|
ابتلي الإسلام بأهل الأهواء الذين يطعنون في الأحاديث التي تخالف أهواءهم، ويشككون الناس في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، فلا نزال نسمع بين الفينة والأخرى من يطعن في أحاديث في البخاري أو في مسلم بلا حجة ولا برهان، بل بالتحكم والادعاء، وقد تصدى أهل الحديث لهؤلاء المنتحلين الجاهلين المبطلين، وردوا عليهم، ونسفوا شبههم، وبينوا تلبيساتهم، وحذروا الناس منها. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وبعض من تصدر لتعليم الناس أمر الدين يتجرأ على أحاديث البخاري ويبتعد عن العلم الذي فيه النجاة من التخبطات إلى الطريق القويم، فيطعن في أحاديث البخاري تصريحاً بعد أن كان تلميحاً.
وهو رجل ومعه بعض الناس يقولون: إن أحاديث البخاري ليست صحيحة، ففيها الأحاديث الموضوعة والضعيفة والحسنة والصحيحة، والبخاري جبل الحفظ، وهو رأس السنة، وإمام من أئمة أهل السنة والجماعة فكيف يطعن في حديثه؟!
إن أمة لا تعرف قدر رجالاتها خابت وخسرت، وأمة قدرت حق رجالاتها فازت وارتقت وعلت، وهذا الذي حدث في مدة وجيزة من عمر الزمن، فقد امتلكوا الدنيا بأسرها مشارقها ومغاربها؛ لأنها أمة قد عرفت قدر رجالاتها، ثم جاءت أجيال بعد ذلك تطعن في ثوابتنا، وتطرح علية القوم أرضاً، فعلمنا أن الأمة حقاً لن تفيق من هذه الكبوة بحال من الأحوال.
لقد طعن هؤلاء في البخاري ثم في مسلم ثم ارتقوا بعد ذلك إلى الطعن في أبي هريرة أروى الناس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ليس بفقيه، ثم بعد ذلك طعنوا في عائشة ولذلك فقد فكرت أن أجتمع بطلبة العلم لأبين لهم فضل العلم، ثم أبين فضل أهل العلم، ثم ماذا لو غاب العلماء وتصدر الذين لا يعلمون عن دين الله شيئاً، ولا يتمسكون بهذه الثوابت؟ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وتكلموا كذلك على الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها وأرضاها وعمرها ست سنين، فيقول قائلهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رحيم رءوف بالأمة فكيف يتزوج هذه الصغيرة، ويدخل بها وعمرها تسع سنين؟ فإن قيل له: إن البخاري هو الذي روى هذا الحديث، قال: حتى ولو كان البخاري، فيلقي البخاري خلف ظهره ويقدم العقل ولا يقبل هذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتزوج امرأة عمرها تسع سنين، بل تزوجها وعمرها ثمانية عشر سنة. ولا ندري من أين أتى بهذا الكلام؟
إن هؤلاء يهرفون بما لا يعرفون، فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بالنساء، فلا يمكن أن يتزوج بنتاً وعمرها تسع سنين، ويقولون: إن الواقع يشهد لذلك، فلو أن أحداً تقدم لخطبة ابنتك وعمرها ست سنين لأنكرت عليه ذلك، فمثل هذا الحديث -كما يقولون- ليس بالصحيح، بل هو من الموضوعات.
والله عز وجل يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ [الحشر:7]، فإذا جاء عن النبي أمر من الأمور فعلينا السمع والطاعة، ورسول الله قائدنا وقدوتنا، وقد جاء عنه أنه تزوجها وعمرها ست سنين كما في صحيح البخاري ، فإن لم يصدقوا بحديث البخاري قلنا لهم: بيننا وبينكم سلسلة الإسناد، هذا إن كنتم تعلمون ونحن على يقين أنكم لا تعلمون معنى الإسناد، ولا تعرفون كيف تبحثون عن الإسناد، فإن كنتم تعلمون فتعالوا بيننا وبينكم الإسناد المتصل إلى رسول الله صلى، فقد ثبت ذلك بالسند الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما أنتم فإنكم جهال تهرفون بما لا تعرفون، وليس عندكم إلا التشويش النظري. |
|
|
|
|
|
|
إن النجاة لن تكون إلا بالعلم، والاحتفاظ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بالبصيرة ولن يعبد الله حق العبادة إلا بالتعلم، فعلى المرء ألا يبخل على نفسه بطلب العلم، وألا يضيع مجالس العلم، لا سيما إذا كان أهل العلم الذين يتعلم على أيديهم قد أخذوا العلم عن العلماء وليس عن الصحفيين، فلو أخذ الإنسان العلم من صحفي فلن يرى خيراً. وقد وضع العلماء ضوابط لمن يؤخذ منه العلم فقالوا: لا بد أن يؤخذ العلم ممن لا يتبع هواه، وإذا روجع في خطأ رجع عنه، كما قال ابن المبارك : إذا رأيت الرجل يخطئ في الحديث ثم إذا روجع رجع فخذ منه الحديث، فإذا ثبت على ما هو عليه فهو متبع لهواه، وعنده من الكبر ما عنده، فلا يؤخذ منه الحديث.
