|
حديث جبريل عليه السلام في بيان مراتب الدين حديث عظيم، وقد أورده ابن عمر بطوله من أجل إثبات الإيمان بالقدر والرد على من ينكره، وفي هذا الحديث فوائد جمة منها: أهمية الشهادتين واشتمالهما على أنواع التوحيد الثلاثة، وكذلك قدرة الملائكة على التمثل بصورة البشر. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا و حميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر! فوفق الله لنا عبد الله بن عمر داخلاً في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، يزعمون أن لا قدر والأمر أنف؟ فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم برآء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه!
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت ثلاثاً، ثم قال: يا عمر ! هل تدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) ]. |
|
|
|
|
أورد أبو داود رحمه الله هنا حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو حديث جبريل المشهور، وهو مشتمل على الإيمان بالقدر؛ وأنه أحد أصول الإيمان الستة، التي أجاب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال جبريل عن الإيمان فذكر: (وتؤمن بالقدر خيره وشره).
وحديث جبريل هذا حديث عظيم، بين النبي صلى الله عليه وسلم في آخره أن جبريل جاء يعلم الدين، وكان تعليمه للدين بإلقائه السؤال على الرسول صلى الله عليه وسلم فأضاف إليه أنه معلم للدين؛ لأنه سأل أسئلة ويريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب عليها، حتى يتعلم الناس الذين عنده الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضيف التعليم إليه كما هو مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي أجاب وهو الذي بيّن، وقد كان جبريل عالماً بالجواب، ولكنه أراد أن يسأل حتى يسمع الحاضرون الجواب.
وقد أورد ابن عمر رضي الله عنه الحديث بطوله من أجل الاستدلال على الإيمان بالقدر، وهذه طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فقد كانوا إذا سئلوا أحياناً يجيبون، وأحياناً يأتون بالدليل، وأحياناً يأتون بالدليل دون الجواب اكتفاءً بالدليل؛ لكن ابن عمر رضي الله عنه بيّن حكم القدر وشأنه وأيضاً ساق الحديث الطويل كله من أجل قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره). وفي هذا أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا إذا سئلوا عن شيء ساقوا الحديث الطويل من أجل اشتماله على جزئية معينة؛ لأنهم بهذا الجواب يعطون السائل ما سأل ويزيدونه على ذلك أموراً أخرى. |
|
|
|
|
وقد ذكر في الحديث أن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري خرجا من العراق حاجين أو معتمرين، أي: سافرا إلى مكة في حج أو عمرة، فكان من مهمتهم بالإضافة إلى كونهم يؤدون هذا النسك أنهم يتفقهون في الدين، وأن يخبروا بما حصل عندهم من أمور منكرة، فيرجعون في ذلك إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين يرجع إليهم في معرفة الأحكام الشرعية في زمانهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل ورأوا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وسمعوا حديثه.
وفي هذا دليل على حرص التابعين على لقي الصحابة، وسؤالهم عن الأمور المشكلة.
قوله: [ (خرجنا حاجين أو معتمرين) ]، شك أهو حج أو عمرة.
قوله: [ (فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله) ]. أي لعلنا نلقى أحداً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فنبدي هذا الذي ظهر في بلادنا.
قوله: [ (فوفق الله لنا عبد الله بن عمر) ] يعني: أنه حصل أنهما لقيا عبد الله بن عمر وهو داخل المسجد فاكتنفاه عن يمينه وعن شماله، قال يحيى بن يعمر : (فظننت أن صاحبي سيكل الحديث إلي)، أي أنه فهم من صاحبه حميد بن عبد الرحمن الحميري أنه واكل الحديث إليه ليبدأ بالكلام ويسأل، وكانا قد اكتنفاه حتى كان كل واحد منهما على تمكن من سماع كلامه، وما يجيب به، واستيعابه، بحيث لا يفوته منه شيء، ثم أيضاً هذا الاكتناف يدل على حرص التابعين على الاستفادة من الصحابة. |
|
|
|
|
|
|
ثم ساق ابن عمر الحديث عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: كانوا جالسين عند النبي صلى الله عليه وسلم يستفيدون منه ويتفقهون ويتحملون عنه السنن، فذكر أنه طلع عليهم رجل غريب، لا يعرفه أحد منهم، ومع ذلك لا يظهر عليه أثر السفر؛ لأن شعره شديد السواد، ولباسه شديد البياض، والمعروف أن المعتاد من حال المسافر أنه يصير شعره أشعث وعليه غبار السفر، ولكن هذا على خلاف ما اعتادوه وما ألفوه، فكان موضع استغراب منهم.
