|
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
سيكون الكلام في هذا الدرس عن ليلة القدر، والكلام في الأسبوع القادم - بإذن الله تعالى - سيكون عن الاعتكاف ومشروعيته ومكان الاعتكاف، وموطن البحث حينئذ سيكون عن موطن الاعتكاف؛ رداً لمن قال: إنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، باعتبار أنها جزئية في غاية الأهمية، وأثارت جدلاً طويلاً في السنوات الأخيرة، فنجلي الأمر حينئذ بإذن الله تعالى. |
|
|
|
قال: [ وحدثنا محمد بن حاتم وابن أبي عمر كلاهما عن ابن عيينة قال ابن حاتم : حدثنا سفيان بن عيينة عن عبدة و عاصم بن أبي النجود سمعا زر بن حبيش يقول: (سألت أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر) ] يعني: الذي سيصلي العام كله سيدرك ليلة القدر، وهذا مذهب خاص لـابن مسعود فقد كان يرى أن ليلة القدر في رمضان وفي غير رمضان، وأن من قام الحول كله لا بد له من إصابة ليلة القدر.
قال: [ (فقال: رحمه الله، أراد ألا يتكل الناس) ] انظر إلى الأدب من أبي بن كعب مع ابن مسعود ، حيث قال: رحم الله أخي ابن مسعود ، ثم بين بأدب شديد جداً خطأ ابن مسعود بعد أن دعا له بالرحمة ووجد له مخرجاً وعذراً بقوله: (أراد ألا يتكل الناس) يعني: هو أراد أن تجتهدوا في العبادة في جميع السنة، لم يجعلها في العشر الأواخر، ولا في رمضان، بل في السنة كلها.
قال: [ (أما إنه قد علم أنها في رمضان) ] يعني: أبي بن كعب أثبت أن ابن مسعود يعلم أنها في رمضان، ولكنه قال لكم خلاف ما يعلم؛ حتى لا تتكلوا، وهذا من فقه الدعوة.
قال: [ (وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين) ] يعني: مذهب أبي بن كعب أنها على التعيين من كل عام ليلة سبع وعشرين، وكان يقسم على ذلك ولا يستثني، يقول: أقسم بالله العظيم أو أحلف بالله غير حانث ولا مستثن أنها ليلة السابع والعشرين فيما مضى؛ لأنها لو كانت فيما بقي لكانت في أول الشهر يوم اثنين أو ثلاثة.
وهذا يدل على أن العالم لا يلزمه أن يفتي بكل ما يعلم؛ لأنه لا بد وأن ينظر في مصلحة المستفتي، أحياناً يأتيك الرجل فيقول لك: أنا قلت لامرأتي: عليها الطلاق، قد تقول: وقع الطلاق، والطلاق لم يقع، وهذا اللفظ عند بعض أهل العلم يقع به الطلاق، وعند الجمهور طلاق ضمني، يعني: إذا نوى به الطلاق وقع، وإذا لم ينو لم يقع، يقول لك: أنا لم أنو، هذه زوجة وعشرة سنين وعيال وأكل وشرب وملابس فكيف أنوي؟ لم أنو والله، فإن كان من أهل العلم أو طالب علم مؤدب محترم وصاحب دين وعلم ووقع في مثل هذا تقول له: لا شيء عليك ولا حرج، عليك كفارة يمين؛ لأن هذا صاحب دين وتحرٍ، ويعلم أن نساء المؤمنين ليس بالأمر الهين، وخراب البيوت ليس بالأمر الهين، بخلاف من قد جثم الشيطان على صدره بالليل والنهار، فمثل هذا يخوف، وسار جماهير أهل العلم قديماً وحديثاً أنه ليس بلازم أن يفتي الرجل المستفتي بما هو حق في الشرع، بل يمكن أن يتجاوزه لمصلحة المستفتي، استناداً إلى المصلحة الخاصة للمستفتي، وأنه لا يضره بالفتوى؛ لأنه ليس كل العلم ينفع الناس، فمن العلم ما يفتنهم ويضرهم ويضلهم، ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟.
