|
كان أول من شرع القتل وسنه قابيل ابن آدم عليه السلام، فقد دب الحسد في قلبه لأخيه هابيل فقتله، فبعث الله إليه غراباً من الفواسق؛ ليعلمه كيفية دفن أخيه، وليعلمه كذلك أنه دخل في مرتبة الفسق، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: بأن كل نفس تقتل فعلى قابيل كفل منها، وقد تطرق الشيخ إلى مسائل الثنائيات القرآنية، وذكر بعض اللطائف الشائعة في القرآن الكريم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: نسأل فضيلة الشيخ عن معنى لقبي عثمان (ذي النورين ) وعلي (أبي السبطين)؟
الجواب: كان هناك ود عظيم بين النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه، ولا خلاف بين العلماء المعتبرين من أهل السنة: أن المجتمع المدني والمكي الأول من المسلمين المهاجرين والأنصار كان يمثل قمة التآخي ما بين النبي عليه الصلاة والسلام وآل بيته وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين.
فمن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رقية ابنته عثمان ، فلما توفيت زوجه الأخرى وهي أم كلثوم ، وكلاهما -أي: رقية و أم كلثوم - ماتا في حياته صلى الله عليه وسلم، رقية في أيام بدر، و أم كلثوم تقريباً في السنة السادسة، ولم تنجب رقية من عثمان ، أما أم كلثوم فقد أنجبت عبد الله ثم مات وهو صغير، فلذلك لم يكن هناك نص للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة هاتين الابنتين، فلما ظفر عثمان بالزواج من ابنتي نبي -وقد قال العلماء: إنه ليس محفوظاً أن أحداً من الأخيار تزوج ابنتي نبي إلا عثمان رضي الله عنه- عدت هذه منقبة كبيرة لـعثمان فعرف (بذي النورين)؛ لأنه تزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما علي رضي الله عنه تعالى وأرضاه فقد زوجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة ، فأنجب منها الحسن و الحسين و محسن و زينب .
والحسن و الحسين عاشا حتى كبرا ثم ماتا، أما محسن فمات وهو صغير، والثلاثة سماهم النبي صلى الله عليه وسلم، وزينب -إن لم تخني الذاكرة في اسمها- شقيقة الحسن و الحسين أي: جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد زوجها علي من عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكفى بهذا برهاناً ودليلاً على ذلك التآلف العظيم ما بين علي و عمر من وجه خاص، وما بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وآل رسول الله صلى الله عليه وسلم طبعاً صحابة، وهذا يدل على صدق ما كان عليه أولئك السادة الأخيار من آل البيت والصحابة في اقتفائهم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فآل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يعرفون لهم قدرهم. |
|
|
|
وقد ورد فيما ذكره الذهبي في السير: أن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان يصعد إليه الحسن أو الحسين -ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي والحسين صغير، فكان يرى النبي عليه الصلاة والسلام على منبره، أي: أن الحسين يرى جده صلى الله عليه وسلم على منبره، ثم تولى أبو بكر ، ولم يمكث أبو بكر إلا سنتين وبضعة أشهر، فجاء عمر - فكان الحسين أحياناً يصعد إلى المنبر وعليه عمر ويمزح بطفولته وبراءته ويقول: انزل عن منبر جدي، فيضع عمر رأسه على شعر الحسين ويقول: ما أنبت الشعر على رؤوسنا إلا أنتم -أي: أن الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم الذين منهم الحسين هو سبب عز العرب، وعز أهل الإسلام كلهم- هذا مقصود عمر والمقصود: أن هذه الروايات الصحيحة الثابتة في ذلك المجتمع تبين ذلك الإخاء الذي كان بين آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه رضوان الله تعالى عليهم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: هل قراءة سورة البقرة في جلسة واحدة سبب في الشفاء؟
الجواب: لا يشترط أن تكون في جلسة واحدة، لكن لو فعل ذلك فليس محظوراً، والقرآن أصلاً قال الله فيه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ [الإسراء:82].
