|
حسن الخلق هو شعار هذا الدين، وميزة النبي صلى الله عليه وسلم .. بل هو أقصر طريق يصل بك إلى أبعد القلوب.
وقد حرص الشيخ حفظه الله على إبراز أهم خصائص هذا المعلم، منبهاً على وجوب التزام أهل الإسلام به، وخاصة الدعاة، ضارباً أمثلة لذلك من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وأخلاق سلفنا الصالح رضوان الله عليهم. |
|
|
|
|
|
إن الحمد لله؛ نحمده و نستعينه و نستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد و على آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه هي ليلة الثلاثاء الموافق للرابع عشر من شهر محرم من عام (1418هـ) وبهذا الجامع المبارك في مدينة الرس ، وهذا هو الدرس الأول من سلسلة الدروس الشهرية في مكارم الأخلاق والآداب، وهو الرابع والأربعون في التسلسل العام، وعنوان هذا الدرس: (طريقنا للقلوب).
وطريقنا أعني به: كل مسلم ومسلمة يحب أن تشيع الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وكل مسلم ومسلمة يحب الخير والبر والمعروف والإحسان ومكارم الأخلاق.
أما القلوب فهي: قلوبنا جميعاً.
فنحن بحاجة لفن التعامل مع بعضنا لبعض، بحاجة إلى تعميق روابط الأخوة الإسلامية ومعانيها .. نحن بحاجة أيها الأحبة! إلى تحقيق القاعدة الشرعية: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كما في حديث أنس المتفق عليه .
بحاجة إلى الحوار الهادئ، والتعامل المهذب، والاحترام المتبادل، إلى أن نظهر محاسن هذه العقيدة؛ لنصبح نحن المسلمين قدوات لبعضنا، ومفاتيح خير لغيرنا من أهل الملل والنحل، بحاجة إلى أن نكسب قلوب بعضنا، وأن نكسب قلوب أهل الأديان الأخرى بصدق التوحيد، وحسن المعاملة، وجميل الأخلاق؛ لتذوق طعم الإيمان، ولتعرف حقيقة الإسلام.
نريد أن نكسب القلوب ليس بالمجاملة ولا بالمداهنة، ولا بتمييع ديننا ولا بتمزيقه، ولا بالتنازل عن المبادئ والأهداف، وإنما بمكارم الأخلاق، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والحديث عند أحمد في المسند والبزار، وهو من بلاغات مالك في الموطأ، قال ابن عبد البر: هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره. انتهى كلامه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
للأخلاق صلة وثيقة بالإيمان والعقيدة، قال ابن القيم يرحمه الله: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.
يقول صاحب رسالة جميلة بعنوان: صلة الأخلاق بالعقيدة والإيمان يقول فيها: إن المتمعن في أحوال الناس يجد كثيراً من المسلمين يغفل عن الاهتمام والاحتساب في هذا الجانب، وقد يجهل الصلة الوثيقة بين محاسن الأخلاق وقضية الإيمان والعقيدة، فبينما تجد الشخص يظن أنه قد حقق التوحيد ومحض الإيمان، تراه منطوياً على ركام من مساوئ الأخلاق والنقائص التي تخل بإيمانه الواجب، أو تحرمه من الكمال المستحب، كالكبر والحسد وسوء الظن والكذب والفحش والأثرة وغير ذلك، وقد يكون مع ذلك جاهلاً بضرر هذه الأمور على عقيدته وإيمانه، أو غافلاً عن شمولية هذا الدين لجميع مناحي الحياة، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
إن تحقيق التوحيد -والكلام ما زال لصاحب الرسالة- وتكميل الإيمان ليس باجتناب الشرك الأكبر فحسب، بل باجتناب كل ما ينافي العقيدة، وكل ما يخل أو يقدح في كمال التوحيد والإيمان.. إلى آخر كلامه هناك.