فلا بد من طلب العلم ونشره بين الناس، يقول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125].
وكما أن العلم يحيي القلوب والأبدان، فغياب العلم أو انتشار الجهل يقتل المرء، فكما يقتل القلب فإنه يقتل البدن. أما أنه يقتل القلب فهذه معلومة؛ لأن ظلمة الجهل في القلب تجعله يموت ولا يحيى بذكر الله جل في علاه، ولا يتدبر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ولا يتفكر في عظم قدرة الله جل في علاه، وأما أنه يقتل البدن فهناك دلالات كثيرة على ذلك، منها: أولاً: أن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وذهب فاستفتى الراهب، وهذا الراهب كان عابداً زاهداً لكنه لم يكن ذا علم، فأفتاه بفتوى خاطئة لما قال له: إن الله لن يتوب عليك وقد قتلت تسعة وتسعين نفساً، فقتله فأكمل به المائة، أرأيتم الجهل كيف وصل إلى قتل صاحبه بجهله؟! |
|
|
|
وبرصيص العابد قتله جهله، مع أنه كان يعبد الله جل وعلا ليل نهار، ولا يفتر لسانه أبداً عن الذكر، وتتفطر قدماه وهو قائم لله جل في علاه، فهو يصوم النهار، ويقوم الليل، ويتصدق بما معه من المال، ومع ذلك قتله جهله، قتل بنتاً بعد أن زنى بها ثم قتل، وسبب ذلك: أنه جاءه بعض أهل المدينة وقالوا: هذه أختنا أمانة عندك حتى نسافر ونرجع، فجعلها في مكان أسفل منه، وهو فوقها، فينزل لها بالطعام والشراب، وهي تخرج لتأخذه، فجاءه الشيطان وقال له: لا تتركها هكذا، تطعمها وتسقيها ولا ترى أحداً، والشيطان ثقيل في الشر، ولا يقوى إلا على الجهلاء، قال ابن عباس : عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. فقال له: انزل فضع الطعام على باب الغرفة ولا تدخل الغرفة، ثم جاءه مرة أخرى فقال له: لم لا تسأل عنها، وتسمع أخبارها، وتسألها هل تصلي أم لا؟ وهل تتعبد أم لا تتعبد؟ انظروا كيف يستدرجه الشيطان بسبب جهله، فيدق الباب فيسمع صوتها فيسألها ثم ينصرف إلى مكانه يتعبد لله جل في علاه، فيأتيه الشيطان فيقول: لو رأيتها هل هي تأكل أم لا تأكل؟ وهل تتعبد أم لا تتعبد؟ ففتح الباب فنظر إليها، ثم رجع ثم استدرجه الشيطان أن يجلس معها ويعلمها، فلما جالسها مرة ومرتين دخل الشيطان بينهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون رجل بامرأة إلا وثالثهما الشيطان)، فزنى بها وهو متعبد، وهو زاهد، وهو يسجد لله، وهو يقيم الليل، وهو يصوم النهار!
ولما جامعها أصبحت حبلى بالزنا، فجاء الشيطان يقول: هي حبلى من الزنا، ولو علم الناس لقتلوك، كيف والناس يقدمونك؟ كيف والناس يعظمونك؟ أنت الزاهد! أنت العابد! أنت برصيص ، فقتلها، فلما قتلها جاءه الشيطان فقال: إخوتها سيسألون عنها، فلا بد أن تدفنها في مكان بعيد، فأخذها فبقر بطنها ودفنها هي وطفلها في مكان بعيد، فجاء إخوتها يسألون عنها، فقال: أختكم قد ماتت، فصدقوه لأنه عابد زاهد، لكنه جاهل قتله جهله.