وقد جاءت آثار من حيث الجملة تبين فضل سورة البقرة، وفضل الزهراوين. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: ما المراد بالمذاهب الأربعة أو كلمة: المذاهب؟
الجواب: المذهب لغة: مصدر من الذهاب.
فهناك أصول في الاعتقاد، وهناك أحكام فقهية اجتهادية، والصحابة رضي الله عنهم وقع فيهم الاختلاف في المذاهب الفرعية في الأحكام الفقهية، لكنهم جميعاً كانوا على أصل اعتقادي واحد، والمذاهب الأربعة الفقهية المتبوعة من أهل السنة يجب أن يفهم فيها أمران:
الأول: أن دين الله أجل من أن يحصر في أربعة مذاهب، فقد يكون هناك قول لبعض العلماء لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة، لكنه باق إلى يومنا هذا، مثل: سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وابن تيمية في بعض أقواله، وابن جرير الطبري وغيرهم، وهذا أمر مهم جداً.
الأمر الثاني: أن هذه المذاهب مذاهب في الفقه وليست في الاعتقاد، فمن انحرف عن اعتقاد أهل السنة والجماعة لا يقال في حقه مذهب، وإنما يقال فرق، هذا إذا انتسبت إلى الإسلام عموماً، فبعضها قد يخرج من الإسلام وبعضها لا يخرج من الإسلام، فبعضها قد تنتسب إلى الإسلام لكن هذه تسمى فرقاً، وأما المذاهب فإنها طريقة عامة في الاستنباط، لها أصول معينة صنعها إمام وتبعه على ذلك الصنيع آخرون، فسمي مذهباً.
ومذهب أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه أول المذاهب المتبوعة الباقية اليوم ظهوراً، ونحن لا نملك الحكم على أي المذاهب أنه أفضل لا، هذا في كل مسألة بحسب ما ترجح، لكن أول المذاهب ظهوراً هو المذهب الحنفي؛ لأن أبا حنيفة كان أول من ظهر، ثم مالك ، ثم الشافعي ، ثم أحمد رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. |
|
|
|
والإمام أبو حنيفة هو فارسي الأصل، واسمه النعمان بن ثابت ، قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة . وهذه الشهادة لها اعتبار؛ لأن الشافعي ند لـأبي حنيفة ، وعندما تأتي الشهادة من ند ومن فارس في نفس المضمار فلها اعتبارها أكثر من أي شخص يكون تابعاً لـأبي حنيفة في مذهبه.
وقد قال الذهبي رحمة الله تعالى عليه: إن الإمامة في الفقه مسلمة لهذا الإمام بلا ريب ولاشك، هذا معنى كلامه في الأعلام.
والمقصود من هذا أن أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه أول الأئمة ظهوراً، وأكثرهم علماً بدقائق الفقه، وإليه المنتهى في هذا الباب رحمة الله تعالى عليه، وله أصحاب منهم: اللذين ذكرتهما: محمد بن الحسن و أبو يوسف .
وأبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم ، وهو أنصاري في أصله، لكنه نشأ في الكوفة وتعلم وعلم في الكوفة، وأصبح قاضي القضاة فيما بعد.
ومحمد بن الحسن الشيباني من بني شيبان، وأظن بني شيبان لهم ذكر كثير في التاريخ كما في محمد بن حميد ، يقول أبو سلمان :
كأن بني شيبان يوم وفاتهم نجوم سماء خر من بينها البدر
عليك سلام الله وقتاً فإنني رأيت كريم الحر ليس له عمر
ومنهم: معن بن زائدة الشيباني الذي قيل فيه:
معن بن زائدة الذي زيدت به شرفاً على شرف بنو شيبان
فـمحمد بن الحسن من بني شيبان، وقد مات أبو حنيفة وقد بلغ محمد بن الحسن ثمانية عشر عاماً، وأكثر ما يسمى ظاهر الرواية في المذهب هو من كتب محمد بن حسن رحمة الله تعالى عليهما.
