|
عاش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في خشونة عيش، وتقلل من الدنيا وهو خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فالإنسان المؤمن حين يذكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه يذكر نعمة الله عليه وفضله، وكيف أن الله وسع عليه، فيشكره على نعمه قولاً وعملاً. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
هذا أبو موسى الأشعري يذكر أن السيدة عائشة رضي الله عنها أخرجت لهم كساءً وإزاراً غليظاً، أي: كساء كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسه، وإزاراً غليظاً ليس من القماش الناعم الرقيق اللين، لبسه النبي صلى الله عليه وسلم ومات فيه.
فالله سبحانه أنعم على نبيه صلى الله عليه وسلم وفتح عليه الفتوح، ومع ذلك آثر الآخرة على الدنيا، فمات صلى الله عليه وسلم وهو في ثياب أهل الفقر وليس في ثياب أهل الغنى، وتوفي صلى الله عليه وسلم في إزار غليظ وكساء غليظ صلوات الله وسلامه عليه.
قالت عائشة رضي الله عنها: (قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين) والحديث في الصحيحين. |
|
|
|
|
|
|
ولفظ الإمام البخاري يقول: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبتُ إذاً وضل عملي، وكان بنو أسد قد وشوا به إلى عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه.
ذكرنا في الحديث السابق أن صحابياً فاضلاً وهو عتبة بن غزوان رضي الله عنه كان أميراً على البصرة، ويذكر كيف كانوا في فقر، يقول: (رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكان زميله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول: والآن ما أحد منا إلا وهو أمير، فهذا كان أميراً على البصرة، و سعد بن أبي وقاص كان أميراً على الكوفة، ما الذي جعله يقول هذا الحديث أو هذه الحكاية الذي يحكيها رضي الله عنه؟
كانت بنو أسد قد شكته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذْ كان عمر قد عينه أميراً على الكوفة، فكان يسير فيهم بالمعروف، ولا يألو جهده أن يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس، فتضايق منه بنو أسد وتكلموا في شأنه وشكوه إلى عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه يريدون أن يعزله، ولم يكن يصلح معهم أحد، فكلما تولى عليهم أميرٌ إذا بهم يشكونه لـعمر رضي الله عنه.
وسعد كان قد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة مباركة أن يسدد الله عز وجل رميته وأن يستجيب دعوته، فالله عز وجل استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، فكان يرمي ولا يخطئ في الرمي رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكانت دعوته مستجابة، فكان الناس يخافون من دعوة سعد رضي الله تبارك وتعالى عنه.
لكنَّ بني أسد شكوا سعداً لـعمر رضي الله عنه حتى يعزله، وكانت عادة عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه يراقب الأمراء، ويسمع شكاوى الرعية، فإذا شكوا أحداً عزله، سواء أنه تحقق من الشكوى ومن صحتها أو لم يتحقق، فقد كان همه أن يريح الرعية ويولي عليهم من يرضون عنه، فكان رضي الله عنه له منطق ووجهة في ذلك، لعله كان يرى أنه طالما اشتكت الرعية الراعي، فإنه لو تركه عليهم لعله ينتقم منهم بعد ذلك فيؤذيهم.
هذه وجهة نظر عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فلما أتى بـسعد وسأله عن ذلك قال سعد : (إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم ومالنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام). معنى (تعزرني): توقفني، عندما تقول عن إنسان: أنا أعزره على كذا، يعني: أوقفه على الأحكام الشرعية في كذا، وكأنه يقول: هذه بنو أسد تأتي تعلمني الإسلام، وقد عرفت هذا الدين من قبلهم.
