|
لليهود طبيعة ممقوتة ذكرها الله سبحانه في كتابه، فقد وصفهم الله سبحانه بالغدر والخيانة ونكث العهود، ومع ذلك حاول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التعامل معهم بالحسنى والصبر والحكمة، فقد كانت قوة المسلمين لا تسمح لهم بالمواجهة معهم، فظل المؤمنون يترقبون مرحلة جديدة يعلون فيها دين الله عز وجل وينصرون نبيه صلى الله عليه وسلم، ويزيلون فيها قوة اليهود ويدكون معاقلهم. |
|
|
|
|
|
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
هذا هو الدرس الرابع من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدروس السابقة تحدثنا عن الظروف التي بدأ فيها صلى الله عليه وسلم إنشاء دولته، وتحدثنا عن علاقته مع الطوائف المختلفة التي عاصرت هذا القيام، سواء كانوا مسلمين من أوس وخزرج ومهاجرين .. وغيرهم، أو كانوا مشركين.
وفي الدرس السابق تحدثنا عن مشركي قريش كفار مكة، وكيف كادوا لأمة الإسلام، وكيف خرج صلى الله عليه وسلم من الأزمة بنجاح، وبتدبير متقن معروف وبخطوات ثابتة، وترك لنا تشريعاً يستطيع المسلمون أن يخرجوا به من كل أزمة مشابهة.
اليوم حديثنا مع أمر في غاية الأهمية والخطورة، وهو موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من اليهود الذين كانوا في داخل المدينة، تعلمون أنه في داخل المدينة تعيش ثلاث قبائل كبرى لليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وفي شمال المدينة المنورة ووادي القرى تعيش مجموعة ضخمة أخرى من اليهود متجمعة أساساً في منطقة خيبر، كيف تعامل صلى الله عليه وسلم مع هذه الطوائف والقبائل المختلفة من اليهود؟
|
|
|
|
|
|
عندما دخل الرسول عليه الصلاة والسلام المدينة حاول أن يرقق قلوب اليهود، وأراد إشعارهم بأنهم فريق واحد من المؤمنين، فعمل شيئين بوحي من رب العالمين سبحانه وتعالى.
الأمر الأول: هو اتجاه القبلة ناحية بيت المقدس، ثبت في البخاري و مسلم أن الرسول عليه السلام توجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً من بداية دخوله المدينة حتى قبيل بدر بقليل كما سنرى إن شاء الله في الأحداث.
وهذه القبلة الواحدة تعطيهم انطباعاً واضحاً أنهم فريق واحد يتجهون إلى قبلة واحدة، فنحن وهم نعبد إلهاً واحداً، ونؤمن بالأنبياء السابقين جميعاً.
بقيت جزئية واحدة فقط، وهي أن اليهود يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو مذكور عندهم في الكتب المقدسة لاسيما التوراة والإنجيل، وعندهم علامات وبشارات كثيرة تؤكد أنه هو النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثاني: صيام يوم عاشوراً.
لما دخل الرسول عليه الصلاة والسلام المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه صلى الله عليه وسلم، وأمر المسلمين بصيامه).
فالمسلمون واليهود يصومون يوماً واحداً في السنة، وهذا اليوم فيه تعظيم لموسى عليه السلام، بل وتقليد له، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو النبي الخاتم وأتباعه المؤمنون يقلدون موسى عليه السلام في صيامه لهذا اليوم الذي نجاه الله عز وجل فيه، فكل هذا تقريب للقلوب، ومحاولة لاكتساب قلوب اليهود، فنحن لسنا أعداء لليهود، فكلنا نعبد إلهاً واحداً. |
|
|
|
|
|
|
كان من بني النضير حيي بن أخطب وهو مشهور، وأخوه أبو ياسر بن أخطب ، وبنو النضير قبيلة قوية جداً، فيها الكثير من أشراف اليهود، منهم: سلام بن أبي الحقيق و سلام بن مشكم ، و كعب بن الأشرف .