ومن خلال دراستهما سيتضح أشياء كثيرة، لكن أبو يوسف لما تولى القضاء وأصبح قاضي القضاة كان الرشيد يجله ويكرمه، و محمد بن الحسن في هيئته كان سميناً وذكياً، قال الشافعي رحمه الله: ما رأيت سميناً أذكى منه. |
|
|
|
|
المقدم: هذه الأخبار وهذه القصص ليست غاية في ذاتها، فما هي الفوائد والثمرة التي يمكن أن تجتنى من وراء هذه القصص؟
الجواب: العلم توفيق، لكن من طرائق جمعه والحصول على العلم: صحبة الأكابر، فـأبو يوسف و محمد بن الحسن وصلا إلى هذه المنزلة في العلم لصحبتهما لـأبي حنيفة ، ولهذا من الخطأ كما نراه اليوم صحبة الأصاغر، وأنا أتكلم عن الأكابر والأصاغر في العلم، فالأعمار بيد الله، لكن المتقدم في السن من العلماء، والذي تقدم في العلم حري بطالب العلم أن يلزمه، ويتضرر المرء إذا كانت صحبته لأنداده، أو لمن دونه في الزوايا والخفايا، فتلك الأماكن لا يصنع فيها علم، وإنما تصنع فكراً مريباً، لكن العلم إما في الجامعات والمدارس والحلقات المعروفة الظاهرة البينة المكشوفة، أو في المساجد كالحرمين في المقام الأول، ويكون على يدي الأكابر في المقام الأول، أي: الأكابر علمياً، فقد يكون المرء صغير السن، كبير العلم، واسع العقل، لكن مع ذلك أقل شيء أن يكون في سن الأربعين حتى يؤخذ عنه ويلازم؛ لأن التجارب لها دور في صقل المرء، فقد يظهر هو، وينفع دون الأربعين، لكن لزوم الطلاب له لابد أن يكون متأخراً؛ حتى يستفيدوا منه، فـمحمد بن الحسن و أبو يوسف رحمة الله تعالى عليهما حظيا بعلم جم عندما صحبا أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه، هذه الفائدة الأولى.
الفائدة الثانية: أن المرء وهو يطلب العلم لابد أن يكون ذكياً، فالذكاء مطلب أساسي في تكويننا لجيل يحمل العلم، وقد نبهنا إلى هذا مراراً، ولهذا قال الشافعي رحمه الله في وصف محمد بن الحسن كما مر معنا: ما رأيت سميناً أذكى منه.
وكان محمد بن الحسن يتوقد ذكاءً، والإنسان يمرر المسائل على عقله، ويجلس مع أقرانه ويطرح المسائل، ولا تكون كالمسائل التي تطرح اليوم حتى فيما يسمى بالألغاز الشعبية، فأكثرها يجنح إلى الوصف، والوصف يقيس مستواً واحداً في الذكاء ولا تقيس كل شيء، لكن طالب العلم الحق يقيس عدة مستويات في ذكائه، ويمرن نفسه على المسائل العلمية، ويمرن نفسه على مسائل الرياضيات وأشباهها؛ حتى يكون ذكياً، وقد مر معنا قضية علي رضي الله عنه وحكمه في الأرض وغير ذلك، فهذه كلها مطالب أساسية.
الأمر الثالث: على الإنسان أن ينوع مناهله، فالإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه كان يعرض أحياناً مسائل دقيقة، فقيل له: من أين لك هذه المسائل؟ قال: من كتب محمد بن الحسن ، ثم برر وبين وفصل فقال: إن محمد بن الحسن أخذ علم أهل العراق، وأخذ علم أهل المدينة بتتلمذه ومراجعته على مالك ؛ لأنه من أهل المدينة، مع تتلمذه كما ذكرت على يد أبي حنيفة ، وأخذ فقه الشام عن الأوزاعي ، ثم قال كلمة لابد منها:
قال رحمه الله عن محمد بن الحسن قال: وصقله القضاء؛ فالإنسان إذا مارس عملاً: تدريساً أو قضاءً فهذا يصقله، ولهذا قلنا: إن التجارب وطي السنين لها دور كبير في ملكة الإنسان وتذكيتها وتربيتها.
