حث الإسلام على العدل والإنصاف، والعدل لا يكون مع أهل السنة فقط، بل ويشمل الأعداء، ومما يدل على ذلك ما ورد في الكتاب والسنة، وفي صفحات تاريخنا الإسلامي من صور العدل والإنصاف مما يبرهن على ذلك.
تجد الرجل الصالح المصلي الراكع الساجد إذا حكم على بعض الناس لا يحكم إلا بالظلم والإجحاف، أما الإنصاف فهو عزيز بين الناس، وهذا الأمر مفطور عليه أكثر الناس إلا من خالف هواه، فاسمع إلى الشعبي -عليه رحمة الله- ماذا يقول، وكأنه قد عرف الناس واختبرهم، فعرف معادنهم وحقيقتها، قال: [والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة وأخطأت مرة واحدة لعدوا عليَّ خطئي] ينسون تلك المحاسن، وسوف ينسون (99%) من المحاسن والفضائل لخطأ واحد: إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] فطبيعة الإنسان أنه ميال للظلم، ومحبٌ للجهل، هذه الطبيعة من أصل خلقته إلا إن خالف هواه ونفسه وزكى هذه النفس.
واسمع إلى حاتم الأصم كيف بلغ به المقام من حسن خلقه أنه يقول: ثلاث أظهر بها على خصمي: أفرح إذا أصاب فرحاً.. من منا عنده هذا الخلق إذا أصاب خصمه فرح؟
قال: وأحزن إذا أخطأ.. إذا وقع خصمي في الخطأ أحزن، وهذا هو حزن القلب وليس فرحه يا عبد الله! فإن من الظلمة من يفرحون إذا أخطأ خصومهم.
قال: وأحفظ نفسي كي لا تتجاهل عليه.
ذهب أحدهم إلى الإمام أحمد فقال له: أسمعت ماذا قال حاتم الأصم؟ قال: ماذا يقول؟ قال: يقول كذا وكذا، قال: سبحان الله! ما أعقله من رجل! من منا يصل إلى مستوىً من العقل والعدل والإنصاف مثله؟
قال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8] لا تنتصر لنفسك، ولا لحزبك، ولا تنتصر لقبيلتك، ولا لشهواتك، بل لله: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8] فإذا تكلمت: شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8] أي: بالعدل والإنصاف: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8] إذا كان بينك وبين فلان من الناس عداوة وخصومة، فإياك ثم إياك! أن تحملك هذه الخصومة على الظلم: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].
اسمع يا عبد الله إلى أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حاطب بن أبي بلتعة؛ صحابي جليل، ارتكب في الإسلام جريمة عظيمة وخطأ كبيراً، أتعرف ما هذا الخطأ؟
لما قرر عليه الصلاة والسلام أن يذهب إلى مكة ليفتحها ويقاتل المشركين، أرسل هذا الرجل رسالة مع امرأة ليبلغ المشركين، أن يحذروا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قادم إليكم ليقاتلكم، هل تظن أن هناك جريمة أعظم من هذه؟! وهل يبلغ الحال بإنسان في هذا الزمن أن يرتكب إثماً أعظم من هذا الإثم فيكشف خطة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين؟ فإذا بـحاطب ماثل أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] لم يستعجل في الحكم، انظروا إلى التثبت، والتأني والروية، قال: (ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال: يا رسول الله! أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفعون بها عن أهلي ومالي). يد: أي: فضل ونعمة، يدفعون بها عن أهلي ومالي.
انظر إلى العذر، عذر غير مقبول، ولكن:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
(قال عمر: يا رسول الله! إنه منافق دعني أضرب عنقه، فقد خان الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر! ألم يشهد بدراً؟ قال: نعم. قال: وما يدريك -يا عمر - لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم) يا عمر! زن الحسنات والسيئات.
يا عمر! عنده حسنات عظيمة في الإسلام تهدم ما بعدها وما تحتها.
يا عمر! أتى بذنب لكن محاسنه أعظم، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8].
اسمع يا عبد الله إلى هذه الأخبار والقصص التي ملئت بها صفحات تاريخنا الإسلامي من العدل والإنصاف، والتي إذا أردت أن تبحث عنها في هذا الزمن، فإنك تسمع عنها نادراً، وتبحث عنها فلا تكاد تجدها.
اسمع -يا عبد الله- إلى عبد الرحمن بن شماتة؛ وهو تابعي ثقة، جاء إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها يسألها عن بعض أمور الدين، فقالت له بعد أن أجابته وهي الفقيهة العالمة: من أين أنت؟ قال: من مصر ، قالت: ما فعل صاحبكم؟ أي: أميركم وواليكم، قال: أما إنه إذا كان معنا في غزوة أو سرية فمات لأحدنا بعير أعطاه بعيراً، وإذا مات له عبد أعطاه عبداً، وإذا نقصت أحدنا نفقته أعطاه نفقة، فقالت عائشة: أما إنه لا يمنعني ما فعل في أخي محمد بن أبي بكر أتعرف ما فعل؟ كان هو السبب في قتله، انظروا إلى الخصومة! رجل كان هو السبب في قتل أخيك، هل تنصفه؟ هل تعدل معه؟ هل تذكر محاسنه؟ قالت: أما إنه لا يمنعني ما فعل في أخي محمد بن أبي بكر أن أقول فيه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه) أي: كأنها تقول: صدق فيه دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فارفق به؛ لأنه كان رفيقاً بقومه، وبجنده.
أي عدل وأي إنصاف وقسط أعظم من هذا؟!! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58] ثم تجد سفيهاً من الناس، أو جاهلاً من بينهم، أو متعصباً لبعض الأقوال، فيعرض عليه محاسن الناس وفضائلهم وجهادهم، وهم إخوانه من أهل السنة ، فيقول: والله لا خير فيهم، سبحان الله! انظر إلى الظلم، أو يقول لك: هم والله شر من اليهود والنصارى.. هل هذا من العدل يا عباد الله؟! وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام:15].
والله إن بعض الظلم يخرج من أفواه بعض الناس، ولو مزج بماء البحر لعكر ماءه ولأفسده، ولكنك تتعجب أن يخرج الظلم من أناس يدعون العلم والدعوة والعدل بين الناس.
انظر يا عبد الله! إلى ابن عباس كيف اختلف مع عائشة على أمر عظيم، ولكنه صاحب عدل وإنصاف، جاءه رجل -وهو حبر الأمة- يسأله عن وتر رسول الله، فالرجل يسأل عن مسألة فقهية، وهو أحرى أن يجيبه، وبينه وبين عائشة خصومة وخلاف في الرأي، فقال له: أسألك عن وتر رسول الله؟ فقال ابن عباس لهذا الرجل: ألا أخبرك عن أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: عائشة رضي الله عنها، (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
من أسباب الظلم يا عبد الله: ما يكون في النفس من الحقد والحسد، ثم ما يكون في العقل من التعصب لبعض الآراء ولبعض الناس، ثم ما يكون بالتصرف من عدم التثبت وعدم التأني والاستعجال في الأحكام.
عبد الله: كن متنبهاً ومتيقظاً، واعلم أنه: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]. أقول هذا القول وأستغفر الله.