قال: خبت إذاً وخسرت، أو قال: لقد خبت إذاً وضل عملي، يعني: لو كان بنو أسد هم الذين سيعلمونني الإسلام لخبت وخسرت، وصدق رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد كان بنو أسد من أوائل المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: ليس لهم فضل أنهم يشكونَ سعداً رضي الله عنه ويقبحون فعاله، وهو من أصحاب الفعال الجميلة، يتكلمون عنه ويقولون: إنه لا يعرف أن يصلي، والإنسان إذا أحب إنساناً رفعه في السماء، وإذا أبغض إنساناً أنزله على الأرض، مثلما قالوا:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
فالإنسان حين يكون ساخطاً على إنسان لا يرى منه إلا العيوب، فيقولون عن سعد رضي الله عنه: إنه لا يحسن أن يصلي، فعزله عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، وبعث يسأل هؤلاء عن سيرة سعد فيهم، وكان قد ولى عليهم عَمَّاراً بعد سعد رضي الله تبارك وتعالى عنهما.
فلما بعث عمر من يسألهم عن سيرة سعد قالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فسأل عمر سعداً وقال: يا أبا إسحاق : إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن أن تصلي، فقال له: (أما أنا والله فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها، فأرقد في الأوليين وأخف في الأخريين).
فأرقد: من الرقود، يعني الدوام أو الإطالة، أي: إذا صليت بهم الصلاة الرباعية أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الركعتين الأخريين كسنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك!
فقال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق ! فأرسل معه سيدنا عمر رجالاً إلى الكوفة، فسألوا أهل الكوفة عن سيرة سعد ، فلم يدعوا مسجداً إلا سألوا فيه عنه وهم يثنون عليه معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس هناك، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة وكنيته أبو سعدة ، فهذا الرجل قال لرسول عمر إليهم: أما إذ نشدتنا، يعني: أنت تحلفنا أن نقول الحق فأنا سأقول الحق، فقال هذا الكذاب: فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية.
فانظروا ماذا يقول عن سعد الذي كان من المجاهدين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزل كذلك حتى مات رضي الله تبارك وتعالى عنه، قال: كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية - أي: يقسم المغانم بيننا ولا يعدل فيها فافترى الكذب على سعد رضي الله تبارك وتعالى عنه.
والغرض: أن سعداً عاقب هذا الرجل عقوبة شديدة بأن دعا عليه رضي الله تبارك وتعالى عنه دعوة عجيبة جداً، فقال: أما والله لأدعون بثلاث..
والصحابة كانوا يخافون من دعوة سعد رضي الله عنه، وقد حصل مرة شيء بين عمر وبين سعد فقال: لأدعون عليك، فقال: ادع ولا تدعُ إلا بخير، فالصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عنهم كانوا يعرفون منزلة سعد أنه دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مستجاب الدعوة، فالرجل هذا الذي كذب على سعد استحق أن يدعو عليه سعد رضي الله عنه فقال: لأدعون بثلاث:
اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتنة.
وفعلاً استجاب الله عز وجل دعوة سعد ، فقد عاش الرجل وشاخ وكبر سنه، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، وكان يسقط حاجباه على عينيه من شدة الكبر، ومع ذلك يمشي هذا الشيخ العجوز ويضايق البنات في الطرقات ويغازلهن، ويقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد.
قال راوي الحديث: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.
وهذه العقوبة غير عقوبته يوم القيامة عند الله عز وجل، وهذا جزاء كذب الإنسان حين يفتري على غيره، فاستحق أن يستجيب الله عز وجل الدعوة عليه في الدنيا قبل الآخرة.
الغرض من هذا الحديث: بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا فترة طويلة على هذا الحال من الفقر حتى في مغازيهم رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.
قال هنا في رواية: (ومالنا طعام إلا ورق الحبلة) والحبلة: ثمار شجر السمر، وحولها الأوراق، كانوا يأكلون هذه الأوراق. |
|
|
|
|
حديث آخر في الصحيحين أيضاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً).
الإنسان يأكل القوت ويتفكه بالفاكهة، يأكل القوت الضروري الذي يعيش عليه من قمح وشعير وأي طعام أساسي له، وبعد ذلك يتفكه بشيء زائد عن ذلك، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه سبحانه أن يرزقه القوت، أي: حاجته الضرورية التي يحتاج لها صلى الله عليه وسلم على قدره، قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) هذا طلبه من ربه صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: القوت هو ما يسد الرمق. |
|
|
|
|
|
|
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشياً علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون وما بي إلا الجوع، رضي الله تبارك وتعالى عنه.
