|
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فيطيب للجنة العامة للنشاط بكلية إعداد المعلمين، ومركز العلوم والرياضيات أن يتقدم بجزيل الشكر لفضيلة الشيخ: محمد بن صالح المنجد ، ونثني -أيضاً- بالشكر لإخواننا الحضور، فجزاهم الله خيراً، ونعتذر أيضاً لظروف طارئة عن تغير عنوان المحاضرة من: عناية الإسلام بالمشاعر، إلى عنوان: الحق أحق أن يتبع، نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بهذه المحاضرة، ونسأله جل وعلا أن يرزق محاضرنا حسن الأداء، وأن يرزقنا حسن الإصغاء، ولا أطيل عليكم بهذه المقدمة، فأترككم مع المحاضر، والله يحفظكم ويرعاكم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى سبيله القويم.
أيها الإخوة: أحييكم في هذه الليلة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل مجلسنا هذا مجلساً خيّراً، وأن يجعل ما يقال فيه من مرضاته عز وجل، والموضوع الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله في هذا الليلة، بعنوان: الحق أحق أن يتبع.
وهذا الموضوع متشعب وله أطراف كثيرة، فمنها مثلاً: ما هو الحق؟ ما هي علاماته؟ لماذا يمتنع الناس عن قبوله وهو حق؟ لماذا لا يعترفون به أحياناً؟
والله عز وجل أخبرنا أنه خلق السموات والأرض بالحق، وأنه أنزل القرآن بالحق: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء:105].
وسوف نركز في كلامنا هذا إن شاء الله بالدرجة الأساسية على موضوع الأسباب المانعة من قبول الحق، وندخل في الموضوع مباشرة فنقول: |
|
|
|
|
|
|
|
أحياناً قد يكون هناك ظرف اجتماعي يضغط على الإنسان فلا يعترف بالحق، مثلاً المرأة عندما قذف هلال بن أمية امرأته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك)، فأقسم هلال أنه برئ وأن الله سوف ينزل براءته، وأنزل الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [النور:6] ونزلت آية اللعان، فانصرف النبي صلى الله وعليه وسلم، فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب) ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة، وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت هذه المرأة، حتى ظننا أنها ترجع وتعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت وأكملت الخامسة، بسبب الضغط وخوف الفضيحة.
والذي حمل أبا طالب على رفض الحق هو ضغط المجتمع:
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
فهو يخشى أن يقال: مات على غير دين آبائه.
وختاماً أيها الإخوة أقول: يجب علينا أن نتجرد، فنضع الحق فوق كل اعتبار، ويجب علينا أن ننقاد لله إذا كنا نريد وجهه، ولا نحاول أن نلف وندور أو نقوم بمناورات في سبيل رفض الحق كما يقع لكثير من الناس، حيث تجده يأتي بأعذار وعجيبة جداً تدل على القصة التي ذكرناها عن مؤلف كتاب: الصراع بين الإسلام والوثنية.
في أحد المجالس كنا نتكلم عن الإسلام، وأحد من العامة يقول: أنا غير مستعد أن أمضي قدماً في أشياء أخرى، أنا لا أتعمق في الدين، يكفيني الأركان الخمسة، فقلت: يا أخي! الدين ليس بالأركان الخمسة فقط، قال: بل الأركان كافية جداً، قلت: ما رأيك أن تسكن في بيت فيه خمسة أعمدة فقط، لا جدران فيه ولا شبابيك، ولا غرف؟
قال: لن أسكن فيه.
قلت: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (بني الإسلام على خمس) فهذه الخمس عندك ولكن أين باقي البناء؛ أين الجهاد في سبيل الله والأمر المعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وطلب العلم، بر الوالدين؟
أو قال نفس الشخص: التعمق في الدين غير جيد، وانظر هذا مؤلف: الصراع بين الإسلام والوثنية ، تعمق في الدين ثم ارتد، فقلت له: هذا الشيخ ابن باز لم يرتد!! وهو متعمق في الدين.
قصة أخيرة أختم بها الكلام: رجل تارك للصلاة، قلت له: اتق الله.. حرام عليك، كيف تترك الصلاة وهي الركن العظيم في الإسلام؟ هذا خروج عن الملة، وزوجتك حرام أن تجلس معك، قال: والله أنا أريد أرجع إلى الصلاة،ولكن الشيطان..
