|
الصبر ضياء للمسلم في حياته، وأعلى منه رتبة الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، وقد ضرب في ذلك الأنبياء والصالحون أروع الأمثلة، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيوب عليه السلام، فعلى المرء المسلم أن يتحلى بالصبر والرضا حتى ينال الدرجات العلى. |
|
|
|
|
|
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:
فلما كانت الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء لا يسلم المؤمن في الدنيا من المصائب والرزايا والبلايا، قال بعضهم:
المرء رهن مصائب لا تنقضي حتى يوسد جسمه في رمسه
فمؤجل يلقى الردى في غيره ومعجل يلقى الردى في نفسه
ونحن في أزمنة متأخرة حرم فيها المسلمون من التحاكم إلى شريعة ربهم عز وجل، ونكست فيها أعلام العلم والدين، وصار الدعاة إلى الله عز وجل والملتزمين بشرع الله عز وجل محاربين مضطهدين، وارتفعت أعلام الفتن، وكثرت الشبهات والمحن، وصار القابض على دينه كالقابض على الجمر، فما أحوجنا إلى تعلم الصبر والعمل به، فإن الصبر ثلاثة أنواع:
صبر على الطاعات حتى يؤديها.
وصبر على المعاصي حتى لا يقع فيها.
وصبر على الأقدار المؤلمة التي تخالف هوى النفس.
وهذه الأنواع الثلاثة حاجتنا إليها في هذا الليل الحالك أكثر من حاجتنا إلى الطعام والشراب.
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد. |
|
|
|
|
|
|
معنى الصبر:
الصبر لغة: هو المنع والحبس.
وشرعاً هو: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.. ونحو ذلك.
وقيل: هو خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها.
وقال بضعهم: هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.
وقال آخر: هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.
وقال آخر: هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى.
وقال آخر: تجرع المرارة من غير تعبس.
والنفس لها قوتان: قوة إقدام وقوة إحجام.
فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره.
وقيل: الصبر شجاعة النفس.
ومن هنا أخذ القائل قوله: الشجاعة صبر ساعة.
والصبر والجزع ضدان، كما أخبر تعالى عن أهل النار أنهم يقولون: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21].
فهذا تعريف الصبر. |
|
|
|
أما الرضا فهو: انشراح الصدر وسعته بالقضاء.
يعني: أن الرضا درجة أعلى من درجة الصبر، فالصبر: المنع والحبس، منع النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب .. ونحو ذلك.
أما الرضا فهو: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم.
يعني: أن الإنسان لو أصيب ببلاء فهو لا يتمنى زوال هذا البلاء؛ لما يرجو من ثوابه عند الله عز وجل، فهو لو خير بين أن الذي ذهب منه يعود إليه وبين ألا يعود لاختار ألا يعود، فلو مات له ولد أو فقد ماله أو فقد سمعه أو بصره فإن طمعه في ثواب الله، ومحبته لقضاء الله عز وجل وقدره تجعله لا يتمنى غير ما كان، فهو يرضى بقدر الله عز وجل، ويطمع في الثواب، وتطمئن نفسه إلى قضاء الله عز وجل وقدره.
فالرضا هو: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه بما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة.
وإذا وجد الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية، فللعبد فيما يكره درجات: درجة الرضا ودرجة الصبر.
فالرضا فضل مندوب إليه، والصبر واجب على المؤمن حتماً.
وأهل الرضا تارة يلاحظون المبتلي وخيره لعبده في البلاء، وأنه غير متهم في قضائه.
وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك؛ حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم صدوره من حبيبهم. |
|
|
|
|
والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر حبس النفس وكفها عن السخط مع وجود الألم وتمني زواله، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع.
والرضا يوافق الصبر في حبس النفس وكف الجوارح، ويزيد عليه عدم تمني زوال الألم.
ففرح العبد بالثواب وحبه لله عز وجل وانشراح صدره بقضائه يجعله لا يتمنى زوال الألم.
قال شيخ الإسلام : ولم يجئ الأمر به -أي الرضا- كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، غفرت ذنوبه).
فالرضا لم يوجبه الله عز وجل على خلقه، ولكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم، الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عز وجل عنه؛ يعني: كما أن توبة العبد تكون نتيجة لتوبة سابقة من الله عز وجل -توبة إذن وتوفيق- ويعقبها توبة قبول وإثابة، فكذلك الرضا.
