|
الإسلام يدعو المسلم إلى العمل والحركة، ويزجره عن الكسل والخمول، ولذا جاءت النصوص الكثيرة في الزجر عن سؤال الناس، والحث على الكسب الحلال والتصدق منه والجود، فاليد العليا خير من اليد السفلى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ذكر المؤلف باب الحث على الأكل من عمل يده، والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
والمسلم يعمل ويتكسب ويعلم أن أشرف المكاسب ما تعب فيه وكد وكدح، وجاءه المكسب ولو كان قليلاً، ولكنه يفرح بهذا الشيء، فله أجره عند الله؛ لأنه يتعفف ولا يسأل أحداً من الناس، ولأنه يقوت أهله وعياله، ولو ترك ذلك لأثم، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، فإذا كان الإنسان يكتسب حتى لا يقع في هذا الإثم فهو مأجور عند الله سبحانه وتعالى.
جاء في القرآن في سورة الجمعة قول الله عز وجل: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10].
يوم الجمعة يوم عيد، فإذا صليت الجمعة وأديت ما عليك، فاذهب وابتغ من فضل الله بالعمل، أو بالصناعة أو بالتجارة، ما طلب منك ربنا أنك تقعد يوم الجمعة في البيت، وأن تستريح في الجمعة أو في غيرها، ولكن الله عز وجل أمرك أن تكتسب، فابتغ من فضل الله سبحانه، وإذا أديت الفرض فأنت حر في أن تستريح أو تعمل، ولكن لا تمد يدك للناس وأنت قادر على أن تعمل وتتكسب. |
|
|
|
|
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها؛ فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه).
الصحابة ما كانوا حطابين، ومهنة جمع الحطب من أقل المهن، ولكن مهما كانت فهي أفضل من أن يسأل الإنسان غيره، فالصحابة منهم التجار ومنهم الزراع، وأهل المدينة كانوا متعودين على الزراعة، والمهاجرون كانوا متعودين على التجارة، ولكن لا يقعد الإنسان من غير عمل.
النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المسلم ألا يسأل أحداً شيئاً، فيقول: خذ حبلاً على كتفك واذهب إلى الجبل فاحتطب من هناك، ثم بع هذا الحطب للناس، فتنتفع بهذا الشيء فتتكسب وتؤجر على ذلك.
قال صلى الله عليه وسلم: (فيبيعها فيكف بها وجهه)، سيبيع ويكسب ويكف الله عز وجل وجهه بذلك ويكتفي ولا يسأل أحداً شيئاً، فهذا خير له وأفضل له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.
سؤال الناس فيه ذل، حتى لو أعطوك فتوجد منة من الذي أعطاك، فالأفضل أن لا يسأل أحداً.
قال هنا: (خير له)، السؤال لا خير فيه إلا للمحتاج أو المضطر، أما غير ذلك فسؤال الناس لا خير فيه.
فالخير للإنسان أن يكتسب بنفسه ويتعب نفسه، فعلينا أن نكسب المال الحلال من وجهه، ما ننتظر المال الحرام، وما ننتظر أن ينزل الله علينا رزقاً من السماء، ولكن نبحث عن ذلك ونمشي في الأرض وننتشر فيها ونأكل من رزق الله ونبحث عن فضل الله سبحانه.
والإنسان لا يستكبر عن عمل مهما كان هذا العمل، وكثير من الشباب يبحثون عن أعمال وإذا وجد عملاً قال: هذا العمل لا يناسبني!
جلوسك في البيت أذل لك من عمل لا يناسبك، ابحث عن العمل الحلال ولو كان من أقل الأعمال، طالما أنك تكف به نفسك عن سؤال الناس، فهذا خير لك وأفضل لك، حتى ولو كانت الأجرة فيه قليلة، ولو علم الله عز وجل في قلبك الخير لأعطاك الكثير بعد ذلك لصبرك وتعففك عن سؤال الناس، فيجب على الإنسان المسلم أن يبحث عن الرزق الحلال من وجهه، ولا يقعد في البيت ينتظر من يصرف عليه، ولا يقعد في البيت وينتظر إنساناً يعطيه مالاً يقرضه، وليس عنده ما يسدد به هذا القرض!
