|
لم يدع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منحى من مناحي الحياة إلا وتحدث للأمة فيه، تحدث في الطعام ، وفي اللباس والمنام وفي الصلاة والشرائع، والأدب وغيرها من مناحي الحياة الكثيرة.وهذا الدرس يتحدث عن هديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الطعام ، ومداره على قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للغلام : (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك). |
|
|
|
|
|
إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ونستهديه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ تسليماً كثيراً، صلى الله عليه كلما اجتمع جيلٌ من أجياله يتدارسون حديثه، وصلى الله عليه وسلم كلما اهتدى جيلٌ بنور ما ترك من ميراث، وصلى الله عليه وسلم كلما تاب تائب على شريعته المطهرة، ولقي الله بسنته الغراء.أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ولا زلنا في موكب محمد صلى الله عليه وسلم، نعيش مع أحاديثه، ونتدارس عبره وعظاته التي تركها للناس برهاناً وشريعة وسنة، تتحدى كل سنة وكل شريعة من شرائع البشر أو من قوانين الأرض، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك منحى من مناحي الحياة -أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق- حتى تحدث للأمة فيه، تحدث في الطعام والشراب، وفي اللباس والمنام، وتحدث في الصلاة والشرائع والعقائد والمعاملات والأخلاق والآداب والسلوك، حتى مات وما ترك خيراً إلا دلنا عليه، وما ترك شراً إلا حذرنا منه، فمن سار مسيرته فليحمد السُرى، ومن لم يفعل فلا يلومنّ إلا نفسه. وهذا الحديث اتفق الشيخان الجليلان البخاري ومسلم على إخراجه، هذا الحديث الأغر لفظه وجيز قصير، لكنه شهير منير، يقول عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه وأرضاه: {كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك }. هذا حديث في آداب الطعام يتبعه أكثر من خمسين حديثاً كلها صحيحة في جانب الطعام من حياة المؤمنين، الذي ما ترك صلى الله عليه وسلم فيه جانباً كغيره من الجوانب حتى ملأه إرشاداً وحكمةً ونوراً، يقول عمر : {كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك } رواه البخاري ومسلم وغيرهما. أما عمر بن أبي سلمة فهذا الرجل أسدي، وهو ابن أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ربيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش في حجره، فتلقن الأدب، ورضع الحكمة، واستسقى بنور الوحي الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بسنتين، وتوفي عام ثلاث وثمانين للهجرة، بعدما شاخ في الإسلام، وهرم في الإسلام في الصلاة والصيام. مفاد القصة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام من تواضعه كان يدنو على مائدته الكبير والصغير، والأعرابي والحاضر، فكان لا يأنف صلى الله عليه وسلم أن يأكل مع الناس جميعاً من تواضعه، خلاف بعض الناس وأرباب الدنيا الذين لهم مجلس خاص، وأكل خاص، وكلام خاص، أما هو فكلامه عام صلى الله عليه وسلم، ووجه عام، جلس معه هذا الفتى وهو غلامٌ يافع لم يبلغ رشده، والغلام هو الذي ناهز الاحتلام، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على مائدته، فأخذت يدي تطيش في الصحفة، والصحفة: إناء واسع رحراح متسع يأخذ كمية من الطعام، قال بعض أهل اللغة: تكفي للأربعة والثمانية والعشرة وتكفي الجمع الغفير. فهذا الغلام ما قرأ في الأدب شيئاً، وما علم شيئاً، لماذا؟ لسببين: الأول: أنه صغيرٌ في سنه، والعاقل قد يرشد في أكله وفي كلامه وفي طعامه وفي أخذه وعطائه. والثاني: أنه من الأمة العربية التي ما عرفت شيئاً حتى عرفها محمد صلى الله عليه وسلم، وما علمت شيئاً حتى علمها محمد صلى الله عليه وسلم، من الأمة العربية التي عاشت مخفوضة الرأس، حتى رفع رأسها محمد صلى الله عليه وسلم. يقول الله جل ذكره: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] كانوا في ضلال في العقائد، وفي العبادات والمعاملات، حتى الأكل والشرب ما يحسنوا أن يأكلوا ويشربوا، فأتى هذا الغلام فطاشت يده في الصحفة، أي: لعبت في الصحفة يمنة ويسرة، شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، فقال عليه الصلاة والسلام له: {يا غلام! } وفي الصحيحين ، من رواية وهب بن كيسان : {يا بني! أدنُ، وسم الله، وكل بيمنك، وكل مما يليك } ورواية الصحيحين الأخرى من طريق الزهري {يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك }.والغلام قلنا: الفتى اليافع الذي ناهز الحلم، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الكهف:74] انطلق موسى والخضر فلقيا غلاماً مناهزاً للحلم فقتله الخضر، فلامه موسى في قصة طويلة، ثم قال وهو يفصل له الجواب: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف:80] فهنا غلام ما بلغ رشده قتله. فلماذا يقتله؟ للفائدة: قال: لأنه خاف أن يرهق أبويه طغياناً وكفراً -يدخلهم في الكفر والعياذ بالله- وهذا من العلم الذي اختصه الله بالخضر، وهذا ليس بسط هذه المسألة، إنما قال: {يا غلام! سم الله }. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
هذا الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه: {وأطعموا الطعام } فإطعام الطعام لا يتوفر لمطعمه إلا بثلاثة أمور: |
|
|
|
|
|
والأمر الثاني: بسط الوجه، والابتسام، وحسن الحديث، ولذلك يقول: وسوف يمر معنا في هذا إن شاء الله كلام عن المكثرين في الطعام والمقلين، وعن الكرماء والبخلاء، وعن المتطفلين، ولا بأس أن نورد طائفة عن التطفل، التطفل: فن ورد عند العرب وأصله في الجاهلية، معناه أن يكون الإنسان في كل بيت، سواء يدعونه الناس أو لا يدعونه، يحضر الولائم متبرعاً بالحضور، ليس عنده أي ظرف أو أي شاغل يؤخره عن الحضور، فإذا سمع أن هناك وليمة، ذهب واستعان بالله واحتسب خطاه في سبيل الله وذهب وتغدى، وإذا سمع أن هناك عشاء جرى إلى ذاك البيت ليتعشى. والطفيليون ألف فيهم ابن الجوزي كتاباً وألف فيهم الخطابي صاحب كتاب العزلة ، وغيرهم من أهل العلم كثير.روى ابن قتيبة في عيون الأخبار عن أحد الطفيليين هؤلاء الذين يريدون أكل أموال الناس بالباطل، لا يدعون ولا ترسل لهم دعوات، لكن يتبرعون بالمجيء، قال: أطل الطفيلي في بستان، فوجد صاحب البستان قد أحضر طعامه أمامه وبناته حوله، فلما نظر على سور البستان، وإذا هذا الطفيلي قد أطل برأسه، فقام ليضربه، ويقول صاحب البستان: أتنظر في بناتي؟ فيقول الطفيلي وكان ذكياً: إنك لتعلم ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد، أي: يريد الطعام، فأنزله وخبأ بناته، وهذا حديث يطول سوف يمر معنا. |
|
|
|
|
|
|
|
أما الحديث الذي معنا هذه الليلة ففيه ثلاثة وصايا، لكن كل وصية تحتاج إلى حديث خاص: {سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك }. |
|
|
|
|
|
مسألة كل بيمينك: هذا التيامن، يكون في أمور: تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في الحديث الصحيح: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله } فالتيمن -بارك الله فيكم- يكون في التنعل وهو أن يلبس المسلم حذاءه اليمنى ثم اليسرى، ويقاس على ذلك ما يلبس من ملابس داخلية ليكون المسلم مسلماً في سلوكه وآدابه وهديه ونومه ويقظته ليتولاه الله عز وجل.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بعض الناس يعرف من الإسلام المجمل، لكن تفصيل الإسلام لا يعرفه، ولا يعرف هذا تفصيل الإسلام إلا بالسنة المطهرة التي أتت تبياناً لكل شيء مع القرآن.