|
الاعتدال في المنهج أمر مطلوب في زمن عز فيه الاعتدال، واختلف الناس ما بين جاف وغال، وترك الطريق الوسط خالياً من السائلين.
في ظلال ما سبق كانت للشيخ هذه الإطلالة على هذا الموضوع، فتحدث عن أقسام المناهج في التعامل، ثم بيّن منهجية الاعتدال للأمة بين بقية الأمم، ومنهجية أهل السنة في الاعتدال بين بقية فرق الأمة، كما أشار إلى بعض الآفات العصرية في مجال الدعوة، موضحاً حاجتها إلى منهج الاعتدال، وقد ختم ذلك بذكر بعض صور الانحراف عن منهج الاعتدال. |
|
|
|
|
|
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، تقدست أسماؤك، وتعالت صفاتك، ولا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك، نشهد أن لا إله إلا أنت، ونشهد أن محمداً عبدك ورسولك، وصفيك من خلقك، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك السداد في القول والعمل، وأن تجعل عملنا خالصاً لوجهك الكريم، وأن تجعل سرائرنا خيراً من علانيتنا، وأن تجعل أعمالنا خيراً من أقوالنا، اللهم ما كان من صواب فمنك ومن فضلك، وما كان من خطأ فإنا نستغفرك منه ونتوب إليك من قبل أن نتلفظ به أو نقوله.
أيها الإخوة! الاعتدال في المنهج مطلب في زمن عز فيه الاعتدال، وتكاثر الناس ما بين غال وجاف، وخلى أوسط الطريق، وحين طلب مني الإخوة الحديث في هذا الموضوع، وقفت حائراً عن أي جوانبه أتحدث، أأتحدث عن الاعتدال الذي جعله الله سبحانه وتعالى سمة وعلامة وصفة وفارقة لدينه وعباده المتقين، أم أتحدث عن الاعتدال في تناول أمور الحياة، لكي يحقق الإنسان ما يصبو إليه منطلقاً من عقيدته التي اقتنع بها؟
أأتحدث عن الاعتدال بمعنى التوسط، أم أتحدث عن العدل وهو أحد لوازم الاعتدال، عن الاعتدال في القول، أو عن الاعتدال في الحوار، أو عن الاعتدال في المعتقد، أو عن الاعتدال في العبادة، أو عن الاعتدال في الأخلاق، أو عن الاعتدال في السلوك، أو عن الاعتدال في التربية؟ فوجدت أننا بحاجة إلى الاعتدال في كل جانب من جوانب حياتنا، وخلصت إلى أن أتحدث عن هذا الموضوع المهم الخطير في النقاط التالية:
أولاً: بيان منهج الاعتدال بين المناهج المغايرة.
ثانياً:الإشارة السريعة الموجزة إلى حديث القرآن عن الاعتدال.
ثم المرور بعد ذلك إلى نظرة المصطفى صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وموقفاً من الاعتدال.
ثم أشير بعد ذلك إلى أن الاعتدال صفة للأمة المسلمة في جميع جوانبها المختلفة بين الأمم الأخرى.
ثم أبين إن شاء الله أن الاعتدال شعار أهل السنة والجماعة بشكل أخص بين الفرق والنحل الأخرى، ثم أشير بعد ذلك إلى بعض الآفاق والتطبيقات العصرية في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى التي نحن في حاجة إلى الاعتدال فيها.
ثم بعد ذلك أختم حديثي بالتنبيه على بعض صور الانحراف عن منهج الاعتدال. وكما ترون أن كل صورة من هذه الصور أو كل نقطة من هذه النقاط قد تستغرق حديثاً طويلاً، لكننا إذا أشرنا إلى رءوس الأقلام وإلى العناوين العامة، كان في ذلك بإذن الله ما يذكر بما وراءها، وبعض الفقرات ستكون مقتبسة كاملاً من بعض كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وسأعقب في النهاية بقراءة نموذج تطبيقي من مناهج الاعتدال في فتاوى شيخ الإسلام عليه رحمة الله. |
|
|
|
|
|
|
أما بالنسبة للفقرة الأولى وهي أقسام المناهج، فالمناهج من خلال النظرة المتأنية العادلة المتفحصة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: |
|
|
|
القسم الأول: منهج التفريط، وهو منهج أهل الشهوات، فكل تدين عندهم تطرف، وكل إيمان تزمت، وكل التزام رجعية، وكل محاربة للفجور والعصيان أصولية، والذي يتأمل في الصحافة العالمية والإعلام العالمي لا تغيب هذه المصطلحات الظالمة عن ناظريه، حتى أصبح الإنسان يشك في نفسه من كثرة ترديدهم لهذه المصطلحات الظالمة الباغية، وأصبح كل من دعا إلى الله وسعى لنشر الفضيلة، وأمر بالتقوى، ونهى عن المنكر، وسعى لرد الناس إلى دين الله أصبح في نظرهم متطرفاً ومتزمتاً وأصولياً.
كنت أقرأ قبل لحظات في إحدى الصحف، وإذا بهذه الصحيفة تتحدث عن المتطرفين في الجزائر، ثم تتحدث عن المتطرفين في تونس ، ثم تتحدث عن المتطرفين في مصر ، ثم تتحدث عن المتطرفين والأصوليين في أفغانستان، وأتأمل وإذا هم أصحاب الأيدي المتوضئة الذين يقولون: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً.
والذي يتأمل في كتابات فرج فودة، وجابر عصفور، وغالي شكري، وفؤاد زكريا ، يجد هذا المنهج واضح السمات، معلناً عن قسمات منهج التفريط.
تأملوا في مقابلة اطلعت عليها في إحدى الصحف مع راقصة ممثلة، فتقول هذه الراقصة الممثلة مهاجمة لدعاة الإسلام وشبابه: إن هؤلاء الشباب المتطرفين يريدون أن يردونا إلى العصور الوسطى، عصور الظلام، ثم تقول: إنني أعمل -الرقص والتمثيل عمل- إنني أعمل والعمل عبادة، وأخشى أحياناً أن أكون متطرفة في فهمي للدين.
والذي يتتبع كتابات هؤلاء وأضرب لكم مثالاً لبعض الكتابات: كتب جابر عصفور في مجلة إبداع وكتب في كتاب الإسلام والحداثة ، يتهجم على الشيخ عبد العزيز بن باز ، ويعتبره من رموز التخلف في العالم العربي؛ لأنه قدم لكتاب الحداثة ، ويقول: إن هؤلاء كل شيء عندهم حرام، الرقص حرام، والغناء حرام، والبارات حرام، والاختلاط حرام، وحرية المرأة حرام، ثم يقول في النهاية: هؤلاء هم المتزمتون، الظلاميون، الذين يريدون أن يردونا إلى عصور الظلام. هذا منهج التفريط وهو مع الأسف الشديد منهج قد شاع في الإعلام على امتداد الساحة الإسلامية في الصحافة والإذاعة والتلفاز، إلا ما رحم ربي. |
|
|
|
|
المنهج الآخر الذي يقابله والذي هو رد فعل طبيعي على هذا المنهج هو: منهج الإفراط، وهو منهج أهل الشبهات الذين لا يخيرون يبن أمرين إلا اختاروا أعسرهما.