تحكي أم المؤمنين السيدة صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها وأرضاها قصة قدوم حيي بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: إن حيي بن أخطب وعمها أبا ياسر بن أخطب ذهبا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في الصباح. تقول: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين -كسلانين- يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب : أهو هو؟ أي: يا ترى أهو الرسول الذي جاء في التوراة؟ قال: نعم. والله هو، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه، قال: عداوته -والله- ما بقيت. سبحان الله! وفوق ذلك يحلف ويقول: عداوته -والله- ما بقيت.
بذلك وضح حيي بن أخطب منهج اليهود في التعامل مع الدين الإسلامي الجديد، وهو المنهج الذي ظل سارياً عند اليهود إلى يومنا هذا إلا من رحم الله تعالى.
وهكذا فإن بني النضير بكاملهم لم يسلم منهم واحد.
كذلك بنو قريظة لم يسلم منهم أحد، وهذا موقف عجيب جداً يحتاج إلى وقفة وتحليل ودراسة لطبيعة هؤلاء البشر الذين يتعاملون مع رسول يعلمون أنه رسول بهذه الصورة، لكنك عندما تراجع قصتهم مع سيدنا موسى عليه السلام، فإنك تستطيع أن تفهم لماذا عملوا هكذا مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. |
|
|
|
|
|
|
|
رفض اليهود جميعاً الإسلام تقريباً؛ لذلك قرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوم بمعاهدة بين المسلمين واليهود.
ومن المهم جداً أن ندرس ظروف هذه المعاهدة وبنودها؛ لكي نستطيع أن نقارن بين واقعنا الذي نعيشه الآن، وبين ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عقد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعاهدة وحافظ عليها، وفي نفس الوقت هو الذي أجلى بني قينقاع، ثم بني النضير، وهو الذي قتل بعد ذلك رجال بني قريظة، ولنا فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في كل خطوات حياته.
فلابد أن نعرف متى عاهد؟ ومتى حارب؟ ومتى قبل من اليهود بعض البنود في المعاهدة؟ ومتى لم يقبل منهم أن يمكثوا في المدينة المنورة يوماً واحداً؟ هذه أمور تحتاج منا إلى بحث دقيق.
قد يكون في قرارة نفس واحد منا غيظ وحقد كبيرين على اليهود؛ لأنهم علموا أنه الرسول الحق، ومع ذلك لم يتبعوه، والدين الإسلامي والشرع الإسلامي لا يظلم الناس شيئاً، فليس معنى قيام دولة إسلامية أن تهضم حقوق أهل الكتاب، والعلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب واضحة جداً في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، لخصها الله عز وجل في سورة الممتحنة، قال سبحانه وتعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:8-9].
فالإسلام قفزة حضارية هائلة، فالعالم اليوم بالكاد يتحدث عن قبول الآخر وعن الاعتراف به وسماعه، لكن الإسلام يتجاوز هذه المسألة إلى ما هو أعظم منها، العالم الآن قد أصبح في طفولة حضارية، والإسلام منذ (1400) سنة نزل بما هو أعظم وأعلى وأسمى من ذلك، نزل بالإحسان إلى الأخ والبر به والعدل معه والرحمة به وهكذا.
فليس معناه أن الرسول عليه الصلاة والسلام يكره أهل الكتاب على الدخول في الإسلام، مع أنه كان يتفطر حزناً صلى الله عليه وسلم على يهودي أو نصراني يموت على غير الإسلام، ومع ذلك لا يستطيع أن يكرهه؛ لأن هذا ليس من شرعنا، قال تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256].