فالله عز وجل يرضى عنه فيرزقه الرضا، ثم يرضى عنه رضا قبول وإثابة، فالله عز وجل هو الأول والآخر.
فرضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه على عبده، رضا قبله أوجب له أن يرضى، ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه، ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين، نسأل الله أن يقسم لنا من رضاه ما يبلغنا به غاية المنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. |
|
|
|
|
|
|
|
فضيلة الصبر:
وردت آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تبين فضيلة هذه العبادة: |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مواقف إيمانية في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء: |
|
|
|
|
|
|
|
ومن هذه المواقف الإيمانية: قصة رجل من أفضل أهل زمانه، قال وهب بن منبه رحمه الله: أتي برجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يجبر الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أتي به أعظم الناس مكانه وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك: ائتني بجدي تذكيه، يعني: تذبحه مما يحل لك أكله، فأعطنيه؛ فإن دعا بلحم الخنزير أتيتك به فكله، يعني: أن صاحب الشرطة قال لهذا الرجل الذي هو من أفضل أهل زمانه: ائتني بجدي تذكيه وتذبحه، ثم إذا أمر الملك أن يعطى من لحم الخنزير فيعطيه من هذا اللحم.
قال: فأعطنيه، فإن دعا بلحم الخنزير أتيتك به فكله.
فذبح جدياً فأعطاه إياه، ثم أتي به إلى الملك، فدعي بلحم الخنزير، فأتاه صاحب الشرطة بلحم الجدي الذي كان أعطاه إياه، فأمره الملك بأكله، فأبى، فجعل صاحب الشرطة يغمز له ويأمره أن يأكله، ويريه أنه هو اللحم الذي دفعه إليه، فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله، فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكل وهو اللحم الذي دفعت إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره؟ قال: لا، قد علمت أنه هو، ولكني خفت أن يفتتن الناس بي، فإذا أريد أحدهم على أكل لحم الخنزير قال: قد أكله فلان، فيستنوا بي، فأكون فتنة لهم، فقتل رحمة الله عليه! |
|
|
|
|
ومن المواقف الإيمانية في الصبر على البلاء والرضا بالقضاء: موقف أبي عبيدة بن الجراح ، و أبو عبيدة هو أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، شهد بدراً وقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاءً حسناً، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة .
فرضيه أبو بكر رضي الله عنه خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر و أبا عبيدة .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
ومناقبه رضي الله عنه كثيرة شهيرة، ومواقفه الإيمانية عالية رفيعة في البذل والتضحية والزهد، وإنما قصدنا موقفه الإيماني عند نزول وباء الطاعون.
عن قيس بن مسلم عن طارق أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك.
كان أبو عبيدة في هذا الوقت على رأس جيش في الشام، فلما سمع عمر رضي الله عنه بوقوع طاعون عمواس أرسل إلى أبي عبيدة ، وطاعون عمواس منسوب إلى قرية تسمى عمواس بين الرملة وبين بيت المقدس.
وقال الأصمعي : هو من قولهم: زمن الطاعون عم وآسى.
يعني: فاختصر وقيل له: عمواس، ولكن الصحيح الأول، والله أعلم.
فلما سمع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بنزول الطاعون أرسل إلى أبي عبيدة فقال له: إني قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين؛ إنه يريد أن يستبقي ما ليس بباق.
فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك؛ فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة ؟ قال: لا، وكأن قد، قال: فتوفي أبو عبيدة ، وانكشف الطاعون.
وروى ابن المبارك في الزهد عن شهر بن حوشب -وهو مختلف فيه- قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم عن الحارث بن عميرة قال: أخذ بيدي معاذ بن جبل فأرسله إلى أبي عبيدة فسأله: كيف هو؟ وقد طعن، فأراه أبو عبيدة طعنة، يعني: إصابة الطاعون، وهو يظهر على شكل أورام يصيب الغدد اللمفاوية، ويظل ينتشر في أماكن متفرقة في الجسم، وينتقل إلى الرئتين.. وغير ذلك، يقول: وقد طعن، فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت في كفه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث وفرق منها حين رآها، يعني: انزعج عندما رأى هذه الطعنة، فأقسم أبو عبيدة بالله إنه ما يحب أن له مكانها حمر النعم.