فهذا تفسير الإسلام الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم؛ ففي لبس الحذاء يلبس اليمنى، وإذا أراد أن يخلع يبدأ بخلع اليسرى، والترجل معناه: تمشيط الرأس، لمن أراد أن يرجل رأسه، إذا ربى المسلم رأسه، بشرط أن يربي لحيته، أما أن يربي رأسه ويحلق لحيته على الصفر، فإذا قلت له في ذلك، قال: أنا أتبع السنة، أين السنة؟ لا بد أن تكون في الرأس وفي اللحية أما:فلا ينبغي هذا، فالترجيل في الشعر هو أن يبدأ بميمنة رأسه ثم بالميسرة، وعند الطهور يبدأ من الميامن، وهذا عند كثير من المحدثين من الواجبات، وبعضهم قال: ليس من الواجبات، ونقلوا عن علي كما في مصنف ابن أبي شيبة [[أنه وضأ يده اليسرى رضي الله عنه وأرضاه ثم غسل اليمنى، ثم وضأ رجله اليسرى ثم غسل اليمنى ]] لكن الصحيح أن يتيامن العبد في وضوئه، وهذا الذي دلت عليه النصوص، وحديث عائشة بعمومه يدل على هذا.السواك: يحب صلى الله عليه وسلم التيمن حتى في السواك، لكن الآن هل معنى التيمن أن يأخذ المسلم السواك بيمينه إذا تسوك أم لا؟ لأن عند أبي داود في زيادة عن إسماعيل بن إبراهيم .. {كان يتيمن صلى الله عليه وسلم حتى في سواكه } يقول بعض أهل العلم: التيمن أن يبدأ بميمنة الفم عند السواك، وقال غيرهم أن يأخذه بيمينه، أما ابن تيمية في مجلده الحادي والعشرين من الفتاوى ، فيقول: يتسوك المسلم بيسراه، وهذا قد مر معنا في بحث، والصحيح أن يأخذه باليمنى بأدلة. والأكل والشرب -كما مر معنا- يكون بالميمنة، وفي حديث ابن عمر يقول عليه الصلاة والسـلام: {إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله }.المصافحة: من سنته عليه الصلاة والسلام هو والصحابة أنهم يتصافحون بأيمانهم، وقال عليه الصلاة والسلام لما أتى أهل اليمن ، فصافحوا الصحابة بأيمانهم، قال: {أتاكم أهل اليمن بالمصافحة } والأخذ والعطاء في البيع والشراء والمعاطاة والمقاضاة بالميمنة إلا من عنده عذر. |
|
|
|
|
|
|
|
|
المسألة الخامسة: النهي عن الجلوس على حرام: كل مائدة عليها حرام كخمر أو لحم خنزير، نهى صلى الله عليه وسلم الجلوس عليها، فقال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر } وهذا من حديث جابر رواه الترمذي والنسائي ، فلا يحق للعبد في سفراته أو في روحاته أو في أي أمكنة مع جلساء السوء أن يجلس على مكان فيه خمر أو فيه لهو، فإنه يعادي الله عز وجل بهذا الصنيع، ومطعم المأكول كالآكل، وهو أقر بصنيعه وسكوته أقرهم على هذا المنكر العظيم، فلا ينبغي له، إما أن ينهى وإما أن يقوم. |
|
|
|
|
المسألة السادسة: لعق اليد بعد الطعام، من نعمة الله على العبد المسلم أن يرزقه التواضع في حركاته وسكناته ومشربه ومطعمه، والمتكبر يعرف حتى في الكلام، ومن ميز المتكبرين وخصائصهم أنهم لا يلعقون أيديهم بعد الطعام، يذهب أحدهم بالطعام في يده فيغسله، ويأنف أن يلعقها أمام الناس.لكن رسول الهداية صلى الله عليه وسلم أمر بلعق اليد؛ لأنها نعمة من نعم الله عز وجل، ولا يدري العبد في أي طعامه البركة، هل في أوله أو في آخره؟ أو البركة في هذا الشيء الملعوق الذي بقي في اليد؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: {إذا أكل أحدكم طعاماً فليلعق يده أو يُلعقها } يَلعقها بنفسه، أو يعطيها ابنه أو بنته تلعقها، وكذلك الصحفة، روى هذا الحديث البخاري ومسلم وأبو داود ، وهذا من ألطف الآداب التي أتى بها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم. ولذلك روي عن تاجر في عهد السلف الصالح من أكبر التجار، حتى إنه كان يقول: ما أدري أين أضع مالي؟ قال له بعض الناس: أسألك بالله وما هي هذه التجارة وما أولها وقد كنت من أفقر الناس، قال: كنت في بيتي إذا أكل أهلي الطعام أقوم في البيت فأدرج، فإذا وجدت فتاتاً رمي في الأرض أخذته وجمعته وأكلته، وحمدت الله؛ فرأيت أن هذا من سبب هذا، فمن يقدر نعمة الله ويشكرها ويعيدها، ويستغلها في طاعته يوزعه الله شكرها ويزيده: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].