإن الكلمة الطيبة تقربك إلى الجنة وتبعدك من النار، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد يتقي النار بشق تمرة وبكلمة طيبة.
فليجتهد الإنسان بذكر ما عند الله من الفضل والرحمة حتى يحفظ الله عز وجل لسانه، ويصون منطقه وبيانه.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم قولاً سديداً، وعملاً صالحاً رشيداً، اللهم إنا نعوذ بك من زلات اللسان، وخطرات الجنان، ووساوس الشيطان، ونسألك أن تمن علينا بما يرضيك يا كريم يا رحمن.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182] وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
|
|
|
|
|
ألا وإن من أعظم ما يحصن به المسلم لسانه أن يذكر الآخرة، فذكر الآخرة من أعظم الأسباب التي تهذب للمسلم كلامه ومنطقه، فمن أكثر من ذِكر الموت وهاذم اللذات ومفرق الجماعات، ومن أكثر من ذِكر سؤال الله جل وعلا والموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، دعاه ذلك إلى مراقبة الله في كل كلمة يقولها.
أثر عن بعض السلف -وكان قاضياً رحمه الله- أنه قضى في قضية، وكان المحكوم عليه رجلاً من السفهاء -يعني: رجل لا يبالي بما يقول- فلما حكم هذا القاضي عليه، قال ذلك الرجل: ظلمتني، وجرت عليَّ، وتسلط بلسانه على العالم، فقال ذلك العالم: والله الذي لا إله إلا هو ما تكلمت بكلمة منذ أربعين عاماً إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله جل جلاله، لكثرة ذكر الآخرة، فإذا أكثر الإنسان من ذكر الموت قل كلامه إلا فيما يعنيه، وأصبح يغار على هذا اللسان، يحترق يريد حسنة، يريد تسبيحة .. استغفارة .. تحميدة .. تكبيرة تزاد له في صحيفة العمل.
تذكر -أخي في الله- أنه ستمر عليك مثل هذه الساعة وأنت ضجيع القبر والبلى لا مال ولا بنون، ولا عشيرة ولا أقربون، وأنت أحوج ما تكون إلى كلمة طيبة تنجيك من عذاب أليم، ذكر الآخرة يحفظ اللسان، ذكر الآخرة يقوم المنطق والبيان، فإذا علم الإنسان أنه صائر إلى تلك الغصص التي تغص عندها الحناجر، ويذل عندها الأصاغر والأكابر، هانت عليه الدنيا، فلم يطلق لسانه إلا فيما يعنيه.
ولذلك كان السلف رحمهم الله يحفظون الألسنة بكثرة ذكر الموت والآخرة، وكان الواحد منهم يعد كلماته خلال الأسبوع كله -من الجمعة إلى الجمعة- ليعرف عدد الكلمات التي تكلم بها؛ من خوف الله جل وعلا، وكثرة الاستشعار لهيبة الموقف بين يدي الله الواحد القهار.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: تكثر في مجالس النساء الغيبة والنميمة ونقل الكلام، وبعضها في جهاز الهاتف، فهل من كلمة توجيهية للنساء في ذلك؟
الجواب: ينبغي على المرأة أن تتقي الله عز وجل في عورة أختها المسلمة، وإذا أرادت أن تحدث أختها ينبغي عليها أن يكون قولها سديداً، وأن تتقي الله عز وجل فيما تقوله من العورات والخطيئات، ولذلك قال بعض العلماء في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ [الحجرات:11] قال: خص الله النساء؛ لأن اللمز بينهن أكثر من الرجال، فيكثر بينهن اللمز والكلام، فلانة جميلة، وفلانة قبيحة، وفلانة فيها كذا .. وفلانة تفعل كذا، وكل ذلك ذنوب تسطر على المرأة التي تتكلم بذلك.
