|
إن اتباع الهوى مفسد للقلب فهو عن الخير صاد، وللعقل مضاد؛ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها، ومن الأفعال فضائحها، ويجعل شر المروءة مدلوكاً، ومدخل الشر مسلوكاً.
وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن اتباع الهوى وجهاده، وأقوال العلماء فيه، وأسبابه وأضراره وعواقبه وعلاجه. |
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
الهوى وما أدراك ما الهوى، المفسد العظيم من مفسدات القلوب، هو عن الخير صاد، وللعقل مضاد؛ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها، ويظهر من الأفعال فضائحها، ويجعل ستر المروءة مدلوكا، ومدخل الشر مسلوكا، والهوى مطية الفتنة، والدنيا دار المحنة، فانزل عن الهوى تسلم، وأعرض عن الدنيا تغنم، ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي، ولا تفسدنك دنياك بحسن العوافي، فمدة اللهو تنقطع، وعارية الله ترتجع، ويبقى عليك ما ترتكبه من المحارم وتكتسبه من الجرائم.
والهوى حجاب بين العبد وربه، فيه حطت النار، واستحق به غضب الجبار، وحرم أتباعه منازل الأبرار، ولهذا عظمت منزلة مخالفته، فلم يجعل الله للجنة طريقاً غير مخالفته، ولم يجعل للنار طريقاً غير اتباعه، قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعـات:37-41] قيل: هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة فيتركها -أي المعصية- لله.
بل شرع الله له -للهوى- الجهاد، فجهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه، قال رجلٌ للحسن : يا أبا سعيد ! أي الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك.
قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أعظم من جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً؛ حتى يخرج إليهم -أي: للكفار- وبدون جهاد الهوى والنفس لا يمكن الخروج إلى جهاد الكفار، فلا بد أن ينتصر عليها أولاً.
فإذا كان هذا شأن الهوى فلابد من معرفته ليحذر ومعرفة أسبابه وطرق التخلص منه، وهذا موضوع الحديث في هذه الليلة بمشيئة الله: معنى الهوى لغةً واصطلاحاً والآيات والأحاديث الواردة فيه، وموقف التشريع من الهوى، وخطر الهوى، وما يتعلق باتباع الهوى والأهواء في التشريع وفي العقائد مما يضاد التشريع ويضاد العقائد ويضاد الأحكام الفقهية أيضاً، ونتحدث كذلك عن علاج الهوى.
ولقد تحدث الشاعر عن قوم رأى معاشرهم جنحوا بـ ... طبيعتهم في كل تيار في اتباع الهوى وقال عنهم:
تهوى نفوسهم هوى أجسامهم تهتك بكل دناءة وصغارِ
تبعوا الهوى فهوى بهم وكذا الهوى ملئ الهوان بأهله فحذارِ
فانظر بعين الحق لا عين الهوى فالحق للعين الجلية عاري
عار: يعني ليس عليه غطاء.
قاد الهوى الفجار بل قالوا لـه دأبت عليه مقادة الأبرار |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
واتباع الهوى -والعياذ بالله- يطمس نور القلب ويصد عن الحق، كما قال تعالى: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26] فاحذروا -رحمكم الله- من اتباع الهوى والإعراض عن الهدى وعليكم بالتمسك بالحق والدعوة إليه، والحذر ممن خالفه لتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.
وهذه القضية -أيها الإخوة- متفقة مع فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وبدون مخالفة الهوى تفسد السماوات والأرض، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ولهذا كان من مقاصد الشرع تعبيد الناس لرب العالمين وتخليصهم من رق الهوى وأسره.
قال الشاطبي رحمه الله: المقصد الأصلي من وضع الشريعة في هذه الأحكام، إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبدٌ لله اضطراراً.