ولذلك ذكر أهل التاريخ قصص كثير من الناس أساءوا في استخدام هذه النعمة فعدموا وأملقوا، منهم خليفة عباسي، قيل: القاهر ، وقيل: المقتدي ، بنى داراً له، فجعلها كلها من فضة، وجعل أعمدتها من ذهب، والأواني كلها من فضة خالصة، وفي الأخير رأى الله تلاعبه بالمال، وإسرافه فأخذه أخذ عزيز مقتدر، يقول ابن كثير -وعودوا إليه في المجلد الحادي عشر- انتهى به الحال إلى أنه عزل من الخلافة، وقام يستجدي الناس في المساجد ويتطلب، لأنه لم يشكر نعمة الله عز وجل، ويستغلها ويصرفها في مصارفها، جعله الله عبرة أن يقف أمام الناس ويطلبهم، ويستقرضهم من مال الله عز وجل، وكثير من العبر التي ذكرها الله عز وجل، كما في قصة قارون وغيره. |
|
|
|
|
|
|
|
|
المسألة التاسعة: هل يتوضأ العبد مما مست النار؟ طبخ طبيخاً على النار فأكله، وأنضج لحماً فأكله، هل يتوضأ بعده؟كان هذا في أول الإسلام، لكن قال جابر وغيره من الصحابة كان آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، إذاً فالحمد والشكر لله، كل ما مست النار إذا كان حلالاً طيباً نأكله ولا نتوضأ منه إلا من لحوم الجمال، فإنه صح الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ، قال: {قلت: يا رسول الله! أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم }.فالتوضؤ من لحوم الإبل وارد وهو السنة، وهو القول الراجح لهذا الحديث ولغيره من الأدلة، وأما غيره من الأطعمة فلا يتوضأ منها. |
|
|
|
|
|
|
المسألة الحادية عشرة: ذم النهم في الأكل: كثرة الأكل مذمومة في الإسلام إذا تجاوز الحدود وأصبح مقصود العبد كثرة الأكل والطعام والشراب، وهو مذموم لكثرة المفاسد التي وردت، فذم عليه الصلاة والسلام كثرة الأكل والنهم فيه، وقال في حديث المقدام بن معدي كرب الزبيدي الذي رواه الترمذي وهو صحيح: {ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب أحدكم لقيمات يقمن صلبه } أو كما قال عليه الصلاة والسلام.والمكثرون من الأكل في الإسلام كثير منهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي ، ليس الرواي هذا، قيل: غيره، يقولون: كان من أكثر الناس، وهو زبيدي مذحجي، لكنه مقدام العرب، هو أشجع العرب في الإقدام، إذا تقدمت الصفوف، وسلت السيوف، وارتفع الصياح، وامتزجت الرماح رأيت عمرو بن معدي كرب في الصف الأول، ولذلك ذكروا عنه أنه في الجاهلية فر قومه جميعاً، وهو لم يحضر المعركة، فعاد إلى أخته -ذكر هذا أهل التاريخ- فقال: اصنعي لي طعاماً، وذبح هو عنزاً، فصنعت له كثيراً من الطعام، فأكله جميعاً وأكل العنز، ثم أخذ سيفه وأتى المعركة، وقد فر أصحابه.فأخذ يطارد الخصم والأعداء وهو وحيد حتى قتلهم، وأخذ الأموال فسموه عند العرب مقدام العرب، ولذلك يقول أبو تمام للمعتصم : سمع عمر رضي الله عنه بـعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، فقال: "ليته يقدم علينا " فقدم وأسلم، ولما أتى كان الناس يتحدثون حتى في المدينة عن شجاعته، وعن سيف عمرو بن معدي ، وعن ضربه في الأعداء، فدخل على عمر وإذا بهذه الجثة التي ما شاء الله تبارك الله فيما خلق الله عز وجل، فقدم له عمر أقراصاً من شعير وزبيب وشيئاً من تمر فأكله، ثم قدم له طعاماً آخر فأكله، قال: "يا أمير المؤمنين! ضيفني، قال: أضيفك حجار الحرة " الحرة: حرة في المدينة فيها حجارة سود، ثم قال له عمر : "يا عمرو بن معدي كرب ! أين سيفك الصمصامة؟ قال: هذا هو يا أمير المؤمنين! فسل سيفه، فأخذه عمر فهزه" وإذا السيف ليس بذاك الذي يذكر، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه لقد ذكر لي السيف أكثر من هذا، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك رأيت السيف وما رأيت اليد التي تضرب بالسيف فشكره عمر ، وقام عمر يتكلم في الوفود، فقال: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عَمْراً .