فصبره رضي الله عنه وعدم استجابته لاستدعاء أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ثم رضاه بما أصيب به من الطاعون وعدم تمنيه زوال البلاء هو عين الرضا.
فالإنسان لا يتمنى البلاء أبداً، لأن ساحة العافية هي أوسع، ولكن إذا نزل بلاء فيصير ميدان الصبر هو الميدان الواسع، وأعلى منه ميدان الرضا، وهو عدم تمني زوال ما هو فيه.
فصبره رضي الله عنه وعدم استجابته لاستدعاء أمير المؤمنين عمر ثم رضاه بما أصيب به من الطاعون وعدم تمنيه زوال البلاء هو عين الرضا، وهو أعلى الدرجات، ومن أولى بذلك من الصحابة الكرام، ثم من أولى بكل فضيلة من العشرة المبشرين رضي الله عنهم أجمعين. |
|
|
|
|
وهذا فارس آخر من فرسان الصبر وهو عروة بن الزبير :
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: وقعت الأكلة في رجله فقيل له: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: إن شئتم، والأكلة الظاهر أنها مرض يصيب الأطراف وينتقل.
فجاء الطبيب فقال: أسقيك شراباً يزول به عقلك، وطبعاً يجوز أخذ البنج أو شيء يذهب العقل؛ لأن هذه الآلام قد تذهب بحياة الإنسان، فقد يدخل في صدمة عصبية، وقد يموت من ذلك، فالعلماء رخصوا في العمليات الجراحية، وعمليات البتر بتعاطي البنج ونحوه، ولكن عروة بن الزبير اختار المقام الذي لا يصبر عليه إلا من هو إمام في الصبر.
فجاء الطبيب فقال: أسقيك شراباً يزول به عقلك؟ فقال: امض لشأنك، ما ظننت أن خلقاً يشرب شراباً يزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه!
قال: فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حساً، فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. وما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة.
وقال عامر بن صالح عن هشام بن عروة : إن أباه خرج إلى الوليد بن عبد الملك ، حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئاً، فظهرت به قرحة، ثم زاد به الوجع، فلما قدم على الوليد قال: يا أبا عبد الله ! اقطعها، قال: دونك، فدعا له الطبيب، وقال له: اشرب المرقد، فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على قوله: حسي حسي، فقال الوليد : ما رأيت شيخاً أصبر من هذا.
وأصيب عروة رحمه الله في هذا السفر بابنه محمد ؛ ركضته بغلة في إصطبل، فلم نسمع منه كلمة في ذلك، فلما كان بوادي القرى قال: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف:62]، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة، فإن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت.
فهذا موقف إيماني في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء، فكم من إنسان يدعي الإيمان، فإذا نزل به البلاء أو المصيبة تزلزل إيمانه، وأساء الظن بربه عز وجل!
والمواقف الإيمانية كما ذكرنا غير مرة ثمرة من ثمرات الإيمان، فالدافع لها قوة الإيمان ومحبة الرحمان، ولا يصبر هذا الصبر الجميل إلا إذا اكتمل إيمانه، وعلا يقينه، وقد كان على هذا أئمة العلم والعمل والعبادة والجهاد.
فقد كان عروة يسرد الصيام، ويقوم بربع القرآن كل ليلة، ويحكم ما عند خالته عائشة رضي الله عنها من مرويات قبل وفاتها بثلاث سنوات.
وقد ورد أنه نظر إلى ساقه التي قطعت فقال: الله يعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط وأنا أعلم.
فرحم الله أئمتنا وجزاهم عنا خير الجزاء، فقد أسندوا لنا الأحاديث النبوية، وضربوا لنا أروع الأمثلة في العبادة والصبر والجهاد، ولا شك في أن هذه النماذج وهذه الهمم في العلم والعمل كلها تدل على بركة رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن توجد في أمة من الأمم مثل هذه الثمرات الطيبة، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورحم الله علماء المسلمين وأعظم مثوبتهم. |
|
|
|
|
ومن تلك المواقف: موقف الخنساء رضي الله عنها وأبنائها الأربعة:
حضرت الخنساء رضي الله عنها حرب القادسية، وكان معها بنوها أربعة رجال، فوعظتهم، وحرضتهم على القتال وعدم الفرار، وقالت: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لأب واحد، وأم واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت أخوالكم، فلما أصبحوا باشروا القتال، حتى قتلوا، فبلغها الخبر فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
وهذا الدعاء بعض العلماء يقول: فيه نظر؛ لأن بعضهم يقول: مستقر الرحمة هي ذات الله عز وجل، وعلى كل حال، الأولى أن يقال: في فردوسه الأعلى.