إذاً: فليست العقيدة متوناً تردد، ونصوصاً تحفظ، بل لا بد أن تتحول إلى واقع عملي في الحياة والتعامل بين الناس، ولما حصل هذا التصور عند بعض الناس ظهر انفصام نكد، وازدواجية بين مفهوم الإيمان ومقتضياته، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أيها الإخوة! إننا نملك كنزاً عظيماً هو كنز الإيمان، لكنه الإيمان حقيقةً لا صورةً، الإيمان الذي لامست حلاوته شغاف القلوب، فظهرت تلك الحلاوة على جوارح ذلك المسلم في أقواله وأفعاله وصفاته، فيوم ذاق طعم الإيمان؛ عرف حقيقة الاستقامة والالتزام، وأثر ذلك في سلوكه وصدقه ومعاملته.
يذكر التاريخ لنا أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند و سيلان و جزر المالديف وسواحل الصين و الفلبين و إندونيسيا وأواسط إفريقيا عن طريق تجار مسلمين، لكنهم مسلمون بحق، لم يؤثر عليهم بريق ولمعان الدينار والدرهم، بل تجسد الإسلام في سلوكهم وأمانتهم وصدقهم، فأُعجب الناس بهذه الأخلاق، فبحثوا وسألوا عن مصدرها، فدخلوا الإسلام عن رغبة واقتناع.
إن من أكبر وسائل التأثير على القلوب والنفوس هو التميز في الأخلاق المتمثل في القدوة الصالحة، بل هو أعظم وسيلة لنشر الإسلام في كل مكان، ومن تتبع سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله، وخاصةً في دعوته إلى الله تعالى؛ فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجاً بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه عليه الصلاة والسلام.
فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم! فهذا يسلم ويقول: [والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ] وذاك يقول: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً] تأثر بعفو النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه على تحجير رحمة الله التي وسعت كل شيء بل قال له: (لقد تحجرت واسعاً) والآخر يقول: [فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه] والرابع يقول: [يا قومي أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة] والخامس يقول: [والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ] والسادس يقول بعد عفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه: [جئتكم من عند خير الناس] ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير، والأمثلة كثيرة في سيرته صلى الله عليه وسلم.
كل الأمور تزول عنك وتنقضي إلا الثناء فإنه لك باقي
ولو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير محاسن الأخلاق
ذكر لي أحد الإخوة: أن شباباً من العرب في إحدى الدول الغربية استأجروا غرفاً من عجوز غربية، فلما انتهت مدة الإيجار رفضوا التسديد، وهربوا بحجة أنها كافرة، وأنهم -أي الكفار- هم الذين نهبوا أموالنا كعرب.
سبحان الله! بأي منطق وأي عقلية يتعامل أمثال هؤلاء؟ إنه الهوى والجهل بتعاليم وآداب هذا الدين، ألم يعقد العلماء أبواباً في كتب العقيدة والفقه في معاملة المسلم لغير المسلم؟ ومعاملة المحارب للمسلمين وغير المحارب؟!
كيف نريد أن نفخر بالإسلام ونحن أول من جهل أحكامه وتخلى عن آدابه؟!
قال محدثي: وكنت أرغب الإيجار من هذه العجوز فرفضت، خاصةً عندما علمت أنني مسلم، وقالت: أنتم أيها المسلمون لصوص، يقول: وسألتها عن سبب هذا الاتهام، فحدثتني بقصتها مع هؤلاء الشباب، قال: فحرصت على تغيير هذه الصورة عنا كمسلمين، وبعد محاولات وإغراءات وتعهدات بالدفع مقدماً، وافقت على تأجيري، ووافقت رغم ارتفاع السعر، وسكنت ولا زلت أقدم لها العون، وأظهر لها آداب الإسلام، وأجاهد نفسي على التحلي بالفضائل مع تذكيرها في بعض الأحيان بأن هذا من آداب الإسلام، وأن ديننا يحثنا على هذه الأخلاق.
يقول: فلما حان رحيلي وعند لحظة الوداع، فإذا بها تقول لي ودمعتها على خدها: يا بني! وصيتي لك أن لا تموت إلا على هذا الدين.
رحم الله علي بن أصمع لما حضرته الوفاة جمع بنيه، فقال: يا بني! عاشروا الناس معاشرةً، إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم.
أيها الأخ! إنما الدنيا حديث، فإن استطعت أن تكون منها حديثاً حسناً فافعل، إننا بحاجة إلى من يجسدون مبادئ الإسلام في سلوكهم، ويترجمون فضائله وآدابه في حركاتهم وسكناتهم حتى مع الكفار.