وذكر ابن كثير وغيره كـابن جرير ، أنه حضر معركة القادسية مع سعد رضي الله عنه وأرضاه، فلما أتت المعركة كان عمرو أعمش البصر لكبر سنه، فأتى أول المعركة فأخذ سهماً، ثم أطلقه يريد به أحد الفرس فوقع هذا السهم في أذن فرسه، فتضاحك المسلمون.فغضب رضي الله عنه وأرضاه، ونزل من على الفرس ثم أخذ رجلاً من فارس من الكفار، فوضع يمناه على رأس هذا الفارسي، ووضع يسراه بأرجله ثم رفعه وكسر ظهره، وقال: افعلوا بهم هكذا، ذكره أهل التاريخ ولا يستبعد.هذه بعض اللطائف عن الخلفاء التي وردت عنهم، وإنما نذكرها كما ذكرها أهل العلم، ومن أراد أن يعود إليها فليعد إليها، وهي لا تنفع ولا تضر، ولكنها كالوردة تشم ولا تعك إن شاء الله.بقي من الآداب التي ينبغي أن تذكر في مثل هذا المكان، أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال كما في صحيح البخاري ومسلم والموطأ والترمذي : {المسلم يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء }.وسبب هذا الحديث أن جهجاه الغفاري قدم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان كافراً فأسلم، فطلب لبناً فحلبوا له شاة فشربها، وحلبوا الثانية فشربها، وحلبوا الثالثة فشربها، حتى أعدم حليب سبع شياه، فلما أسلم في اليوم الثاني شرب حليب شاة واحدة فكفاه، فقال: {يا رسول الله! شربت البارحة حليب سبع شياه -وهذا في الصحيح- وما كفاني، واليوم كفاني حليب شاة؟! قال صلى الله عليه وسلم: المسلم يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء }.وهذا من بركة الإسلام؛ لأن الشيطان، وإخوان الشيطان، وأخوال الشيطان وأعمامه يأكلون مع الكافر، أما المسلم فلا يأكل معه شيطان. |
|
|
|
|
المسألة الثانية عشرة: من أدب المسلم ألا يعيب طعاماً: لا يقول: هذا كثير الملح، وهذا أكثروا عليه من الفلفل، ويقول: حسبنا الله! كثروا الليمون على هذا، والله المستعان! هذا ما أنضجوه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا وهذا... فإن هذا ليس من هدي المسلم، إنما إن اشتهى شيئاً أكله، وإن لم يشته شيئاًَ تركه، ويقول: الحمد لله.الدليل على ذلك: حديث أبي هريرة قال: {ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه } وكان يمدح بعض الأطعمة، حتى ولو كانت حامضة، الخل فيه حموضة، يقول صلى الله عليه وسلم: {نعم الإدام الخل } أنه يتأدم به، فمن أدب المسلم أن يحمد الله عز وجل.وذكروا عن بعض الصالحين أنه ما قدم له طعام فقال فيه كلمة، يأكل ما استطاع أو يترك، ويقول: الحمد لله، وهذا في سيرهم كثير. |
|
|
|
|
المسألة الثالثة عشرة: الذباب إذا وقع على الطعام: يأنف كثير من الناس وخاصة من المتكبرين أو من أهل النعم الوفيرة أن يأكلوا طعاماً أو يشربوا شراباً وقع فيه ذباب، حتى يقول شاعرهم: فيقول: أنا ما آكل طعاماً ولا أشرب شراباً وقع الذباب فيه، أما الإسلام فيقول: لا؛ كيف تهدر النعم التي أنعم بها الله تعالى عليك، والله عز وجل إنما أعطاك هذه النعم رزقاً لك، لتستعين بها على طاعته، ولتقدر بها هذه النعمة، فكلما رأيت شراباً سفكته، من لبن، أو سمن، أو عسل؛ لأن فيه ذباباً، ليس هذا منطق لا عند العقلاء ولا عند العلماء.فالرسول عليه الصلاة والسلام كما عند البخاري ، وفي سنن أبي داود ، قال: {إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء }.يقول الأستاذ عبد المجيد الزنداني وهو يتكلم عن هذه المسألة، وقد سمعه كثير منكم.. إن هذا الداء والدواء سرٌ اكتشفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تحدث به، وهو من الأسرار العجيبة في هذا الدين، وتكفي في هذه النظرية لأهل الطب الكافر الملحد أن يؤمنوا ويدخلوا في دين الله أفواجاً، واكتشفوا هذه النظرية بعد خمسة عشر قرناً، ووجدوا أن الداء هو الذي يقع من الذباب سابقاً في الطعام أو في الشراب، فالدواء هذا يطفئ الداء الذي فيه -والحديث صحيح بلا شك- سواء في لبن أو سمن أو عسل أو في غيره، ويصدق العبد بهذا، ويمتثل أمر الله عز وجل. |