فالمقصود: أن تعدد المناهل يصنع منك أيها الأخ المبارك رجلاً عالماً فذاً، وأما كون الإنسان لا يقرأ إلا لشخص أو شخصين، ولا ينهل إلا من عالم أو عالمين، ويغرق نفسه في دائرة ضيقة، فهذا لا يمكن له أن يتوسع في القول، ولا يستطيع أن يجاري علماء عصره، ولا أن يصدر حتى ينفع الناس في كثير من أحوالهم وقضاياهم.
فتعدد المناهل كان عليه السلف في قضية التعلم، والعاقل لا يجعل بينه وبين المعرفة حجاباً، وإنما يأخذ العلم الحق من أي أحد، لكنه في قضايا الاعتقاد -وهذه مسألة مهمة- لا يأخذها إلا ممن عرف عنه سلامة المعتقد. هذا الأمر الثاني.
الأمر الثالث: أن التقليد شيء منفر منه، فـأبو حنيفة رحمة الله تعالى عليه عرض عليه القضاء فأبى، في حين أن أبا يوسف عرض عليه القضاء فقبل، ولم يقل إن أبا حنيفة لم يقبله فلا أقبله، ولهذا فالمصالح تتفاوت، والرجال أنفسهم يتفاوتون، فقد يأتي إنسان معين حري به أن يكون مرافقاً للسلطان مثلاً ويستطيع أن يغير، ويستطيع أن يصنع شيئاً للناس، ويحسن التعامل إذا قرب من أميره وقرب من السلطان، أو قرب من ذوي الجاه، في حين أن غيره لا يحسن، فنقول للآخر: ابتعد، ونقول للأول: اقترب، والعبرة بالمصلحة العامة.
فـأبو حنيفة ربما رأى نفسه أنه ليس ممن يحسن مجارات نفع الناس من خلال مجارات السلطان، في حين أن أبا يوسف يستطيع أن يفعل ذلك، فكان الرشيد يجله، ولا نقدح في أبي يوسف ونجل أبي حنيفة على هذا الطريق، لكن نجل أبا حنيفة ونجل أبا يوسف ، ونعتقد فيهما حسن الظن، ونعلم أن كل منهما نظر في مقوماته وقدراته فاستعملها في الحق، فوصل إلى مقصوده.
والمناظرات أيها الأخ المبارك والمحاورات العلمية ينجم عنها علم جم، لأن الإنسان إذا اطلع على آراء الغير، وبسطت له المسألة بطريقة أكبر قل إنكاره وقل انفعاله، وقل تشدده، لكن نؤتى من الذي لا يعرف إلا شيئاً واحداً، لكن لما كانت هناك محاورات كان محمد بن الحسن يأتي المدينة يقابل مالكاً فيتناقشان في المسائل، فهذا يعرض قولاً، وهذا يعرض قولاً، ثم يسلم هذا لهذا في شيء، والآخر يسلم له في أشياء، وكذلك كان يحصل بين محمد بن الحسن و الأوزاعي وغيرهما، فهذه المناظرات والحال الذي كانوا يعيشونه أدى إلى تلك الرفعة في الفقه الإسلامي على وجه العموم، وهذا نفتقده يسيراً في زماننا، وينبغي أن يعاد إلى ما كان عليه. |
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: سائلة من الكويت تسأل عن علة التلازم في القرآن الكريم بين موسى وهارون عليهما السلام؟
الجواب: هذا للأخوة التي بينهما، ولكونهما بعثا في وقت واحد، وإلى ملأ واحد وهم فرعون وملائه، ولهذا جرى التلازم بينهما في القرآن. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: وكذلك تسأل عن كتب تفسير لطلاب العلم المبتدئين.
