|
إن الخوض في أعراض الناس إثم عظيم، وأعظم منه الخوض في أعراض العلماء؛ لذا سلك أهل الحديث في تقييم الرجال منهجاً قويماً لم يسبقهم إليه أحد من الأمم، وهذا المنهج له قواعد مبنية على العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وعلى العلم الذي هو معرفة الشيء على حقيقته. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
لشيوع هذه الظاهرة حاول بعض الباحثين أن يعالجها، ويسد هذه الثغرة، وهناك قضايا فكرية كثيرة مهمة جداً ما زالت تحتاج إلى حسم، وإلى وضع ضوابط وموازين، هذه الثغرة هي ثغرة المنهج القويم في الحكم على الرجال، أو تقويم الرجال والمصنفات والآراء وغير ذلك في ضوء موازين ومنهج أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية، هذه الثغرة حاول بعض الكتاب أن يعالجها، ومن ذلك هذا البحث الذي نلخصه لكم اليوم لندرته أو لعدم وجود هذا الكتيب، وهو إعداد الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان : منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم. يذكر في أول بحثه أنه يعالج فتنة الظلم والجور في الحكم على الرجال والكتب والمناهج. |
|
|
|
إذا ضعف ورع اللسان أو انحرف أو زال عن الإنسان؛ فإنه يتجرأ على الخوض في أعراض الناس، فيتجرأ في بعض الأحيان ويطلق الأحكام جزافاً بدون تثبت، فيجرح أو يعدل ويخطئ ويصوب، وربما سمع شيئاً في حق من هو مخالف له فلا يتفطن إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع)، فنتسمعه يردد كل ما يسمع لموافقته هواه، ويظن أنه ليس عليه عهدة في ذلك لأنه يروي عن الآخرين، ويظن أنه لا يخوض في عرض إخوانه، ويظن أن الرواية عن الآخرين تشفع له، وهذا ظن خاطئ، فالواجب عليه أن يتثبت في ذلك، فهو داخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع)، فليس كل ما تسمع ترويه وتنقله وتعتمده، ولا يشفع لك أنك تقول: إنما أروي عن غيري؛ لأن هذا هو عين ما أشار إليه عليه الصلاة والسلام، فقوله: (كفى بالمرء كذباً) فيه توضيح أن عين الكذب أن تحكي وتروي بدون تثبت، وهذا ينشأ منه كثير من الفتن، والخوض في حقوق المسلمين لا يجوز؛ ولأن الكلام وافق هواه فهو ينقله عن الآخرين بحجة أن هذا كلام سمعه، وأنه لم يختلقه، والرسول يقول: (كفى بهذا كذباً) يعني: ليس كذباً أصرح من هذا.
فينبغي التثبت تماماً مع من لا تحب كما تتثبت في حق من تحب، وحسن الظن بالمسلمين واجب، فكل المسلمين سواء من هؤلاء أو هؤلاء ينبغي أن تنضبط بميزان العدل معهم، بعض الناس تراه يجرح ويعدل ويخطئ ويصوب قبل أن يستوعب الأمر، وقيل: أن يجمع أطرافه ويدرسه من جميع جوانبه، فيغلب على أحكامه الجور وعدم القسط، وحينما تتفلت الألسنة من قيود الشرع والعقل فإنها تتبارى في الوقيعة في أعراض المسلمين، وتجلب العداوة والبغضاء بين الأحباب، ولو تأمل الإنسان ما ورد في مثل هذا من النصوص لتردد كثيراً قبل أن يزل لسانه ليرمي به من هنا ومن هناك، يقول الله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، فيا ويح غافل وليس بمغفول عنه! (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ)، ولو أنك بكل ذنب ترتكبه بلسانك رميت حجراً في غرفة لامتلأت هذه الغرفة في زمن يسير جداً بالأحجار؛ بحيث لا تتسع بعدها لشيء آخر، فالإنسان في غفلة عن هذا الذي يحصى عليه كل يوم، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا، فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!) .
من أجل ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الضمان الذي يؤمن لك دخول الجنة هو حفظ اللسان، يقول صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن العجب! أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى يرى الرجل يشار إليه بالدين وبالزهد وبالعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب.
وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول، وتزداد الخطورة ويعظم الذنب إذا كان هذا القدح الجائر في العلماء، فهم سادة الأمة وقادتها ونورها، ولا خير في قوم لا يعرفون لعلمائهم قدرهم.
وفي هذا الزمان قد ابتلينا بهذه الجماعات التي تبدأ تعرض وتزين وتزخرف فكرها للآخرين ليقبلوا عليه، وأول ما يهتمون به هو تحطيم علماء المسلمين في نظر الشباب، وأكل لحوم العلماء بالغيبة والنميمة والبهتان أحياناً، والتنقص من شأنهم، والازدراء لهم، والتطاول عليهم، وهذا من أعظم الذنوب، والله عز وجل يعجل لفاعله العقوبة؛ لأن الطعن في علماء المسلمين ذنب عظيم، يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك ستر منتقصيهم معلومة. فعادة الله وسنته جرت أن كل من يتناول ويقع في أعراض علماء المسلمين فإن الله سبحانه وتعالى جرت سنته أنه لابد أن يهتك ستر من هتك ستر أئمة العلم والهدى، فقوله: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة. يعني: من أكل منها هلك ومات، وأهلكه الله تبارك وتعالى، يعني: من أكل منها بالغيبة والنميمة؛ فلا ينبغي أبداً أن يقر أحد على التطاول على علماء المسلمين، أو هتك أعراضهم، أو الخوض فيهم بغير حق، بل ينبغي أن تحمل أقوال العلماء وأفعالهم على أحسن وجه ممكن، ويجتهد الإنسان في ذلك، وهو مثاب على هذا الاجتهاد وإن أخطأ.
الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى له كتاب (الرد الوافر)، وقد طبع الكتاب الشيخ زهير جزاه الله خيراً، وكأنه تعمد ألا يكمل عنوان الكتاب على الغلاف؛ لأن هذا الكتاب هو في على العلاء البخاري الذي تطاول على شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقال: إن من قال: ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر! فرد الإمام ابن ناصر الدين عليه بهذا الكتاب القيم جداً، والذي لا يليق بكم ألا تقرءوه، والعنوان هو: الرد الوافر على من قال: من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر! فمراعاة لحرمة شيخ الإسلام ما أتم الشيخ زهير طبع العنوان على الغلاف، لكن سماه فقط الرد الوافر، ويقول الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى في هذا الكتاب: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالسلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فأعراض المسلمين حفرة من حفر الناس، ومن وضع قدمه في أعراض المسلمين فقد وضعها على شفا جرف هار يخشى أن ينهار به في نار جهنم، وكما قال أحد الحكماء:
يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه وعثرته في الرجل تبرى على مهل
إذاً: العلاج الأول للجور في الحكم على الآخرين: ورع اللسان، والخوف من الله تبارك وتعالى، وخوف العقوبة من التطاول بغير حق في أعراض العلماء. |
|
|
|
|
|
|
يقول الحافظ ابن حزم رحمه الله: التقليد على الحقيقة: إنما هو قبول ما قاله قائل دون النبي صلى الله عليه وسلم بغير برهان، فهذا هو الذي أجمعت الأمة على تسميته تقليداً، فقام البرهان على بطلانه.
وقال الشوكاني رحمه الله في التقليد: هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة، فثمرة التقليد إهمال النصوص الشرعية، وتعطيل العقل البشري، فالإنسان يرى بعين غيره بدون معرفة دليله، ولسان حاله يقول: إن إمامه قد اقتبس شعلة من نور العصمة، فلا يمكن أن يفوته حديث، ولا يمكن أن يفوته فهم حديث؛ فيصبح فكر الإنسان أسيراً لا حراك به، ليس له قدرة على التأمل أو التفكير أو النظر، وإن وجد فيه بقية من تأمل أو فكر فإنه يسخرها لتحليل أقوال شيخه ودراستها، فمنها المبدأ وإليها المنتهى!