ويقول ابن مسعود : ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
مع أنه دين وعلم وأدلة، لكن لا تبلغ لهذه الأدلة عقول الخلق، فينبغي أن يخاطبوا على قدر عقولهم؛ حتى لا يكذبوا الله تعالى ورسوله.
إذاً: فالأصل أن يتفرس المفتي في وجه المستفتي، وألا يعطيه من العلم إلا ما ينفعه، أقل منه لا، زيادة عنه لا، أقل منه يجعله يفرط، وأكثر منه يضله ويشقيه.
قال: [ (ثم حلف - أي أبي - لا يستثني - أي لا يقول: إن شاء الله - أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر ؟ -وهذه كنية أبي - قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)]، لم يذكر العلامة وهي الشمس؛ لبيانها وعدم الحاجة إلى ذكرها، فالشمس تطلع في ذلك اليوم لا شعاع لها، نحن في هذا الوقت عندما ننظر إلى الشمس وهي في جهة المشرق عند طلوعها نرى أشعة مثل الحبال والخطوط تخرج من الشمس إلينا، ففي ليلة القدر تمتاز عن بقية الليالي فيما يتعلق بعلامتها وأمارتها في صبيحة تلك الليلة، وهي أن الشمس تخرج في صبيحة ليلة القدر بيضاء نقية لا شعاع لها صافية، من ينظر إليها يسعد جداً بنظره إليها، بخلاف غيرها من الأيام، فإنك لا تطيق النظر إليها كثيراً؛ لأنه يؤذيك شعاعها، لكن في هذا اليوم بالذات تخرج بلا شعاع.
إذاً: هذه إحدى الأمارات والعلامات على أن الليلة الماضية والمنصرمة كانت ليلة القدر.
قال: [ وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت عبدة بن أبي لبابة يحدث عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (قال أبي في ليلة القدر: والله إني لأعلمها، قال شعبة: وأكبر علمي هي التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) ] أي: كان أبي بن كعب يقسم أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين. |
|
|
|
|
|
|
قال: [ حدثنا محمد بن المثنى و أبو بكر بن خلاد قال: حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد -هو ابن أبي عروبة - عن أبي نضرة -هو المنذر بن مالك بن قُطَعَة - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبان له) ] يعني: قبل أن يخبر ويأتيه الوحي بأنها في العشر الأواخر.
قال: [ (فلما انقضين -أي: فلما مرت هذه العشر الأوسط- أمر بالبناء فقوض) ] يعني: لما انتهت هذه العشر الأوسط أمر بهذه الخيمة فنزعت وأزيلت.
قال: [ (ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد) ] أي: لما أخبر بليلة القدر أمر بالخيمة فأعيد تركيبها وبناؤها مرة أخرى.
قال: [ (ثم خرج على الناس فقال: يا أيها الناس! إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان فَنُسِّيتُها) ] يعني: أنا رأيت في ليلة الحادي والعشرين أن ليلة القدر ليست في العشر الأوسط من الشهر وإنما هي في الأواخر منه، وربما رآها تحديداً في ليلة بعينها، وقام من نومه وأتى أصحابه ليخبرهم بميعاد هذه الليلة من ذلك العام، وليست هذه الليلة متعينة في كل عام.
قوله: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان) فتحاقا أو تخاصما أو تلاحيا كلها بمعنى واحد، والمعنى: أن كل واحد منهما يدعي أن له حقاً عند صاحبه، ويطالب صاحبه بالحق الذي عنده، وكان معهما الشيطان، فلما رأى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام نسي ما كان سيحدث به أصحابه، وهذا يدل على أن الخصومة والملاحاة سبب للعذاب والشقاء، وسبب لرفع الخيرات وجلب المضرات.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام في رواية أخرى: (وإني خرجت لأخبركم بليلة القدر، غير أني رأيت رجلين منكما قد تخاصما فرفعت) فهل معنى (رفعت) نسيتها أو أُنسيتها، أم أنها رفعت هذه الليلة وتحولت إلى ليلة أخرى؟ على خلاف بين أهل العلم، وهذا يدل على أن الخصومة والملاحاة والخلافات سبب لمحق البركات وجلب المضرات.