هذه مفخرة لـأبي هريرة رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه لم يشغل نفسه بشيء إلا أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وليبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأحكام التي جاء بها من عند ربه صلوات الله وسلامه عليه.
هنا كان يقول: (لقد رأيتني وإني لأخر) يعني: من شدة جوعه رضي الله تبارك وتعالى عنه، فبين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة يمشي فيقع على الأرض من شدة الجوع، فلا يقدر على الوقوف، وأحياناً الإنسان من شدة جوعه وعطشه يكون كالمجنون، فترى لسانه يخرج إلى الخارج وينزل زبد من شدقيه، فيصبح من شدة جوعه على هيئة مجنون، والذين من حوله يظنون أنه جن، ويظنون أن به صرعة.
فيأتي الرجل فيجده مرمياً على الأرض، ويضع رجله على رقبته، ظناً منه أن به صرعاً فيفعل به ذلك.
يقول: فيجيء الجائي، أي: الإنسان الذي يأتي يظنني مصروعاً وليس بي ذلك، قال: فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون وما بي إلا الجوع.
هذا من الأحاديث التي فيها بيان كيف كان أبو هريرة يعاني من الجوع والفقر، ولو شاء لخرج يتاجر في المدينة مثل غيره، أو يعمل عند أحد من أهل المدينة فيطعمه ويسقيه ويعطيه، ولكن كان هم أبي هريرة رضي الله عنه أن يحفظ من النبي صلى الله عليه وسلم ويتعلم منه، ويدعو له النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو لأمه أيضاً، فـأبو هريرة شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان، وأخبره أنه لا يحبه إلا مؤمن، ولذلك فإن أبا هريرة لا يسمع به إنسان مؤمن إلا أحبه، والإنسان الذي يكره أبا هريرة رضي الله عنه إنسان لا حظ له في شيء من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحبك إلا مؤمن).
ولقد ظهر أناسٌ يزعمون أنهم قرآنيون، يقولون: نأخذ بالقرآن فقط ولا نأخذ بالحديث؛ لأن أبا هريرة كان مشغولاً بالطعام والشراب، وكان يريد أن يشبع بطنه، قالوا: هذا الإنسان الذي يريد أن يشبع بطنه ماله ومال حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما فهموا في أي شيء كان أبو هريرة رضي الله عنه، فهم في واد وهو في واد آخر!
أبو هريرة أجاع نفسه وأتعب بدنه في سبيل حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أن واحداً من طلبة العلم حكى في سيرته أنه كان يجوع وكان يعطش وكان يشقى ويكد ويكدح في طلب العلم لمدحه الناس على ذلك، ولكن يقولون ذلك عن أبي هريرة ؛ لأنه راوية الإسلام، فقد روى آلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وانفرد بأحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هدموا أبا هريرة هدموا ركناً عظيماً من أركان هذا الدين؛ لذلك فـأبو هريرة لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، مهما زعم أنه قرآني أو غير ذلك. |
|
|
|
|
من الأحاديث: حديث في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير).
هذا النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وسيد ولد آدم وحبيب رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه يموت مديوناً، ولكنه جعل وفاء هذا الدين رهناً، أي أنه إذا لم يدفع أخذ الرهن الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، ورهنه كان درعاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند رجل يهودي.
قالت: (مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على ثلاثين صاعاً من شعير) والصاع: كيلوان ونصف من الشعير تقريباً، يعني: مات النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الدرع مرهونة في ثلاثين صاعاً، أي: حوالي خمسة وسبعين كيلو من الشعير.