وهذا الذي جاء هو جبريل، وكان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صوره غير معروفة كما في هذا الحديث، وكان يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي ، وكان من أجمل الصحابة رضي الله تعالى عنه.
وفي هذا بيان أن الملائكة خلقهم الله عز وجل ذوي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وهم يطيرون بأجنحتهم، ويتحول أحدهم من هيئته التي هو عليها إلى هيئة إنسان، وذلك مثلما جاء ضيوف إبراهيم عليه السلام إليه وإلى لوط في صور رجال، وكذلك أتى جبريل عليه السلام إلى مريم في صورة رجل.
وجبريل عليه السلام خلقه عظيم، وله ستمائة جناح كما ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على هيئته مرتين: مرة ليلة المعراج فوق السماوات، ومرة رآه في الأرض وقد سد الأفق.
ومعلوم أن أصل الملائكة غير أصل البشر، فإن الملائكة خلقوا من نور والبشر خلقوا من تراب، وقد جاء في القرآن أن آدم عليه الصلاة والسلام خلق من تراب، والجان خلق مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:15] وجاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم) . فهذا المخلوق العظيم من نور يتحول إلى هيئة إنسان.
فلما جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل إليه (أسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه)، وبدأ يسأل الأسئلة التي يريد من ورائها أن يسمع الحاضرون الجواب عليها، ليتعلموا الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). وفي هذا دليل على أن السائل يمكن أن يسأل ليعلم الجواب لكونه جاهلاً به، ويمكن أن يسأل وهو عالم بالجواب، والمقصود من ذلك أن يسمع الحاضرون الجواب، فيريد أن يشاركه غيره بمعرفة الجواب عن السؤال الذي يسأل عنه. |
|
|
|
|
|
|
ثم إن الشهادتين متلازمتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ولا تقبل إحداهما بدون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم تنفعه شهادته، فأهل الكتاب إذا شهدوا أن لا إله إلا الله ولم يشهدوا أن محمداً رسول الله لا ينفعهم ذلك، بل لابد من الشهادة، بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه، فهم مكلفون بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإذا لم يحصل منهم ذلك فإنهم لا يكونون من أهل الإسلام، ولا يقال: إنهم يتبعون الأنبياء السابقين، لأن الأنبياء أمروا أتباعهم باتباعه إذا بعث، لأن الرسالات ختمت ببعثته ونسخت، ومن تمسك بها وأعرض عما جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فإنه كافر ومآله إلى النار خالداً فيها أبد الآباد.
ومما يدل على ذلك أنه قد جاء في حق موسى عليه السلام أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) . فالرسول الذي يزعم اليهود أنهم أتباعه لو كان حياً لم يسعه إلا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أما عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام الذي يزعم النصارى أنهم أتباعه، فإنه قد رفع إلى السماء، وسينزل في آخر الزمان ويقتل الدجال، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، ويحكم بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولا يحكم بالإنجيل الذي أنزل عليه؛ لأن الإنجيل قد نسخ ولم يبق في الأرض إلا شريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام التي هي خالدة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
هذه أنواع التوحيد الثلاثة، وقد دل الكتاب العزيز عليها بالاستقراء؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على هذا التقسيم، ولكن عرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسنة أنه ينقسم إلى ثلاثة أنواع: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات، وليس هناك قسم رابع، وما يذكر من أن هناك أنواعاً من التوحيد تضاف إليها فغير صحيح؛ لأنها ترجع إليها ولا تخرج عنها، فالذين قالوا: هناك توحيد الاتباع، يقال لهم: إن الاتباع داخل في الألوهية؛ لأن التوحيد يقوم على ركنين:
أن تكون العبادة خالصة لله، وأن تكون مطابقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإخلاص هو معنى: أشهد أن لا إله إلا الله، ومطابقة السنة هو معنى: أشهد أن محمداً رسول الله، وإذا اختل أحد هذين الشرطين لم يقبل العمل، فإن اختل الإخلاص رد العمل؛ لقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) .