الآن نحن هل نستطيع الخروج عن الكون إطلاقاً؟! لا . فنحن عبيد غصباً عنا من هذه الناحية، فهل يمكن أن تخرج عن نواميس الله الكونية؟ لا يمكن، فأنت رغماً عنك عبد، لكن ممكن أن تعصي الله وممكن أن تفعل المنكرات والمحرمات، والشرع جاء ليجعلك متبعاً لهدى الله اختياراً كما أنك عبدٌ له اضطراراً، فالآن الكفار عبيد لله بالاضطرار، فإذا أراد أن يمرضهم أمرضهم رغماً عنهم ، وإذا أراد أن يحضرهم أحضرهم غصباً عنهم، وإذا أراد أن يميتهم قبض أرواحهم رغماً عنهم، فهم عبيدٌ رغماً عنهم، من هذه الجهة جهة اضطرار، لكن الشريعة لا تريد العبودية من جهة الاضطرار فقط، بل تريد أيضاًَ أن تكون عبداً من جهة الاختيار، فيصلي لله بنفسه، ويزكي بنفسه، ويذكر بنفسه، ويدعو بنفسه، ويترك الحرام اختياراً منه، فيؤجر، حتى يعبد الله اختياراً كما أنه يعبده اضطراراً.
فالشريعة جاءت بتعبيد النفس لله، ولذلك تجد أن الشريعة لا تأمر بأشياء تهواها النفس أصلاً، ليس هناك أوامر كثيرة في القرآن الكريم والسنة تقول: لا تنسوا الأكل، عليكم بالأكل والمأكولات، وعليكم بالشرب، يا أيها الناس! الشرب والشراب، من شرب فله كذا كذا حسنة، انكحوا ومن نكح فله كذا كذا، اشتروا وحصلوا الأموال، من حصل الأموال فله كذا، لماذا لم تأت الشريعة بنصوص من هذا النوع؟ وإنما تجد شيئاً شاقاً وثقيلاً على النفس؛ فكم من نصٍ ورد في الصلاة وكم من نص ورد في الجهاد! لأنها ثقيلة على النفس، لكن الأشياء الخفيفة التي تهواها النفس بطبيعتها هل تجد فيها آيات كثيرة؟!
هل تجد آيات كثيرة تحث على الأكل والشرب والنوم والنكاح والبيع والشراء؟
لا.
لماذا؟
لأن هوى العبد معه، فلا يحتاج إلى مؤكدات ومحفزات ومرغبات فيه، لكن الأشياء التي تخالف حظ النفس كالصلاة والجهاد والصيام وإخراج الأموال والصدقات والبذل والتضحية وردت فيها النصوص الكثيرة والمرغبات؛ لأن الشريعة تريد أن يكون العبد متبعاً لمولاه لا متبعاً لهواه، وأن يكون عبداً اختياراً كما هو عبدٌ اضطراراً. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
خامساً: الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
ثانياً من أصل أسباب اتباع الهوى: مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم، ذلك أن العواطف والدوافع تنمو بالمجالسة وطول الصحبة، فمن لزم مجالسة أهل الهوى، وأدام صحبتهم فلا بد أن يتأثر منهم، لا سيما إن كان ضعيف الشخصية وعنده قابلية للتأثر بمن حوله دون تساؤل، ولذلك كان السلف ينهون عن مجالسة أهل الأهواء، والمقصود بهم أهل البدع الذين يتبعون أهواءهم في العبادة، وأهل البدعة أناس أصحاب عبادة لكن يتبعون أهواءهم في العبادة فلا ينضبطون بأدلة الشريعة ويخترعون عبادات ويضلون بها.
قال: أبو قلابة : لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون.
وقال الحسن بن سيرين: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوهم. |
|
|
|
|
هناك أسباب تنشأ منذ الصغر وتكبر مع الإنسان، فعدم التعود على ضبط الهوى من الصغر سبب في التمادي في اتباع الهوى؛ لأن الإنسان قد يلقى من أبويه صغيراً حباً مفرطاً وحناناً زائداً؛ بحيث يطغى هذا الحب والحنان على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لا بد منها لتنظيم الضرائر والنوافع ومقاومة الهوى، وكثير ما يلاحظ تفريط بعض الآباء والأمهات في هذا، من حيث ترفيه الولد وجعله يفعل ما يشاء ويرخي له العنان ليختار ما يشاء، وتلبى كل رغباته، وهذه تربية فاسدة.
يا أخي: إذا لم نحرم الأولاد من شيء أبداً، ولم نقف في طريقهم لنيل مطلوب نفسي عندهم أبداً، ونلبي كل ما يطلبون، ولا نقف عائقاً في طريق ما يشتهون، نكون قد أضررنا بهم، وربيناهم على اتباع الهوى منذ الصغر، ولذلك القضية في اتباع الهوى تنشأ منذ أن يقوم الأب بترفيه الولد وإعطائه ما يريد من البداية، يريد مالاً أعطيناه، يريد جوالاً أعطيناه، يريد دشاً ركبناه له، يريد سيارة أعطيناه، والبنت نفس الشيء تريد أن تتسلى على الدش ورسيفر والجوال، نحن تحت الخدمة.