الجواب: كتاب التسهيل لـابن جزي الكلبي فهذا جيد للمبتدئين. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: أخ يسأل كيف يدعو في مسألة أطفال الأنابيب الدعاء الذي قبل الجماع؟
الجواب: قبل العملية نفسها لا بأس، طيب. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: ندخل أيضاً يا شيخ في عالم الأدب، ولعل مشاهدي الكريم وأيضاً الإخوة في الموقع بمجرد ما نقول ثنائيات في الأدب والشعر، فأول ما يرد إلى الذهن التلازم والواضح بين جرير و الفرزدق ، فلنعرض شيئاً من أخبارهم، وبعض الأشياء التي وردت في أشعارهم.
الشيخ: الشعر صناعة دنيوية، وأعقب على رسالة وصلتني بالجوال بعد الحلقة الماضية، أحد الزملاء ذكر اسمه وهذا يدل على فضله، ولم أجد وقتاً حتى أجيبه، فقد ذكر عندما قلت: إن المتنبي لم يحقق الحكمة في نفسه، فلم يصل إلى مقصوده وإن قالها في شعره، فبعث أحد الفضلاء رسالة يعاتب ويقول: إن هذا غير صواب في معنى كلامه، وحجته: شهرة المتنبي ، وقال: إن الله علم صدق نيته، وحصل له هذا القبول.
وهذا خطأ في الفهم؛ لأن لا يقال في الصناعة الدنيوية: إن فيها صدق نية، وإنما هي أسباب، فالشعر صناعة دنيوية وليست صناعة أخروية حتى يقال فيها: صدق مع الله فصدقه الله، إنما هذا في العبادات وفي وسائل القرب، وأما الشعر في أصله فليس من وسائل القرب.
فـالمتنبي عرف كشاعر مجيد، ولم يعرف كعدل رشيد، وهذه قضية مهمة جداً، فمثلاً المشاهير من اللاعبين الذين يلعبون الكرة والمغنيين، والمشاهير من الفنانين، الناس كلها تعرفهم، لكن لا يعني هذا أن هناك قبولاً لهم طرح في الأرض، أبداً، إنما هي صناعة دنيوية يفتن الله بها من يفتن، فأخذوا بأسبابها، فنالوا مرادها، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18].
لكن هذا لا يسمى قبولاً، وقلنا مراراً أنه لابد أن يفرق الناس بين القبول وبين الشهرة، فمثلاً: إستالين ، أكثر الناس على الأقل في زمانه كانوا يعرفون إستالين ، وهو مذموم عند الله؛ لصنيعه، فهو شيوعي ملحد قتل ملايين المسلمين وله جرائم هائلة، فهذا لا يسمى قبولاً، فلابد أن يفرق بين القبول وبين الشهرة.
نعود إلى الفرزدق و جرير ، فقد ظهرا في عصر بني أمية، وكلاهما من بني تميم، فـجرير كان سلس العبارة، والفرزدق كان ثخن العبارة، ويقال في حقه:
لولا الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، عرف بمجونه أكثر من جرير كان جرير فيه شيء من الورع حصل بنيهما سمي في الأدب العربي جملة بالنقائب كلاهما له أبيات فرادى، تغنى الناس بها، صارت بها الركبان، حفلت بها كتب الأدب، ومن ذلك قول جرير :
بان الخليط ولو طوعت ما بانا وقطعوا من حبال الوصل أقرانا
حيَّ المنازل إذ لا نبتغي بدلاً بالدار داراً ولا الجيران جيرانا
يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ردي علي فؤادي كالذي كانا
لو تعلمين الذي نلقى أويتِ لنا أو تسمعين إلى ذي العرش شكوانا
يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا
وحبذا نفحات من يمانية تأتيك من قبل الريان أحياناً
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا
فنجد في قصيدته سلاسة العبارة، في حين أن الفرزدق إذا مدح وأراد أن يهب ممدوحه ترى جزالة اللفظ وقوته، فاضفى على تلك القصيدة قوة جعلها تبقى، حيث قال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت عن ليلها عرب الإسلام والعجم
هذا ابن فاطمة إن كنت تجهله بجده أنبياء الله قد ختموا
ويذكرون من طرائف أخبارهما: أن جريراً كان له رواية يكتب شعره اسمه: مربع ، فتشاجر ذات يوم مع والد الفرزدق ، فأراد الفرزدق أن يدافع عن أبيه فدفعه مربع فسقط الوالد، فلما سقط والد الفرزدق هدد الفرزدق مربعاً بأنه سيقتله في حالة موت أبيه، وهذه معناها: عجز، فقال جرير متهكماً بـالفرزدق البيت المشهور:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع
وأصبح الشطر الثاني من البيت يجري مجرى المثل والحكمة بين الناس.