فينبغي للمرأة أن تتقي الله فيما تقوله، وأن تحفظ حق أختها المسلمة، فكما أنها تكره أن يقال فيها ذلك، فينبغي عليها أن تكره لأختها ما تكرهه لنفسها وأن تشتغل بعيبها عن عيوب الناس، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: هل يجوز غيبة الذي لا يصلي، أو الذي لا يحافظ على الصلاة؟ وجزاك الله خيراً.
الجواب: بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد..
فتسأل أخي في الله! عن عبد لا يصلي أو لا يحافظ على الصلاة، هل تجوز غيبته؟
الجواب فيه تفصيل: فإن ترتبت مصلحة شرعية على غيبته جازت الغيبة بحدود وبقدر، مثال ذلك: أن تعلم أنه لا يصلي، فتذهب وتنصحه، فلا يصلي. وتعلم أن له أباً، أو أخاً يستطيع نصحه وتقويمه وإرشاده، فتذهب إلى أبيه وتقول له: إن ابنك لا يصلي، أو إلى أخيه وتقول: إن أخاك لا يصلي، فهذا جائز ولا حرج فيه، ولكن لا يجوز لك أن تزيد عن الحاجة، فإذا كان لا يصلي فلا تأت فتقول: إن أخاك لا خير فيه وهو ساقط .. وكذا، بدليل أنه لا يصلي، بل تقتصر فقط على ذنبه، وتقول: إن أخاك لا يصلي، إن ابنك لا يصلي، فما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها.
أما الحالة الثانية: أن يكون المقصود من السؤال غيبة من لا يصلي بغير مصلحة شرعية، ومثال ذلك: أن تجلس في المجلس، وتقول: يا جماعة! فلان لا يصلي. وليس هناك مصلحة إلا أن تؤذي هذا الرجل بقولك فيه أنه لا يصلي، فهذا لا مصلحة فيه، إلا إذا كان تشهيره بين الناس يردعه ويزجره فيجوز، ويدل على ذلك حديث معاوية بن الحيدة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا ترعوون؟ ألا ترعوون؟ اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس) يعني: عند الحاجة ولحاجة التحذير.
وينبغي إذا أتيت لتحذر أن يفهم من كلامك وأسلوبك أنك تقصد فقط التحذير من هذا الشيء المعين دون زيادة، فإن السلف رحمهم الله والعلماء يحذرون في مثل هذه الأمور، فإن بعض الناس قد تبلغ به كراهيته لفعل ما فيحقد على صاحبه، ولا يفرق بين التوجيه والإرشاد وبين الحقد والغل، وقد نبه على هذا الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين وقال: إن كثيراً من الناس لا يفرقون في هذا حتى تصل العداوة إلى حقد شخصي، ولذلك قيل لـأبي ذر لما رأى العاصي: أتبغضه؟ قال: لا، إنما أبغض عمله.
هذا له حق الإسلام، وله حق في الدين لا تصل إلى أنك تشفي غلك النفسي، وتحمل عداوة الدين إلى عداوة شخصية، حتى إن البعض إذا رأى أخاه على زلةٍ قد يكره توبته -والعياذ بالله- حتى يبقى يشهر به -والعياذ بالله- فإذا بلغ الإنسان هذا المبلغ فليعلم أن عداوته ليست لله، وإنما هي لحظوظ النفس والعياذ بالله.