إذاً: نحن منذ أن ننشئ أطفالنا ويكبروا ويصبحوا شباباً على مبدأ: (خذ) وبالذات إذا كان الأب مقتدراً وغنياً، بل يقول لك: أنا أقطع لقمتي لأعطي ولدي، جزاك الله خيراً، لكن ماذا تعطيه؟ لقمة يأكلها بالحلال فهذا حسن، لكن إذا قلت: أعطيه أي لعبة، فهل فكرت هل هذه اللعبة حلال أو حرام؟ يريد أن يعمل شيئاً، هل فكرت أن هذا الشيء حلال أم حرام؟ وإذا نام عن صلاة الفجر قالوا: دعوه يرتاح مسكين تعبان، فنحن الذين ربيناهم على اتباع الهوى في ذلك، وجعلناهم يمشون على هذا المبدأ منذ الصغر.
قال الشيخ محمد قطب في منهج التربية الإسلامية : والأم التي ترضع طفلها كلما بكى لكي يسكت، أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكي تضره بذلك؛ لأنها لا تعينه على ضبط رغباته، ولا تعوده على ذلك الضبط من صغره فلا يتعود في كبره، ومن منا تتركه ظروفه الصعبة في حياته لرغباته يشبعها كما يشاء، وذلك فضلاً عن أن المسلم بالذات ينبغي أن يتعلم الضبط، ويتعوده منذ باكر عمره؛ لأن الجهاد في سبيل الله لا يستقيم بالنفس التي لا تستطيع ضبط رغباتها فتنساق معها، وكيف يمكن الجهاد بغير ضبط الشهوات والرغبات، حتى وإن كانت في دائرة المباح الذي لا حكم فيه في ذاته؛ لكنه قد يصبح إثماً فيما يشغل عن الجهاد.. المباح يصبح إثماً حينما يشغل عن الجهاد: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24] فكل ما ذكرته الآية ليس محرماً في ذاته، فالمساكن ليست حراماً في ذاتها، وتجارة تخشون كسادها ليست حراماً في ذاتها، كلا، لكنه صار فسقاً وحراماً حين أصبح سبباً في القعود عن الجهاد في سبيل الله، وحين رجحت كفته في ميزان القلب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، فما الوسيلة للاستقامة على دين الله إلا ضبط هذه الرغبات والاستغناء عنها حين تحول بين الإنسان وبين سبيل الله.
ألا ترون أن صحابية جليلة أخبرتنا بأنهم كانوا يُصوِّمون صبيانهم الرضع في عاشوراء، أي: على أقل يوم في السنة وإذا بكوا أعطيناهم اللعب من العهن ينشغلوا بها حتى وقت المغرب. حتى الرضع كانوا يصومونهم في عاشوراء.
قال: والضبط مقدرة يتدرب الإنسان عليها، وعادة يتعلمها، وكلما تدرب عليها وهو صغير كان أقدر عليها، وأكثر تمكناً منها فيجدها حاضرة في أعقابه حين تفجعه الأحداث؛ لأنه متدرب، كما قال بعضهم: إنه كان يرافق شيخاً فأراد في طريقه أن يشرب من بئر فقال: اصبر إلى البئر التي تليه، فلما وصل البئر التي تليها أراد أن يشرب قال: اصبر إلى البئر التي تليها، وهكذا.. ثم تركه يشرب في النهاية وقال: عود نفسك أنه ليس كل ما دعت النفس مباشرة تستجيب، أحياناً احرمها من بعض الأشياء بما لا يضرها، لكن بحيث يرق ذلك في نفسك قدرة على الاستغناء عن الشيء المباح في حالة عدم وجوده.