وعُمِّرا ما شاء الله لهما أن يعمرا ومات الفرزدق قبل جرير ، وأخطأ جرير عندما قال:
مات الفرزدق بعدما جدعته ليت الفرزدق كان عاش طويلاً
ثم إنه ندم على بيته هذا وقال أبياتاً يرثي فيها الفرزدق .
ودخل معهما الراعي النميري و الأخطل ، وكانا في صف الفرزدق فهذا ما دفع جريراً إلى أن يقول في لاميته:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل
فأراد أن يجمعهما كليهما في سياق واحد.
هذه أيها المبارك بعض أخبارهما ونتف من أشعارهما. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: ننتقل يا فضيلة الشيخ إلى ما يتعلق بأميري الشعر شوقي و حافظ .
الشيخ: شوقي و حافظ يقول الناس: إنني أكثر الكلام عنه، والحق أني واحد من المعجبين به، وقد يكون هذا صواباً، وقد يكون خطأً.
وشوقي و حافظ من شعراء العصر الحديث، وقد مات حافظ قبل شوقي ، فندم شوقي وتمنى لو أن حافظاً مات بعده؛ حتى يرثيه، والدنيا دول.
قال حافظ مبايعاً شوقي :
أمير القوافي قد أتيت مبايعاً وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
فرد عليه شوقي وحفظ له الود والكلمة الطيبة هذه بعد وفاته قال:
يا حافظ الفصحى وحارس مجدها وإمام من نجبت من البلغاء
ولكل منهما قصائد حافلة، لكن شوقي بلا شك أفضل من حافظ بكثير، ومن درر قول حافظ ما قاله في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في قصيدة عرفت بالعمرية، وقد ذكرناها كثيراً، ومنها قوله في أولها:
حسب القوافي وحسبي حين ألقيها أني إلى ساحة الفاروق أهديها
لا همّ هب لي بياناً أستعين به على قضاء حقوق نام قاضيها
ثم قال يصور وفود وفادة رسول كسرى إلى عمر :
وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها
فهان في عينه ما كان يكبره من الأكاسر والدنيا بأيديها
وقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها
ومما يحفظ له:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
وفي قصيدة يتكلم فيها عن مصر:
كم ذا يكابد عاشق ويلاقي في حب مصر كثيرة العشاق
وأما شوقي فله درر أكثر، ومنها بيته المشهور:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
وله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أبياتاً لا حاجة لإعادتها؛ فقد أكثرنا من قولها، ومن جيد أبياته قوله على حال المرأة في جاهلية مصر، ففي العصور القديمة التي حكمت مصر أيام الفراعنة كانوا يؤهلون النيل، فيختارون امرأة من أجمل النساء، ويقدمونها إلى النهر قرباناً، والحمد لله على نعمة الإسلام، ثم إن هذه المرأة تتأنق تتزين وتفرح أنها ستزف إلى النيل، فتلبس جيد ثيابها وفاخر ملابسها، ويزفها أترابها وهم يحسدونها على هذا المقام، ثم تلقى في النيل لتموت، وتظن أنها قد أصبحت زوجة له، يقول شوقي :
خلعت عليك حياءها وحياتها أأعز من هذين شيء ينفق؟!
وهذا بيت من حيث السبك الشعري في القمة.