فهذا القدر من الشعير كان يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم لأهله ويرهن درعه صلى الله عليه وسلم مقابل هذا القدر من الشعير، ليس من الفواكه مثلاً، وليس من الأشياء الغالية من الثياب ونحوها، وإنما في قوت، يا ترى هل كان النبي صلى الله عليه وسلم هيناً على الله سبحانه وتعالى حتى يموت وهو آخذٌ طعاماً يأكله هو وأهله بالدين عليه الصلاة والسلام؟
لا، ولكن أراد الله عز وجل أن يرينا حقارة هذه الدنيا، وأنه لا قيمة لها، فلو كان لها قيمة لأعطاها لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن لا قيمة لهذه الدنيا عند رب العالمين. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
فخير القرون قرن النبي صلى الله عليه وسلم، والقرن: الجيل الذي تعاشر في زمن واحد، فكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو سمع منه قرنه.
والقرن الذين يلونهم: الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم وقد رأوا أصحابه، وهو قرن التابعين.
والذين يلونهم: قوم لم يروا الصحابة أو رأوا الأفراد القليلين من الصحابة ورأوا التابعين.
فخير القرون من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، يليهم من رأوا أصحابه، يليهم الذين من بعد هؤلاء.
قال عمران : (فما أدري قال النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثاً، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) متفق عليه.
يكون من بعد قرون الخيرية الثلاثة الأول قوم يشهدون ولا يستشهدون، يعني: يشهد أحدهم من غير أن يطلبه أحد للشهادة؛ لأنه ليس أهلاً لها، فهو معروف عند الناس أنه كذاب وخائن، فيذهب ويشهد من غير أن تطلب منه شهادة؛ لأنه ليس من أهل هذه الشهادة وإنما هو شاهد زور.
قال: (ويخونون ولا يؤتمنون) فمن صفاتهم أنهم قوم يخونون ولا أحد يأتمنهم على أمانة؛ لأنهم إذا أخذوا الأمانة أو أخذوا الوديعة أو أخذوا العارية جحدوها وأكلوها ولم يعطوها أصحابها.
ويقول: (وينذرون ولا يوفون) يعني: ينذر لله يقول: علي أن أعمل كذا ولا يعمل، ويقول: لله علي إذا شفاني الله أن أعمل كذا ولا ينفذ.
قال: (ويظهر فيهم السمن)، والمعنى: أن شهواتهم في بطونهم، فهم مشغولون بالطعام والشراب، لا يأبهون لعبادة ولا طاعة ولا جهاد، وليس على بالهم شيء من أعمال الإسلام إلا الأكل والشرب وأن يتنعم في رغد العيش. |
|
|
|
|
|
|
وعن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
فيا ترى من منا يصبح على هذه الصفة؟ قال: (من أصبح منكم آمناً في سربه)، أي: الأمان في النفس وفي القوم وفي البيت، فلا أحد يخيفه، ولا أحد يهدده.
قال: (معافى في جسده) أي: أصبح سليم الجسد معافى، يحرك يديه وأطرافه ويأكل ويشرب.
قال: (عنده قوت يومه) ليس قوت شهره ولا قوت سنته، وإنما قوت يومه الذي هو فيه؛ لأنه لا يدري هل سيعيش بعد ذلك أو لا يعيش؟ فإذاً هنا ثلاثة أشياء:
الأمان في يومه الذي أصبح فيه فهو آمن في سربه.
والمعافاة في الجسد، أي: صحته سليمة.
وعنده قوت يومه.
(فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) يعني: كأنما جمعت وأعطيت له الدنيا بحذافيرها، وذلك أنه لو كانت الدنيا بحذافيرها فهو في النهاية سيملأ بطنه من طعام ويملأ بطنه من شراب، وينام على سريره الذي هو فيه ولن يشغل أكثر من سرير في النومة الواحدة، فعلى ذلك فإن الإنسان الذي يصبح وهو آمن معافى وعنده قوت يومه، كأنه أخذ الدنيا بما فيها، فصار ملكاً من الملوك، فاحمدوا ربكم على ما أعطاكم من نعم، وعلى ما أنعم عليكم بفضله وبكرمه، وسلوا الله من فضله ومن رحمته، فإنه لا يملكها إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
|