فالرسول صلى الله عليه وسلم قرر أن يعقد معاهدة مع اليهود، واعلم أن فرصة الدعوة ما زالت موجودة، فلم يكن هناك تاريخ عدائي يذكر بين المسلمين واليهود وقتئذ، نعم، هم كذّبوا الآن، ولكن قد يفتح الله عز وجل قلوبهم إن شاء الله في المستقبل، والرسول عليه الصلاة والسلام ما كان ييئس مطلقاً من دعوة إنسان، فقرر أن يعمل معهم معاهدة. |
|
|
|
إن بنود المعاهدة مع اليهود تستخلص منها قواعد المعاهدات في الإسلام، وأصوله، وهذه المعاهدة بهذا الوصف توضح مدى التجني على السيرة النبوية، الذي قام به من شبّه المعاهدات الحديثة في زماننا مع اليهود بالمعاهدة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود في زمانه، وشتان بين المعاهدتين.
تعالوا بنا لنرى بنود معاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم:
أولاً: أن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وهذا البند يوضح لنا حقيقة كبرى، قال تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] فللمسلمين دين ولليهود دين، وفي هذه المعاهدة تعريف كل اليهود الموجودين في داخل المدينة المنورة بأسماء قبائلهم، يعني: يهود بني النجار، يهود بني حارثة، يهود بني ساعدة، يهود بني عوف .. وهكذا.
ثانياً: أن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. أي: الذمة المالية لهم محفوظة تماماً من قبل زعيم الدولة في ذلك الوقت صلى الله عليه وسلم، فليس معنى أننا عاهدناهم، وأن الزعامة في الدولة والرئاسة في الدولة للمسلمين أن يؤخذ حقهم، أو أن تؤخذ ممتلكات لهم، بل لهم حرية التملك ما داموا في عهدهم مع المسلمين في داخل الدولة الإسلامية.
وفي نفس الوقت فيها نوع من تميز المسلمين عنهم، فلا تعني هذه المعاهدة أن الأمور ستتميع، ويصبح الاقتصاد الإسلامي ممزوجاً بالاقتصاد اليهودي، لا، ليس للمسلمين دخل بحياتهم، بل لهم حياتهم المستقلة التي يعتزون بها.
ويدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في المعاهدة هذا البند؛ لأن الاقتصاد في تلك اللحظة كان معظمه في أيدي اليهود.
ثالثاً: أنه في وقت الحرب يتغير هذا الأمر، فإذا حدث حرب أو حصار على المدينة المنورة، فالجميع بحق المواطنة يدافع عن المدينة المنورة، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب. أي: ما دام المسلمون واليهود يعيشون في بلدة واحدة، لزم الجميع الدفاع عن البلد إذا حصل غزو خارجي.
رابعاً: أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين أي: إذا حصل حرب تجتمع النفقة من الطرفين للدفاع عن البلد. وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن النصر للمظلوم، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
كلها أمور تحفظ لليهود شأنهم في داخل الدولة التي يتزعمها محمد صلى الله عليه وسلم.
خامساً: هناك بند خطير جداً وفي منتهى القوة: يقول صلى الله عليه وسلم: (وأنه لا تجار قريش ولا من ناصرها) وهذا بند خطير.
فهذه المعاهدة مكتوبة، وقع عليها الرسول عليه الصلاة والسلام ووقع عليها اليهود، وهو أنه إذا دهم يثرب أي عدو فعلى الجميع أن يتعاون في صده، حتى ولو كان هذا العدو قريشاً، ولم يكن بين قريش واليهود خلافات قبل ذلك، بل كانت العلاقات الدبلوماسية بينهم جيدة.
فاليهود بهذه المعاهدة قرروا أن يقاطعوا قريشاً؛ لأنهم يتوقعون أن قريشاً تهجم على المدينة المنورة، لكن لمعرفة الرسول عليه الصلاة والسلام أن اليهود أهل خداع ومكر وغدر وخيانة، صرح في المعاهدة باسم قريش؛ لئلا تقول اليهود في يوم من الأيام: إن قريشاً مستثناة من هذه المعاهدة، واعلم أن أي معاهدة مع اليهود لابد أن تكون كل كلمة فيها مكتوبة بمنتهى الوضوح، فقوله: (وأنه لا تجار قريش ومن ناصرها)، يعني: إذا هجمت قريش على المدينة فعلى اليهود أن يساعدوا المسلمين في حربهم لا قريشاً في حربها ضد المسلمين، وسنرى مخالفة اليهود لهذا البند في بني قريظة، ونفهم من خلفيات غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني قريظة، عندما عاونت قريشاً على المسلمين في يوم الأحزاب، فنحن نلاحظ أن هناك قوة وصلابة في المعاهدة من طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان يملي الشروط على اليهود.