جاء شابان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه فنظر إليهما، فوجدهما شابين جلدين، فقال: (إن شئتما أعطيتكما، واعلما أنه لا حظ في هذا المال لغني ولا لذي مرة سوي).
يعني: سأعطيكما من هذا المال إذا كنتما محتاجين أو مضطرين، لكن: (لا حظ في هذا المال لغني).
وقد يقولان: نحن فقراء ما عندنا فقال: (ولا لذي مرة سوي)، فالشاب القوي الذي فيه جلد وفيه قوة لا حظ له في مال الصدقة ولا حظ له في مال الزكاة.
فلا تأخذ مالاً لا تستحقه، واسع في طلب الرزق واعمل، وبفضل الله يرزقك سبحانه: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ [الأنفال:70].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه هنا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره)، لن يأخذ معه حماراً ولا حصاناً يحمله عليه، بل سيحمله على ظهره (خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه).
فالأفضل للإنسان أن يتعب في طلب الرزق، وهذا أفضل من أن تمد يدك لإنسان فيقول لك: ما عندي، فاذهب واعمل فأنت قوي تقدر على أن تعمل، ولا تمد يدك إلى أحد من الخلق، ومد يدك إلى الله الذي يرزق سبحانه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
الحسد هنا الغبطة، والمعنى: أنك تراه ينفق فتتمنى في نفسك وتقول: يا ليتني مثله، فما الفرق بين الغبطة والحسد؟
الحسد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هنا المقصود به الغبطة، أن تغبطه وتود أن لك مثله، لكن الحسد الحقيقي هو تمني زوال النعمة، مثل إنسان يرى في يد الإنسان مالاً فيتمنى أن يسرق هذا المال منه، ويتمنى أن هذا المال يضيع منه من أجل أن يبقى مثله.
وشر الحاسد على نفسه وعلى غيره أيضاً، ولعله يكون سبباً في زوال نعمة الغير بسبب عينه، فالإنسان الحاسد يستشعر أنه مظلوم، ولذلك يقولون: ما رأينا ظالماً أشبه بالمظلوم من الحاسد، هو ظالم ويتشبه بالمظلوم؛ لأنه لا يعجبه أن الله أعطى فلاناً وما أعطاه، فالحاسد متسخط على ربه سبحانه، متسخط على أقدار الله سبحانه، يقول: لماذا أعطى فلاناً وما أعطاني أنا؟ فيتمنى زوال نعمة الغير.
وهنا يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بالحسد الغبطة، فلا مانع من أن المسلم يجد من هو أفضل منه ويقول: يا ليتني أكون مثل هذا الإنسان.
فالحسد بمعنى الغبطة يكون في أمرين، قال: (لا حسد إلا في اثنتين)، فإذا كنت فعلاً تحسد أحد بمعنى تغتبط فيه وتتمنى مثله فليكن في هذين الأمرين وهما: (رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق)، كان غنياً فسلط ماله بالتصرف في الحق، يخرجه للفقراء وللمساكين، ولا يضيع حق نفسه وحق بيته، فينفق بالقدر الذي يرضي به ربه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل آتاك المال لتخرجه وليس من أجل أن تكنزه حتى تموت وتتركه لغيرك!
جعل الله المال لتنفق منه في سبيل الله عز وجل وفي وجوه الخير، فهذا الإنسان ينفق بالعدل، ينفق بالإحسان، يعطي ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والفقراء وغيرهم، فهذا لك أن تقول: يا ليتني مثل فلان، يا ليت ربنا أعطاني حتى أكون مثله، وهذا الإنسان لا يحرمه ربه أبداً من فضله ومن كرمه، هذا الغني الذي يعرف حق الله ويعطي من غير رياء ولا سمعة، فهذا لا يضيعه الله عز وجل، بل يزيد له من فضله ومن كرمه سبحانه.