|
|
|
|
المسألة الرابعة عشرة: الطعام عند حضور الصلاة: ما هو الحل إذا حضرت الصلاة وحضر الطعام؟من السنة إذا أَذَّن المؤذن أن ينتظر قليلاً، ليفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمتوضئ من مدخله، لا يؤذن ثم يقيم مباشرة، لكن يؤذن ثم يقف لحظات حتى يأتي المسلمون، الدليل على ذلك حديث جابر عند الترمذي ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـبلال : {إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك بمقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والداخل من دخوله } أو كما قال صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث رواه الترمذي وفي سنده عبد المنعم بن نعيم البصري وهو متروك، فضعف به الحديث.وأما إذا حضرت الصلاة فابدأ بالطعام قبل الصلاة، بشرط ألا يكون هذا من الحيل المذمومة، يجعل الإنسان قدره في وقت الأذان، فإذا سمع الله أكبر، أنزل القدر وحول، وقال: الله المستعان حبسنا عن الصلاة التي تعادل أجر الجماعة سبعاً وعشرين مرة، لكن الطعام حضر، والله يعلم السر وأخفى، يعلم أنه وقَّت ليكون حاجباً له عن الصلاة، هذا لا يجوز وهذه حيلٌ باطلة وتلاعب: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142].لكن إذا حضر في بعض الأوقات فلقول أنس : [[إذا قدم الطعام فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب ]] هذه رواية الصحيح؛ لأن الصحابة أو كثيرٌ منهم كانوا يأكلون قبل صلاة المغرب.وهناك أمور في الدرس كقصص سليمان وعمرو بن معدي كرب ، أقول: هذه ليست في صحيح البخاري وليست في صحيح مسلم ، وليست من كلام الله عز وجل، ولا من كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، والعهدة على أصحابها كـابن كثير وابن عبد ربه وابن قتيبة كما أوردوها، وهذا ليس فيه حلال ولا حرام، ولا عقائد ولا شرائع، وإنما تورد كما أوردها أهل العلم استئناساً، وقد أورد ابن الجوزي كثيراً منها، كما في الحمقى والمغفلين ، وأورد ابن قتيبة أكثر من هذه -لكن أعرضت عنها- في عيون الأخبار وابن كثير في البداية والنهاية ، ومن قرأ عرف هذه، لكن هذه تسمى عند أهل العلم من السير ومن اللطائف والأخبار التي هي كزهر الربيع تشم ولا تعك؛ لأنه لا ينبني عليها شيء.ونحن لو ذهبنا نتقصى بعد كل قصة وردت، ووراء كل حدث وقع في الدنيا لما بقيت لنا ولا قصة واحدة، كمعركة بدر الآن، عدد المقاتلين، وعدد الحضور، والقتلى، وهيئة المعركة ليست في البخاري ولا في مسلم ، لكن في السير لابن إسحاق وابن هشام وغيره، فلو ذهبنا نضعف كل رواية لما طلع لنا إلا ما يقارب عشرة أحاديث فما تصورنا المعركة تصوراً تاماً.والإمام أحمد يقول: ثلاثة علوم لا أساس لها، المغازي والفتن والملاحم، وقيل: التفسير بدل الملاحم؛ لأنها المغازي.والأخ الثاني يقول: إنني ذكرت أنه يتوضأ من لحم الإبل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرت أنا أنه أتى من بني سلمة وهو يلوك لحم جمل ثم دخل في الصلاة؟ أقول: أما الحديث فلا بد أن يُتأكد منه، وأنا مر بي ومر بكثير من الإخوة وهو في السنن ، وإما أن يكون في سنده شيء، وإما أن يكون نسخ ترك الوضوء منها، وأمر صلى الله عليه وسلم بالوضوء من لحمها عليه الصلاة والسلام. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: هل من السنة إذا أراد الإنسان أن يذبح الذبيحة لا بد أن يتجه بها نحو القبلة؟ الجواب: الذي أعرفه أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في الترمذي : {البيت قبلتكم أحياءً وأمواتاً } وإنه إذا كان الذبح لله عز وجل فإنه يستقبل به بيته، لكن لا يحضرني الحديث ولا الدليل في هذا، ولا بد من البحث. |
|
|
|
|