سادساً: قال صلى الله عليه وسلم: (وألا يخرج من اليهود أحد إلا بإذنه صلى الله عليه وسلم)، وهذا مثل نظام الجوازات في الوقت الحاضر، لا أحد يغادر الدولة إلا بإذن من السلطة نفسها، فليس لقبائل اليهود في داخل المدينة المنورة أن يخرجوا لحرب أو سفر أو لأمر من الأمور إلا بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم قد يشعلون نار الفتن خارج المدينة؛ فتجر هذه الفتن الويلات على المدينة المنورة بما فيها من اليهود والمسلمين.
إذاً: تأشيرة الخروج والسماح بالسفر كانت في يد الرسول صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى الفرق الرهيب بين هذه المعاهدة وبين المعاهدات التي عقدت في فلسطين مع اليهود.
سابعاً: أهم بنود هذه المعاهدة: قوله صلى الله عليه وسلم: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم).
لو حصل خلاف بين المسلم وأخيه، أو حصل خلاف بين المسلمين واليهود، فالحكم لله عز وجل ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فانظر يا أخي المسلم إلى مدى القوة، ومدى النصر والبأس الذي حققه صلى الله عليه وسلم بهذه المعاهدة، أبعد هذا كله يشبهون المعاهدات الحديثة بهذه المعاهدة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود؟! |
|
|
|
|
نتعلم من هذه المعاهدة أن الإسلام دين ينظم كل أمور الحياة، فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي علم المسلمين الصلاة والصيام والقيام والقرآن وبناء المساجد يقف بكل صلابة ورجولة وقوة وحكمة وسياسية بارعة، ويعقد مع اليهود معاهدة كانت يد الله عز وجل فيها هي العليا، وقد حصل المسلمون من هذه المعاهدة اتقاء شر اليهود، والتعاون على البر وليس على الإثم، والاعتراف من قبل اليهود بدولة المسلمين الناشئة، وهي مع ذلك لها احترام وعزة ورأي.
كما أن هذه المعاهدة فيها تخذيل قوة اليهود عن معاونة قريش، وهذا نجاح كبير جداً، فها هو الرسول عليه الصلاة والسلام فصل بين الحزبين: حزب قريش وحزب اليهود، وأي مخالفة بعد ذلك سيدفع اليهود ثمنها، والحكم والمرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
قبل اليهود ولهم من العمر مئات السنين في داخل يثرب بزعامة الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة المنورة، فأي فضل وخير وعظمة ونصر وتمكين في هذه المعاهدة التي تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين اليهود؟! |
|
|
|
|
البون شاسع بين المعاهدة النبوية مع اليهود والمعاهدات الحديثة التي يروق لبعض المسلمين أن يشبهوها بمعاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم معهم، ففي معاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود لم يخالف شرع الله عز وجل، ولم يقدم تنازلاً واحداً مخلاً بالدين، وقد بيّنا أن أهم شرط في العهود مع أهل الكتاب: ألا ينقض أمر من أمور الدين، وعندما أقر العدو على امتلاكه لأرض من أراضي المسلمين فإن هذا إخلال واضح بالدين، وهذا الإخلال قد حصل في كثير من المعاهدات مع اليهود في زماننا هذا، وهو إخلال واضح في الشرع لا يقبل أبداً في معاهدة إسلامية.