فجاء الشيطان الذي استدرجه بجهله وجعله يقتلها إلى إخوتها فأرى كل واحد من الإخوة الثلاثة رؤيا ما فعل الرجل بأختهم، وأنه قتلها في المكان الفلاني، فاستيقظوا جميعاً في الصباح، وكل منهم يقول: رأيت رؤيا كذا، فاتفقت الرؤيا على أن البنت مقتولة في مكان كذا، فذهبوا إليه فأخرجوا البنت مع الجنين الذي كانت حبلى به، فذهبوا إليه فصلبوه، وأرادوا قتله فأمهلوه، فلما أمهلوه جاءه الشيطان وقال: أنا الذي فعلت بك هكذا، أنا الذي أتيت بهذه المرأة، وأنا الذي استدرجتك لتزني بها فزنيت بها، وأنا الذي جعلت عندك العزيمة لقتلها ودفنها، وأنا الذي جعلتهم يفعلون بك هكذا، ولو سجدت لي لأنقذتك منهم، فسجد له فكفر بذلك وقتلوه، فمات كافراً، ولو مات على هذه المعصية لكان رجمه كفارة له، وهي كبيرة بين حسناته الكثيرة، ويوم القيامة توزن الحسنات والسيئات، لكن أبى الشيطان إلا أن يكفره؛ لأنه وراءه بالمرصاد، وأبى الله جل وعلا أن يوفق مثل هذا الذي كان يتعبد لله بجهل ولا يتعلم، وكانت هذه النهاية الوخيمة والعياذ بالله. |
|
|
|
|
وفي حديث الرجل الذي أصابته شجة في سفره ثم نام فأجنب، وهذه الشجة لو وصل الماء إليها يموت، فاستفتى الصحابة الذين كانوا معه، فقالوا: لا نجد لك رخصة وأنت تجد الماء، وقد قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [النساء:43]، وما علموا أن الماء قد لا يوجد حكماً أو حقيقة، بأن ينعدم حقيقة، وحكماً: بأن يكون موجوداً لكن لا يستطيع أن يستعمله، فاغتسل الرجل فدخل الماء إلى الشجة فمات، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله! إنما شفاء العي السؤال)، فالجهل شفاؤه السؤال، وهذا الحديث ضعفه بعض العلماء، والراجح أنه حسن لكثرة طرقه. |
|
|
|
|
وما أكثر الجهل خاصة في الحج، فبعض الحجاج يقفون في عرفة يوم السابع! وبعضهم يترك المبيت بمزدلفة وهو ليس من الضعفة، وإن كان مذهب المالكية أنه يكفي مبيت جزء من الليل؛ لأن النبي رخص للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة ليلاً، وأطلق ولم يحدها بنصف الليل أو بغروب القمر، لكن جاء في الحديث الصحيح أن أسماء كانت تدفع من مزدلفة بعد غياب القمر، فقال بذلك الفقهاء، لكن بعض الناس ليس من الضعفة وينصرف من مزدلفة بلا عذر، وهذا من الجهل.
وبعضهم يتجرأ على محظورات الإحرام ويقول: عليك شيء يسير، وهو دم تشتريه بثلاثمائة ريال! وهذا تجرؤ على حدود الله، والواجب على الحاج أن يسأل من يثق بعلمه، فإن أفتاه بشيء عمل به، حتى لو أفتاه بالرمي قبل الزوال، فلا نقول ببطلان رميه، وأن عليه دماً، فالقاعدة عند العلماء أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وكذلك أفتاه بجواز الرمي في اليوم الثاني عشر بعد المغرب ثم ينصرف إلى مكة فلا حرج عليه، والعلماء قالوا: إذا غابت عليه الشمس لزمه المبيت، وليس عليه دليل قاطع، فلا ينكر على من أخذ بأقوال العلماء المجتهدين، لكن يناصح ويبين له القول الراجح بلا إنكار.
نسأل الله جل وعلا أن يصلح عبادتنا، وأن يعلمنا علم الكتاب والسنة على فهم أئمتنا أصحاب المذاهب الأربعة الشافعي أو المالكي أو الحنفي أو الحنبلي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. |
|
|