كثير من النزاعات والخلافات التي تحدث بين العلماء وبين طلبة العلم قديماً وحديثاً حصلت بسبب هذا التقليد، والتعصب لأقوال الرجال، ومعرفة الحق عن طريق أقوال الرجال، وجعلها حجة في كل صغيرة وكبيرة.
يقول الإمام ابن القيم : اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه، بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله، فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة.
فمسألة التقليد والتعصب لأقوال الرجال خطأ كامن وخطير جداً في منهج التلقي، فينبغي تجاوز أقوال الرجال، والتحرر من هذا الداء العضال إلى تقديم قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وما يعلم أحد من الأئمة الربانيين إلا وقد نهى عن تقليده، وأخذ كلامه بدون برهان، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر. ربيعة شيخ الإمام مالك يعرف بـ: ربيعة الرأي ، واسم أبيه فروخ ، خرج هذا الأب إلى الجهاد وبقي سنوات طويلة، وكان ربيعة ما يزال حملاً في بطن أمه، ثم ولدته أمه وعلمته حتى صار إماماً، وقصته طويلة معروفة، يقول سفيان بن عيينة رحمه الله: اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: رياء ظاهر، وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم، ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا! يعني: يتحسر لحال بعض العلماء لاتصافهم بالرياء الظاهر، والشهوة الخفية، وأن الناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم، والعلماء هم الذين يتولون صياغتهم وتربيتهم.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت.
وقال مالك بن أنس رحمه الله: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
وبعض تلامذة الإمام مالك كان يحضر مجلسه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر عن الإمام مالك أنه إذا تكلم وناظره أحد في مسألة وناقشه في الدليل، فكان يرفع صوته بهذه العبارة المشهورة: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، ويضع يده على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال الشافعي رحمه الله: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي، وجعل يردد هذا لكلام.
وقال الإمام أحمد: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال، وقال أيضاً: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا.
فهذا هو منهج الأئمة الكرام بصفائه ونقائه، ومع وضوح هذه القضية عند أهل العلم إلا أن شريحة كبيرة من الأمة تعاني من هذا الداء المستحكم، ليس فقط في مسائل الفروع، لكن أيضاً في مسائل الأصول وأمور العقيدة.
يقول الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: وهذه عادة ضعفاء العقول، يعرفون الحق بالرجال لا الرجال بالحق، الحق هو حق لأن فلاناً قاله، وليس حقاً لأنه قام عليه الدليل، والعاقل يقتدي بسيد العقلاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله، والعاقل ينظر في القول نفسه فإن كان حقاً قبله، سواءً كان قائله مبطلاً أو محقاً، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال عالماً بأن معدن الذهب الرغام، والرغام هو التراب، فالذهب تحصل عليه من التراب، فكذلك حتى لو كان في أقاويل أهل الضلال شيء من الحق فتأخذ هذا الحق ولا تعرض عنه. قال: ولا تأس على الصراف إذا أدخل يده في كيس القلاب. لماذا؟ لأن الصراف ناقد وبصير يستطيع أن يميز الذهب من غيره. قال: وانتزاع الإبريز الخالص من الزيت والبهرج دون الصيرفي البصير، ويمنع من ساحل البحر الأخرق دون السباح الحاذق. أي: فيمنع من الدخول في البحر الشخص الأخرق الذي لا يحسن السباحة، لكن السباح الماهر يسمح له بذلك حتى يغوص ويستجلب الدرر. قال: ويصد عن مس الحية الصبي دون المغرم البارع. |
|
|
|
|
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فالخطأ صفة لازمة للبشر، لا ينجو منها أحد عدا الأنبياء المعصومين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولو نجا من هذه الخصلة أحد لنجا منها خير البشر بعد الأنبياء وهم الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم، فبعض المبتدعة يرون أن الخطأ والإثم متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، لكن أهل السنة والجماعة يرون أن المجتهد المخطئ مأجور غير مأزور؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، أما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم ويقولون: إنهم معصومون -لأنهم لا يريدون أن يخطئوا الأئمة كما يفعل الرافضة- وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يأثمون.
