|
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً كما يشاء ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد:
فإن الجمعة آكد من الجماعة؛ لأن الجماعة قد مضى الخلاف في حكمها؛ فبعض أهل العلم يقول: بسنيتها، وبعضهم يقول: بوجوبها وجوباً كفائياً، وبعضهم يقول: بوجوبها وجوباً عينياً، أما الجمعة فلا خلاف بين أهل الإسلام أنها فرض عين، فإذا عذر الإنسان في ترك الجمعة، فمن باب أولى يعذر في ترك الجماعة.
|
|
|
|
والأعذار التي يترك لأجلها الجمعة والجماعة أولها: المطر: وهو الذي يحمل أوساط الناس، أي: من كانوا أوسط الناس عقولاً وحالاً على تغطية الرأس، أي: أناس معتدلون، فتسقط الأمطار فيغطون رءوسهم، فمثل هذا العذر يبيح ترك الجماعة، والأصل في ذلك: ما رواه الشيخان: أن ابن عباس رضي الله عنهما، قال لمؤذنه في يوم مطر: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة، وإنما قل: صلوا في بيوتكم.
فتعجب الناس من مؤذن يرفع الأذان، قال: أشهد أن لا إله الله، مرتين، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، مرتين، وبعدها بدلاً من أن يقول: حي على الصلاة، قال: صلوا في بيوتكم، واستنكر الناس ذلك، فقال رضي الله عنه: أتعجبون من هذا؟! قد فعل ذلك من هو خير مني، أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الجمعة عزمة، أي: فريضة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض، والأرض الدحض هي: غير الثابتة.
وكثير من الناس الآن إذا فعل سنة فاستنكر الناس، فإنه يغضب، ويقول: بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، ما أجهل الناس بالسنة، ما أجرأهم على الشرع، ويبدأ يقرع الناس، أقول: هذا في زمان ابن عباس ، وجهل الناس هذه السنة واستنكروها، كذلك أمنا عائشة رضي الله عنها لما مات سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أمرت أن يؤتى بجنازته إلى المسجد، فتصلي عليها وهي في الحجرة؛ لأنها لا تستطيع أن تذهب إلى المقابر، فصلت على جنازة سعد وهي في حجرتها والجنازة في المسجد، فأكثر الناس من الإنكار، فقالت أمنا رضي الله عنها: ما أسرع ما نسي الناس! والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء إلا في المسجد.
فإذا كان في الصدر الأول وعلى أيام الصحابة منْ غابت عنهم بعض السنن، فمن باب أولى الآن لَّما بَعُد عهدنا بالنبوة، وعظم في المسلمين الجهل، فإننا نصبر على الناس ولا نعنفهم.
إذاً: العذر الأول الذي تسقط به الجمعة والجماعة: المطر، فإذا كان مطراً خفيفاً فإنه لا يؤثر، ويجب عليك أن تخرج للجمعة وللجماعة.