ومن أسباب فشل أولادنا في المجتمع أنه متعود أن يلبـى له كل طلب، إذا خرج المجتمع ووجد الحياة صعبة وأنه في الوظيفة يحرم من أشياء، ويخصم منه أشياء، ويطرد من أشياء ويجد كلمة غليظة فلا يتحمل العمل؛ لأنه تعود على إعطاء كل شيء على هواه، وكذلك تجد بعض أولاد الأغنياء إذا افتقر أبوه فجأة أو مات وضاعت الأموال لا يستطيع أن يعيش، متعود على مستوى ثانٍ، والبنت إذا خرجت من عند أبٍ يدللها بأي شيء إلى زوج قليل ذات اليد لا تستطيع أن تعيش، فتطلق بعد وقت قصير، لنفس السبب. |
|
|
|
|
|
|
|
ماذا سيترتب من الأضرار والعواقب على اتباع الهوى فلابد من إدراك ذلك فإن قال قائل: ما هي أضرار الهوى وأخطاره حتى نعرف هذه العواقب؟ |
|
|
|
والعشرون: أن أصل العداوة والشر والحسد الواقع بين الناس من اتباع الهوى، فمن خالف هواه أراح قلبه وبدنه وجوارحه فاستراح وأراح.
قال أبو بكر الوراق : إذا غلب الهوى أظلم القلب، وإذا أظلم ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر ساء الخلق، وإذا ساء الخلق أبغض القلب. |
|
|
|
|
الحادي والعشرون: تمكين الإنسان لعدوه منه، وأعدى عدوٍ للمرء شيطانه وهواه، وأصدق صديقٍ له عقله الناصح له، والملك الذي يذهب به إلى الخير، فإذا اتبع هواه أعطى بيده لعدوه، واستأسر له، كأنه سلم نفسه للعدو وصار عنده أسيراً، وهذا بعينه جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
والتاسع عشر: أن مثل راكب الهوى كمثل راكب فرس حديدٍ صعبٍ جموح لا لجام له، راكب فرس منطلق بدون لجام، فيوشك أن يصرعه فرسه خلال جريه أو يسير به إلى مهلكة.
قال بعضهم: أسرع المطايا إلى الجنة الزهد في الدنيا، وأسرع المطايا إلى النار حب الشهوات، ومن استوى على متن هواه أسرع فيه إلى وادي الهلكات.
وقال بعضهم: أشرف العلماء من هرب بدينه من الدنيا، واستصعب قياده على الهوى.
وقال عطاء: من غلب هواه عقله وجزعه صبره افتضح، أي: يوم الفضيحة الكبرى.
من غلب هواه عقله: يعني الهوى تغلَّب على العقل فصار العقل فيه الفضيحة، ومخالفة الهوى مخرجة للداء عن القلب والبدن، ومتابعة الهوى مجلبة للداء في القلب والبدن، وأمراض القلب كلها إذا فتشتها كلها وجدتها من متابعة الهوى. |
|
|
|
|
وسابعاً: أن اتباع الهوى من المهلكات، ولذلك قال: ثلاث ملهيات، وثلاث مهلكات. ومن المهلكات هوى متبع، إذاً اتباع الهوى يؤدي إلى الهلاك. |
|
|
|
|
وثامناً: يغلق عن العبد أبواب التوفيق، ويفتح عليه أبواب الخذلان، فتراه يلهج بأن الله لو وفقه لصار له كذا وكذا، وقد سد عن نفسه طرق التوفيق باتباع الهوى.
قال الفضيل بن عياض: [من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق]. لكن اتبع هواه فصرف الله عنه التوفيق، لا يوفقه باتباع الهوى.