قال: [(فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)] يعني: التمسوها في التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين، مع أنه كان حقه أن يقول: التمسوها في الخامسة والسابعة والتاسعة؛ للترتيب، ولكنه أتى من الآخر قال: (التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)، ولذلك لم يتفطن أحد من أهل العلم إلى هذه الأعداد إلا ابن تيمية عليه رحمة الله، فقال كلاماً جميلاً سأذكره.
ومبدأ الحساب للمجتهد المطلق أمر لازم، وإلا كيف سيتعامل مع الأعداد والأرقام الموجودة في الكتاب والسنة؟ لا بد أن يكون فقيهاً بمادة الحساب والرياضة، ولذلك الإمام السيوطي عليه رحمة الله ادعى أنه مجتهد مطلق، وأراد أن يصنع لنفسه مذهباً يخالف فيه مذهب إمامه؛ لأنه كان شافعي المذهب، فخالفه في ثمان عشرة مسألة فقط، فرأى أن العملية ما تستأهل مذهباً منفرداً؛ لأنه كان يفكر بنفس الطريقة التي كان يفكر بها الشافعي والشافعية، فكيف يخالفهم والمنهج الفكري واحد، والأصول واحدة؟
الشاهد: أن الإمام السيوطي ظن أو ترجح لدى نفسه أنه يحق له أن يكون مجتهداً مطلقاً، لأنه بلغ في العلم شأناً عظيماً جداً، وكان كعبه عالياً في العلم، خاصة فيما يتعلق بالعلوم الحديثية، وكان ذا شأن عظيم، لكن الإمام السخاوي كان يعيش معه في عصر واحد، فلم يكن السيوطي يصنف كتاباً إلا ويرد عليه السخاوي والعكس بالعكس، و السيوطي له أكثر من ألف ومائتي مصنف، وقيل: ألفا مصنف، ما ترك باباً من أبواب العلم إلا وصنف فيه مؤلفاً: أدب، لغة، حديث، فقه، تفسير، ما ترك شيئاً إلا وصنف فيه كتباً وصار إماماً فيه، فقال له السخاوي : أنت قلت: إنك مجتهد مطلق كيف ذلك وأنت تجهل الحساب، هذه المادة الوحيدة التي لم يكن يفقه السيوطي فيها شيئاً، والحساب من ألزم العلوم لعلم المواريث.. وغيره من المسائل الشرعية التي تحتاج إلى الحساب والرياضة، فـالسيوطي ليس عنده استعداد أن يستوعب مسألة واحدة في الحساب، فـالسخاوي قال له: أنت لست مجتهداً مطلقاً، فيرد السيوطي على السخاوي ، وذلك عندما ألّف السخاوي كتاباً اسمه: (ألف سيخ في عين من حرم الفتيخ) والفتيخ هو حديد، وكان السيوطي يحرم الفتيخ، فرد عليه بكتاب اسمه: (الفتيخ في عين من أحل الفتيخ) وكل واحد يأتي بأدلته، ودار بينهما من المهاترات والمناظرات الشيء الكثير جداً، وقد ذكر السخاوي طرفاً عظيماً جداً في مقدمة كتاب (الضوء اللامع في أخبار القرن التاسع) مما كان بينه وبين الإمام السيوطي .
وعلى أية حال كلام الأقران يطوى ولا يروى، والذي وقع بين السخاوي و السيوطي لا عبرة به، ولا يؤثر على جلالة وإمامة الإمامين، وإنما ذكرناه من باب الطرفة.