|
|
|
|
|
العذر الثاني: الوحل (بفتح الواو والحاء) وهو: الطين الذي يحمل أوساط الناس على خلع النعال، ومعنى أوساط الناس واضح، فإنك تجد الأطفال خفاف العقول مجرد ما ينزل المطر -لو كان هناك طريق جافة- فإنهم يخلعون نعالهم ويخوضون في الطين، فهؤلاء لا اعتبار بهم، وإنما المقصود: من كانوا أهل عقلٍ وفطنة واعتدال، فإذا كان بينك وبين المسجد طين ودحض فأنت معذور في أن تصلي في بيتك. |
|
|
|
|
|
|
العذر الرابع: المرض الذي يشق معه الوصول ماشياً أو راكباً، وهذا في مذهب المالكية رحمهم الله، يقولون: أنت مريض، وعذرك أنك لا تستطيع المشي، فعليك أن تركب إن كنت تستطيع الركوب أو عندك ما تركبه، فإن لم يكن عندك ما تركبه ولا تستطيع المشي، فأنت معذور في ترك الجمعة والجماعة. |
|
|
|
|
العذر الخامس: تمريض قريب خاص كولد ووالد وزوج أو احتضاره أو موته، وكذا تمريض بعيد لم يكن له من يقوم به، فعندك مثلاً ولدك في البيت أو زوجتك، وقد مرضت بداء عضال، وتحتاج إلى مرافق يلازمها ويداويها، ففي هذه الحالة أنت معذور في ترك الجمعة والجماعة، وكذلك لو أن المريض ليس من الأقارب، لكن ليس هناك من يقوم به، كحال أصحاب المهن الطبية كالأطباء والممرضين، فهؤلاء أيضاً يعذرون في ترك الجمعة والجماعة، والدليل قول الله عز وجل: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] والإحياء يكون بالمداواة، والإحياء كذلك بتلقين الشهادة، فإذا كان عندك إنسان محتضر، فلا تتركه وتذهب لأداء صلاة الجمعة، فلربما فاضت روحه ولم يجد من يلقنه، فعليك أن تبقى معه وتلقنه شهادة التوحيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله). |
|
|
|
|
العذر السادس: الخوف من الضرب أو الحبس، ومن باب أولى القتل في غير حق شرعي، فإذا كان إنسانٌ في بلد ما يطارده حاكم ظالم، أو أمير جائر، وهو معرض للقبض عليه، كالشاب الذي يحافظ على الجماعة، ويوضع في القائمة السوداء، فمثل هذا معذور، قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فلربما يلقى في السجن من غير محاكمة؛ لأنه محافظ على الجماعة، فمن خاف من الضرب أو الحبس، ومن باب أولى القتل، فإنه يعذر في ترك الجمعة والجماعة، وكذلك الخوف على المال من النهب، كإنسان نزل بلداً وليس له فيها مكان يقيم به، فخشي أنه لو ترك متاعه (حقائبه وحاجياته) ودخل إلى المسجد أنه سيخرج فلن يجدها، فمثل هذا معذور، فنقول له: صل وحدك واحرس متاعك، ويمثل الفقهاء الأولون رحمهما الله: بإنسان شرد منه بعيره وهو داخل إلى المسجد، فقيل له: بعيرك في مكان كذا، فإذا دخل مع الجماعة يكون باله مع البعير، فنقول له: أدرك بعيرك، والله غفور رحيم، وقد ذكر الشيخ سعيد بن مسفر : أنه في مرة من المرات، أعطاه شخصٌ زكاة في رمضان مائة وخمسين ألف ريال في حقيبة، وقال له: وزعها، قال: فحملتها في السيارة ومعي أهلي، فذهبنا لزيارة بعض الأقارب؛ وخوفاً على الحقيبة من أن يعبث بها الأطفال وضعتها في الصندوق في الخلف، وذهبت وأوصلت أهلي، ثم ذهبت إلى صلاة العشاء، فرآني إمام المسجد، فقال: قد جاء الله بك اليوم تصلي بنا، قلت له: خير إن شاء الله، قال: وبعد الصلاة بارك الله فيك تذكرهم، فقلت له: خير إن شاء الله، فلما دخلت في صلاة العشاء، وقلت: الله أكبر، قال لي الشيطان: والحقيبة، فو الله ما أدري ما قرأت في الصلاة ولا ما فعلت، وبعد الصلاة اعتذرت للإمام، فقال لي: والله ما نتركك أبداً، لابد أن تعطينا كلمة، فأعطيتهم كلمة لا أدرى ما قلت فيها، ثم خرجت، فوجدت الحقيبة كما هي، فأخذتها ورجعت إلى المسجد فسجدت شكراً لله، ثم أعدت الصلاة مرة ثانية، إذاً: الإمام شدد عليه، وكان من الممكن أن الإمام يعذره، ويقول له: اخرج فأدرك مالك، ثم تلحق بالجماعة أو لا تلحق. |