وقال بعض العلماء: الكفر في أربعة أشياء: في الغضب، والشهوة، والرغبة، والرهبة، ثم قال: رأيت منهن اثنتين: رجلٌ غضب فقتل أمه -يقول: أنا اطلعت على قصة واقعية أن رجلاً وصل به الغضب لدرجة أنه قتل أمه- ورجلٌ: عشق فتنصر. أي: وقع في الشهوة والهوى حتى أخرجه ذلك عن الإسلام إلى النصرانية ، مثلما حصل لذلك الذي كان مجاهداً مع الجيش الإسلامي وهم يحاصرون حصناً للكفار، فاطلعت امرأة من الحصن نصرانية فعشقها من أول نظرة، فدعته فطلب الدخول فأدخلته، فطلب أن يتزوجها، قالت: حتى تتنصر، فتنصر ودخل في النصرانية . قال: وكان رجلٌ يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال:
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بهوى اللذات والدينِ
يقول: أهوى هوى الدين.. أحب الدين، وفي نفس الوقت واللذات تعجبني، فكيف لي بهوى اللذات والدين؟ كيف أجمع بينهم، المشكلة أن بعض الناس يتصور أنه ممكن الجمع بينهما، وهذا من المحال، لا يمكن؛ لأنها متضادة كما قلنا في أول الدرس
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بهوى اللذات والدينِ
والمرأة تسمع.. فقالت: دع أحدهما تنل الآخر. |
|
|
|
|
وتاسعاً: النقصان والتلاشي في الطاعة، تلاشي الطاعة من النفس باتباع الهوى؛ لأن صاحب الهوى يعز عليه ويكبر في نفسه أن يطيع غيره، حتى لو كان خالقه، وبعض الناس الذي أوقعه في الكفر أنه لا يريد أن يستمع أي أمر ولو من الخالق، استكباراً؛ لأن الهوى تمكن من قلبه وملك عليه نفسه، فصار له أسيرا، وموقعاً له في الغرور، والإنسان ليس له قلبان في جوفه، بل إما أن يطيع ربه وإما أن يطيع نفسه وهواه والشيطان. |
|
|
|
|
عاشراً: الاستهانة بالذنوب والآثام، فإن المتبع للهوى يقسو قلبه، وإذا قسا القلب استهان واستهتر بالذنوب والآثام، ولذلك قيل: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مر على أنفه فقال به هكذا. |
|
|
|
|
الحادي عشر: يبعد عن قبول الحق والاستماع للنصيحة. |
|
|
|
|
والثاني عشر: الابتداع في دين الله، وذلك أن صاحب الهوى يميل إلى ما ابتدع وما استحسن ولذلك قال حماد بن سلمة : حدثني شيخٌ لهم تاب -يعني الرافضة - قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً أو فهوينا شيئاً جعلناه حديثاً.
والابتداع هو الضلال وكل ضلال في النار، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
والخامس عشر: أن من نصر هواه فسد عقله ورأيه؛ لأنه خان الله فأفسد عليه عقله.
قال المعتصم يوماً لبعض أصحابه: يا فلان! إذا نصر الهوى ذهب الرأي.
وقال ابن القيم : وسمعت رجلاً يقول لشيخنا -يعني ابن تيمية رحمه الله- إذا خان الرجل في نقص الدراهم سلبه الله معرفة النقد.
الآن هناك أناس يميزون بين الدراهم الزائفة والدراهم الصحيحة، وكان الواحد منهم يأخذ دينار الذهب أو درهم الفضة بمجرد مسكه ووزنه في يده وصوته وهو يضرب في بعضه يعرف هل هذا صحيح أم مزور، وهذه خبرة؛ فقال: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد. فقال الشيخ: هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم واتبع هواه فإن الله عز وجل يسلبه المعرفة والعلم. |
|
|
|
|
|
|
وخامساً: أن الهوى ما قارب شيئاً إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة، أي: إذا وقع الهوى في العلم صار طالب العلم مبتدعاً، وصار صاحبه من أهل الأهواء، وإن وقع الهوى في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة، وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم والصد عن الحق، وإذا وقع الهوى في الحكمة خرج ذلك إلى الجور، وإن وقع في الولاية والعدل -أي: الهوى- أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين، فيولي بهواه ويعدل بهواه، وإن وقع في العبادة خرجت عن كونها طاعة، فما قارن الهوى شيئاً إلا أفسده. |
|
|
|
|
وسادساً: أنه يخاف على من اتبع الهوى أن ينسلخ من الإيمان وهو لا يشعر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خشي علينا من مضلات الهوى كما في الحديث المتقدم وكذلك أخبرنا عن الذي انسلخ من آياته واتبع هواه كيف هلك. |
|
|
|
|
رابعاً: اتباع الهوى يفسد القلب، ويحول بينه وبين السلامة.
قال ابن القيم رحمه الله: إن سلامة القلب لا تتم إلا لخمسة أشياء، يعني: لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، فما هو القلب السليم؟ وسليم من ماذا؟ سليم أي: سالم، قال: حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض الاتباع، وهذه الخمسة حجبٌ عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة لا تحصى أفرادها، ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ونريد أن نعرج قليلاً على موضوع اتباع الهوى في المسائل الفقهية والأحكام الشرعية؛ لأن هذه بلية عظيمة انتشرت في أنف هذا الزمان، فتأتي تقول للناس: هذه المسألة لا تجوز، أفتى فلان من العلماء بعدم جوازها، يقولون لك: أو لا يوجد علماء غيره؟! تقول: قال مشايخنا وعلماؤنا أن الحكم في المسألة كذا وكذا. يقولون: هناك علماء في بلاد أخرى. وإذا قلت: هذه المسألة لا تجوز، وقد أفتى العلماء بتحريمها، يقولون: أو لا يوجد علماء أفتوا بجوازها؟! ابحث. ويستفتي بعضهم شيخاً فإن لم يعجبه الجواب ذهب إلى آخر يستفتيه وهكذا حتى يعثر على من يقول له: افعل ولا حرج.