فمن أهم مظاهر علاقة المسلم بالكافر غير المحارب للمسلمين: كف الأذى والظلم، وعدم التعدي عليه وعلى حقوقه، والتزام مكارم الأخلاق معه من الصدق والأمانة، وغيرها من أخلاق الإسلام الحميدة، وجواز إيصال البر والمعروف إليه.
ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب [أهدى حلةً له إلى أخ له مشرك بـمكة كانت قد جاءته من النبي صلى الله عليه وسلم].
وفي البخاري -أيضاً- أن ابن عمر ذُبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: (أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وليس القصد هنا بيان تفصيل هذه المسألة، وإنما الإشارة لها لارتباطها بالأخلاق، لكن تنبه واحذر كل الحذر أن تختلط عليك الأمور، ففرق بين حسن المعاملة ومكارم الأخلاق والبر والإحسان للكافر غير المحارب، وبين الموالاة والمحبة والمودة له، أو تفضيله على أحد من المسلمين، أو مجاملته على حساب دينك وعقيدتك، كتهنئتهم أو إهدائهم بمناسبة أعيادهم ونحو ذلك، فإن ذلك كله حرام لا يجوز، وضابط ذلك النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
فإنما عنيت بهذا الموضوع معاملة المسلم للمسلمين، أما معاملته للآخرين من أهل الملل والنحل فله أصوله وضوابطه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أيها الموظف! أيّاً كان موقعك، وفي أي مكان كنت، إنك لم تجلس على هذا الكرسي الذي أنت عليه إلا من أجل خدمة الناس، وقضاء حوائجهم، وأداء الأمانة التي تحملتها.
أفلا ترى أنك بحسن الاستقبال والابتسامة، وإظهار الاهتمام بالمراجع وحاجته، تملك قلوب الآخرين؟ حتى وإن لم تقض حاجتهم، وربما خرجوا من عندك بنفس راضية، ولسان يلهج بالثناء والدعاء، بل ربما أثنوا عليك ورفعوا ذكرك بكل مجلس، كل هذا وأنت لم تقض حاجتهم، بل ملكتهم بحسن الأخلاق، فكيف لو استطعت قضاء حاجتهم وتيسير أمرهم؟
أيها الحبيب! انظر للنتيجة التي وصلت إليها: كسبت القلوب، والذكر الحسن، وقبل ذلك كله كسبت رضا الله تعالى، ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (وابتسامتك في وجه أخيك صدقة)؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (والكلمة الطيبة صدقة)؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)؟ ألم يقل صلوات الله وسلامه عليه: (خير الناس أنفعهم للناس) ؟
إذاً: فأنت أيها الموظف! في عبادة وأنت على مكتبك، فقط استعن بالله وأخلص النية لله، واتصف بمكارم الأخلاق، واحرص على نفع الناس؛ ستجد التوفيق في الدنيا والآخرة، ذكر حسن وجميل وحب وتقدير، هذا في الدنيا، وأجر كبير من العليم الخبير في الآخرة، كل هذا من خلال عملك ووظيفتك -أجر وغنيمة- والموفق من وفقه الله.
وربما قلت: الناس لا يرضيهم إلا تلبية رغباتهم، وتنفيذ ما يريدون، بل ربما قلت: إن ميزان الناس اليوم في الحكم على الآخرين هو مصالحهم الشخصية.
فأقول لك: نعم. هذا هو واقع الحال، ونحن لا نبرئ أنفسنا، ولكن أخي الحبيب! هب أنك بذلت لهم ما استطعت وتخلقت معهم بأحسن الأخلاق ولم يرضوا عنك، أليس حسبك أن يرضى الله عنك؟ فإنه يعلم أنك قدمت وبذلت ما بوسعك إذاً فأجرك على الله، وإن لم يرض الناس فتذكر دائماً (أن من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس).
فاحرص على فضائل الأخلاق وفن التعامل مع الناس، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) كما في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو.
يا من رزقه الله مكانةً ووجاهةً! اعلم أن زكاتها الشفاعة والإعانة للمحتاجين، على أن لا يبخس بها حق الآخرين، فإن الشفاعات من أعظم العبادات إذا قصد بها وجه الله عز وجل.