فقلت له: لماذا لا تصلي من غدٍ، وكيف تركت الصلاة وأنت تعلم هذه الأحكام؟
قال: يا أخي! أنا لا أصلي الظهر والعصر، فكيف أصلي المغرب والعشاء والفجر؟ قلت له: ولماذا لا تصلي الظهر والعصر؟ قال: لأنني في العمل، فلا أقدر أن أصلي الظهر والعصر، ولذلك تريدني أضحك على ربي وعلى نفسي، أصلي المغرب والعشاء والفجر.
قلت: ولماذا لا تصلي الظهر والعصر في العمل؟
قال: لأن الحمامات فرنجية، وأنا ما أضمن أن تكون عليها نجاسة.
فانظر إلى هذه الأعذار الواهية، فالناس عندهم قضية التفلت بأي عذر، المهم ألا يتبع الحق، وبعض الناس لا يتبعون لكنهم ألطف من غيرهم بقليل يقول: والله أنا مقصر، وأنا عارف أنه خطأ، نسأل الله أن يعيننا، وجزاك الله خيراً أن نصحتنا، وانتهى كلامه هذا أحسن من ناحية الاعتراف.
فعلى العموم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا من هذه الكلمات البسيطة، وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يهدينا وإياكم الحق.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على الحق، اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. |
|
|
|
|
|
|
من أسباب رفض الحق، أن الحق ثقيل، وله تبعات، ويخالف هوى النفس، والنفس تحب الدعة والكسل والراحة، والتخفف من التكاليف، ولذلك بعض الناس لا يستقيمون، ويمكن أن يستقيم فترة، ثم ينتكس، والسبب أن نفسه لا تتحمل هذه التبعات، فهو يريد اللهو واللعب، وعندما يحس بوطأة التكاليف، يقول: اعذروني! أنا لا أستطيع أن أواصل في الطريق.
لماذا؟
لا أتحمل ولا أسمع كذا، ولا أرى كذا، وفوق هذا تريد أن أفعل كذا، وأقوم بالواجبات، فيرفض، ولكن الذي يلوح له فجر الأجر يهون عليه ثقل التكاليف. |
|
|
|
|
ومن الأسباب كذلك: نوع التربية التي يتلقاها الإنسان، فلو رباه أبوه على أن كل ما يسمعه من الأب فهو الحق وغيره باطل مهما كان قائله، فإنك سترى الولد يقول: والله هذا الكلام ليس بصحيح، لأنه يقول: أبي قال غيره، فالأب قدى ربى ولده أن الذي يخرج من فم الأب هو الحق وغيره باطل.
لو تربى الولد في المدرسة على أن كل ما يقوله المدرس هو الصواب وما سواه خطأ، فإنه ينشأ على هذا ويتعصب له، ولو تربى إنسان في وسط حتى لو كان ظاهره إسلامياً، ونشأ على أن كل ما هو في هذا الوسط صحيح، وكل ما يقوله أفراد الوسط صحيح، وما سواه باطل، غرس ذلك في نفسه.
فإذاً.. التربية هي التي تربي الشخص على اتباع الأشخاص أو على اتباع الحق، وهي التي تحدد النهاية كيف تكون، وتحدد مواقف الشخص هذا من الحق إذا عرض عليه. |
|
|
|
|
من الأشياء التي تصد: أن بعض الناس يحكمون عواطفهم ولا عقولهم، وأقصد بعقولهم المبنية على موازين الشرع، بعض الناس يفكرون بالعاطفة، قد يرى رجلاً يبكي وتدمع عيناه، وهو يعرض عليه، ويقول له: يا أخي! صدقني! أقسم بالله إنه كذا، فيتأثر عاطفياً، وبعض الناس يبكون عن جهل، وبعضهم يدعو إلى باطل وإلى بدعة ويبكي، وبعض الناس يبكون بدموع التماسيح ويتظاهرون أمام العالم أن ما يدعونهم إليه حق، ويتأثرون تأثراً نفاقياً، حتى يتأثر الناس بهم فيتبعونهم، والذي يحكم العواطف ولا يحكم ميزان الشرع سينتهي بانتهاء التأثر.