فالمقصود أن توجيه الناس وإرشادهم مطلوب، وينبغي أن يكون بالأسلوب الذي يعينهم على القرب من الله لا النفرة من طاعة الله، فبعض العصاة إذا شهَّرت به أمام الناس، ثبت على معصيته، فهذا لا يشهر به؛ لأن المفسدة أعظم من المصلحة، والتشهير إنما جاز للحاجة، وبعض الناس إذا شهرت به ارتدع، وإذا بينت لجماعته وقرابته أنه على خطأ، زجروه وأخذوا على يده وقمعوه، فمثل هذا لا تشهر به إلا بعد أن تنصحه وتحذره، وتقول له: إذا لم تستقم فسأخبر عنك إخوانك حتى يزجروك. هذه كلها حقوق للمسلم، فإن للمسلم حقاً على أخيه، وينبغي أن يهيئ للناس، ويعينهم على طاعة الله وقبول النصح والتوجيه والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: ما حكم تأجير المحلات للذين يبيعون المحرمات مثل: الدخان وأشرطة الأغاني والفيديو؟
الجواب: أما بالنسبة لتأجير الدور والدكاكين ونحوها لمن يفعل الحرام فهو محرم، ويختلف هذا باختلاف المحرمات، فإن كانت الإجارة على حرام محض؛ جميع الشيء الذي يفعل محرم، وجميع الشيء الذي يباع محرم، فإن الإجارة تعتبر معونة على الإثم والعدوان، ومن يفعل ذلك فإنه يكون -والعياذ بالله- شريكاً له في الإثم على قدر ما يكون منه من ضرر، وأما إن اختلط بحرام، فإنه في هذه الحالة يكون له من حظ الإثم على قدر ما كان منه من وزر، إن قليلاً فقليل، وإن كثيراً فكثيرٌ، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: هل العرضات الشعبية محرمة أم لا؟
الجواب: العرضات: التي هي الرقص بالسلاح، ثبت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل والحبشة يلعبون بالسلاح في المسجد، فأراد عمر أن يحصبهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (دعهم، فإنه يوم عيدنا) ووقفت عائشة رضي الله عنها تنظر إليهم فأقرها على ذلك.
فيشرع في يوم العيد اللعب بالسلاح دون اشتمال ذلك اللعب على منكرٍ لما في اللعب بالسلاح من إحياء الحمية ولما يحيي في النفوس من معاني الرجولة والفحولة .. ونحو ذلك، إذا لم يشتمل على محرمٍ من المعازف والغناء .. ونحو ذلك، فهذا لا حرج فيه عند حصول الموجب.
أما بالنسبة لغير ذلك من التوسع فيه دون وجود حاجة، كأن يلعب بالسلاح في أي وقت، فهذا للأفراد قد يشرع أن يلعب الإنسان بسلاحه، ولكنه خلاف الأولى، وهو مكروه، ويشرع بمعنى يجوز، ولكن درجته هي الكراهة لما فيه من إضاعة الوقت، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم في لعب الرجل بسلاحه.
أما بالنسبة إذا اشتمل على محظور من الطبل والزمر فقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يأتي في آخر الزمان أقوامٌ يستحلون الحر -يعني: الزنا والعياذ بالله- والحرير والمعازف والقيان، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين، ما هم بمؤمنين) فهذه من المحرمات التي لا يجوز فعلها، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: إني أحبك في الله، نحن مجموعة من الشباب نذكر عيوب بعض الأشخاص فيما بيننا، وذلك للتشاور للقيام بزيارته ونصحه، فهل عملنا هذا يعد من الغيبة؟
الجواب: أحبك الله الذي أحببتني من أجله، وأشهد الله العظيم على حبكم جميعاً في الله، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يدخلنا وإياكم بهذا الحب دار كرامته، وأن يجمعنا بكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
أخي في الله! نِعْمَ ما صنعته من الغيرة على إخوانك المسلمين، وحرصك على توجيههم ودلالتهم على الخير، ولكن اعلم -رحمك الله- أنه إذا احتاج الإنسان إلى غيبة أخيه المسلم، فينبغي أن يأخذ بما تحصل به الحاجة، وقد نبه العلماء على هذه المسألة في قاعدة: "ما أبيح للحاجة يقدر بقدرها". وهي قاعدة مشهورة عند العلماء.
والكلام في الناس وذكر عيوبهم محتاج إليه، ولكن يقدر بالقدر، مثال ذلك: لو أردت أن تحفز شخصاً أن ينصح جاره، وتعلم أن هذا الجار -والعياذ بالله- يشرب الخمر ويزني ولا يصلي، فحينئذٍ تبدأ بماذا؟ تبدأ بالصلاة؛ لأنها عماد الدين، وإذا صلحت صلاته، نهته عن الفحشاء والمنكر، فتقول له: يا فلان! فلان أراه لا يصلي. ما تأتي تقول: ويشرب الخمر ويزني ويفعل ويفعل. لا تهتك ستر الله على العبد؛ لأن الحاجة تندرئ بهذا القليل.