تحت ضغط هذا الواقع المنحرف من أصحاب الشهوات ومرضى القلوب، الذين يحاربون الله ورسوله، ويحاربون الفضيلة، ويحاربون الهدى والتقى، خرجت مجموعات من شباب الأمة المسلمة ينظرون إلى الحياة بمنظار أسود، ويقولون: ليس في الوجود من هو على الحق إلا نحن، فيكفرون ويفسقون ويضللون ويبدعون بالجملة، وقد كان أسلافنا رضوان الله عليهم يتحرجون في تكفير وتبديع المعين، وهؤلاء يبدعون شعوباً بأكملها، ويكفرون طوائفاً بأكملها، ليس ممن وقفوا ضد دين الله سبحانه وتعالى وفرطوا فيه، بل من دعاته وممن حملوا لواء الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأذكر في هذه المقام حادثة وقعت لي قبل سنوات في بيشاور ، علم بي بعض الشباب هناك فكانوا يزوروني ويلتقون بي من مشارب مختلفة، وزارني أربعة شبان من أحد البلدان العربية وجلسوا معي ومنذ رأيتهم تذكرت الحديث الذي ورد عن ذي الخويصرة ، الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! اعدل فهذه قسمة ما أريد بها وجه الله. لقد وصفه أصحاب السير ورواة الحديث كما تعلمون، وصفوه فقالوا: كان مقطب الجبين، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، كث اللحية، مشمر الإزار، عابس الوجه، فحين رأيت هؤلاء وفي سلامهم عليَّ فضاضة وغلظة تذكرت هذا الحديث، ولم أحكم على هؤلاء قبل أن يتحدثوا معي وابتسمت وهششت لهم، وبششت في وجوههم وبدءوا يتحدثون معي، ثم صارحوني وقالوا: نحن أتينا ندعوك للدخول في دين الله!! فقلت لهم: وهل رأيتموني على غير دين الله؟ قالوا: نحن نعتقد أنه ليس على دين الله في الأرض إلا نحن -هؤلاء الأربعة- وأن البقية كلهم قد خرجوا من دين الله! فقلت: فالعلماء؟ قالوا: هم الذين أضلوا الناس! قادة المجاهدين؟ قالوا: قد كفروا وخرجوا من الإسلام! كذا وكذا، هذا نموذج لا أزعم أن أصحاب منهج الإفراط كلهم بهذه الكيفية، لكنهم يتفقون جميعاً في الغلو والإفراط، والتشدد وتجاوز الاعتدال مع اختلاف مقدار ذلك ونسبته، فطرحت عليهم بعض الأسئلة، فتناقشوا وتحاوروا، فانقسموا إلى طائفتين، كل طائفة مكونة من اثنين، وكل اثنين يكفران الآخرين، فتذكرت أحاديث الخوارج وقصصهم ولعلي أذكر بعض ذلك بعد قليل. |
|
|
|
|
المنهج الثالث: منهج الاعتدال، الذي تحرر أهله من الشهوات، ولم تلبس عليهم الشبهات، واستضاءوا بنور الوحي، وحكموا بالعدل والإنصاف، الذين اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم فعرفوا الحق ورحموا الخلق، عرفوا الحق فلم يلبس عليهم أهل الباطل وأهل المنكر، ورحموا الخلق فسعوا لإنقاذهم، والأخذ بأيديهم ولم يأتوا بتجهيلهم وتكفيرهم، وجعلهم يتردون في نار جهنم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه، وإما تفريط.
إذاً الحق وسط بين طرفين: بين الغالي وبين الجافي، والشيطان يسعى لإيقاع الإنسان إن كان من أصحاب الشهوات في التفريط ويسله من دين الله سلاً بالمعاصي والشهوات والأهواء، كما نسمع الآن كثيراً من الناس، عندما يلتزم الإنسان، تجدهم يقولون: هذا متشدد هذا متزمت، لماذا؟ قالوا: يقصر إزاره فوق كعبيه، سبحان الله! هذه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لا يستمع إلى الغناء، هذه سنة محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لا يسلم على بنات عمه وبنات خاله، هذه سنة محمد صلى الله عليه وسلم.
إذاً أصحاب الشهوات الذين يريدون أن نميل ميلاً عظيماً، إن رأى الشيطان أن هذا الصنف من الناس هم من أصحاب الشهوات جرهم إليها، وإن رأى أنهم من أصحاب التدين وأصحاب التوجه إلى الله سبحانه وتعالى جعلهم يتجاوزون المنهج الوسط المعتدل، فيصبحون كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم مثل الخوارج يمرقون من الإسلام -يعني يتجاوزونه- ويظنون بعد ذلك أن أهل الحق في تقصير. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أيضاً في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أحاديث بعضها صحيحة وبعضها دون ذلك، لكنها كلها تدل على معنىً واحداً، هذا المعنى هو الاعتدال، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين) تأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الناس الذين يتعاملون مع شريعة الله إلى ثلاثة أقسام: المبطلين الذين ينتحلون من عندهم الانتحالات الفارغة ليبطلوا دين الله سبحانه وتعالى، والغالين الذين يحرفون هذا الدين، ويحملونه من المعاني ما لم يرده الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، والعدول (من كل خلف عدوله) الذين يتوسطون فلا هم من أهل الغلو والجفاء، ولا هم من أهل التقصير والتفريط، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) غلبه الدين.
أيضاً في هذا الحديث: (فأوغلوا فيه برفق) وهكذا كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج أصحابه، وفيما يروى عنه صلى الله عليه وسلم: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) المنبت: الذي في مسيره يستعجل ويبذل جهده يريد أن يقطع المسافة الطويلة في وقت قصير، فلا ظهراً أبقى، الدابة أهلكها، ولا أرضاً قطع، بسبب إهلاكه لدابته انقطع وما استطاع أن يواصل بعد ذلك سفره، نعم قد يكون في لحظات، أو في يوم قطع ما لم يقطعه غيره في ثلاثة أيام أو أربعة، لكنه بعد ذلك قد يتعطل سنوات أو يهلك.
وهكذا حال أهل الغلو يأتونك باندفاع شديد لكن يعقبه بعد ذلك فتور أو انقلاب أو نكوص على الأعقاب نسأل الله الثبات.
ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال أيضاً صلى الله عليه وسلم (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه) ويقول صلى الله عليه وسلم: (عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا) الإنسان لا يحمل نفسه ما لا يطيق؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل هذا الدين متلائماً مع الفطرة، وجعل سبحانه وتعالى التكليف بوسع النفس ومقدورها، وقال صلى الله عليه وسلم: (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا تعب فلينم).
وانظروا إلى بعض مواقف النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها عدل وإنصاف، واعتدال ووسطية، حين عاد صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر، ولقيه الأنصار، وما ظن الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم سيلقى كيداً ولا قتالاً، ولذلك قال له سعد بن معاذ حين خطب: [وإن وراءنا قوم يا رسول الله، لو يعلمون أنك تلقى كيداً لما تخلفوا عنك، هم أشد حباً وطاعة لك منا] انظر أول إنصافه لإخوانه الذين تخلفوا وتأخروا ما قال: هؤلاء الذين فيهم وفيهم وفيهم، وقصروا وفعلوا، فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم لقيه الأنصار وكان منهم أسيد بن حضير يهنئونه، فقال سلامة بن وقش من الأنصار -شاب من الصحابة الذين حضروا بدر - قال: على ماذا تهنئونا! إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالإبل المعقلة فقتلناهم، أو فنحرناهم، هؤلاء قريش الذين آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلوه ونالوا منه، استمع هل النبي صلى الله عليه وسلم سيتشفى الآن منهم مثلما يكون الآن في الحرب الإعلامية بين الدول والسياسيين، الحرب الإعلامية الكاذبة الفاجرة في هذه العصر، لا، التفت إليه وقال: يا ابن أخي! أولئك الملأ من الناس الذين قتلت وإن كانوا أعداؤنا وإن كانوا أهل الشرك والجاهلية، لكنهم رءوس الناس وأسياد الناس.
أيضاً في بدر قبل أن يعودوا، عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم القوم، ورأى عتبة بن ربيعة وهو من قاداتهم وأول من قتل مبارزة عن الشرك، لكن انظر إلى الإنصاف قال صلى الله عليه وسلم: (إن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر وقد أشار عليهم بما لو اتبعوه لكان خيراً لهم، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً).
قال عتبة بن ربيعة لـعامر بن الحضرمي في ذلك اليوم -انظروا إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم- الذي كان مخرجهم في البداية من أجله، قال: أنا أحمل دم أخيك في مالي، وتعود بالقوم ونحجز بين الناس في هذا اليوم، لكن أبا جهل أشار عليهم بما كان فيه استئصال صناديد الكفر، والفرقة بين الحق والباطل، وأصر على القتال.
كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة في مكة يستقرئ أحوال الجزيرة العربية وأحوال الأمم المجاورة -استمع إلى كلمة الإنصاف- قال: (عليكم بأرض الحبشة ، فإن بها أو فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد) رجل نصراني في قارة أفريقيا من جنس آخر، لكنه العدل والإنصاف الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، ولذلك هذا العدل والإنصاف كان خيراً وبركة على الدعوة، عندما علم المسلمون هذه الخاصية فاستغلوها لمصلحة الدعوة، دخل النجاشي في الإسلام، وآواهم حتى جعل الله لهم فرجاً.
أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم في يوم حنين عندما وزع الغنائم على المؤلفة قلوبهم، فقال قائل الأنصار: النبي صلى الله عليه وسلم وجد قومه فنفلهم وتركنا، أتى سعد بن عبادة أو أسيد بن حضير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! قال الأنصار: كذا وكذا.
فقال: أين أنت عنهم؟
قال: إنما أنا رجل من قومي.
قال: اجمعهم لي.
فلما جمعهم له، قام النبي صلى الله عليه وسلم وخطب فيهم الخطبة الشهيرة وقال: (ألا ترضون أن يعود الناس بالشاء والبعير وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟) وما زال يخطبهم حتى بكوا رضي الله عنهم وأرضاهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد كنتم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فجمعكم بي) أي: يذكر ما من الله به عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما هدأت نفوسهم، وبكوا وتأثروا، قال: (ومع ذلك لو شئتم لقلتم: يا رسول الله! أتيتنا شريداً فآويناك -انظر العدل والإنصاف- وأتيتنا خائفاً فأمناك، وأتيتنا فقيراً فأغنيناك وأتيتنا ... إلخ) يذكر أيضاً ما لهم وهو في ساعة الانتصار صلى الله عليه وسلم، ليس مثل الزعماء الذين إذا انتصروا سحقوا شعوبهم بأقدامهم، وإذا انهزموا لجأوا وعادوا إليهم، وأصبحوا يجعلون كل قضية بين أيديهم، بل هذا منهج محمد صلى الله عليه وسلم، منهج العدل والاعتدال.
أيضاً الرسول صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة عندما بعث حاطب بالرسالة إلى قريش، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي بالرسالة وأتى بها الزبير وعلي فلما كشفوا الرسالة واستدعى النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً، قال له عمر : دعني أضرب عنقه يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه من أهل بدر ) إن تكن له هذه السيئة وقد تجسس للمشركين فإنه له حسنة وسابقة لا تنسى بدر : (وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) انظر العدل والإنصاف!
أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم حين أوتي إليه بشارب الخمر وقد شربه مرات وقاموا يجلدونه، قال أحد الصحابة: عليه لعنة الله، ما أكثر ما يؤتى به شارباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقل هذا، إنني ما علمته إلا محباً لله ورسوله) يشرب الخمر ويجلد ويجلد ويجلد، لكنه رجل يحب الله ورسوله، فالعدل والإنصاف يقتضي أن يذكر هذا له، وأن يشاد به في هذا الجانب.
ومن المواقف مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الوفود والأمثلة كثيرة جداً، عندما أتاه بنو الحارث بن كعب من نجران ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليهم خالد بن الوليد وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، ثم أتى بوفدهم معه، فلما وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورآهم قال: (من هؤلاء الذين كأنهم من رجال الهند ؟ قالوا: هؤلاء وفد بني الحارث بن كعب، فلما سلموا رد السلام صلى الله عليه وسلم، ثم قال لهم: أنتم الذين إذا زجرتم قدمتم - في الجاهلية كانوا مشهورين بالشجاعة- فسكتوا فكررها ثلاثاً، فقال أحدهم -كان يسمى يزيد بن قصة - قال: نعم يا رسول الله! نحن الذين إذا زجرنا قدمنا، نحن الذين إذا زجرنا قدمنا، ثلاثاً) طبعاً هم الآن نفوسهم منتشية ولازالوا في حمية الجاهلية، وهم أصحاب الانتصارات، وكأنهم يمنون بإسلامهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الله سبحانه وتعالى، فأراد الرسول أن يكسر صورة الجاهلية في أنفسهم، فقال: (أما إنه لو لم يكتب لي خالد بإسلامكم لألقيت رءوسكم بين أرجلكم، فقال يزيد : يا رسول الله! والله ما حمدناك ولا حمدنا خالداً - القوم أصبحوا أصحاب فقه، تجاوزوا ما كان يظن بهم- قال: من حمدتم إذاً؟ قالوا: حمدنا الله الذي هداك بنا، قال: نعم إذاً).
