|
خلق الله عز وجل الخلق وجعل فيهم الخير والشر، ثم خلق الجنة لمن أطاعه، وخلق النار لمن عصاه، والعبد المؤمن دائماً يعود ويتوب إلى الله، ويغلب جانب الرجاء على جانب الخوف حتى لا يصيبه اليأس فيهلك، فكما أن الله غفور رحيم فهو شديد العقاب، ولكن رحمته تسبق غضبه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
من الأحاديث التي تجعل الإنسان يرجو فضل الله ورحمته سبحانه وتعالى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم و معاذ رديفه على الرحل، يعني: راكب على الجمل و معاذ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى معاذاً قال: يا معاذ! ثلاث مرات، وكل مرة يقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، أي: أنا مقيم على طاعتك، أو أنا أرد عليك ماذا تريد مني، فيبادر ويسارع بالتلبية، أنا مطيع لك ماذا تريد؟
وسعديك: من المساعدة والخدمة في الطاعة أي: أنا خادم لك، أنا مطيع لك، أنا باق على خدمتك وطاعتك، ومسارع إلى ذلك.
بعدما كرر ذلك ثلاث مرات كلها ليشد انتباه معاذ حتى ينتبه ما الذي يريده النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه) وهنا القلب مستيقن، القلب مصدق بأن الله هو وحده الذي يعبد لا إله إلا هو، وهذا الصدق في القلب يدفعه إلى العلم، وأن يوجه عبادته إلى الله فلا يشرك به أحداً سبحانه وتعالى، وأن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، عبد قد أوحى الله عز وجل إليه بهذه الرسالة العظيمة وبدين الإسلام، فيصدق العبد أن هذا الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو من عند رب العالمين، وأنه واجب عليه أن ينفذ ذلك فيطيعه في أمر الله وأمر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه .
فإذا كان على ذلك فيحرمه الله على النار، قال: (إلا حرمه الله على النار، فقال معاذ فرحاً بذلك: يا رسول الله ! ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟) ، أذهب لأخبر الناس أن الذي يقول لا إله إلا الله يدخل الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: (إذاً يتكلوا)، لعله يسمع ذلك من يفهم ويعقل معناها، ومن لا يفهم ذلك ولا يعقل معناها، فيظن أنه بمجرد ما يقول بلسانه لا إله إلا الله حتى وإن وقع في الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور، أو وقع في الكبائر والصغائر والفواحش لا يهمه ذلك شيئاً، ويقول: إنني سأدخل الجنة لأني أقول: لا إله إلا الله، لذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً أن يخبر الناس بذلك.
لكن لما جاءت وفاة معاذ رضي الله عنه أخبر بها تأثماً، يعني: خائفاً من الإثم، خاف أنه يموت ولم يبلغ حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر بها، فهو الآن يخبر، والذي يسمع ذلك يفهم المعنى الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم منه أنك تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله مستيقناً بذلك من قلبك، فتأتي بهذه الشهادة بشروطها كما ذكرنا قبل ذلك، وهي: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة والولاء والبراء، فتأتي بشروط لا إله إلا الله، فيجعلك الله عز وجل من أهل الإيمان. |
|
|
|
|
|
|
كذلك من الأحاديث حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما، فذكرا فيه: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، وذلك سنة تسع من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتسمى بغزوة العسرة، وخرج الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم أعداداً ضخمة وأصابهم مجاعة، فقالوا: (يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا) الغزوة كانت في تبوك، وتبوك في أطراف الشام، فإذا نحروا النواضح وأكلوها سيرجعون إلى المدينة على أرجلهم وهي مسافة بعيدة، وقد يهلكون في الطريق.
فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (لو أذنت لنا) وهذا من أدب الصحابة كل واحد منهم يملك ناضحاً له، ولكن قبل أن يذبح الناضح الذي معه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم متسأذناً، فأذن لهم صلى الله عليه وسلم.
قالوا: (لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا)، بمعنى: لو أذنت لفعلنا، ولو لم تأذن لم نفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افعلوا، فجاء عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر)، يعني: هؤلاء راكبون عليها، ولعل هناك اثنين أو ثلاثة يركبون على بعير واحد، وكان البعض منهم يمشي في الطريق جزءاً ويركب في جزء آخر من الطريق، وقد يعتقب الخمسة والستة والسبعة على البعير الواحد، فإذا ذبحوا النواضح يصعب عليهم الرجوع.
فاقترح عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه هذا الاقتراح العظيم، فقال: (يا رسول الله! ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك البركة) وهو مستيقن، أنه سيكون في ذلك البركة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ففعلاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.
النبي صلى الله عليه وسلم كان بالمؤمنين رءوفاً رحيماً ظهرت رأفته ورحمته وحنانه عندما استأذنوه، فلو قال: لا، لرجع كل واحد يفكر: سنجوع ولن نجد الأكل، فهنا من رحمته صلى الله عليه وسلم أنه أذن لهم، فجاء عمر واقترح اقتراحاً آخر: أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مباركة، فما هو المانع بأن تدعو بفضل الأزواد، والله تبارك وتعالى يبارك في ذلك؟ ثقة من عمر في ربه سبحانه، وفي بركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: نعم ودعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، وهو طعامه الذي بقي معه، وكانوا يأكلون ذلك في الطريق، فكيف سيأكلون كف الذرة وهم في الطريق؟! هل هذا أكل جيش ذاهب ليجاهد في سبيل الله؟!
ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة خبز، حتى اجتمع على ذلك النطع من ذلك الأكل شيء يسير، ومن ثم فرش نطع - وهي قطعة جلد - على الأرض من أجل أن يأتوا بما معهم من أزواد، فاجتمع قليل من الطعام فوق ذلك النطع من الجلد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ينزل البركة والنماء والزيادة والفضل على هذا الطعام، فإذا بالطعام يزيد، فقال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملئوه، وأكلوا حتى شبعوا وفضل فضلة، وهذه بركة من بركات رب العالمين بدعاء النبي صلوات الله وسلامه عليه!
وهذه ليست أول مرة، فقد رأينا قبل هذا في الحديبية كيف دعا النبي صلى الله عليه وسلم حتى كثر الماء، وهنا أكل الجيش من هذه الكسر ما ملئوا به بطونهم وملئوا أيضاً أوعيتهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) وهو يعرف ذلك صلى الله عليه وسلم يقيناً، ولكنه يعلمهم ما الذي ينبغي أن يقال في هذا الوقت، من الشهادة بأنه رسول حق، وهذه معجزة من الله سبحانه وتعالى.
قال صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)، أي: لا يشك بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله واحد لا شريك له، وهذا التصديق يدفع صاحبه إلى العمل، فإذا قال ذلك مصدقاً بقلبه غير شاك في ذلك استحق أن يدخل الجنة. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ومن الأحاديث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنا قعوداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر و عمر رضي الله عنهما في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا، فخشينا أن يقتطع دوننا فتبعناه فقمنا، فكنت أول من تبعه، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطاً للأنصار).
فجأة قام وتركهم لحاجة من حوائجه صلى الله عليه وسلم، فلما تأخر فزعوا وتهامسوا: أين ذهب النبي صلى الله عليه وسلم؟! فبحثوا عنه، وكان أول من خرج للبحث عنه أبو هريرة رضي الله تبارك وتعالى عنه .
قال: (حتى أتيت حائطاً للأنصار) ، كأنه ظن أن يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فبحث عن باب لهذا الحائط فلم يجد، ولعله من شدة فزعه واندهاشه من غياب النبي صلى الله عليه وسلم لم ير باب الحائط، فوجد جدولاً صغيراً فدخل منه حتى وجد النبي صلى الله عليه وسلم بالداخل.
(فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه نعليه: اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة).
كأنه دخل إلى هذا المكان فنزل عليه الوحي بذلك صلوات الله وسلامه عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الناس سيقولون: من أين أتيت بهذا الكلام، نحن لم نجد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأعطاه النعلين أمارة وعلامة على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره بذلك وفعلاً خرج فكان أول من لقيه عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقال له: إلى أين يا أبا هريرة ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أبشر من وجدت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مستيقناً بها قلبه بالجنة.
فإذا بـعمر يخاف من اتكال الناس، فيأمر أبا هريرة بالرجوع، فوكزه حتى أوقعه رضي الله تبارك وتعالى عنهما، وقال: ارجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تفعل!
يا ترى! هل عمر لا يريد قول النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ للناس؟! هنا ذهب أبو هريرة إلى لنبي صلى الله عليه وسلم يبكي، ووراءه عمر رضي الله تعالى عنه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم لم فعلت ذلك؟! فكان جواب عمر قال: (يا رسول الله ! إذاً يتكلوا) ، فهي نفس الكلمة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ رضي الله تعالى عنه: (إذاً يتكلوا)؛ لأن الناس لو علموا ذلك من غير أن يفهموا المعنى لاتكلوا على اللفظ، فأنا أقول لا إله إلا الله وأعمل الذي أريد، وسأدخل الجنة، فالأمر ليس كذلك.
لقد ذكر الله عذاب أهل النار من الكفار والموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم توزن أعمالهم يوم القيامة، فمن رجحت سيئاته على حسناته أدخله الله عز وجل النار.
إذاً: هناك نار لعصاة الموحدين يدخلونها يوم القيامة، فلو سمعوا أنهم سيدخلون الجنة ولا يوجد نار لقالوا: نحن كلنا سندخل الجنة، فلا يفهمون ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة أصابه قبل ذلك ما أصابه) ، يعني: قد يدخل النار فيمكث فيها دهوراً كثيرة، ويعذب فيها على معاصيه وذنوبه، وبعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين سبحانه، فيخرجهم من النار إلى الجنة .
فكأن هذه الكلمة العظيمة تنفع صاحبها يوماً من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه، وقد يدخل النار، وقد يتغمده الله برحمته فلا يدخله النار ويدخله الجنة، وقد يصاب قبل ذلك وهو في الموقف فيعذب ما شاء الله عز وجل أن يعذب مثل مانعي الزكاة، حيث يعذبون في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فصاحب الإبل يطرح في قاع قرقر، وتمر عليه الإبل في أسمن ما كانت وأوفر ما كانت، فتطؤه بأخفافها، وتعضه بأسنانها، فهذا عذاب مانعي الزكاة في هذا اليوم، ومانع الزكاة مسلم يقول لا إله إلا الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى يرى سبيله إلى الجنة أو إلى النار).
إذاً: لا يغتر الإنسان عندما يقول: لا إله إلا الله، فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه، تدفعه للعمل، فتنفعه هذه الكلمة. |
|
|
|
|
|
|
|