قال: [ (التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة، قال: قلت: يا أبا سعيد ! إنكم أعلم بالعدد منا) ] هذا يدل على أن الحساب أمر لازم؛ لأن الصحابة كانوا يعلمونه.
قال: [ (إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل) ]، يعني: نحن في الحساب أحسن منكم أيها التابعون.
قال: [ (نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة)]، يعني: باعتبار ما بقي، وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ، فشيخ الإسلام ابن تيمية فهم كلام أبي سعيد الخدري ، فلك أن تحسبها من أول الشهر، ولك أن تحسبها من آخر الشهر، لكن هذا لا يعرف إلا بظهور هلال شوال؛ لأن الرؤية أحياناً تختلف، فمثلاً: اختلفنا مع السعودية في بدء الشهر، فعند السعودية هذه الليلة هي ليلة سبع وعشرين من الشهر، وعندنا ليلة ست وعشرين، فمن المخطئ السعودية أم نحن؟
فلو كانت ليلة القدر الليلة فيلزمك أن تقول: إن ليلة القدر كانت عندنا في ليلة زوجية، والمتفق عليه أنها لا تأتي في ليلة زوجية، لا بد أن تأتي في ليلة وترية، إذاً: كيف ظهرت عندنا في ليلة ست وعشرين وعند السعودية في ليلة سبع وعشرين مع أن الليلة واحدة، أقول لك: يمكن أن تكون ليلة سبع وعشرين باعتبار ما مضى من الشهر، ويمكن أن تكون بالنسبة لنا الليلة الثالثة باعتبار ما بقي. يعني: عندما نقول: هذه ليلة سبع وعشرين باعتبار ما مضى من الشهر، وهي ليلة وترية، لكن نحن بتعداد رمضان عندنا الذي بدأناه بعدهم بيوم عندنا بالنسبة لنا ليلة ست وعشرين ليست ليلة سبع وعشرين، هذه زوجية باعتبار ما مضى من الشهر، لكن لو حسبناها باعتبار ما بقي من الشهر لصارت وترية، وهذا هو الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية .
والأصل أننا ما دمنا قد اتفقنا معهم في الليل والنهار فنتبعهم ويتبعونا، أما أن نتابع السعودية بإطلاق فهذا غير صحيح؛ لأنه قد يحصل خطأ وصواب، فمتى تحققت الرؤية وجب الاتباع منا ومنهم، وأيضاً قلَّ أن تجد مسألة في دين الله عز وجل إلا وقد اختلف في تأويلها وفي فهمها أهل العلم، فما من مسألة من مسائل الشرع إلا وتجد فيها قال الشافعي كيت، وقال أبو حنيفة كيت، وقال أحمد كيت، آراء مختلفة جداً، وهم اختلفوا باجتهادهم، واجتهادهم هذا سائغ، ومقبول، إذا بني على الدليل، أما إذا تكلم أحد -مهما بلغ قدره وجلالته- في دين الله بغير دليل فإن خلافه غير معتبر، وهو حينئذ مخطئ، أما إذا كان هناك دليل يعتمد عليه واجتهد في هذا الدليل فخالف جماهير المجتهدين، فنقول: هذه المسألة فيها خلاف، فمثلاً أبو بكر الصديق قال فيها قولاً والجمهور من الصحابة قالوا فيها قولاً، فالراجح هو قول جمهور الصحابة وليس قول أبي بكر؛ لأن الخطأ أقرب إلى الواحد منه إلى الجماعة، لكن لا نقول: رأيه مرجوح. |
|
|
|
|
|
|
|
|
وهذا كلام محمول على أن هذا الطين أو هذا التراب كان شيئاً يسيراً لا يمنع من تمكن الجبهة من الأرض والتماسها بالأرض؛ لأن هذا فرض في السجود؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وذكر منها: الجبهة) والإجماع على أن الأنف تابع لها، فالذي يصلي على جبهته وقد غرز طاقيته أو قلنسوته أو عمامته في جبهته حتى بلغت حاجبه هذا على خطر عظيم جداً، فإن كان يفعل ذلك متعمداً بطلت صلاته، وإن كان يفعله جاهلاً فلا شيء عليه حتى يتعلم ويعلم، فيرجع إلى ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين) هذه سبعة.