ثم قال صلى الله عليه وسلم -انظر إلى العدل والإنصاف- قال: (بماذا كنتم تغلبون الناس؟ قالوا: ما كنا نغلبهم يا رسول الله، قال: بلى كنتم تغلبون الناس! فقالوا: كنا نغلبهم بأمرين: ما كنا نبدأ أحداً بظلم، وكنا نجتمع ولا نتفرق) انظر إلى هذه القضية الفطرية البسيطة التي علمها الناس قبل الرسالة فانتصروا (ما كنا نبدأ أحداً بظلم) أصحاب عدل وإنصاف، يقفون عند الحق ولا يتجاوزونه، ولذلك كانوا ينتصرون على من سواهم، هذه بعض الأمثلة -أيها الأحبة- من سنة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. |
|
|
|
|
|
|
أيها الأحبة ننتقل إلى عنصر آخر وهو أن الاعتدال صفة الأمة المسلمة صفتها الظاهرة في كل شيء، في شعائرها وشرائعها ومشاعرها، في عباداتها وأخلاقها وسلوكياتها. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وكذلك وسطيتها في العصر الحديث بين أهل المادية الظالمة المجحفة، الذين أنكروا الغيب، وأنكروا الروح، وزعموا أن الإنسان مادة فقط، وبين أصحاب المذاهب الروحانية المنحرفة الذين يعذبون البدن ويهلكونه ويحرقونه بالنار، أصحاب المادية مثل الماركسيين والشيوعيين والعلمانيين، وأصحاب الروحانيات مثل البوذيين والهنادكة وأمثالهم الذين يرون أن سعادة الروح في تعذيب الجسد وتدميره وإحراقه وإيذائه، فالأمة المسلمة أمة وسط، تعطي الروح حقها وتعطي البدن حقه، وتوصل لكل ذي حق حقه.
وهي وسط في الجوانب الاجتماعية فكما أن هناك أناس يسحقون الفرد ويدمرونه في المذاهب الاشتراكية عموماً من أجل مصلحة المجتمع كما يزعمون، وهناك أناس تنتهك جميع قيم وحقوق المجتمع من أجل حرية الفرد، فالمسلمون وسط بين ذلك، فللفرد حقه، وله حريته، وله كرامته، لكن التي لا تتجاوز إلى أن تؤذي المجتمع وتنتهك حدوده وحرماته وقيمه، المسلمون وسط بين ذاك وذا. |
|
|
|
|
|
|
|
ثم أيضاً الاعتدال شعار أهل السنة والجماعة ، كما أنه شعار وصفة الأمة المسلمة بين الأمم كافة فهو شعار أهل السنة والجماعة بين الفرق والنحل داخل الأمة المسلمة، شعارها في عقيدتها وفي عبادتها، وفي أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وفي أخلاقها وسلوكها، وفي معاملاتها وفي فتواها. |
|
|
|
تأملوا في جانب العقيدة كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في هذا الباب ثم أذكر في بعض الجوانب الأخرى، يقول عليه رحمة الله: (وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق -أي: غيرهم من المعتزلة و الجهمية و الحرورية و الرافضة و الباطنية وأمثالهم من الفرق المنتسبة للإسلام- يعني وسط، فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات، أناس عطلوا، فنفوا عن الله ما وصف به نفسه، حتى جعلوه -سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً -عدماً محضاً، لا سميع ولا بصير ولا عليم، وأناس قالوا: سميع كسمعنا وبصير كبصرنا، شبهوه بمخلوقاته، فهؤلاء غلو في التشبيه، وأولئك غلو في التنـزيه، فـأهل السنة والجماعة وسط فيؤمنوا بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه).
وهم في باب القدر وسط بين المكذبين بقدرة الله، أنتم تعرفون في باب القدر أناس قالوا: إن العبد حر يفعل ما يشاء، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، وأناس آخرون قالوا: إن العبد مجبور على كل ما يفعل، و أهل السنة والجماعة وسط بين الفريقين.
وهم أيضاً في باب القدر وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار، ولا يسمونه مجبوراً، إذ المجبور من أكره على اختلاف اختياره.
وهم في باب الوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين المخلدين في النار، الخوارج قالوا: كل من وقع منه ذنب فهو خالد مخلد في النار، و المرجئة قالوا: مهما فعل من الذنوب وارتكب من المعاصي، فهو مؤمن كامل الإيمان، فـأهل السنة والجماعة وسط بين الفريقين، بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله -وليس معهم جميع الإيمان- الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته.
وهم أيضاً في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وسط بين الرافضة الغالية، الذين يغالون في علي رضي الله عنه، ويفضلونه على أبي بكر و عمر رضي الله عنهم، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكّفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبياً أو إلهاً، وبين الجافية النواصب الذين يعتقدون كفر علي والعياذ بالله وكفر عثمان وهم الخوارج وبعضهم يستحلون دماءهما، ودماء من تولاهما، ويستحلون سب علي و عثمان ويقدحون في خلافة علي رضي الله عنه.
وكذلك في سائر الأبواب أهل السنة وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
هذه وسطية أهل السنة في باب العقائد، وسأقرأ بعض الكلمات بعد انتهاء الحديث إن شاء الله لـشيخ الإسلام التي تتحدث عن هذه الوسطية بشكل أوسع. |
|
|
|
|
وهم أيضاً وسط في العبادات، فهم ليسوا من أهل التفريط الذين يستخفون بشرائع الإسلام وفرائضه، فكم من إنسان بليغ اللسان، ذرب المنطق، يتحدث فتظنه من كبار الدعاة والعلماء، ثم تأتي وإذا به يفعل أفعال الفساق وأهل الفجور، ويقصر في العبادات، ويقصر في الطاعات، ويقصر في الالتزام بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبين بعض الناس الذين جعلوا السنن والنوافل فرائض، فإذا رأوا الإنسان قصر في سنة أو في مندوب حملوا عليه الحملات الشنعاء، وأرادوا أن يحملوا الناس كلهم على ما لا يطيقه إلا القلائل، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم رد على هؤلاء فقال: (إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساء، و آكل الطعام أو اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً هم في الفتوى وسط يتبعون الحق والعدل فليسوا ممن يتشددون في كل شيء، تجد بعض الناس إذا كان أمامه قولين أو رأيين اختار أعسرهما والعياذ الله، والنبي صلى الله وعليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وتجد بعض الناس يبحثون عن الرخص ويبحثون عن الشواذ، حتى يصبحون كما قال قائل السلف: من تتبع رخص العلماء تزندق، والعياذ بالله.