وقد يقال: هذا فلان ابتلي في الله وعذب في ذات الله، فكلامه إذاًَ صحيح، لأنه رجل ابتلي في الله، نقول: ومن قال: إن الابتلاء في الله والتعذيب في ذات الله هو مؤهل لأن يكون صاحبه هو صاحب الحق، فيمكن أن يعذب شخص في ذات الله ثم تخرج منه أخطاء، فمثل هذه الأشياء العاطفية التي تحمل بعض الناس على الاقتناع، هي في الحقيقة ليست على أساس صحيح.
وبعض الناس متردد في قول الحق، فقد كان يقول بشيء ثم تبين له أنه خطأ وأنه خلاف الحق، وكان قد علَّم الناس هذا الشيء ودعاهم إليه في شتى المجالس وقال به؛ والتراجع صعب جداً؛ لأن الناس سيقولون: إنه جاهل وسطحي، تظل عشرين سنة تعلمنا ذلك ثم تتراجع، أو إذا عرفوا أنه الحق، أو أنك طول الوقت ساكت اعتبروه من الذين يكتمون البينات، فيجد الشخص نفسه في ضائقة، يقول: الناس يقولون عني كذا، إذاً لا أتراجع، ولا أبين لهم حتى لا أفتضح بينهم، وهذه المسألة موجودة في كثير من طلبة العلم الذين ينقلون الأحكام، فتجد خطباء وأئمة مساجد يعلمون الطلاب أشياء خاطئة، فإذا تبين له الخطأ يقول: ماذا يقول عني الطلاب والمصلون والمستمعون إذا تراجعت؟ يقولون: أنا كنت جاهلاً طول الوقت الذي ذهب، فيصده ذلك عن تبيين الحق للناس. |
|
|
|
|
ومن الأشياء التي تصد عن الحق: أن يعتقد الشخص أن الحق يحول بينه وبين جاهه وعزه، فيرفض الحق لأجل هذا، ومثاله: فقدان المنصب، أو فقدان الرآسة، كما وقع في حديث البخاري في كتاب بدأ الوحي، في حديث طويل نقتطف منه هذا المقطع حيث وصل خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وتباحث مع صاحب له يوازيه في العلم، حتى تأكد أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فحاول إقناع قومه، فالمسألة أثرت في نفسه: فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له في حمص، ثم أمر بأبوابها فأغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟
فحاصوا حيصة حمر الوحش لشدة نفرتهم إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان -سواء إيمانه هو أو إيمانهم هم- قال: ردوهم إليَّ.
لأنه الآن يحاول فيهم، ولكن لما رأى أنهم قد نفروا وأنهم سينقلبون عليه الآن، وينتهي الملك ببساطة، وقد يقتلونه قال: ردوهم علي، وقال لهم الأسلوب الخبيث: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت! فسجدوا له ورضوا عنه، وكان ذلك آخر شأن هرقل ، والحديث في البخاري.
فانظر إلى هذا الرجل كيف اقتنع بالحق، فحاول أن يقنع به الناس، فلما انقلبوا عليه خشي على ملكه، فقال: أنما كنت أريد أن أختبر شدتكم، وقد رأيت ما يسرني.
من الأمثلة كذلك في فقد الملك حين يحدث فيسبب لصاحبه الذي فقده عداوة للحق ما بقي من حياته: في صحيح مسلم ، في حديث عبد الله بن أبي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء يدعوه: لا تغبروا علينا، ثم قال: إن كان ما تقول حقاً فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، ثم قال عليه السلام لـسعد بن عبادة : أي سعد !ألا تسمع إلى ما قال أبو حباب -يريد عبد الله بن أبي - قال: كذا وكذا، قال: اعف عنه يا رسول الله! واصفح، فو الله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة، أي: المدينة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، ويجعلوه ملكاً عليهم، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك هو، شرق بذلك -غص- فذلك فعل ما رأيت، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وما حمل عبد الله بن أبي على كل المواقف التي تعرفونها من الدعوة إلا أنه كان سيصبح ملكاً، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فانتزع منه ذلك، فانقلب رأساً للنفاق.