قال: وكان عمر بن الخطاب يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة حتى قبض.
وقد أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، وقد كانت تقول في أول أمرها البيتين والثلاثة، حتى قتل شقيقها معاوية بن عمرو وقتل أخوها لأبيها صخر وكان أحبهما إليها؛ لأنه كان حليماً جواداً محبوباً في العشيرة.
ومما قالت فيه:
ألا يا صخر! لا أنساك حتى أفارق مهجتي ويشق رمسي
يذكرني طلوع الشمس صخراً وأبكيه لكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
فانظر -رحمك الله- كيف جزعت على أخيها صخر وأنشدت ما تتقطع له القلوب، وعندما تشرفت بالإسلام حضت أبناءها على الجهاد، ورغبتهم في الاستشهاد، فلما قتلوا قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.
فهذا يبين قيمة الإيمان، حيث إنه يغير الطبائع ويغير الأحوال، ويغير الأعمال، ويغير القلوب والتصرفات.
إنه الإيمان الذي يغير القلوب، ويرفع الهمم، وينتج المواقف الإيمانية التي وفق لها سادات المؤمنين، والتي يرتفعون بها في الدنيا وعند الله رب العالمين. |
|
|
|
|
ومن تلك المواقف أيضاً موقف سعد بن أبي وقاص:
لما قدم سعد بن أبي وقاص مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة.
قال عبد الله بن السائب : فأتيته وأنا غلام، فتعرفت إليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم.. فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم! أنت تدعو للناس، فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك، فتبسم وقال: يا بني! قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.
فهذا حال الرضا من الإنسان يرضى بالحال التي هو فيها، ويطمع في ثوابها، ولا يتمنى زوالها.
فالعبد لا يصل إلى درجة إجابة الدعاء إلا بعد مجاهدة عظيمة وتحبب وتقرب إلى الله عز وجل، فترتفع رتبة العبد بالطاعة وكثرة النوافل فيصير في درجة تؤهله إن سأل الله عز وجل أعطاه، وإن استعاذ بالله عز وجل أعاذه.
والعبد يصل مع ذلك إلى درجات عالية من المحبة والرضا والتعظيم لأمر الله عز وجل، كما قال بعضهم: أحبه إليه أحبه إلي. |
|
|
|
|
|
|
وهذا موقف صبر لـعمر بن عبد العزيز رحمه الله:
عن الربيع بن سبرة قال: لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز وكان صنو أبيه، يعني: كان شبيهاً بأبيه في الزهد، بل كان بعض الناس يقول: إنه أفضل من أبيه، ثم هلك أخوه سهل بن عبد العزيز ومولاه مزاحم .
وسهل بن عبد العزيز هو أخو عمر بن عبد العزيز ، هلكوا في أيام متتابعة، فدخل الربيع بن سبرة عليه فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله! ما رأيت مثل ابنك ابناً، ولا مثل أخيك أخاً، ولا مثل مولاك مولى قط.
قال: فطأطأ عمر رأسه، فقال لي رجل معي على الوسادة: لقد هيجت على أمير المؤمنين.
قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت الآن يا ربيع ؟! فأعدت عليه ما قلت أولاً، فقال: والذي قضى عليهم بالموت ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن.
وأعاد الحديث وزاد فيه: ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن؛ لما أرجو من الله تعالى فيهم.
إنه الرضا عن الله عز وجل، ومن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
والرضا أكبر من جنة الله عز وجل، و عمر بن عبد العزيز إمام عادل صاحب زهد وورع وعلم وعبادة وشرف وسيادة، وكل أخباره عجيبة.
وقد أشار الإمام أحمد رحمه الله إلى أن نشر فضائله فيه خير كثير.
فنسأل الله عز وجل أن يجمعنا مع هؤلاء الأعلام بحبنا لهم ونشرنا لأخبارهم، ولله الحمد والمنة على كل نعمة. |
|
|
|
|
وهذا موقف لـصفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها عند مقتل أخيها أسد الله حمزة .