فأهل السنة وسط بين ذاك وذا، يبحثون عما كان معه الدليل، واقتضته المصلحة، وكان الأقوم بحال المسلمين فأفتوا به.
وكذلك أيضاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبعض الناس يبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لو ترتب على ذلك من المنكرات ما هو أعظم مما يريد أن يزيل من حياة المسلمين، وبعض الناس يستكين للباطل ويخشى من الناس، ويجعل فتنة الناس كعذاب الله، ويسكت على المنكرات ويصطلح معها، وتشيع في حياة المسلمين، فـأهل السنة والجماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بضوابطه وقواعده الشرعية، التي منها أن يكونوا أهل علم وصبر، والتي منها ألا يكون أمرهم بالمعروف سبب في إزالة معروف أكبر منه، أو نهيهم عن المنكر سبب في وقوع منكر أعظم منه.
كذلك في الأخلاق والسلوك، هم وسط بين الغالي والجافي، فمثلاً الشجاعة عند أهل السنة وسط بين المتهورين الذين لا يحسبون للعواقب حساباً، والذين يركبون كل صعب ذلول، ومن لا يضع يده في أيديهم ويجري معهم، ويجعل الدماء في الأرض أنهاراً، فهو الجبان وبين الجبناء، الذين يخشون الناس أشد من خشيتهم لله، فـأهل السنة والجماعة وسط بين هذا وذاك، فهم لا يخشون إلا الله ولا يقدمون إلا في طريق قد تبينت لهم حكمته، واستبان لهم نهجه، وعلموا أنه يترتب عليه الأعم الأغلب وفي غالب الظن المصالح الشرعية المتوقعة.
وكذلك أيضاً الكرم هم وسط بين الإسراف وبين البخل، بين التبذير وبين التقتير.
وكذلك التواضع عند أهل السنة ، هم وسط بين الذلة والاستكانة لطواغيت الأرض وظلمتها وفجارها وبين الكبرياء على عباد الله سبحانه وتعالى، وهكذا جميع الأخلاقيات والسلوك، تجدهم فيها وسط بين الغالي والجافي، وحينئذٍ يمكننا أن نقول: إن الاعتدال هو شعار أهل السنة والجماعة في جميع جوانب حياتهم. |
|
|
|
|
|
|
|
أما ما أشرت إليه بأنه آفاق عصرية، أو تطبيقات عصرية للاعتدال في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فأشير إليها إشارات سريعة: |
|
|
|
أول هذه الآفاق والتطبيقات العصرية: أن نجمع بين الأصالة والمعاصرة أي: ألا نفرط في الثوابت، وأن نستوعب المتغيرات، بعض الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى استوعبوا الأصالة، وحافظوا على الثوابت، لكنهم لم يستوعبوا المتغيرات ولم يستوعبوا العصر الذي يعيشون فيه، فأصبحوا يعيشون في العصور الماضية، همومهم ومشكلاتهم وقضاياهم وثقافتهم فقط في العصر الماضي، وتحت ضغط ذاك الواقع انزووا من الحياة، أو تصدروا للحديث في دين الله وهم غير مؤهلين لذلك.
إذاً أيها الأحبة: من مقتضيات منهج الاعتدال أن نجمع بين الأصالة والمعاصرة، لا نفرط في ثوابتنا ونحمل ديننا للعالمين، وأن نستوعب العصر وما فيه من متغيرات، وألا نقول للناس هذا دين الله في كفة -كما يفعل بعض الجهلة- وهذه إمكانيات الحضارة والمدنية في كفة، واختاروا بينهما، فكأننا نلجئ الناس إلجاءً إلى أن نقول: اختاروا المدنية والحضارة واتركوا دين الله، لكن أقول للناس: هذا دين الله سبحانه وتعالى، وهذه الحضارة والمدنية تنضوي تحت هذا الدين وتصهر في بوتقته، وتصبح خادمة له، ويدخل الحق والهدى والإيمان في جميع تفاصيلها، كذلك أيضاً لا نرضى أن نتخلى عن ديننا وعن ثوابتنا وعن قيمنا بحجة العصرية والعصرانية والدخول في المدنية، ونتلصص بديننا بل نتمسك بهذا الدين باستعلاء وقوة. |
|
|
|
|
أيضاً من مقتضيات هذا الاعتدال الطموح إلى العالمية مع مراعاة الخصائص المحلية، بعض الدعاة ينكفئ على نفسه وعلى إقليمه، وينسى أن دين الله أتى للعالم كله، فإذا تحدث فباسم الإقليمية، وكأن الدين لم يتجاوز مدينته، أو لم يتجاوز إقليمه أو لم يتجاوز بلده، سبحان الله! هذا الدين أتى للبشر كافة، ما أتى لإقليم دون إقليم، ولا لجنس دون جنس، ولا لأمة دون أمة، ولا للسان دون لسان، وليس حكراً على أحد، ولا يحتكر الحديث به أحد، دين الله سبحانه وتعالى نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم وبلغه للعالمين كافة وحملته أمم سابقة في عصور مختلفة.
كذلك بعض الناس بحجة العالمية يفرط في بعض الخصائص المحلية، كل بلد له خصائصه ويجب مراعاتها، فتقع الدعوة في مزالق عظيمة، حين يأخذون ثياباً جهزت على مستوى عالمي، مشكلات عالمية، أو مشكلات في تركيا ، أو مشكلات في أفغانستان ، فيأتي بعض الناس يريد أن ينزلها في الطائف أو في أبها أو في الرياض ، ويحل مشاكل الناس على ضوء تلك الحلول التي قدمت للمشكلات المختلفة، لا، منهج الاعتدال أن نراعي الخصائص المحلية، وأن نقدم لهذه الخصائص ما يكفؤها من حلول شرعية، وألا ننكفئ أيضاً على هذه الآفاق المحلية، وأن ننطلق في الآفاق العالمية، وأن نلغي كل عصبية، ونحطم كل حواجز إقليمية لنعلن للناس كافة أن أمة الإسلام ودعوة الإسلام هي أمة عامة. |
|
|
|
|
أيضاً من هذه التطبيقات والآفاق العصرية: ابتغاء الدار الآخرة وعدم نسيان النصيب من الدنيا.
نعم يا أحبة! نحن لا بد أن يكون هدفنا وغايتنا ومقصدنا الدار الآخرة عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما بايعه الأنصار في العقبة وقالوا: ما الثمن على الوفاء بالبيعة؟ قال: (إن وفيتم فلكم الجنة) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] .
لكن طريق الجنة من هنا من الدنيا، فمن أرادها فهنا يبني، هنا يزرع، هنا يبذر، ليكون الحصاد هناك.