وكذلك بعض الناس يرفضون الحق لأنه يجردهم من مزايا مادية، أو من أموال لهم، مثلاً: بعض التجار أموالهم أموال ربا، فيرفض الحق في هذه المسألة؛ لأنه يرى بأن أمواله ستذهب، وأن كثيراً من امتيازاته المادية ستذهب؛ لأنها حرام، فلذلك يرفض الحق.
بعض الناس يقبلون الحق إذا كان في مصلحتهم، وإذا كان في غير مصلحتهم لا يقبلونه، مثل المنافقين: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور:49] وإذا ما كان لهم الحق رفضوا. |
|
|
|
|
من أسباب رفض الحق الجهل به، ومن جهل شيئاً عاداه، وعادى أهله، والناس أعداء ما جهلوا، وهذا -أيها الأخوة- يبين مسئولية الدعاة إلى الله في التبيين للناس، إذا كان جهل الناس بالحق سبباً لعداء الحق؛ فعلينا نحن الدعاة إلى الله مسئولية التبيين، حتى إذا عرف الناس الحق لم يعادوه، أو على الأقل يزول السبب الذي يجلب العداوة.
كثير من الناس كانوا يجهلون الاستقامة والتدين والأشياء، وينكرون على أولادهم في بيوتهم، فلما تبين لهم الحق، تبينت لهم الحياة الإسلامية الصحيحة، توقفت العداوة، بل أصبحوا يقولون لأبنائهم: والله يا ولدي أني أستحي منك الآن، لأني عاديتك في البداية، وأنا الآن أتعلم منك، لأنه الآن عرف الصحيح. |
|
|
|
|
ومن أسباب رفض الحق: اعتناق الرافضين له أفكاراً ضد الحق، مثل الأفكار الإلحادية العقلانية ، الوجودية العلمانية، اعتناق هذه الأفكار بطبيعة الحال يصد عن الحق، والمعتنقين لهذه الأفكار يرفضون الحق.
في جاهلية الأمس كان الولاء للآباء والأجداد، وفي جاهلية اليوم صار الولاء لأصحاب المذاهب الفكرية الملاحدة، والشخصيات المسلطة عليها الأضواء ذات الأفكار المنحرفة.
وعامة مثقفي المسلمين ممن درسوا في بلاد الكفار، تبنوا أفكاراً ضد الحق، فرجعوا إلى بلادهم سماً زعافاً يحاربون الله ورسوله، ففي بعض المواقف تستغرب كيف يقفها هؤلاء الناس وكيف يعارضون الحق بجلاء ووضوح، وأذكر مثالاً: استغلت مناسبة من المناسبات في موعظة للنساء من وراء حجاب، وقبل الوليمة أو المناسبة حصلت الموعظة، وبعد الطعام قمت لأغسل يدي، فأخبرني واحد من الجالسين قال: لما قمت قال واحد من الحاضرين لشخص من الأشخاص: الحق، فإن الشيخ يكلم النساء عن الحجاب، قال لي: فقام ذلك الشخص مفزوعاً يجري وراءك، فلما رآك في المغاسل تغسل ارتاح ورجع إلى مكانه، ولكن المحذور قد وقع، فقد حصلت الموعظة، وما أخبر إلا بعد حصوله، فانظروا.. كيف قام الرجل يركض لئلا تسمع زوجته عن الحجاب، ويجري فزعاً قبل أ، أتكلم عن الحجاب، حتى لا تسمع المرأة الكلام في الحجاب!
انظر إلى العداء التي تولده تلك الأفكار المغروسة في كثير من هؤلاء المثقفين. |
|
|
|
|
|
|
من أسباب رفض الحق الحسد، يرى أنك على حق فيحسدك، ولا يعمل بما أنت عليه.
والحسد قضية قديمة، قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة:109].
فاليهود والنصارى يريدون صدنا عما نحن عليه من الحق، وهم يعلمون أنه حق؛ حسداً من عند أنفسهم، وهناك حادثة رواها ابن إسحاق مع ما فيها من جهالة عين أحد الرواة، لكنها تصور واقعاً ولا تترتب عليها أحكام، فنحن نسوقها للفائدة، قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب -وهي المرأة اليهودية التي أسلمت، وتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أمنا، لأنها أسلمت وصارت أم المؤمنين، والإسلام يجب ما قبله، ولا اعتبار لأي انتسابات أخرى، ونحبها، ونوقرها، توقير آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنها من أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم- صفية بنت حيي تقول: كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه.