وربما قال قائل: ولم الجبهة بالذات مع أن الواحد يمكن أن يصلي ويسجد على الركبتين وهي مغطاة، وكذلك يصلي في الجورب ويصلي في الخف ويصلي في النعل، نقول: إجماع أهل العلم أن الأصل في الجبهة الكشف لا التغطية، ولذلك أوجبوا أن تمس الجبهة الأرض، أو يمس منها شيء يتحقق به لغة مس الجبهة للأرض.
فالإنسان الذي ينزل طاقيته إلى حد حواجبه إذا دخل في الصلاة فليرفع هذا الساتر حتى تمس جبهته الأرض والتراب، والشيعة عليهم من الله ما يستحقون يفعلون غير هذا؛ لأن الشيعة لهم دين يتدينون به غير دين الإسلام، وغير دين أهل السنة والجماعة في كل شيء، إلا شيئاً يسيراً، الشيعة يسجدون على حجارة، وعندهم مصانع لهذه الحجارة، كان في الأول يسجدون على بلطة، فلما انتهى البلط تقريباً؛ لأنهم يأخذن البلط من ماء وطين معين من كربلاء، فلما انتهى البلط الذي في كربلاء أنشئوا مصانع لصنع حجارة معينة، على اعتبار أن هذه الحجارة مربعة وفيها مكان مريح للجبهة، وتجد الإقبال الكبير من الشيعة على شراء هذه الحجارة، مما جعلهم يطالبون المصنع بأن يكثر من إنتاج هذه الحجارة، حتى يحصل كل الشيعة على هذه الحجارة، فهم يعتقدون أن الصلاة غير صحيحة إلا على هذه الحجارة، ودخلت مسجداً ذات مرة سنة (1974م) فوقع في يدي كتاب من كتب الشيعة، وكان ثمرة سيئة من ثمرات عدم تلقي العلم على أيدي المشايخ، وقع في يدي كتاب اسمه: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وحينها لم يكن عندي علم لا عن الشيعة ولا عن السنة، وفيه: أن الصلاة لا بد أن تكون على الأرض وعلى الحجارة، فاتخذت حجارة للصلاة عليها، وأنا في سنة (1974م) كنت في أول ثانوي، فدخلت المسجد في مدينة المنصورة فأخرجت الحجر من جيبي ووضعته لأسجد عليه، فكان هناك واحد بجانبي فلما رأى الحجر قال: أنت شيعي، قلت له: نعم والحمد لله، فقال لي: لماذا تصلي هنا؟ قلت: أصلي يا أخي في بيت ربنا، ودخل الإمام في الصلاة وكاد أن يركع وما زلنا نتجادل مع بعض فتركني ودخل في الصلاة وأنا دخلت، وكان كلما جئت لأسجد على الحجارة أخرها الأخ بيده، وبعد الصلاة قلت له: أنت جاهل، قال لي: لا، أنت الجاهل، والظاهر أنك شيعي ولا تعرف، فقلت له: خذ هذا الكتاب واقرأ فيه حتى تعلم ما فيه، فقال لي: تعال فأتى الإمام وقال له: هذا الأخ معه حجارة يسجد عليها، فكلمني الإمام بطريقة فيها عجرفة وعنجهية، فتمسكت بما أنا عليه، ورميتهم كلهم بالجهل والإلحاد وترك السنة ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل هذا الكلام كان موجوداً في الكتاب، وأخذت الكتاب ومشيت، ثم صليت في مسجد في قرية مجاورة لنا، فجئت لأخرج الحجارة من الجيب فلم أجدها، فتحسرت وندمت، فلما جئت لأسجد رفعت طرف السجادة حتى أسجد على البلاط، فقال لي الرجل الذي كان بجانبي: لماذا تعمل هكذا؟ قلت له: السنة السجود على الأرض مباشرة، قال لي: هذا عمل الشيعة، وهم ليسوا من أهل السنة، قلت: وما يدريك أنت؟ قال: كنت في العراق والشيعة يفعلون هذا، أما أهل السنة فلا يفعلون ذلك، فوقعت كلماته في قلبي أبرد من الماء البارد في اليوم الحار، فقلت له: سأراجع نفسي، فقال: راجع نفسك، فذهبت من المنصورة إلى القاهرة ودخلت على شيخنا وإمامنا الكبير الشيخ كشك رحمه الله بعد صلاة الجمعة، فلما وصلت إليه قلت له: يا شيخ! الموضوع كيت وكيت وكيت وكيت، قال لي: هذا ضلال مبين، هذا مذهب الشيعة عليهم لعنة الله، وظل يسبهم، فبقيت سنة كاملة أتردد بين المنصورة والقاهرة؛ من أجل أن أصلي وراء الشيخ كشك يوم الجمعة، فقد كان صاحب فضل علي بعد ذلك الرجل الفلاح الذي لا يعرف شيئاً، ولا حتى يحسن أن يكتب اسمه، حتى تعرفوا أن الواحد قد يتلقى علمه ممن هو دونه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قال: [ وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر أن أباه رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لليلة القدر: إن ناساً منكم قد أروا أنها في السبع الأول، وأري ناس منكم أنها في السبع الغوابر، فالتمسوها في العشر الغوابر) ] (الغوابر) هي البواقي والأواخر، فالغابر هو الشيء المتأخر، أو الشيء الباقي، وكلمة (الغوابر) في اللغة من كلمات الأضداد، يقال: فلان غبر أي: فلان مضى وانتهى، وفلان غبر أي: مات، وفلان غبر أي: تأخر، وفلان غبر أي: تقدم.
فكلمة (غبر) في اللغة من كلمات الأضداد، تطلق على الشيء وضده، تطلق على الأول وعلى الآخر، وعلى المتقدم وعلى المتأخر، فلما ذكرت هنا في مقابلة الأول فلا بد أنها تدل على الأواخر.
فقوله: (إن ناساً منكم قد أروا أنها في السبع الأول) اختلف العلماء في السبع الأول، هل هي السبع الأول من العشر الأواخر، أو السبع الأول من أول شهر رمضان؟
فهناك ناس رأوا في منامهم، والرؤى والأحلام لا ينبني عليها اعتقاد ولا أحكام، وإنما هي مبشرات.
وقوله: (وأري ناس منكم) أي: ورأى أناس آخرون منكم.
وقوله: (أنها في السبع الغوابر) أي: في السبع البواقي من الشهر.
وقوله: (فالتمسوها في العشر الغوابر) أي: فالتمسوها في العشر الأواخر والغوابر من شهر رمضان. |
|
|
|
|
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها.
حدثنا يحيى بن يحيى - هو التميمي النيسابوري أبو زكريا - قال: قرأت على مالك - وهو مالك بن أنس الإمام المشهور - عن نافع - الفقيه - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (إن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) ] يعني: أنا أرى أن رؤاكم قد تواطأت على أن ليلة القدر إنما تكون في السبع الأواخر من شهر رمضان.
فقوله: (فمن كان متحريها) أي: فمن كان يطلبها ويتحرى وقتها.
وقوله: (فليتحرها في السبع الأواخر) والنبي عليه الصلاة والسلام كان من عادته أنه إذا صلى الغداة يلتفت إلى أصحابه ويقول: من رأى منكم رؤيا البارحة، فيحدثه كل إنسان بما رأى، إن كان خيراً قصه عليه وأوله له النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا سكتوا قال النبي عليه الصلاة والسلام: وإني رأيت فيما يرى النائم في هذه الليلة كيت وكيت وكيت، فكان يقص عليهم ويقصون عليه، ويؤول لهم رؤياهم صلوات ربي وسلامه عليه، حتى قص عليهم قصصاً عجيبة فيما يتعلق بالجنة والنار، والجزاء والثواب والعقاب.. وغير ذلك مما هو معلوم لديكم.