يقول الإمام ابن الأثير الجزري رحمه الله: وإنما السيد من عدت سقطاته، وأخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء، فالشخص النبيل هو الذي تعد أخطاؤه، وتكون معدودة، فلا يوجد إنسان بدون خطأ:
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
يقول ابن القيم رحمه الله: وكيف ينجو من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً، ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصلاح ممن عدت إصاباته. |
|
|
|
|
|
|
العلم المتعلق بالرجال يسمونه: علم الجرح والتعديل، ومعلوم أنه لا يوجد منهج بشري على الإطلاق يملك عشر معشار هذا المنهج التوثيقي الدقيق الذي قدمه لنا أئمة الحديث رضي الله عنهم أجمعين.
يقول الإمام أبو حاتم ابن حبان وهو يصف معالم هذا المنهج: لسنا ممن يوهم الرعاع ما لا يستحله، ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان وإن كان لنا مخالفاً، بل نعطي كل شيخ حظه مما كان فيه، ونقول في كل إنسان ما كان يستحقه من العدالة والجرح.
محاور هذا المنهج متعددة، وتفاصيلها تراجع في مظانها من كتب الحديث والمصطلح، لكن هنا إشارة عابرة إلى ثلاث مسائل حتى يتبين لنا بها مدى عدلهم وإنصافهم رحمهم الله.
المسألة الأولى: تقويم المبتدعة: فالعلماء ينظرون في الراوي إلى جهتين: جهة الضبط والإتقان، وجهة الصدق، فإذا توافرت فيه هاتان الصفتان اعتمدت رواية الراوي حتى لو كان ممن عرف تلبسه ببدعة غير مكفرة تخالف منهج السلف الصالح، وكانوا يقولون: لنا صدقه وعليه بدعته؛ لأنه عرف بالصدق، لاسيما إن كان خارجياً يعتقد أنه يكفر لو كذب، وإن كان قد وجد أيضاً كذب في الخوارج، لكن هذا في حق من قبلوه من أهل البدع إذا ثبت صدقه، فليس هذا تهوين من أمر البدع وأهلها، وإنما تعظيم للعدل، واعتراف بالحق لأهله.
يقول الإمام الطبري رحمه الله: لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة، ثبت عليه ما ادعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنهم ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه مجرد الاتهام. فالقدح هكذا جزافاً لا يصح، لكن ينبغي التحري والتدقيق في هذا.
ويقول الحافظ ابن حجر : فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه؛ فلا مانع من قبوله. فلذلك لا نعزب إذا رأينا بعض علماء الحديث وأئمتهم حتى البخاري نفسه قد يروي لبعض أهل البدع لتوفر هاتين الصفتين: الصدق والضبط، فهذا يدل على عظم العدل الذي اتصف به هؤلاء السلف في تقويمهم للرجال مع شدتهم على أهل البدع، وحساسيتهم في هذه المسألة.
ولذلك نجد شيخ الإسلام نفسه أحياناً كان يعترف بفضائل المبتدعة إذا ثبتت عنهم، ولا يتردد في ذلك، يقول رحمه الله: وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار؛ فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً. فانظر إلى دقة فهم شيخ الإسلام ، وشدة إنصافه في هذا الباب.
نجد أيضاً في صفوف من ينتسبون إلى الدعوة الإسلامية أخذهم على بعض الجماعات أنهم ينتشرون في كل أقطار العالم كجماعة التبليغ، حتى في داخل روسيا وجنوب أفريقيا وأمريكا وأوروبا وكل العالم؛ ينتشرون للدعوة إلى الإسلام على بعض البدع التي يتلبسون بها، ولهذا يقولون: كيف يعلمون الناس إسلاماً بهذه البدع؟ فالأولى أن من يرى فهماً أصح للإسلام أن ينشط نشاطهم ويتحرك حركتهم، لكن مع الكسل نتفرغ فقط للرثاء لحال هؤلاء الذين يسلمون على أيديهم، وهذا كلام شيخ الإسلام يقول: وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثماً بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين، وذلك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير، وأكثر المتكلمين يردون باطلاً بباطل، وبدعة ببدعة، لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين؛ فيصير الكافر مسلماً مبتدعاً، وأخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخص منها وهي بدعة أهل السنة.