قالت: فلما قدم النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، حتى يعلما علم هذا الرجل، فلم يرجعا حتى كان غروب الشمس، قالت: فأتيا كالِّين، كسلانين ساقطين، يمشيان الهوينا، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟
يقصد الرسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول: أهو هو أي: الذي نعلمه في التوراة، مكتوب أنه سوف يرسل.
قال: أهو هو؟
قال: نعم والله!
قال: أتعرفه وتثبته؟
قال: نعم.
قال: فما في نفسك منه؟
قال: عداوته والله ما بقيت.
انظر.. الآن هو يعترف تماماً أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي صفته مكتوبة في التوراة، أهو هو؟ قال: نعم. لكن النتيجة: عدواته والله ما بقيت.
كانوا يريدون ويتوقعون أن يظهر النبي منهم، فإذا هو من أناس آخرين، فحسداً بعض الناس يرفض الحق؛ لأنه أتى من فلان الفلاني الذي بينه وبينه عداوة شخصية، فهم لا يقبلون منه ما يقول حتى لو كان حقاً، ولو قال به آخر لقبلوا.
وفلان هذا بيننا وبينه مشاكل، واختلافات شخصية وصراعات، فلا نقبل ما يقول، وهذه بلية كبيرة، معناها أن القضية ليست اتباع الحق، فقد صارت القضية اتباع من يقول بالقول، لو قال به فلان الذي نرتاح له، ونحبه أخذنا بكلامه، لو قال به فلان الذي نخالفه ونكرهه فلن نأخذه.
يا أخي! الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الحق من الشيطان، لما جاء منه، والدليل على ذلك الحديث الذي في الصحيحين عن أبي هريرة ، في الشيطان الذي كان يأتي بصورة آدمي ويسرق من الحب، وأبو هريرة حارس، فأمسكه أبو هريرة في اليوم الأول والثاني وهو يعتذر إليه فيطلقه، وفي الثالث قبض عليه وهدده بأن يذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه آية الكرسي، ثم في الرواية يقول: فقلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك الشيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، أتعلم من تخاطب يـا أبا هريرة منذ ثلاث ليال؟ قلت: لا، قال: ذاك شيطان) فهل قال الرسول صلى الله عليه وسلم: آية الكرسي لا تنفع قبل النوم لأن الشيطان هو الذي قالها؟ وهو كذوب فأقره عليه السلام مع أنه أتى من الشيطان.
والآن أشياء كثيرة من الحق تأتي من أناس ليسوا بشياطين، ولكنها ترفض لعداوة شخصية، واختلافات مذهبية، واختلاف في الرأي، أو يرفض الكلام لأنه أتى من فلان. |
|
|
|
|
أحياناً يرفض الحق للعصبية، والعصبية توضحها الرواية الآتية عن المسور بن مخرمة وهو ابن أخت أبي جهل ، أنه قال لـأبي جهل : يا خال! هل كنتم تتهمون محمداً بالكذب قبل أن يقول ما قاله؟ فقال: يابن أختي! والله لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم فينا وهو شاب يدعى الأمين، فما جربنا عليه كذباً قط، قال: يا خال! فما لكم لا تتبعونه؟ قال: يابن أختي: تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فمتى ندرك هذه؟
فكان سبباً في ردهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
وهناك أسباب أخرى منها: الخوف على الجاه، وخشية الملأ على نفوذهم، وتقليص امتيازاتهم، فهذا من الأسباب، وهذا الحديث ثبت مثله عن المغيرة بن شعبة. |
|
|
|
|
من الأشياء التي تصد عن الحق: الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، قال ابن القيم رحمه الله: وأهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، ومن صفات هؤلاء الغرباء، ترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة، ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وأكثر الناس لائم لهم.