وقد قلنا: إن لـشوقي درراً أخرى من أبيات الشعر. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: يا شيخ صالح : قبل أن أخرج من موضوع الصبر تعلم ويعلم المشاهد الكريم ما قد آلمنا كثيراً والله، وهو نبأ الحادث الذي تعرض له الأستاذ ياسر شعبان ، فنعزيه نيابة عن فريق العمل: أصالة عن نفسي؛ باعتبار أنني أحد التلاميذ الذين تتلمذوا عليه في مجال العالم، وأنقل لك أخي الكريم أيضاً: تعازي الإخوة والأخوات على منتدى القطوف الدانية، وأترك المجال لكم أيضاً يا شيخ صالح إن كنتم تريدون أن تقولوا شيئاً.
الشيخ: للتعريف الأستاذ ياسر شعبان هو أحد المخرجين الفضلاء في هذه القناة المباركة، وقد عملت معه -وفقه الله وشافاه وعافاه- في برنامج مجمع البحرين وغيرها من البرامج، وقد ابتلي بفقد زوجته وابنته، وقد دفنتا عندنا في المدينة في بقيع الغرقد، ولعل هذا من رحمة الله جل وعلا بهما، ذلك أن الدفن في المدينة له منقبة؛ من وجه أن أهل بقيع الغرقد هم أول من تنشق عنهم القبور بعد نبينا صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
والأستاذ ياسر الآن في المستشفى وفق ما علمت من الأستاذ وليد والإخوة الفضلاء الذين وقفوا معه وقفة مشرفة سواءً من زملائه في القناة هنا، أو من إدارة القناة عموماً.
والذي يعنينا أن نقول لأخينا الكريم: نبلغك تعازينا وتعازي كل محب، ثم لا نستطيع أن نقول لك: إلا أن تصبر وتحتسب، والله جل وعلا إذا أراد بعبد خيراً أصاب منه، كما صح بذلك الخبر، وما عجل الله جل وعلا للصابرين لا يمكن أن يتصوره أحد، إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].
وعند ملاقاته جل وعلا يجد الإنسان تلك العطايا الربانية، والمنح الإلهية، وأشد الناس بؤساً في الدنيا إذا غمس غمسة واحدة في الجنة يقول: لم أر بؤساً قط، فالحمد لله على ما مضى من عافية، والحمد لله على من استقبل من عطاء، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.
ونحن إخوتك يا أستاذ ياسر وزملاؤك؛ إخوتك في الإسلام، وأخوتك في العمل ومحبوك، نسأل الله جل وعلا أن يعينك ويرزقك الصبر، ويمن عليك بالشفاء، ويغفر لزوجتك، وأن يجعل ابنتك فرطاً لك في الجنة؛ كونها ماتت صغيرة، والله خير من يعين على الصبر، ويثيب عليه.
المقدم: وأيضاً: وصلت الآن وخلال بث الحلقة قصيدة من الأخ محمود الشنقيطي يهديها نيابة عن كل أعضاء الموقع، وعن مقدمي البرنامج وعن أسرة العمل كاملة، يقول في أبياتها:
يا ياسراً لست الوحيد الحزن كدر صافيه
لكنّ حولك إخوة تحت القطوف الدانية
ذاقوا كما ذقت الأسى فسل الدموع الجارية
فلك التعازي منهم ولك الرضاء والعافية
والله نسأل رحمة بحبيبة لك غالية
أما الصغار فإنهم طير الجنان العالية
والله يعلم أننا من بعد وقع الداهية
لعبت بنا الأحزان حتـ ـى لم تذر من باقية
لكننا سنقول قولاً لذوي القلوب الراضية
فجميعنا ملك الإله والفضل منه عارية
فهو الحكيم إذا قضى تلك العقيدة كافية
في كل ما هو كائن حكَم لربي خافية
ثم الصلاة على الذي زكى النفوس الراضية
والآل والأصحاب ما بدت النجوم الزاهية.