لما انهزم المسلمون بعد أن خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات، وانفض أكثر الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق حوله سوى القلائل من أصحابه، قامت صفية رضي الله عنها وبيدها رمح تضرب به وجوه الناس الفارين المنهزمين والأعداء المشركين، وتقول لهم: انهزمتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم أشفق عليها أن ترى أخاها حمزة وقد مثل به، فقال لابنها الزبير : القها فأرجعها؛ لا ترى ما بشقيقها -أي: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه- فلقيها الزبير فقال: يا أماه! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، فقالت صفية : فقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله عز وجل قليل، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى، وعاد الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: خل سبيلها، فأتت صفية إلى حمزة فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به فدفن.
فهذا موقف إيماني من عمة النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت عبد المطلب ، وقد رأت أخاها وقد مثل به المشركون، ومع ذلك صبرت واحتسبت، فلله درها! وعلى الله تعالى أجرها، والمواقف العظيمة يوفق لها العظماء، وقريش هي قريش، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وصفية هي أم الأسد المغوار حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وفارس الإسلام الزبير بن العوام رضي الله عنه، وسوف يأتي موقف آخر لـأسماء شبيه بهذا الموقف.
والقصة طويلة معروفة، وهي قصة أسماء بنت أبي بكر حين قتل ولدها عبد الله بن الزبير . |
|
|
|
|
عن يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث وهو مصلوب، فجاءت أمه وهي عجوز طويلة عمياء فقالت للحجاج : أما آن للراكب أن ينزل؟ فقال: المنافق؟ قالت: والله ما كان منافقاً؛ كان صواماً قواماً براً، قال: انصرفي يا عجوز! فقد خرفت! قالت: والله! ما خرفت منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يبعث في ثقيف كذاب ومبير ..) الحديث.
تشير إلى أن المبير هو الحجاج ، فهذا موقف إيماني في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء من ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر ، وما أكثر مواقفها الإيمانية!
عن أسماء قالت: صنعت سفرة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي حين أراد أن يهاجر فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطها فقلت لأبي: ما أجد إلا نطاقي، فقال: شقيه اثنين فاربطي بهما، قالت: فلذلك سميت ذات النطاقين.
وقد طال عمرها رضي الله عنها، فهي أكبر من عائشة الصديقة ببضع عشرة سنة، وهي آخر المهاجرات وفاة.
قال ابن سعد: ماتت بعد ابنها بليال، وكان قتله لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.
وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على أسماء بعدما أصيب ابن الزبير فقالت: بلغني أن هذا صلب عبد الله ، اللهم لا تمتني حتى أوتى به فأحنطه وأكفنه.
فأتيت به بعد فجعلت تحنطه بيدها وتكفنه بعدما ذهب بصرها.
وجاء من وجه آخر عن ابن أبي مليكة: وصلت عليه، وما أتت عليها جمعة إلا ماتت. |
|
|
|
|
وهذا موقف معاذة العدوية زوجة صلة بن أشيم :
روى ابن أبي شيبة بإسناده عن ثابت البناني أن صلة بن أشيم كان في غزاة له ومعه ابن له فقال له: أي بني! تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أبوه فقتل، فاجتمعت النساء فقامت امرأته معاذة العدوية فقالت للنساء: إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحباً بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
ومعاذة العدوية عابدة من العابدات الشهيرات، وأيضاً صله بن أشيم من العباد والزهاد المشهورين، وإنما تليق المواقف الإيمانية بأرباب العبادة والعلم؛ لأن المواقف الإيمانية ثمرة الإيمان، فهم أحق بها وأهلها.
فـصلة بن أشيم كان يدفع ابنه للجهاد، ويرغبه في الاستشهاد، فهو أراد أن يأخذ ثواب الصبر على ابنه، ثم يبذل نفسه بعد ذلك.
فهذا موقف من مواقف البذل والتضحية، يبين كيف أن الواجب على المسلم أن يكون حبه لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللجهاد في سبيل الله أكثر من حبه لأولاده.