وقد تكلم على هذه المسألة الإمام العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام من صالح الأنام ) كلاماً نفيساً، وبين فيه قواعد العلماء الذين تكلموا على هذه المسألة في جرح الشعور والطعن فيمن طعن فيه، كل ذلك حفاظاً على حقوق المسلمين.
فتذكر: أقل ما تحصل به الحاجة، ثم تشاور إخوانك في استصلاحه، ثم قليلاً قليلاً تذكر لمن يقوم باستصلاحه من عيوبه حتى يكون ذلك أدعى لصلاح حال من تكلم فيه، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: هناك مشكلة -في الحقيقة- استجدت مع انتشار المباني ألا وهي كثرة المساجد؛ لأن الناس كثرت مساكنهم وتباعدت، وبعض هذه المساجد التي أنشئت يسمعون النداء من مسجد القرية الأساسي ومع ذلك ينشئون لهم مسجداً، حتى إنه أصبح في بعض القرى الصغيرة مساجد كثيرةٌ، وفي غالب الأحوال أنه لا حاجة لها، وتفرق الناس بسبب ذلك، فما قولكم في هذه المسألة أثابكم الله؟
الجواب: اختصاراً في هذا الموضوع التي عمت به البلوى: الأصل أن كل أهل حي أو منطقة يتفقون على مكان وسط بينهم يرفق بهم جميعاً ويبنون فيه مسجدهم، ولذلك أرى أن هذه المساجد بعضها لا يخلو من الإثم، خاصة المساجد التي أحدثت في أماكن فيها مساجد قديمة، ومن أحدث مسجداً بجوار مسجد قديم قريب منه فمسجده مسجد الضرار -والعياذ بالله- يأثم ولا يؤجر؛ لأنه تفريق للمسلمين، وتفريق لكلمتهم، فإن وصل الأمر إلى أن قوم فلان لهم مسجد، وقوم فلان لهم مسجد فهذه من نعرات الجاهلية، وقد يكون -والعياذ بالله- أصحاب المسجد الذي يبنونه بالنعرة الجاهلية، لماذا نذهب عند بني فلان؟ يحرمون قبول الصلاة، فمقصود الشرع من بناء المساجد جمع القلوب واجتماع الناس، فيأتي هذا ويبني مسجداً لكي يجمع جماعته ويقول لهم: مسجدنا كذا، فإذا رأى أحداً يصلي في المسجد الثاني ربما يغر قلبه عليه -والعياذ بالله- كل هذا من الجاهلية.
والذي أراه أن كل جماعة -مثلاً- عشرة بيوت أو عشرين بيتاً، ولو كان عندهم مساجد في بيوتهم ينظرون إلى منطقة متوسطة بينهم، ثم من بنى مسجداً في بيته يقدر هذا المسجد بألفين أو ثلاثة آلاف، فتجمع قيمة هذه المساجد وتهدم هذه المساجد وتضم للبيوت، ثم يبنى بين هذه البيوت مسجداً يجمعهم على كلمة الله وطاعته ومرضاته، هذا هو الذي ينبغي أن يفعل؛ لأن هذا هو مقصود الإسلام.