كتب الحسن بن سهل لرجل كتاب شفاعة؛ فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن : يا هذا علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءتنا، ثم أنشد يقول:
فرضت عليّ زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع فاجهد بوسعك كله أن تنفعا |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أي: صيد القلوب، أعني تلك الفضائل التي تُستَعطَف بها القلوب، وتستر بها العيوب، وتستقال بها العثرات، وهي صفات لها أثر سريع وفعال على القلوب، وإلا فإن فضائل ومكارم الأخلاق كثيرة.
إليك أيها المحب! سهاماً سريعةً ما إن تطلقها حتى تملك بها القلوب، فاحرص عليها وجاهد نفسك على حسن التسديد للوصول للهدف، واستعن بالله. |
|
|
|
|
|
|
|
ولها تأثير عجيب! فهي تذهب بالسمع والبصر والقلب، وما يفعله الناس من تبادل الهدايا في المناسبات وغيرها أمر محمود، بل ومندوب إليه على أن لا يكلف نفسه إلا وسعها.
قال إبراهيم بن محمد الزهري: خرجت لأبي جائزته فأمرني أن أكتب خاصته وأهل بيته، ففعلت، فقال لي: تذكر هل بقي أحد أغفلناه؟ قلت: لا. قال: بلى. رجل لقيني فسلم عليّ سلاماً جميلاً صفته كذا وكذا، اكتب له عشرة دنانير. انتهى كلامه.
انظروا! أثر فيه السلام الجميل فأراد أن يرد عليه بهدية ويكافئه على ذلك. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
فهل تحسن فن المداراة؟ وهل تعرف الفرق بين المداراة والمداهنة؟
روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة : يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا عائشة ! متى عهدتني فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة؛ من تركه الناس اتقاء فحشه).
قال ابن حجر في الفتح : وهذا الحديث أصل في المداراة.
ونقل قول القرطبي : والفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا.
إذاً: فالمداراة لين الكلام والبشاشة للفساق وأهل الفحش والبذاءة:
أولاً: اتقاءً لفحشهم.
وثانياً: لعل في مداراتهم كسباً لهدايتهم، بشرط عدم المجاملة في الدين، وإنما في أمور الدنيا فقط، وإلا انتقلت من المداراة إلى المداهنة.
فهل تحسن فن المداراة بعد ذلك؟ كالتلطف والاعتذار، والبشاشة، والثناء على الرجل بما هو فيه لمصلحة شرعية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مداراة الناس صدقة) أخرجه الطبراني و ابن السني من حديث جابر وصححه ابن حبان .
وقال ابن بطال : المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. انتهى كلامه رحمه الله.
إذاً: هذه أسهم للصيد، فأحسن التسديد، وهي على سبيل المثال، وذكرت منها ما أشرت إليه آنفاً وإلا فهي كثيرة. |
|
|
|
|
|
|
|
لقد شكا الكثير من التقلب والمزاجية، والازدواج في الشخصية، وهو ما يعيشه بعض الناس اليوم. |
|
|
|
فمثلاً: الزوجة المسكينة تسمع عن أخلاق زوجها، وسعة صدره وابتسامته وكرمه، ولكنها لم تر من ذلك شيئاً، فهو في بيته سيئ الخلق، ضيق الصدر، عابس الوجه، صخاب لعان، بخيل ومنان، أين هذا وأمثاله من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) كما عند ابن ماجه و ابن حبان و الحاكم .
وأين هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) كما عند الترمذي و ابن حبان بسند صحيح؟!
قال سلمة بن دينار : السيئ الخلق أشقى الناس به نفسه التي بين جنبيه، هي منه في بلاء، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون منه فرقاً -أي: خوفاً منه- حتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قطه ليفر منه. انتهى كلامه.