وفي هذا واعظ لكثير من الآباء الذين يمنعون أولادهم من الالتزام بالشرع المتين، وصحبة الدعاة المخلصين؛ خوفاً عليهم من السجون والمعتقلات، مع أن ما قدره الله عز وجل للعبد لابد له منه، فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كم قاتل ونافح وجاهد، وما في جسده موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ومع ذلك مات على فراشه، فلا نامت أعين الجبناء.
وفي هذا عظيم موقف الولد وطاعته لأبيه وبذله نفسه وتقدمه للقتال قبل أبيه حتى قتل رحمه الله.
وهكذا موقف معاذة رحمها الله في الصبر على البلاء، فرحم الله سلف الأمة، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. |
|
|
|
|
وهذا موقف لعربية ذهب البرد بزرعها فصبرت واحتسبت فعوضت خيراً.
قال التنوخي : أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة قراءة عليه وأنا أسمع عن البرقي قال: رأيت امرأة بالبادية وقد جاء البرد فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونها، فرفعت طرفها إلى السماء وقالت: اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف وبيدك التعويض عما تلف، تفعل بنا ما أنت أهله، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا مصروفة إليك.
قال فلم أبرح حتى جاء رجل من الأجلاء فحدث بما كان، فوهب لها خمسمائة دينار.
فثواب الصبر والرضا يكون كاملاً في الآخرة، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، ومع ذلك فإن الله عز وجل يعوض المؤمن في الدنيا ولا يخيبه، فهذه من البركات المعجلة للمؤمنين، وتوفية حسابهم يوم القيامة.
عن ابن عباس قال: إن للحسنة لنوراً في الوجه، وضياء في القلب، وسعة في الرزق، ومودة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلاماً في الوجه، وسواداً في القلب، وضيقاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق. |
|
|
|
|
وهذا موقف لـإبراهيم الحربي رحمه الله:
عن محمد بن خلف قال: كان لـإبراهيم الحربي ابن كان له إحدى عشرة سنة، حفظ القرآن ولقنه من الفقه جانباً كبيراً، قال: فمات، فجئت أعزيه فقال: كنت أشتهي موت ابني هذا، قال: فقلت له: يا أبا إسحاق ! أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ولقنته الحديث والفقه؟! قال: نعم، رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت، وكأن صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم، وكان اليوم يوماً حاراً شديد الحر، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، فنظر إلي، وقال: لست أنت أبي، قلت: فأي شيء أنتم؟ قال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباءنا فنستقبلهم نسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته.
فهذا موقف إيماني من إبراهيم الحربي رحمه الله في الرضا بقضاء الله عز وجل.
وفي هذا تسلية لمن مات له ولد، وقد وردت الأخبار الصحيحة الصريحة بكثير من المبشرات لمن مات له ولد فصبر واحتسب، وما ذاك إلا لصعوبة الصبر والرضا في هذا المقام؛ لأن الأولاد فلذات الأكباد، والعبد لا يحب لأحد من الخير مثل ما يحب لنفسه إلا لولده.
بل الإنسان قد يضحي بنفسه ولكن يشق عليه أن يضحي بابنه.
ولذلك كان ابتلاء إبراهيم عليه السلام من أشد البلاء، فالعبد يسهل عليه أن تهون نفسه، وأن يضحي بنفسه، أما أن يضحي بولده وأن يتولى هو ذبح الولد بنفسه فهذا شيء شاق، فلله هذه النفوس التي تبتلى بمثل هذا البلاء. |
|
|
|
|
وآخر موقف من هذه المواقف الإيمانية موقف أم عقيل رحمها الله:
قال الأصمعي : خرجت أنا وصديق لي في البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضلوا عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم.
فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسح، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل ! أعظم الله أجرك في عقيل ، قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم، يعني: حقهم وحق الضيافة، ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: يا هؤلاء! هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها، قلت: يقول الله عز وجل في كتابه: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].
قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟! قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً ، تقول ذلك ثلاثاً، اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني.
فهذا الموقف تعجز عنه الكلمات في كرم الضيافة والصبر والرضا والاحتساب، وبعض هذه الصفات كانت متوفرة عند العرب في جاهليتهم، فلما تشرفوا بالإسلام ازدادت رسوخاً بالإسلام، وتهذبت بآدابه وأخلاقه، وقد عزت هذه الصفات النبيلة والأخلاق الفاضلة في المتأخرين، والله ولي الصابرين.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. |
|
|