ثم يقول شيخ الإسلام في نفس الباب رحمه الله: والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد، لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء، فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأزين، والكذب والفجور فيهم أقل منه في الرافضة، والزيدية من الشيعة خير منهم، وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم، وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج، ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً، وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد مبني على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض.
ومن جميل ما سطره يراع الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه سير أعلام النبلاء، وهو من أنفس كتب الرجال وأعظمها، يقول رحمه الله: غلاة المعتزلة وغلاة الشيعة وغلاة الحنابلة وغلاة الأشاعرة وغلاة المرجئة وغلاة الجهمية وغلاة الكرامية قد ماجت بهم الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن.
هذه هي المسألة الأولى فيما يتعلق بتقويم أهل الحديث في تقويم المبتدع.
المسألة الثانية في منهج أهل الحديث: أن الخطأ اليسير في جنب الصواب الكثير مغفور: فالحكم يكون على غالب مرويات الرجل، وضبط الراوي شرط أساسي من الشروط، لكن هذا لا يعني سلامته من الخطأ تماماً، بل ينظر إلى مجموع ما يرويه الرجل، فإذا كان الغالب على ما يرويه السلامة من الخطأ؛ اعتبر الراوي ضابطاً وقبلت روايته، لكن إذا كثرت الأخطاء، ومخالفة الراوي لغيره من الثقات؛ رد حديثه.
يقول سفيان الثوري رحمه الله: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك.
ويقول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا خلاف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة. فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد ، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟!
وقال أبو عيسى الترمذي : وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان، والتثبت عند السماع؛ مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط أحد من الأئمة مع حفظهم.
وقال الحافظ ضياء الدين المقدسي : ولو كان كل من وهم في حديث اتهم؛ لكان هذا لا يسلم منه أحد.
المسألة الثالثة والأخيرة من ضوابط أهل علم الحديث في الحكم على الرجال، وهي مهمة جداً، وقل ما يتفطن لها كثير من الناس، وهي: أن كلام الأقران يطوى ولا يروى: فقد يحصل أن بعض الأقران المتقاربين في السن والعلم ممن يكونون في عصر واحد يحصل بينهم شيء من الاختلاف لسبب من الأسباب، فيؤدي ذلك إلى وقوع بعضهم ببعض دون عدل أو تأن، حتى أن الواحد منهم قد يصف غيره أحياناً بأوصاف يعلم يقيناً أنه بريء منها، ولكن حب الذات والانتصار للنفس يذكي فيه روح الغيرة والاعتداء، من أجل ذلك كان النقاد الجهابذة من المحدثين يهملون الجرح بين الأقران، إذا تبين لهم أن سبب صدوره نزاعات شخصية بين الطرفين، والعبرة بالأدلة والبراهين، صحيح أن الجرح مقدم على التعديل، لكن إذا كان الجرح ناشئاً عن خصومة مذهبية أو عصبية، أو نوع من التحاسد، وثبت ذلك؛ فلا يقبل هذا الجرح، ولا ينبغي أن يحكى، لكنه يطوى ويخفى، فهذه الصورة أيضاً لا تقف عند المحدثين، بل قد تتعداه في مثل هذا العصر إلى العلماء والدعاة وشتى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية؛ فبعض الناس قد يعجب مما يراه في كتب بعض علماء الدعوة السلفية من الخلاف والمساجلات والمحاورات الشديدة؛ لأنهم ينحرفون عن هذا المنهج، ولكن كلام الأقران يطوى ولا يحكى، فالمنهج القسط: أن ينظر إلى الخلفيات التي تبنى عليها الأحكام، ومن ثم توزن بما يقتضيه الحال من التحري والإنصاف حتى لا يتهم أحد بما ليس فيه، فليس كل جرح مؤثراً، وليس كل اتهام مقبولاً، يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: هذا باب غلط فيه كثير من الناس، وضلت فيه نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب: أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم؛ لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته، ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.