وقل مثل ذلك مع الوالدين، فكم أولئك الذين نسمع عن حسن أخلاقهم وكرمهم وابتسامتهم وجميل معاشرتهم للآخرين، أما مع أقرب الناس إليهم وأعظم الناس حقاً عليهم، الوالدين، فجفاء وهجر وبعد، ويكفي بلاغةً وقوةً ورقةً، قول الحق عز
وجل: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] ومن نظر لحالنا مع آبائنا وأمهاتنا، علم ضعف إيماننا وتقصيرنا بأعظم الحقوق علينا بعد توحيد الله، والله المستعان. |
|
|
|
|
|
|
ومن الازدواجية في الأخلاق: ما نراه من بعض الناس من حسن الكلام، وسعة الصدر، والابتسامة، فإذا جاء البيع والشراء والتعامل بالدينار والدرهم تراه مماطلاً مماكساً، يجادل ويخاصم، وربما ضاعت وتلاشت معاني الأخوة وحقوقها.
وقيل لـمحمد بن الحسن ألا تصنف كتاباً في الزهد قال: صنفت كتاباً في البيوع .
يعني رحمه الله: أن الزاهد هو من يتحرز عن الشبهات والمكروهات في التجارات وفي سائر المعاملات، وهذا من فقه وذكاء محمد رحمة الله تعالى عليه .
ويروى أن مسروقاً كان عليه دين ثقيل، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم.
وقال مطرف بن عبد الله لبعض إخوانه: يا أبا فلان! إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني، واكتبها في رقعة، فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال.
إذا أعسرت لم يعلم رفيقي وأستغني فيستغني صديقي
حيائي حافظ لي ماء وجهـي ورقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت بماء وجهـي لكنت إلى العلا سهل الطريق
عن رباح بن الجراح قال: جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له يقال له: عيسى التمار، فلم يجده في المنـزل، فقال للخادم: أخرجي لي كيس أخي، فأخرجته، ففتحه فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى فأخبرته الخادمة، فقال: إن كنت صادقةً فأنت حرة، فنظر فإذا هي صادقة فعتقت.
وعن جميل بن مرة قال: مستنا حاجة شديدة، فكان مورق العجلي يأتينا بالصرة فيقول: أمسكوا هذه لي عندكم، ثم يمضي غير بعيد، فيقول: إن احتجتم إليها فأنفقوها .
وقال سفيان بن عيينة : [سمعت مساوراً الوراق يقول: ما كنت لأقول لرجل إني أحبك في الله فأمنعه شيئاً من الدنيا].
مواقف أغرب من الخيال، لكنها مكارم الأخلاق عند سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم، وصدق الأخوّة والمحبة في الله، نسأل الله الكريم من فضله، ونسأل الله عز وجل حسن التأسي بهم رضوان الله عليهم. |
|
|
|
|
|
|
ومن الازدواجية في الأخلاق -أيضاً-: أولئك الذين نرى عليهم آثار الصلاح وسيما الخير، ثم نراهم في أفعالهم وتصرفاتهم يناقضون تلك السمات والآثار، حتى أصبحوا فتنةً لغيرهم، فأنت لا تسيء لنفسك فقط، بل لنفسك ولغيرك، وربما لدينك، فإن من يرى سوء الأخلاق منك فسيقول: هذه أخلاق الصالحين، وهذا هو الالتزام الذي يذكرون، فعلى هذا وأمثاله أن يراجعوا صلاحهم، فقد لا يكون لهم من الصلاح إلا الاسم والرسم.
مدحوا عند الفضيل بن عياض رجلاً وقالوا: إنه لا يأكل الخبيص، فقال رحمه الله: [وما ترك أكل الخبيص؟ انظروا كيف صلته للرحم، انظروا كيف كظمه للغيظ، انظروا كيف عطفه على الجار والأرملة واليتيم، انظروا كيف حسن خلقه مع إخوانه] انتهى كلامه .
قل لي بربك أيها القدوة! هل الاستقامة مظهر فقط؟ أم هي حسن تعامل مع فئة من الناس فقط؟ أم أنها سلوك منك وحسن تعامل مع الناس في كل شيء وفي جميع الأحوال؟
ففي الحديث الصحيح: (أعظم ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) أخرجه الترمذي و ابن ماجه ، وقال الترمذي : صحيح غريب .
قال ابن القيم في الفوائد : جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق في هذا الحديث؛ لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته. انتهى كلامه رحمه الله.
ويجب التنبه هنا لأمر مهم، اختلط على كثير من الناس إما جهلاً وهو الغالب، أو بقصد من قلب فيه دخن ودغل، وهو قليل جداً إن شاء الله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|