إن لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا جميعاً، واخلف لنا خيراً منها. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: أخ يسأل يا شيخ عن قراءة سورة الأنبياء؛ فالبعض يقول: قراءتها مثلاً: سبع ليالٍ أن من شأنها أن من لديه عين أنه يرى العائن في منامه؟
الشيخ: تفصيل هذا على النحو التالي:
أما تعبداً فلم يرد في هذا فيما أعلم شيء، ولا يجوز اعتقاداً منه أن لها أجراً معيناً، وأما إذا ذكر أحد من الناس أنه قرأ سورة الأنبياء سبع مرات ثم ظهر له أحد، وثبت بعد ذلك حقاً أنه ممن أصابه بالعين، فانتقل الأمر الآن من كونه تعبدياً إلى كونه بالتجربة، والقرآن أخبر الله أنه شفاء، فما يشترط في العبادة لا يشترط في الطب؛ لأن الطب قائم على التجربة، فلو قرأها وحصل أن رأى العائن فلا نثرب عليه في هذا الباب، لكن لا ننسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا نقول بأن هذا من وسائل القرب. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: بعضهم يسأل عن الحسد بين طلبة العلم يقول: لو تبين لنا بعضه، وآخر يقول: (لا حسد إلا في اثنتين)؟
الشيخ: قوله: (لا حسد) أي: لا غبطة، وقد بينا قبل قليل المباح منه والمحمود المندوب، فهذا مندرج في المحمود فالمندوب يكون عندما يحق للإنسان أن يحسد، فيحسد رجلاً يقرأ القرآن وينفع الناس، فهذا الذي تغبطه وتتمنى أن تكون مكانه، ورجل أعطاه الله علماً يعلمه الناس، فهذا من تغطبه وتتمنى أن تكون مثله.
ورجل أعطاه مالاً ينفق منه أناء الليل وأطراف النهار، فهذا الذي تغبطه وتتمنى أن تكون مثله، فهذا فيه الحث على المنافسة في الخيرات. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: سائل يسأل إذا كان لكم سلسلة في التفسير أشرطة وكتب؟
الشيخ: لنا تأملات قرآنية نزل منها ما يسمى ألبومان: ألبوم تأملات قرآنية واحد، وتأملات قرآنية اثنان. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: هل عندكم منهج معين في هذه السلسلة يا شيخ؟
الشيخ: نختار من كل سورة بعض الآيات، وأما في محاسن التأويل فنأخذ السورة كاملة. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: أحد الإخوة يسأل عن طلب العلم ولا سيما في المناطق النائية؟
الشيخ: الذين في المناطق النائية، يأخذون الأشرطة التي فيها شروح، كشروح الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله تعالى عليه، والشيخ ابن باز ، والشيخ عبد الله الجبرين ، والشيخ صالح الفوزان وأمثالهم من أقطاب العلماء، فيؤخذ أشرطتهم وتفرغ وتقرأ بعد تفريغها وينتفع الإنسان بها، ويستمع أيضاً لبعض طلبة العلم الآخرين.
ولبرامج قناة المجد أو غيرها كقناة المجد العلمية دروس كثيرة فيستفاد منها، فالأكاديمية العلمية بقناة المجد فيها خير عظيم لا يمكن إنكاره، بل تزيد الإنسان علماً إلى علم. |
|
|
|
|
|
|
المقدم: أحدهم يسأل: هل نسيان السنة كنسيان القرآن؟
الشيخ: لا، هذا يحتاج إلى دليل، والدليل قد صرح بالقرآن، لكن لاشك أن تضييع السنة فيه تفريط، لكن لا يصل إلى حد نسيان القرآن.
والنسيان أحياناً قد يكون بسبب عضوي، وأحياناً يكون بسبب المعاصي. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدم: سؤال الحلقة يا شيخ؟
الشيخ: سؤال الحلقة: يقول صلى الله عليه وسلم: (شيبتني هود وأخواتها).
السؤال ما هن أخوات سورة هود؟
المقدم: مشاهدي الكرام! أختم بهذا السؤال وتقبلوا تحية طيبة من فريق العمل من هؤلاء الرجال المخلصين الذين يقفون خلف شاشاتهم لينقلوا لكم هذا البرنامج بقيادة مخرجنا المتميز الأستاذ وليد الطيب .
أسعد الله مساءكم ونلتقي بإذن الله عز وجل في الحلقة القادمة في الشهر القادم ثاني اثنين إلى ذلكم الحين، ابقوا في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|