وبين النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: أن من رأى في منامه شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليتفل عن يساره ثلاثاً، وليتحول عن مكانه، وربما قال: فليتوضأ، وليصل ركعتين، فهذا فيه العصمة من الكوابيس ومن الأحلام السيئة التي تقض مضجع صاحبها. |
|
|
|
|
|
|
قال: [ وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر).
وحدثني عمرو الناقد و زهير بن حرب قال زهير : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم -وهو ابن عبد الله بن عمر - عن أبيه - وهو عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما قال: (رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها) ].
أما فقوله: (أرى رؤياكم في العشر الأواخر) يعني: لما رأى هذا الرجل ليلة القدر في ليلة السابع والعشرين أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يؤكد على مجموع الرؤى لا على رؤية هذا الرجل؛ لأن جل الصحابة الذين أخبروا برؤاهم أخبروا أنها في السبع الأواخر، بخلاف رجل واحد فإنه قال: إني رأيتها في ليلة السابع والعشرين، وإلا فمعظم رؤى الصحابة إنما كانت في العشر الأواخر.
وقوله: (فاطلبوها في الوتر منها) أي: في الليالي الوترية، ليلة الحادي والعشرين، والثالث، والخامس، والسابع، والتاسع والعشرين. فهذه الليالي هي مناط ومحل ليلة القدر.
أما كون النبي عليه الصلاة والسلام يعلم ليلة القدر، أو يعلم اسم الله الأعظم، أو يعلم ساعة الإجابة في يوم الجمعة.. أو غير ذلك، وأخفى ذلك على هذه الأمة، فإنما هذا الإخفاء كان لمصلحة عظيمة جداً، وهي أن يتحرى الناس العبادة، ويجتهدوا فيها في معظم هذه الأوقات؛ لأنك لو علمت يقيناً أن الساعة التي يجاب فيها الدعاء في يوم الجمعة هي ساعة كذا بالتحديد، لانقطعت في هذه الساعة للعبادة والدعاء والذكر والتسبيح، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام عمّى ذلك على الأمة فقال: (إن في الجمعة لساعة ما يدعو فيها أحد إلا استجيب له).
ولذلك اختلف العلماء في تحديد هذه الساعة، فمنهم من قال: هي في الصباح، ومن قال: هي في المساء، ومن قال: هي قبيل المغرب، ومن قال: في ساعة الجمعة، ومن قال: بين يدي الإمام وهو يخطب، وكل هذا إنما هو لمصلحة الأمة، وهي أن تجتهد في الدعاء والذكر والتسبيح والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في هذا اليوم من أوله إلى آخره.
كذلك أخفى النبي عليه الصلاة والسلام علينا اسم الله الأعظم؛ حتى نجتهد في دعاء الله عز وجل بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما أمرنا تعالى بقوله: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] أي: ادعوه بجميع الأسماء، فلو أننا علمنا اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب لما دعوناه إلا بهذا الاسم فقط، فإخفاء هذا الاسم فيه مصلحة عظيمة جداً.
كذلك لو أننا علمنا يقيناً ليلة القدر في رمضان لما صلينا ولا تعبدنا ولا ذكرنا ولا سبحنا الله تعالى بشيء إلا في هذه الليلة؛ لأنها ليلة هي خير من ألف شهر، فربما محت ذنوب سنين طويلة، فأنا وأنت قد نكتفي بالعبادة في هذه الليلة، فكان من المصلحة أن يخفى علينا محل هذه الليلة من بين الليالي؛ حتى يكون محل الاجتهاد واسعاً مدة عشر ليال على الصحيح. |
|