والآخر: (رجل آتاه الله حكمة)، تعلم العلم الشرعي، فالحكمة تطلق على معان منها أن يضع الشيء في موضعه، فالحكيم يفكر بالعقل وعنده قلب وفيه لب.
وتطلق الحكمة بمعنى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والحكمة بمعنى الإصابة في الدين.
فهذا رجل أعطاه الله عز وجل علماً في الكتاب وعلماً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاه الحكم الصواب في الأشياء فهذا حكيم، فهو يقضي بها ويعلمها.
قال: (رجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها) يعني أفعاله مبنية على الحكمة، لا يخالف قوله عمله، ولا يخالف عمله علمه، ولكن يعمل بما علم، آتاه الله حكمة فهو يقضي بها في أفعاله وفي قضائه ويعلمها للناس، هذا الذي يستحق أن يقول الإنسان: يا ليتني مثله. |
|
|
|
|
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) رواه البخاري .
الصحابة أهل صدق وأهل عدل، وجوابهم جواب صدق، وربما لو سئل غيرهم: هل مالك أحب إليك أو مال الورثة؟ سيقول: مال الورثة، أترك لهم فلوساً حتى لا يضيعوا، لكن الصحابة عرفوا أن المال اختبار وامتحان من الله عز وجل.
المال في يدك وأنت تتصرف في هذا المال: فالإنسان إما أن ينفقه في الحق ويبقى له الأجر والثواب عند الله عز وجل، وإما أن ينفقه في الباطل فعليه الإثم، وإما أن يدخره وهذا المدخر إما أن يؤدي زكاة ماله أو لا يؤديها، فإذا أدى زكاة ماله انتفع بقدر هذه الزكاة الواجبة عليه، والباقي لم ينتفع به شيئاً، وإذا أخرج من هذا الباقي فأعطى في الحقوق فالله ينمي هذا بإعطائه.
فالإنفاق خير للإنسان من أن يترك المال للوارث ، فلما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم من مال الوارث أحب إليه من ماله؟ يعني: أن ربنا يرزقه مالاً فيجمعه لورثته ويحرم نفسه منه حتى يموت ولم ينتفع بهذا المال ويتركه للوارث! فقالوا: مالنا أحب إلينا من مال الوارث، فنحن نتحكم به ونحكم به ونعطي ونمنع؛ فقالوا هذا لأنهم أهل صدق وأهل إنفاق رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، والمآثر التي تكون عند الله عز وجل لن تكون إلا بالبذل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111].
فقال صلى الله عليه وسلم: (فإن ماله ما قدم)، حقيقة مالك ما قدمته لله سبحانه فادخرته عنده بالإنفاق في وجوه الخير.
قال: (ومال الوارث ما أخرت)، الذي ادخره في الدنيا لن ينتفع به يوم القيامة، وهذا يكون للوارث وليس لك أنت. |
|
|
|
|
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
يعني لا تستقل الصدقة، وإذا عودت نفسك على الإنفاق ولو بأقل الأشياء يكون لك عند الله عز وجل أجر عظيم يوم القيامة، فإذا أعطيت هذا الإنسان تمرة، وأعطيت الآخر شق تمرة، وأعطيت للثالث مثلها، وأنت لم تحتقر هذا الشيء ولكن جدت بالموجود، فهذا خير من المنع.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم منهم من ينفق الكثير جداً، ومنهم من ينفق القليل بحسب ما أعطاه الله سبحانه تبارك وتعالى، فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار) يعني تتقيها بالقليل وبالكثير، ولو بأقل القليل، ولو بشق تمرة! |
|
|
|
|
|
|