والمتبرعون بالفتيا التي ترضي أهواء الناس متواترون، وهذا من البلاء، ويظن البعض أنه إذا وضع بينه وبين النار شيخاً -بزعمه- نجا، بل هو هالك وشيخه معه؛ لأنه اتبعه لما يرضي هواه؛ ولأن فتواه وافقت هواه اتبعه، ولو أنها لم توافق هواه لواصل البحث عن شيخٍ آخر وهكذا.. |
|
|
|
|
|
ومن البدع الجديدة التي ينادي بها تيار ما يعرف بالوسطية -الآن- أنه ليس هناك شيء اسمه مسلمات، فكل شيء يمكن النقاش فيه، حتى لو كان في الرفض، وهذا ما ينادي به اليوم تيار الوسطية المزعوم، فكل شيء عندهم قابل للنقاش، والميدان مفتوح، فارفع لواء الكفر والزندقة ونتناقش، ويسمحون بهذا، اطرح ما عندك، صدري يتسع للرأي والرأي الآخر، نحن نتقبل أن يقول من شاء ما شاء، وذاك الزنديق يقول على الملأ والمجال مفتوح، وقد يكون أفصح وأبلغ من الذي يرد عليه، وهذا هو التيار الوسطي.
ولذلك ما تراه اليوم من الحوارات في القنوات كله مبني على هذا، قنوات الفضائية الآن هي التي تعرض هذا الفكر، الرأي والرأي الآخر، حوار مفتوح يناقش، هذا زنديق مرتد يعرض شبهاته على العامة باسم الرأي والرأي الآخر، باسم حرية الرأي، باسم كل شيء قابل للنقاش، فماذا يبقى لنا من مقدسات؟ وأي أحكام ثابتة بقيت في الدين؛ فكل شيء معرض للنقاش، فيقولون: تحريم الخمر قابل للنقاش، تعدد الزوجات قابل للنقاش، الربا قابل للنقاش، نتناقش يمكن نتوصل إلى نتيجة، هذا كله على العامة: النساء والصغار، والكبار، والمثقفين وغير المثقفين، والذين عندهم علم والجهلة يشاهدون، فهذا باب الفتنة الكبرى التي فتح بالقناة الفضائية في هذا العصر، هذا الهوى واتباع الهوى.
ولماذا كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، ولا يقبلون بذلك.
جاء رجل يقول لـأيوب: كلمة! قال: ولا نصف كلمة، لا تعطى الفرصة للمبتدع وإذا نوقش يناقش في مجلس خاص، وقد يقول: أنتم لا تثقون بأنفسكم، نقول: بلى نثق بالله تعالى، لكن لا نرى من الحكمة أن يسمع الجهلة والعوام شبهاتك يا أيها الزنديق، نحن نخاف على دين العامة ما نخاف على أنفسنا نحن، نحن أعلم منك وأقدر منك على الجواب، لكن ليس من الحكمة أن نعرض دين العامة للفتنة؛ ولذلك هذا الطرح الذي يحدث الآن مخطط له، يؤدي بالنهاية إلى تشكيك العوام بأحكام الإسلام.
والاستفتاء حول تعدد الزوجات، كم الذين قالوا نعم، وكم الذين قالوا: لا. اطرح أي شيء في الاستفتاء، نعم، لا، لا أدري، أؤيد، لا أؤيد، متوقف، استفتاء!!
قال عبد الله بن مسعود : [من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان، ولا يخاصمن أصحاب الأهواء].
وعن مجاهد قال: [ما أدري أي النعمتين عليَّ أعظم: أن هداني للإسلام أو عافاني من هذه الأهواء].
ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على ابن سيرين فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال: لا. لتقوما عني أو لأقومن، فخرجا فقال بعض القوم: يا أبا بكر وما كان عليك أن يقرأا عليك آية من كتاب الله؟ قال: إني خشيت أن يقرأا عليَّ آية من كتاب الله فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي.