أما الذي يريد أن ينال الجنة بترك الدنيا والابتعاد عنها فقد أخطأ، والذي يريد أيضاً أن ينسى الآخرة بحجة تقوية المسلمين وعمارة الدنيا وينسى الآخرة تماماً، وتستغرقه الدنيا بجميع جزئياتها، فقد شط عن منهج الاعتدال الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
عبد الرحمن بن عوف و عثمان رضي الله عنهما كانا من أعظم التجار، وكان خالد بن الوليد من أعظم القادة، وكان عثمان التاجر الكبير العظيم يقوم في ليلة واحدة بكتاب الله كاملاً رضي الله عنه وأرضاه. |
|
|
|
|
أيضاً من هذه الآفاق: تصحيح الأخطاء وإنكار المنكر مع حفظ حقوق الناس والرفق بهم، والناس -كما قلت قبل قليل- على قسمين: إما قسم قد أغمض عينه عن المنكرات وسكت خشية من الناس، أو رغبة في الدنيا، أو رهبة من أهلها، ومن الناس من تشدد في إنكار المنكر، فألغى ما في الناس من حسنات وما فيهم من خير، وجعل من يقع في منكر من المنكرات أو في خطأ من الأخطاء أو في معصية من المعاصي جعله عدواً لدوداً للإسلام وأهله وحمل عليه، والحق أن نقول: هذا منكر يجب إزالته، مثلاً نأتي إلى مجتمع من المجتمعات انتشرت فيه البنوك الربوية أو المجلات الخليعة، نقول: هذا منكر يجب إزالته، لكن هذا مجتمع تعمر فيه المساجد بذكر الله، وتقام فيه المحاضرات، وتقام فيه الندوات، وينشر فيه تعليم كتاب الله، نقول: هذه حسنات ينبغي ألا تنسى لهذا المجتمع. |
|
|
|
|
أيضاً من هذه الآفاق: اتباع النص وعدم تعطيل العقل، أن نتبع النص لكن لا نعطل عقولنا؛ لأن من الناس -كما سنرى في بعض صور الانحراف- من استغرق في اتباع ظواهر النصوص وعطل عقله تماماً، ومن الناس من حكم عقله في كل شيء، فرد به النصوص الشرعية المحكمة، وهذه مدرسة العقلانية المعاصرة، وأيضاً مدرسة الظاهرية التي ظهرت لنا في ثوب جديد، وهي تمارس الظاهرية والعقلانية تحت مسميات مختلفة. |
|
|
|
|
|
|
|
ننتقل إلى النقطة الأخيرة وهي بعض صور الانحراف عن منهج الاعتدال، من هذه الصور. |
|
|
|
الإرجاء في ثوبه القديم أو في ثوبه الحديث، والإرجاء أي المرجئة هم الذين يزعمون أن الإنسان -هذا قديماً- لا يزال مؤمناً إيماناً كاملاً وإن وقع في المعاصي والذنوب والكبائر، و المرجئة الحديثة وإن لم ينتسبوا إلى أهل الأرجاء، لكنهم يمارسونه عملياً، فهم يرون الناس تقع منهم الطوام والمنكرات، وتفشو منهم المعاصي، ويحاربون دين الله، ويدافعون عنهم وعن هذه المجتمعات كأنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو من العشرة المبشرين بالجنة، عندما تجد من يدافع عن مجتمعات فيها البغاء مرخص، وفيها الخمور وفيها الربا، وفيها الإعلام الفاسد، يدافع عنها ييقول: ونحن مجتمعات مسلمة كاملة الإسلام، كاملة الإيمان، ويدافع عنها دفاعاً مستميتاً، هذا هو الإرجاء بعينه. |
|
|
|
|
أيضاً من صور الانحراف: الغلو ويمثله قديماً الخوارج ، وفي هذا العصر أصحاب التكفير ، وكنت أريد أن أتحدث عن الخوارج وعن بعض ملامحهم الفكرية، وعن بعض تاريخهم لكن الوقت لا يتسع، لكن الآن هناك من يكرس منهج الخوارج عملياً تحت لافتات أخرى، فمثلاً تجد الداعية فلاناً وقع منه خطأ من الأخطاء ولا بد أن يقع، فالعصمة لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن ربه، فوقع من العالم الفلاني أو الداعية الفلاني أو الجماعة الفلانية خطأ من الأخطاء فشنت عليها حرب ضروس، وعندما تسمع أشرطة هؤلاء الناس، أو تقرأ كتبهم كأنهم قد خرجوا من الإسلام بالكلية، ويحاربونهم حرباً شعواء، مثل قصة الأربعة الذين ذكرتهم قبل قليل، يحدثني بعض الشباب في أبها يقولون: أتانا بعض الشباب من إحدى المناطق، فقالوا: نريد أن نوجد قاعدة لـأهل السنة في هذه المنطقة التي سيطر عليها أهل البدعة!! يقول: فتعجبت! قال فمازالوا بي حتى أقنعوني بأن المشايخ وطلبة العلم هنا مبتدعة، وأنهم ليسوا من أهل السنة، قال: ومضيت معهم يزوروني كل أسبوع وأجمع لهم الشباب، قال: وفي ليلة من الليالي وإذا بهم ينالون من ابن حجر العسقلاني، ويقولون: إنه من رءوس الضلال، قال: فقلت سبحان الله! قال: ثم انتقلوا في لقاء آخر فنالوا من النووي، قال: فتعجبت! قال: ثم أتوا في جلسة من الجلسات، فجعلوها كلها عن سيد قطب، وقالوا: هذا من رءوس الضلال، قال: ثم أتينا في جلسة من الجلسات، فنالوا من الشيخ عبد العزيز بن باز وقالوا: هذا فيه ضلال وفيه وفيه، قال: ثم أتينا في يوم من الأيام، قال: فإذا بهم ينالون من شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: ومع الأسف أنا منساق معهم وقالوا: هذا في قضايا الولاء البراء؛ لأن كلامه يحطم هذا الغلو ويقضي عليه، فقالوا: هذا في قضايا الولاء والبراء لا يؤخذ قوله لا من قريب ولا من بعيد، يقول: فغضبت، تخاصمت أنا وإياهم قال: وطردتهم من داري، قال: فاتصلوا بشباب آخرين، قال: فذهبت فأخبرتهم بحالهم، ففوجئت وإذا بهم قد أتوا عندي في الدار، قال: فظننت أنهم يريدون أن يناقشوني قال: وعندما فتحت الباب انهالوا عليَّ ضرباً، حتى أراني جروحاً في جسمه، هؤلاء الخوارج لكن ليس في أيديهم الآن إلا عصي، ولا يملكون إلا ألسنتهم، ولو ملكوا السيوف لتعاملوا بها مع المسلمين، كما تعامل الخوارج قديماً، وهناك طبعاً مع الأسف لا ترفع، لكن عملياً هذا هو منهج الخوارج، الذين يغلون وينالون من الناس، ولا يقيلون لمسلم عثرة. |
|
|
|
|
هناك مثال آخر من أمثلة الانحراف جمع بين الإرجاء وبين الغلو في صورتين مختلفتين، فبعض الناس مهما كانت أخطاء الدعاة والجماعات الإسلامية والعلماء يغض الطرف عنها، ويدافع عن الأخطاء ويهاجم الحكام أياً كانت مواقفهم، وهناك صنف آخر يهاجم الدعاة والجماعات الإسلامية والعلماء هجوماً لا يستثني منه أحداً ولا موقفاً، ويدافع عن الحكام، مهما كانت مواقفهم، بل لو كانوا خارجين من دين الله سبحانه وتعالى، هؤلاء جمعوا بين الغلو والإرجاء، هؤلاء غلاة في الدعاة، ومرجئة مع الحكام، وأولئك غلوا في الحكام، ومرجئة مع الدعاة، وهي من المواقف المنحرفة، والذي ينبغي من منهج الاعتدال أن نقول للمصيب: أصبت، وللمخطئ: أخطأت كائناً من كان، وأن نحفظ له حقوقه إن كان له حقوق وكان داخلاً في دائرة الإسلام. |
|
|
|
|
أيضاً من صور الانحراف والإفراط: نسيان الحسنات عند ثوران العداوات أو العكس، أي عدم رؤية الأخطاء عند المحبة والانتماء، تجد فلاناً من الناس عادى فلاناً أو عادى الجماعة الفلانية، أو عادى العالم الفلاني فركض في حقه وأوضع، وجمع وقال وألب.