والذي يريد أن ينجو من عذاب الله فليفعل ذلك، ويحس الإنسان أنه يدخل مسجد الله ولا يكون مسجد بني فلان حتى يكون أبلغ؛ لأن الله تعالى يقول: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن:18] ليست لبني فلان ولا علان، ونسأل الله أن يجمع القلوب على طاعته، وأن يؤلف بينها في محبته ومرضاته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|
|
|
|
|
السؤال: في هذه المنطقة يحصل الاجتماع في العزاء، فيجتمع أهل القرية أو معظمهم في بيت صاحب الميت، أو في بيت شخص آخر قريب له، ويأتي أهل القرى الأخرى ليعزوا أهل القرية، فنرجو من فضيلتكم أن توضحوا هذه المسألة؟
الجواب: بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فهناك نقطة في السؤال، بعض الأسئلة يقال فيها: في هذه المنطقة، أو هذه المدينة، أو هذه القرية. وأنا أرى أن الأفضل ألا يقال في هذه المنطقة، ولا في هذه القرية، لأنه قد يكون يفعله بعض الناس ويعمم الحكم، وقد يكون هذا -فعلاً- موجوداً عند كثير، لكن الأفضل والذي أرى أن يُسأل، فيقال: هناك من يفعل كذا وكذا، أو هناك من يقول كذا وكذا دون تحديد لمنطقة أو مدينة؛ لأن المقصود التوجيه، والمقصود معرفة حكم الله عز وجل؛ لأنه قد يكون هذا الأمر شائعاً عند بعض الناس، لكن لا يعتبر حكماً عاماً على الجميع، فالأفضل أن يقال: بعض الناس يفعل هذا الشيء.
أما مسألة العزاء فالسنة أن يعزى المسلم في ميته، والله شرع العزاء؛ لأن المسلم إذا فقد مالاً أو فقد ابناً أو بنتاً أو قريباً فإن قلبه يضعف أمام المصيبة فيحتاج إلى من يثبته، وإلى من يذكره بالله جل وعلا؛ لأن المصائب تهز القلوب -نسأل الله أن يلطف بنا وبكم فيها- لذلك يحتاج المسلم إلى كلمة من أخيه، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعزي، قائلاً له: (إن لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار، فلتصبر ولتحتسب) وقال: (فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون) إنا لله أي: مِلكٌ لله، (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها).
المقصود أن العزاء مشروع، ولكن ليس بالطريقة التي توسع فيها الناس من إضاءة الأنوار، وفرش الفرش وبسطها، وجعل المواعيد والولائم في بيوت الميت، فهذا كله من البدع المحدثة، فالرجل يعزى في الميت في المقبرة، وهذا من السنة، وكذلك يعزى في المسجد، تقول له: يا فلان! أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، ونحو ذلك من الكلمات التي تجبر بها خاطره وتقوي بها إيمانه، وتوصيه بالسنة.
وأما الجلوس واستقبال الناس على جماعات فقد شدد فيه السلف، ففي صحيح البخاري عن جرير رضي الله عنه أنه قال: [كنا نعد الجلوس في بيت الميت من النياحة] فينبغي تركه قدر المستطاع، ولكن إذا كان هناك أناسٌ يقدمون من سفر، وجلس الإنسان رفقاً بهم ولا يقصد بذلك التشهير فهذا رخص فيه المتأخرون من العلماء، وقالوا: إن الناس بحاجة خاصة الآن مع اتساع المدن، ولكن بشرط ألا يطيل الإنسان عند أهل الميت، بل كان بعض العلماء يشدد في الطعام والشراب عند أهل الميت، حتى إنني أذكر بعض مشايخنا لا يشرب القهوة في العزاء، كل ذلك تورع وتحفظ إذا عزى أهل الميت، حتى لا يذهب أجره.
ولذلك ينبغي التحفظ في مثل هذه الأمور، فإطالة الجلوس عند أهل الميت من المنكرات، وأشد ما يكون المنكر أن يجلس الرجل في بيت الميت، ويجلس يتحدث بفضول الدنيا، فلان باع، والعمارة الفلانية، تقول له: لماذا؟ يقول: حتى أُسلِّي أهل الميت. سبحان الله! الله ينزل هذه المصائب حتى تنكسر القلوب وتنيب إلى الله جل وعلا، ويتذكر الإنسان ويتبصر، وتأتي تلهي عباد الله عن ذكر الله جل وعلا..! فهذا من الغفلة -نسأل الله العافية- والسلامة، فينبغي اتقاء مثل هذه الأمور، وأن يكون العزاء على الوجه المعتبر شرعاً، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
|
|