وعن سلام بن أبي مطيع أن رجلاً من أصحاب الأهواء قال لـأيوب : يا أبا بكر أسألك عن كلمة، فولى وهو يشير بإصبعه ولا نصف كلمة، وأشار لنا سعيد بخنصره اليمنى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وختاماً لهذا الموضوع فإننا نريد أن نعرف ما هو علاج الهوى؟ |
|
|
|
العاشر: أن ينظر بقلبه في عواقب الهوى فيتأمل كم أفاتت معصيته من فضيلة، وكم أوقعته في رذيلة، وكم أكلة منعته أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من شهوة كسرت جاهاً ونكست رأساً، وقبحت ذكراً، وأورثت هماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يطفئه الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء. |
|
|
|
|
الحادي عشر: أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه، ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر وما أفاده وما حصل له، فالآن لو دعا داعي الهوى للزنا بامرأة أو لذة محرمة مع أمرد، فليتخيل هذا المدعو إلى الحرام نفسه بعد المعصية، فليتخيل نفسه بعد الزنا وبعد الفاحشة كيف سيكون حاله، سيكون نادماً حزيناً كئيباً ضيق الصدر، يكره نفسه، فما دام أن النهاية سيئة فأنت ممكن أن تتدارك نفسك.
فأفضل الناس من لم يرتكب سبباً حتى يميز بما تدني عواقبه
الثاني عشر: أن يتصور ذلك في حق غيره حق التصور ثم ينزل نفسه تلك المنـزلة.
|
|
|
|
|
|
|
الرابع عشر: أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى؛ فإنه ما أطاع أحدٌ هواه قط إلا وجد في نفسه ذلاً، ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس، قد جمعوا بين فصيلتي الكبر والذل، فلو قال: هؤلاء أتباع الهوى يسافرون بسيارات (شبح) وأنا قبل يومين جاءني واحد في سيارة اسمها (فياجرا) ويقال: هذه من المستجدات، فالآن يركبون هذه بثياب فخمة وشكل حسن، ويذهبون إلى أماكن المعصية، وبعض الناس يفتن بهذا فنقول: لا يضرك صولة أهل المعصية. أن يأنف من ذل نفسه من ذل طاعة الهوى، ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس، قد جمعوا بين فصيلتي الكبر والذل. |
|
|
|
|
الخامس عشر: أن يوازن من تدعوه نفسه للهوى بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه، ونيل اللذة المطلوبة. فإنه لا يجد بينهما لذة البتة، فليعلم أنه من أسفه إذا باع هذا بهذا. |
|
|
|
|
السادس عشر: أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوٍ؛ فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعف هزيمة وهمة، وميلاً إلى هواه طمع فيه وصرعه، وألجمه بلجام الهوى وساقه حيث أراد. |
|
|
|
|
السابع عشر: أن يعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه، فإنه يضيق به من أين يدخل عليه حتى يفسد عليه قلبه وأعماله، فلا يجد مدخلاً إلا من باب الهوى، فيسري معه سريان السم في العظم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
السابع: إيثار لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية. |
|
|
|
|
|
|
|
|
الثالث: قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة، والشجاعة كلها صبر ساعة، وخير عيش أدركه العبد بصبره. |
|
|
|
|
الرابع: ملاحظته حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة. |
|
|
|
|
الخامس: ملاحظته الألم الزائد على نبذ الطاعة في اتباع هواه. |
|
|
|
|
السادس: إبقاؤه على منزلته عند الله وبقلوب عباده، وهو خيرٌ وأنفع له من لذة موافقة الهوى.
فكر كيف تحفظ منزلتك عند الله وقدم هذا على لذة الهوى. |
|
|
|
|
|
|
ثانياً: لا بد من منع القلب مما يضاد الهوى من محبة الله والقرب منه عز وجل، وداء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كما قال ابن القيم كثرة قراءة القرآن، واستفراغ الإنسان العلم والذكر والزهد وإنما يلائمه إخراجه من القلب بضده.
وفي كتاب روضة المحبين لـابن القيم ذكر فصلاً في علاج الهوى، قال فيه: فإن قيل كيف يتخلص من هذا من قد وقع فيه؟ فالجواب بأمور:
أحدها: عزيمة حر يغار لنفسه وعليها؛ حتى تتخلص من الهوى وتقاوم الهوى، فإنك تحتاج إلى عزيمة حرٍ يغار لنفسه وعليها.