ولقد وجدت بعض الناس منذ سنوات ومجالسهم فيها نيل من أعراض الدعاة، ووقوع في أعراض العلماء، وتهكم بالجماعات الإسلامية، وتهوين من شأنهم وهجوم عليهم، وتشويه لصورتهم، وعندما تسأل هذا الإنسان هل وقف في وجه الشيوعيين أو البعثيين أو الحداثيين أو العلمانيين أو اللبراليين أو سم ما شئت، فلا تجد في سجله يوماً يلقى الله فيها بكلمة واحدة واجه بها أهل الباطل إنما يقع في أهل الحق، ولو كان أتى عند أهل الحق فنصحهم وبين أخطاءهم ليقومها، وشد أزرهم، وأشاد بحسناتهم لينشر هذا الخير لكان ذاك الأولى والأجدى.
وأيضاً بعض الناس عندما يحب عالماً أو داعية تجده لا يقبل أن يناقش له قول ولا فكر، وكأن هذا الداعية والعالم معصوم من الخطأ وهذا أيضاً خطأ، نحبه ونتولاه، ونثني عليه وندافع عنه، لكن نعلم أنه بشر يصيب ويخطئ، ونقول: هذا أخطأ فيه شيخنا الفاضل وداعيتنا الكبير وأستاذنا الجليل، والحق أحق أن يتبع. |
|
|
|
|
كذلك أيضاً الإفراط في العقلانية، والتفريط في اتباع النص، كثير من الدعاة باسم المصلحة الآن، وكثير من الدعاة باسم القياس، وكثير من الدعاة باسم مقاصد التشريع، هؤلاء فرطوا في النصوص الشرعية، وتجده قد خالف كثيراً من السنن وخالف كثيراً مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورد كثيراً من الأحاديث بهذه الأوهام والشبهات.
والبعض غالى في اعتبار ظواهر النصوص، دون النظر في علل الأحكام ومقاصد التشريع، والحكم التي تدور معها النصوص الشرعية. |
|
|
|
|
كذلك الإفراط في مدافعة الباطل وأهله، والتفريط في تزكية النفس، تجد بعض الناس من شدة اجتهاده في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد غفل عن نفسه، وهذا فشا في صفوف الدعاة عن تزكية نفسه والله سبحانه وتعالى يقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2] ليدعو بعد ذلك، فبعض الدعاة غفل عن تزكية نفسه بسبب مدافعته ومتابعته لأهل الباطل، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ودعوته إلى الله.
غفل عن تزكية نفسه عن قيام الليل عن ذكر الله عن قراءة القرآن عن التزود بالعلم عن صيام النوافل ...إلخ، فأصبح جافاً مثل الذي يبذر في الأرض الجافة، بذرة ولا تنبت منها حبة واحدة.
وهناك أناس آخرون أغرقوا في تزكية النفوس وفرطوا في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة الباطل، تجده بلغ ثلاثين سنة أو أربعين سنة وأخذ شهادة الدكتوراه وحفظ كتاب الله وإذا قلت له: انزل لميدان الدعوة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وبين للناس الحق، قال: حتى أكون نفسي. إلى متى؟ إلى ما بعد الممات؟! إذا مات بعث من القبر مرة أخرى يدعو الناس ويعلم الناس ويقضي على الجهل! هذه أيضاً صورة أخرى من صور الانحراف هذه نراها بأعيننا.
أيها الأحبة! هذه بعض النقاط السريعة التي أشرت إليها إشارات في منهج الاعتدال، وكان هناك بعض التطبيقات والربط بالواقع التي كنت أريد أن أذكرها أثناء ذكري لصور الانحراف والتطبيقات العصرية لكن الوقت داهمنا وهنا بعض المقالات لـشيخ الإسلام إن بقي في الوقت متسع قرأتها عليكم بعد ذلك إن شاء الله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: فضيلة الشيخ! سمعنا عن كتاب جديد لك يرد على الحداثيين متى يكون صدوره وما هو عنوانه؟
الجواب: الكتاب جمعت مادته وقد أحلته على الشباب من أجل إخراجه، وعنوانه الذي كان في ذهني وقد يتغير: الحداثيون قرامطة العصر، لكن قد تكون الآن هناك قضايا أكبر إلحاحاً الآن من قضية الحداثة، أرجو أن يخرج لي قريب إن شاء الله كتيب في بعض القضايا الملحة في الدعوة عنوانه من معالم الدعوة الراشدة. |
|
|
|
|
السؤال: أيها الشيخ! إنه قد انتشر في هذا العصر داء وسببه أن بعض الناس ليس لديهم ميزان صحيح للمعاصي المكفرة والمعاصي المفسقة، فما هو الحل لمثل هذه المشكلة، سيما وقد بدرت لها بعض المظاهر مثل قذف بعض الشباب هداهم الله للآخرين بشتى التهم، فما هو الحل لهذا الداء وما هو المنهج للتصدي لشبه أمثال أولئك الناس إذا نشروا فينا شبههم؟
الجواب: الواقع أن فيما كنت أريد أن أقرأه من كلام شيخ الإسلام إجابة على هذا، يعني: على قضايا التكفير والتفسيق والتبديع وهي في المجلد الثالث في الصفحة ( 352) إلى الصفحة ( 358) كلام نفيس جداً.