ومن مخالفة الشرع أن يعقد الصلح في وقت تعين الجهاد، إذ لا تجوز المعاهدة في وقت تعين الجهاد؛ لأن من الأسباب التي تجعل الجهاد فرض عين نزول العدو في الأرض الإسلامية، كنزول اليهود في أرض فلسطين الآن.
من مخالفة الشرع أيضاً: الإقرار بالظلم، ومعاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها: أن النصر للمظلوم، فلا يجوز عقد معاهدة يكون من جرائها أن يزج في السجون آلاف من المجاهدين، أو يكون من جرائها إقصاء عدد هائل من المجاهدين عن الأرض الإسلامية، أو يكون من جرائها مصادرة الديار والأموال والأراضي.. وما إلى ذلك.
في معاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم: أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، واليهود في هذا الوقت ظلموا كل الجيران الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين.
إذاً: فهذه كلها مخالفات شرعية لا تجوز في معاهداتنا مع اليهود وغيرهم.
في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهده كان الخروج من المدينة لا يتم إلا بإذنه، لكن الآن لا يخرج أحد من الفلسطينيين من فلسطين إلا بإذن من اليهود.
أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم العهد على اليهود ألا يجيروا قريشًا القوة الأولى في الجزيرة في ذلك الوقت، لكن هل أمن المسلمون شر أعدائهم بهذه المعاهدات الحديثة؟ هل اشترط المسلمون على اليهود ألا يعاونوا عدواً يضرب بلداً من بلدان المسلمين؟ هل اشترطوا عليهم ألا يعاونوا أمريكا مثلاً في ضرب العراق أو سوريا أو إيران أو السودان .. أو غيرها من بلاد العالم الإسلامي؟ كل هذا لم يحدث، لكن أهم ما في الأمر أنه عند الاختلاف من يحكم بيننا؟ في معاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم كان الحكم هو الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذا مصرح به في المعاهدة، ووقع عليه اليهود، أما الآن فالمرد إلى الأمم المتحدة، أو قل: إلى أمريكا، ثم بعد ذلك من أعطى فلسطين لليهود؟ إنها الأمم المتحدة، هي التي أنشأت قرار التقسيم وأعطت جزءًا كبيراً جداً من فلسطين لليهود، وبعد ذلك أعطتها لهم كلها.
فالواقع يا إخواني! أن المعاهدات في العصر الحديث مختلفة اختلافاً بيناً حقيقيًا عن المعاهدة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا وجه للمقارنة أبداً. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
هناك شيء مهم في موضوع المعاهدات: وهو أنه لابد للحق من قوة تحميه، فإذا كنت معاهداً لليهود فلابد أن تكون لك قوة تحميك، ليس من الحكمة مطلقاً أن تعاهد اليهود دون أن يكون لك قوة مخوفة لليهود، حتى ولو كانت كل البنود شرعية؛ لأن من طبيعتهم التمرد والمخالفة ونقض العهود، فإذا لم يكن معك قوة فما أيسر المخالفة عندهم، وانظر إلى قول الله عز وجل: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:100].
فلو افترضنا أن اليهود خالفوا مخالفة صريحة للمعاهدة ماذا ستعمل؟ هل ستكتفي بالشجب والإدانة والصراخ والولولة ولطم الخدود؟ لا؛ لأن هذا كله لا ينفع مع موازين القوى العالمية.
إذاً: المعاهدات مع اليهود تحتاج إلى رجولة، وتحتاج إلى قوة وشجاعة، فلابد أن ترجع إلى معاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام ماذا فعل؟ ولابد أن تعرف إذا خالف اليهود ماذا تفعل؟ وكيف تتصرف؟
فماذا فعل اليهود بعد هذه المعاهدة؟ مع وفاء المسلمين بالعهد إلا أن اليهود بدءوا يتحرشون بالمسلمين، وكعادة اليهود يتحرشون دائماً بالمسلمين بصورة غير مباشرة، أي: يدفعون غيرهم للعمل دون أن يكون لهم ظهور واضح في الأمر.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|