ثانياً: بجرعة صبرٍ يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة. |
|
|
|
|
والعشرون: أن الله سبحانه وتعالى جعل في العبد هوى وعقلاً، فأيهما ظهر توارى الآخر.
كما قال أبو علي الثقفي : من غلبه هواه توارى عنه عقله.
فانظر عاقبة من استتر عنه عقله وظهر عليه خلافه. العقل والهوى يتنازعان، فالتوفيق قرين العقل، والخذلان قرين الهوى، والنفس واقفة بينهما فأيهما غلب كانت النفس معه، النفس تتفرج على حلبة الصراع بين العبد والهوى وتتبع الغالب. |
|
|
|
|
الواحد والعشرون: أن الله سبحانه وتعالى جعل القلب ملك الجوارح، ومعدن معرفته ومحبته وعبوديته، وامتحنه بسلطانين وجيشين وعونين وعدتين، فالحق والزهد والهدى سلطان، وأعوانه الملائكة، وجيشه الصدق والإخلاص، ومجانبة الهوى، والباطل سلطان، وأعوانه الشياطين، وجنده وعدته اتباع الهوى، والنفس واقفة بين الجيشين ولا يسلم جيش على الباطل إلا من ثغرة القلب، فهي تعاكس القلب وتصير مع عدوه. |
|
|
|
|
|
|
والثالث والعشرون: أن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبره، فيقضى له من الحوائج من رب العالمين أضعاف أضعاف ما فاته من هواه، فهو كمن رغب عن بعرة وأعطي بدلاً منها ذُرة، ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة، والعيش الهنيء الشيء الكثير لو تركه للهوى؛ فإن ترك الهوى كان أسهل بكثير، وما يفوت بالهوى ليس بشيء بالنسبة لما يبقى من عز الطاعة، وتأمل يوسف عليه السلام لما قوت على نفسه لذة الحرام مع امرأة العزيز، وخالف هواه، ماذا أعقبه الله؟ بسط الله تعالى له نساءً وخدماً ومجداً وعزاً في السلطان بعد خروجه من السجن، لما قبض نفسه عن الحرام بسط الله له يده في السلطان فصار عزيز مصر.
ومن الرؤى والمنامات الصالحة لـسفيان الثوري ما رآه عبد الرحمن بن مهدي بعد موت سفيان الثوري -وهم علماء من زمان العلماء، وهؤلاء طلاب عند العلماء وأهل العبادة والزهد والورع والعلم والدين إخوة في الله، الواحد يشتاق للآخر جداً، وإذا مات صعب عليه وتمنى لو يراه في المنام، تمنى لو يكون له خبراً عن حاله- وعبد الرحمن بن مهدي لما مات سفيان الثوري رآه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى، فحاسبني حساباً يسيراً ثم أمر بي إلى الجنة، فبينا أنا أجول بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حساً ولا حركة إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد؟ فقلت: سفيان بن سعيد، قال: تحفظ أنك آثرت الله عز وجل على هواك يوماً؟
-تحفظ أنك يوم من الأيام قدمت الله على هواك؟- قلت: إي والله، فتأخذني النثار من كل جانب، والنثار ما يلقى على العروس عادة أو على الحضور قال: فأخذني النثار من كل جانب. |
|
|
|
|
الرابع والعشرون: أن مخالفة الهوى توجب للعبد شرف الدنيا وشرف الآخرة، وعز الظاهر وعزة الباطن، ومتابعة الهوى تصيره عبداً ذليلاً محتقراً عند الله وعند الناس، ويوم القيامة إذا نودي آخر الجمع: يا أهل الكرم ليقم المتقون؛ فيقومون إلى محل الكرامة، وأتباع الهوى ناكسو رءوسهم في حر الهوى وعرقه وألمه بينما المتقون في ظل العرش.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكفينا دواعي الهوى، وأن يخلف عنا سبل الردى، وأن يجعل التوفيق لنا رائداً، والعقل لنا مرشداً، وأن يجعلنا ممن يتعظون، ومن الذين يتعلمون قبل أن يعملوا، وكذلك فإن هذا الأمر وهو اتباع الهوى جدير بأن يدرس ويفكر فيه وأن يكون العبد على حزن، والله منه نسأل أن يوفقنا لكل خير. |
|
|