يقول الإمام الذهبي : كلام بعض الأقران في بعض لا يعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لذكرت من ذلك الشيء الكثير. وذلك مثل ما حصل بين العز بن عبد السلام و ابن الصلاح ، وبين السيوطي و السخاوي ، وهكذا في كل عصر تحصل مثل هذه الأشياء، فإذا تناطحت ا |
|
|
|
|
|
|
|
أخيراً وقبل أن نطوي بساط هذا البحث نذكر أمثلة تطبيقية لتقويم الرجال، فنلاحظ في كلام العلماء في تقويم الرجال التورع والتحري والعدل والإنصاف، فنجد بعض النقاد من علماء الحديث قد يضعف أباه أو ولده أو قريبه إذا كان يستحق ذلك، ولا يداري ولا يداهن؛ فإن المنهج أغلى من أولئك الرجال، يقول شعبة : لو حابيت أحداً لحابيت هشام بن حسان؛ كان ختني -قريباً له- ولم يكن يحفظ.
وسئل علي المديني عن أبيه فقال: سلوا غيري. يعني: لا يريد أن يتكلم في أبيه، فأعادوا فأطرق ثم رفع رأسه فقال: هو الدين، يعني: هي مسئولية الدين، فكأن هناك تحفظ من أن يوثق أباه في الرواية أو من ناحية حفظه مثلاً، حتى مع أبيه، فهذا تصديق لقوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135]، فهو يتحرج من أن يقع في أبيه، ويستخدم كل وسيلة ليهرب من هذا الأمر، وفي نفس الوقت يقول: هو الدين.
و أبو داود السجستاني كان يكذب ابنه ويقول: هو كذاب لا تقبلوا روايته.
وقال عبيد الله بن عمرو : قال لي زيد بن أبي أنيسة : لا تكتب عن أخي؛ فإنه كذاب.
وقال الذهبي : لو حابيت أحداً لحابيت أبا علي ، لمكان علو روايته في القراءات عنه؛ لأنه صاحب الروايات العالية في القراءات التي أخذها عنه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى.
ونذكر مثالاً في معرض حديث شيخ الإسلام عن أبي ذر الهروي ، وهو أحد الرواة المشهورين لصحيح البخاري ، يقول: أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة، وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف. ثم ذكر بعض أصحابه ممن فيهم نظر، وفيهم بعض البدع، ووضح أيضاً ما هم عليه من الخطأ في هذه الأبواب.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الإمام أبي محمد بن حزم رحمه الله: كذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث، مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة، وكذلك ما ذكره في باب الصفات، فإنه يستحمد فيه موافقة أهل السنة والحديث، لكونه يثبت الأحاديث الصحيحة، ويعظم السلف وأئمة الحديث، ويقول: إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن الكريم وغيرها، ولا ريب أنه موافق له في بعض ذلك، لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن الكريم والصفات.
وكذا يفصل الإمام ابن تيمية القول في حق الإمام الكبير ابن حزم رحمه الله، ثم يقول في النهاية بعد أن ذكر بعض المؤاخذات: وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدافعه إلا مكابر، ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال، والتعظيم لدعائم الإسلام، ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره، فالمسألة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح، وله من التمييز بين الصحيح والضعيف، والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء.
كذلك انظر إلى كلام الذهبي في ترجمة القاضي أبي بكر بن العربي مشيراً إلى وقوع القاضي أبي بكر بن العربي في ابن حزم رحمه الله، فقال بعدما مدح القاضي أبا بكر بن العربي رحمه الله تعالى: ولم أنقم على القاضي رحمه الله إلا إقذاعه في ذم ابن حزم واستجهاله له، و ابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم، وأحفظ بكثير، وأصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق كغيره من الأئمة، والإنصاف عزيز.
أيضاً يقول الإمام الذهبي في ترجمة ابن حزم : وكان قد مهر أولاً في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيراً ليته سلم من ذلك، ولقد وقفت له على تأليف يحض فيه على الاعتناء بالمنطق، ويقدمه على العلوم؛ فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير، على يبس فيه، وفرط ظاهرية في الفروع والأصول، وصنف في ذلك كتباً كثيرة -أي: في المذهب الظاهري- وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله؛ بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقاداً واستفادة وأخذاً ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين -يعني: كأنهم عملوا منها عقداً فيه درر ثمينة وفيه خرز مهين- فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزءون!
وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل، ويحسن النظم والنثر، وفيه دين وخير، ومقاصده جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكباً على العلم، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار. اهـ
أيضاً الإمام أبو إسماعيل الهروي له كتاب معروف اسمه: ذم الكلام، وكتاب في التصوف اسمه: منازل السائرين شرحه الإمام ابن القيم في مدارج السالكين، والإمام الهروي ممن يلقب بشيخ الإسلام، لكن الحافظ ابن القيم استدرك عليه في كتابه مسائل عديدة، وتعقبه في ألفاظ مختلفة، يقول الإمام ابن القيم في بعض المواضع التي ما استطاع أن يتجاوز عنها وهو يشرح كتاب الإمام الهروي: في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير يجبره حسن حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له.
ولذلك تجد الفرق بين عبارات الإمام ابن القيم في بعض الطبعات من كتاب مدارج السالكين، وبين عبارات بعض علماء الدعوة السلفية، فقد كانت عباراتهم شديدة جداً في مثل الإمام الهروي، ففي الغالب الشباب يميلون إلى هذه الشدة ويتجاوبون معها، ولا ينضبطون بهذا الذي نتحدث فيه الآن، وهو العدل والإنصاف، فتجد من السهل جداً أن تخرج منهم كلمة الكفر والشرك، ويوصف رجل بأنه صوفي؛ فيظن أن كلمة صوفي تطلق دائماً على أهل الإلحاد والاتحاد، وتعني كذا وكذا، وهذه لفظة مشتبهة، وينبغي أن تفتش عن المعنى المقصود لمن اتصف بها؛ لأنها كلمة تحتمل عدة معانٍ، وبسط هذا له موضع آخر.
يقول ابن القيم في بعض الألفاظ قبل أن ينتقده شيخ الإسلام حبيب، ولكن الحق أحب إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: عمله خير من علمه، أي: عمل الهروي خير من علمه. وصدق رحمه الله، فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله رسوله، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، وقد أخطأ في هذا الباب لفظاً ومعنى.
ثم في موضع آخر يستنكر ابن القيم على الهروي بعض هذه المواضع ويقول: ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه، وإساءة الظن به، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عدّ خطؤه، ولاسيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وافترقت بالسالكين فيه الطرقات، وأشرفوا إلا أقلهم على أودية الهلكة.
ومن هذه النماذج أيضاً، وهو نموذج واضح جداً ونحتاجه كثيراً، نقد العلماء لكتاب إحياء علوم الدين لـأبي حامد الغزالي ، وكتاب قوت القلوب لـأبي طالب المكي ، يقول شيخ الإسلام بعد كلام طويل في حق الإحياء: والإحياء فيه فوائد كثيرة، ولكن فيه مواد مذمومة، فإن فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا: أبو حامد أمرضه الشفاء! وهو كتاب لـابن سيناء اسمه الشفاء في الفلسفة فكانوا يقولون: إن أبا حامد لما قرأ في كتاب الشفاء أمرضه.
يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في الإحياء أيضاً: وأما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لو لا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء، ومنحرفي الصوفية نسأل الله علماً نافعاً. ويقول أيضاً: الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ، ويقول الذهبي أيضاً: رحم الله أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله؟ ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول.
فهذان إمامان من أئمة أهل السنة؛ شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الذهبي رحمهما الله يثبتان الاضطراب والانحراف في منهج أبي حامد الغزالي رحمه الله، ولم يمنعهما ذلك من تقرير الجوانب الإيجابية في منهجه الفكري إحقاقاً للحق، وإتماماً للعدل المأمور به شرعاً، فإذا فقدنا هذه الضوابط التي ذكرناها، تشيع الاتهامات وتكثر الافتراءات، ويصل الحال عند بعض الناس إلى أن يرموا بالكتاب جملة وتفصيلاً، وقد يتطاولون بألفاظ السب والتجديع لمؤلفه.
منهج أهل |
|