|
|
|
|
|
|
العذر الثامن: مدافعة أحد الأخبثين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) ولأن المدافعة تقتضي انشغال القلب عن الصلاة، وهذا خلل في نفس العبادة، وترك الجماعة خلل في أمر خارج عن العبادة، وهذا يحصل كثيراً، كأن يكون إنسان يريد أن يصلي الظهر مع الجماعة في مكان العمل مثلاً، وعنده وضوء، ولكنه حاقن أو حاقب، ولا يجد حماماً يقضي فيه حاجته، فينبغي له أن لا يصلي مع الجماعة على هذه الحال، بل يرجع إلى بيته، أو يصبر حتى يجد حماماً فيتخلص من الأخبث الذي في جوفه، ثم يصلي وحده؛ لأن الصلاة مع مدافعة الأخبثين فيها انشغال، فهذا خلل في نفس العبادة، بينما ترك الجماعة أمر خارج عن العبادة، كذلك نستدل بأن احتباس هذا الأخبث فيه ضرر على البدن، وقاعدة الإسلام: أنه لا ضرر ولا ضرار، فأنت حين تعاني من بعض الآلام وتذهب إلى طبيب المسالك البولية، فيبين لك أن السبب هو حبس البول زمناً طويلاً، فمدافعة أحد الأخبثين عذر في ترك الجمعة والجماعة. |
|
|
|
|
العدد التاسع: من حضره طعام وهو محتاج إليه قادر على تناوله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام).
وروى البخاري : أن عبد الله بن عمر كان يسمع قراءة الإمام وهو يتعشى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)، فإذا رجعت إلى بيتك وأنت جائع تعاني من مسغبة، وحضرت صلاة العصر، فإن أمكن أن تتناول ما يحصل به الشبع، أو يصل إلى حد الشبع، ثم تدرك الصلاة فذلك ما كنا نبغ، وإن تعارضا فابدأ بالطعام، لكن بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون قادراً على تناوله، كأن تكون جائعاً وتعاني من مسغبة، وكان ذلك في رمضان، وجاء وقت صلاة المغرب، فليس عليك حرج أن تذهب إلى الصلاة؛ لأن الطعام قد حضر، وأنت قادر على تناوله ومشغل بجوعك، وهذا معنى القدرة على تناول الطعام.
الشرط الثاني: ألا يتخذ ذلك عادة، وألا يدخل في التفريط، كأن يجعل وقت طعامه دائماً مع وقت الصلاة، وهذا مذموم بغير شك، واعلم أن الطعام إذا لم ينضج، فإن النفس لا تقدر عليه، لكن سمعنا أن بعض الناس يأكل اللحم نيئاً، ويسمونها مرارة. |
|
|
|
|
العذر العاشر: ملازمة الغريم ولا شيء معه، وصورته: أن يكون لك عندي مال دين، وكلما ذهبت إلى المسجد أمسكت بخناقي، وقلت: يا مماطل! يا كاذب! يا من تأكل حقوق الناس! وتبدأ تسمعني ما أكره في صلاة الظهر، وكذلك في صلاة العصر، وكذلك في صلاة المغرب، فعلى ذلك فإن هذا عذر في ترك الجمعة والجماعة، ونعوذ بالله من غلبة الدين وقهر الرجال، لكن من الممكن أن تصلي في جامع آخر، حسب الخوف الذي يتبعك أنت. |
|
|
|
|
ومن الأعذار: فوات الرفقة إن كان في سفر، فإن صلى المسافر في جماعة فاتته رفقة أصحابه المسافرين، فهذا عذر يبيح ترك الجمعة أو الجماعة.
ومن الأعذار: الريح الباردة الشديدة في الليلة الظلماء .