المهم الذي أريد أن أقوله في هذا الاختصار: إن أمر التكفير والتبديع والتفسيق أمر خطير، ولا ينبغي أن يلجه الإنسان إلا بدليل وبرهان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن الإمام أحمد بن حنبل كان يصلي خلف أئمة الجهمية الذين قالوا بخلق القرآن ولم يكفرهم بأعيانهم، وكان يدعو لهم، مع أمر آخر -انظروا إلى الاعتدال- مع مجاهدته لباطلهم بحسب الإمكان، فهو لم يكفرهم وهو يجاهدهم ويجاهد باطلهم بحسب الإمكان، ويدعو إلى الحق ويبين الباطل، يعني: هذا هو الاعتدال الذي كنت أريد أن أقوله من خلال هذه القراءة، فلا ينبغي ذلك أيها الأحبة، وهذا مع الأسف الشديد المنهج الذي قلته قبل قليل: إن منهج الخوارج يكرس الآن في الساحة تحت لافتات أخرى فيكفر الناس وينال منهم، لا ينبغي أن يكون هذا. |
|
|
|
|
السؤال :يقول هذا السائل: لقد تعددت الاتجاهات الإسلامية في بلاد الإسلام وكل قوم يدعون أنهم أهل الاعتدال والتوسط، مع أنهم يتفاوتون في طرق الدعوة ووسائل إبلاغها إلى الناس، فهل أسلوب الدعوة أمر توقيفي من الشارع الحكيم أم هو بالاجتهاد، ولذلك لا ننكر على أصحاب تلك الاتجاهات الداعية للإسلام؟
الجواب: أمر الدعوة أو وسائل الدعوة أو أسلوب الدعوة أمور اجتهادية لها ضوابط توقيفية، هذا المكبر الآن أسلوب من أساليب الدعوة اجتهادي، هل النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ مكبر صوت؟! تأليف الكتب، ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل جمع المصحف ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كتابة الحديث ما كتبه إلا عبد الله بن عمرو بن العاص في زمن النبي صلى الله وعليه وسلم، يعني: مبدأ الكتابة، استخدام الإنارة، استخدام الإذاعة، استخدام التلفاز، ركوب الطائرات، عمل هذه الماسة، هذه كلها وسائل للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فوسائل الدعوة من الأمور الاجتهادية لكن لها ضوابط شرعية، مثل أي قضية أخرى من القضايا المتجددة في هذه الحياة، ومن زعم أنها توقيفية فقد ضيق أمراً واسعاً، وهو أول من يخالف ذلك، والذي يقول: إن أمور الدعوة توقيفية هو يؤلف الآن كتباً، فليعطنا دليلاً من الكتاب والسنة على تأليف الكتب، هل ورد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ورد في كتاب الله؟ ما ورد ذلك، بل النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً من أمة أمية. |
|
|
|
|
السؤال: ذكرتم فضيلة الشيخ بأن الناس قسمان في أمور كثيرة، أي بين إفراط وتفريط، فما هو المنهج الصحيح للحكم عليهم والتعامل معهم، وخاصة إذا كان بعض هؤلاء الناس ممن نحسبهم من أهل الرأي والعلم؟
الجواب: المنهج الحق -مثلما ذكرت قبل قليل- ألا نقع نحن في الغلو في الإفراط أو في التفريط عند معالجتنا لهذه الظاهرة، المنهج الحق أن نأتي بهؤلاء الناس فنقول: غلوكم في كذا، أو تفريطكم في كذا، ولكن لهم من الحسنات كذا وكذا، أي: نزنهم بميزان العدل، وهذه لها جذور عقدية، أهل السنة والجماعة يقولون: يجتمع في الإنسان حق وباطل، وصواب وخطأ، وهدى وضلال، فنتولاه في الحق والهدى والصواب ونبرأ مما فيه من خطأ وباطل وضلال، ثم الحكم العام للأغلب منهما، إن كان الأغلب الحق والهدى والصواب توليناه في الجملة، مع براءتنا مما فيه من الباطل، وإن كان الأعم والأغلب الضلال والباطل، تبرأنا منه بالجملة مع عدم ردنا لما لديه من حق، هذا منهج أهل السنة والجماعة أما الخوارج فيقولون: من وقع في خطأ تبرأنا منه براءة كاملة، والمرجئة يقولون: مهما كانت أخطاؤه نتوله ولاية كاملة، فالمنهج الحق العدل هو المنهج الوسط. |
|
|
|
|
السؤال: يسأل عما شاع مؤخراً من قدح بين شباب المراكز في بعضهم البعض ونقد لبرامج كل مجموعة للأخرى؟
الجواب: المراكز -أيها الأحبة- من أهم منابر الدعوة وتربية الشباب والقضاء على الفراغ، فلا ينبغي أن يخلط هذا العمل الصالح بآخر سيئ، إذ في الطائف الآن مركزين أو ثلاثة أو أربعة أتوقع ما تتجاوز هذه، أظن أنه لو كانت هناك عشرة مراكز ما استوعبت شباب الطائف ، كم شباب الطائف؟ أربعون ألفاً؟ خمسون ألفاً؟ كم في المركزين؟ ألفان من الطلاب أو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، ينبغي أن تنصرفوا إلى البناء، وأن تنصرفوا إلى استنقاذ الناس من براثن الضلال، ووسائل الضلال والإفساد أكثر من أن تحصر، ووسائلكم محدودة قاصرة، ولا ينشغل بعضكم ببعض، واعلموا أن الكارثة التي تحيق بالأمة المسلمة عندما ينشغل بعضها ببعض، الأعداء في خارجهم ينالون منهم ويخططون، وهم ينشغل بعضهم ببعض.
فالواجب أيها الإخوة: أن نترفع عن هذه الأمور وأن نعلم أن حرمة المسلم حرمة عرضه، كحرمة دمه وماله، بعض الناس يتورع عن أخذ درهم حرام، ويتورع عن إراقة كأس دم حرام، لكنه يقع في أعراض أفاضل الأمة وخيارها من الدعاة والشباب الملتزمين، ثم عندما تنفر من مركز من المراكز، فتتلقف وسائل الإفساد الشباب، ألا تعلم أنك قد ساهمت في إضلال هؤلاء الشباب، وصديتهم عن الخير وحلت بينهم وبين الخير.
الواجب -أيها الأحبة- أن نتكامل، وأن نتناصح وأن نتعاضد، وأن نتآزر، وأن نكون مثلما وصف الله سبحانه وتعالى صفاً واحداً كالبنيان المرصوص، كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. |
|
|