وصدق.. فأنت لو قلت للناس: أنا لا أنتسب إلى أحد غير الله ورسوله، وأنا أسير على طريقة السلف ، وأنا من أهل السنة والجماعة أعتقد اعتقادهم وأسير على طريقهم في جميع الأبواب، في العقيدة، والسلوك، والأخلاق، والسنة، ووجه الاستدلال، أنا على أبواب أهل السنة والجماعة، وهذه طريقتي، فلا أنتسب إلى أحد، فكل المنتسبين سيلومونك أنت مع أنهم متفرقون في انساباتهم، ولكنهم جميعاً يعتبرونك عدواً لدوداً لهم.
ثم لو أن إنساناً سأل وقال: ما علاقة هذه المسألة بالصد عن الحق؟ كيف يعني أن الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، يصد عن الحق؟
فأقول لك: يا أخي! القضية واضحة، فإن من انتسب إلى طائفة من الطوائف، أو حزب من الأحزاب، أو جماعة من الجماعات، فإنه يوالي لها ويعادي عليها، ويحيطها بهالة من التقديس تمنعه من تقبل الحق لو كان مخالفاً لما عليه هذه الطائفة، بل إنه يدافع عنها بالحق وبالباطل، لأن قلبه قد أشرب من حبها، ولذلك هو غير مستعد أن تنتقد طائفته، وهذا يؤدي إلى العصبية وإلى تفرق المسلمين.
ولو أن المسلمين كلهم مشوا على طريقة أهل السنة والجماعة -على طريقة السلف- وعلى طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، والأشياء التي فيها الاختلافات الواردة فيعذر بعضهم بعضاً فيها، أما الأشياء التي في الأصول والتي لا يمكن الاختلاف عليها، فأمرها محسوم، لتجمعوا واجتمعوا كلهم، ولا نعني بهذا الكلام: نسف مسألة التعاون على البر والتقوى، ونسف قضية التعاون على الدعوة إلى الله، ونسف قضية روح الجماعية في الدين، فهذه موجودة، ولا بد من وجودها وإيجادها، ولكن التفرقات والتعصبات للانتسابات هي التي تهلك. |
|
|
|
|
ومن الأمور التي تصد عن الحق وتمنع الأخذ به: الإلف والعادة التي نشأ عليها الشخص وتربى؛ إذ كيف يغير الإنسان رأيه وقد سار عليه فترة طويلة؟
كيف يغير قناعته وقد تكونت لديه عبر سنوات مديده؟
كيف يخالف الشيء الذي تعود عليه، وألفه، وأحبه، واستمرأه؟
فالمخالفة صعبة؛ لأن فيها تغيير المألوف، والنفس تحب الشيء المألوف الذي اعتادته، فهذه نقطة يعاني منها أهل الحق، وكذلك أهل الباطل في المجتمعات، أهل الباطل يريدون تغيير، عادات الناس الطيبة، وقيمهم الحميدة التي يقرها الشرع، فهم يريدون الثورة على الواقع، نسأل الله أن يفشل مخططاتهم.
أما أهل الحق فإنهم يعانون من هذا النقطة، إذا كان الذي عليه الناس، وتمتمسكوا به وألفوه مخالفاً للحق، لكن شتان بين معاناة هؤلاء ومعاناة أولئك.
بعض الناس تناقشه في أمر من الأمور فيصر على ما هو عليه، تبين له بالأدلة فيصر على ما هو عليه؛ لأنه قد ألف هذا الشيء، وأحياناً يكون هذا الشيء مخالفاً للعقل السليم، ومع أن هذا الرجل يحمل شهادات عليا، ولكنه غير مستعد لأن يخالف، بل إنه يبحث عن وسائل في الإقناع والرد واهية جداً.
أذكر أن واحداً من هؤلاء كان يتكلم عن طرق الذكر الجماعي البدعية، فكان يقول: يا أخي! ما أعظم هذه الرياضة الروحية العظيمة الله أكبر.. سبحان الله.. الله حي، تطلع وتنزل، يقول: بدلاً من أن تلعب كرة، وتضيع وقتك في اللعب، فهذا شيء يقوي البدن، والعضلات، والأعصاب، وفيه ذكر.. انظر إلى عظمة الدين:
وتكرار ذا النصح منا لهم لنعذر فيهم إلى ربنا
فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله في أمرنا
فعشنا على سنة المصطفى وماتوا على تن تنا تن تنا
قاله ابن القيم رحمه الله في معرض الرد على أولئك المبتدعة في أذكارهم وطرقهم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|