ومن الأعذار: غلبة النعاس، مثال ذلك: إنسان يريد أن يصلي، لكن غلبه النعاس، بحيث لا يعقل ما يقول، فهذا يجوز له أن ينام نوماً يسيراً حتى يذهب ما به، ثم يصلي وحده، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا نعس فليرقد، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه). |
|
|
|
|
السؤال: ما هو المقياس في الريح الباردة الشديدة؟ الجواب: المشقة، وربما تكون ريحاً باردة، ولكن الإنسان عنده من الثياب ما يقيه ذلك البرد، فليس في ذلك مشقة، أو من الناس مَنْ عنده من الحرارة الداخلية ما لا تؤثر فيه تلك الريح، ومعروف أن النحيف غير السمين. |
|
|
|
|
السؤال: بعض الأئمة قد يطول تطويلاً فاحشاً، فهل يعذر الإنسان في ترك الجمعة والجماعة لتطويل الإمام؟
الجواب: نعم، إذا كان طولاً زائداً عن السنة؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخ الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذ في سورة البقرة، بل وبخ معاذاً وذلك أن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي بالناس، وكان فقيهاً صالحاً رضي الله عنه وأرضاه، فافتتح سورة البقرة وبدأ يقرأ، وأطال كثيراً، فخرج أحد الناس من الصف ومشى إلى الخلف، وكبر وصلى وانتهى، وشكا معاذاً إلى رسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذهب معاذ ولحقه رضي الله عنه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إنه منافق، وكان الرجل يشكو للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن معاذاً نشكوه مما يطول بنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إن منكم منفرين، أفتان أنت يا معاذ ؟ إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة). |
|
|
|
|
السؤال: هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة لسرعة الإمام الزائدة؟
الجواب: نعم، إذا كان يسرع إسراعاً لا يتمكن به الإنسان من فعل الواجب؛ كأن لا يتمكن من الطمأنينة في صلاته، وعليه أن يبحث عن مسجد آخر. |
|
|
|
|
السؤال: هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة إذا كان الإمام فاسقاً، كأن يشرب الدخان أو يحلق لحيته أو بذئ اللسان ونحوها؟
الجواب: لا يعذر، بل يصلي معهم، كما هو معروف في صلاتهم خلف الحجاج ، لكن الحجاج لم يكن يدخن، ولم يكن يحلق اللحية، وإن كان عندي القتل أقبح من هذا كله.
وقد تقدم: أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، فليس في ذلك عذر، لكن إذا أمكن الناس خلع هذا الإمام دون إحداث فتنة، فهذا هو المطلوب، وإلا فلا. |
|
|
|
|
السؤال: الآكل للبصل هل يعذر إذا ترك الجمعة والجماعة؟
الجواب: المسألة ترجع إلى النية، إن قصد بذلك ألا يصلي مع الجماعة فهذا حرام، أما إذا قصد التمتع به وأنه يشتهيه فليس بحرام، قياساً على المسافر في نهار رمضان، إن قصد بذلك الهروب من الصيام فهو آثم، قيل لأعرابي: دخل رمضان، قال: لأشتتن شمله بالأسفار، فمثل هذا آثم، أما إن كان طرأ عليه السفر، فهذا يفطر ولا إثم عليه اتفاقاً، كذلك من أكل الثوم أو البصل أو الفجل، أو غيره من ذوات الروائح الكريهة فإنه يصلي في بيته وهو معذور. |
|
|
|
|
والذي يؤدي الناس في حضوره المسجد فإنه لا يحضر ولا يأتي؛ لا لأنه معذور، بل دفعاً لأذيته، والفرق بينه وبين أصحاب الأعذار: أن المعذور يكتب له أجر الجماعة إذا كان من عادته الصلاة في الجماعة، والدليل على ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثلما كان يعمل مقيماً صحيحاً)؛ لأن العذر ليس بيده، لكن صاحب البصل هذا مد يده وأكل البصل أو أكل الثوم. |
|
|
|
|
السؤال: المجرم إذا خشي أنه إذا خرج إلى الجمعة أو الجماعة أمسكت به الشرطة، هل يعذر في الترك؟
الجواب: لا يعذر؛ لأنه مطالب بحق من تعرض له بظلم، بخلاف الأول الذي هو الخوف من ضرب أو حبس، ومن باب أولى القتل إذا كان من سلطان ظالم ونحوه، فهذا معذور، لكن هذا الذي قتل، ولم يستطع أن يخرج إلى المسجد؛ لئلا يقبض عليه، فمثل هذا لا عذر له. |
|