|
على المسلم أن يقرأ سير السلف الصالح وخصوصاً سير الصحابة رضي الله عنهم، حتى يعرف ما كانوا عليه من العبادة والصلاح والشهامة والتضحية في سبيل هذا الدين، فيحاول أن يقتدي بهم وأن يسلك منهجهم، فإنه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ومن هؤلاء الرجال الأماجد الأبرار الذين يقتدى بهم: أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
ما زلنا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اصطفاهم الله جل في علاه على البشرية أجمعين وخص نبيه صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الأكارم الأماجد الأفاضل، وقد ذكرنا أن أفضل هذه البشرية بعد الأنبياء هم الصحابة، وأفضل هؤلاء الصحابة هم الخلفاء الراشدون الأربعة ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وأولهم هو أبو عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة، واسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري المكي ، أحد السابقين الأولين، شهد له الصديق قبل توليه الخلافة، وأشار به في كمال أهليته، فإن أبا بكر قال في السقيفة: وأرضى لكم أحد الرجلين، يقصد بذلك عمر و أبا عبيدة بن الجراح .
يجتمع أبو عبيدة في النسب مع النبي صلى الله عليه وسلم في فهر . |
|
|
|
|
|
|
قال ثابت البناني: عن أنس : قال أبو عبيدة: (يا أيها الناس! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى إلا وددت أني في مسلاخه). وهذا من تواضعه رضي الله عنه وأرضاه.
وعن قتادة قال: قال أبو عبيدة بن الجراح : وددت أني كنت كبشاً فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي. هذا ورع قد مات مع الذين ماتوا، حتى إننا الآن لا نسمع به ولا نشم رائحته.
وعن طارق : أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت بي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، سبحان الله! وذلك لأن عمر كان يحب أبا عبيدة بن الجراح كثيراً جداً، فقد كانت أمانة الأمة كلها مجتمعة في هذا الرجل، فلما علم عمر أن الطاعون بأرض الشام وكان أبو عبيدة هناك، علم أنه قد يهلك، والأمة تحتاج لمثله، فانظروا إلى فقه عمر ثم انظروا إلى ما هو أروع من ذلك وهو فقه أبي عبيدة بن الجراح ، فإن عمر بن الخطاب لما خاف على أبي عبيدة قال: إني قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك فيها، يعني: أريدك أن تأتي؛ وذلك حتى ينقذه الله من الطاعون، وهذا كان خلاف السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نزل الطاعون بأرض فلا تخرجوا منها ولا تدخلوا إليها). فلما قرأ أبو عبيدة هذا الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب إلى عمر : إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك، يعني: اجعلني في حل من أمرك، فإني في جند من جنود المسلمين، ولم أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة ، قال: لا، وكأن قد. قال: فتوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون. |
|
|
|
|
وأمّر النبي صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة غير مرة، منها المرة التي جاع فيها عسكره وكانوا ثلاثمائة، وألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له: العنبر، فقال أبو عبيدة : ميتة، يعني: كيف نأكل الميتة؟ ينكر على من يأكل هذا الحوت.
لكن يحل لهم أكل هذه الميتة من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه ميتة بحر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحلت لنا ميتتان: ومنها: السممك)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .
الوجه الثاني: أنهم كانوا في حالة ضرورة.
وهذه القصة كانت من الكرامات التي منحها الله لـأبي عبيدة بن الجراح .
(فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له: العنبر، فقال أبو عبيدة : ميتة. ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله؛ فكلوا) وذكر الحديث وأصله في الصحيحين.
ولما فرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة و يزيد بن أبي سفيان و عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة ، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى و الصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة السماوة، ووقعة مرج الصفر، وكان أبو بكر قد بعث خالداً لغزو العراق، ثم بعث إليه أن يمد جند الشام، فقطع المفاوز حتى وصل السماوة، فأمره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد ، وهذا الذي أخذ على عمر ، فإنه دائماً كان يطلب من أبي بكر أن يعزل خالد بن الوليد ، ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك، حتى إنه بكى وقال: رحم الله أبا بكر فقد كان أعرف بالرجال مني، فأمر عمر بعزل خالد واستعمل على الكل أبا عبيدة ، فوصل الكتاب إلى أبي عبيدة فكتمه مدة، وهذا من دينه وحلمه؛ وذلك حتى لا تنهار معنوية الجند، وحتى لا تكون المسألة خلافاً بينهم على الإمارة، فقد نحى الكتاب جانباً، وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة، فأبلغ خالداً بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فكتم أبو عبيدة هذا الكتاب، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك عقد صلحاً مع الروم، ففتحوا له باب الجابية صلحاً، وإذا بـخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح، فعن المغيرة أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم.
ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم، وتوفي أبو عبيدة رضي الله عنه وأرضاه في الطاعون.
نسأل الله جل في علاه أن يجمعنا به في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله. |
|
|