وإن أختل شرط المتابعة رد العمل، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
إذاً توحيد الاتباع لا يقال: إنه قسم من أقسام التوحيد، فيضاف إلى الأقسام الثلاثة.
وكذلك لا يقال: إن هناك توحيد الحاكمية وإنه يضاف إلى أنواع التوحيد الثلاثة، بل الحاكمية لها حالتان: فإما أن يراد بها طريق التشريع والحكم الكوني، فهذا يرجع إلى توحيد الربوبية، وإما أن يراد بها الأحكام الشرعية، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية المشتملة على الأحكام، فهذا يدخل في توحيد الألوهية؛ لأن العبادة ما عرفت إلا عن طريق الكتاب والسنة، والأحكام الشرعية ما عرفت إلا عن طريق الكتاب والسنة، فلا يقال: إنه قسم يضاف إلى الأقسام الثلاثة.
إذاً: فالاستقراء -وهو تتبع نصوص الكتاب والسنة- يبين أن أنواع التوحيد ثلاثة، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. |
|
|
|
|
|
وقد جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: إن من أسماء الله الدهر، أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم : (يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) ولكن هذا غير صحيح، والدهر اسم جامد، وقوله فيه: (وأنا الدهر) ليس معنى ذلك أنه اسم من أسمائه، وإنما هذا بيان أن من سب الدهر فقد سب الله؛ لأن الدهر هو الزمان، والزمان يتقلب، والله تعالى هو المقلب، ومن سب المقلَّب رجعت سبته إلى المقلَّب، ولهذا قال بعده: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)؛ لأن الدهر ليس فاعلاً متصرفاً، وإنما هو متصرف فيه.
فهذا هو معنى الحديث، وليس معناه أن الدهر اسم من أسماء الله؛ لأن أسماء الله كلها حسنى -ولا يقال: إنها حسنة فقط- بل هي حسنى أي: بالغة في الحسن نهايته وكماله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أما شهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فقد قال فيها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الأصول الثلاثة هي: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فهي تشتمل على هذه الأمور.
فشهادة أن محمداً رسول الله تقتضي أن يطاع في كل ما يأمر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يصدق بكل خبر يخبر به، وأن لا يعبد الله إلا طبقاً لما جاء به، فلا يعبد بالبدع والمنكرات والمحدثات، وإنما يعبد بالوحي الذي جاء به من عند الله كتاباً وسنة، فالعبادة لابد أن تكون خالصة لله، وأن تكون مطابقة لسنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ويدخل في ذلك محبته عليه الصلاة والسلام محبة تفوق محبة كل مخلوق، ولا يتقدم عليه أحد في المحبة من الخلق، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
فوالدا الشخص اللذان كانا سبباً في وجوده وقد قاما بتنشئته وتربيته والإحسان إليه، حتى بلغ مبلغ الرجال وصار رجلاً سوياً، وكذلك أولاده الذين تفرعوا منه، وهو يحبهم ويشفق عليهم، لا يؤمن حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه منهم، وذلك لأن المنفعة التي حصلت من الوالدين هي أنهما كانا سبب وجوده وقاما بتنشئته، لكن المنفعة التي حصلت له بسبب الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم، وهي الهداية للصراط المستقيم، والخروج من الظلمات إلى النور، فصارت محبته تفوق محبة الوالدين والأولاد.
وقوله: (والناس أجمعين) يعم من كان للإنسان به علاقة ومن ليس له به علاقة من الناس، فلابد أن تكون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم في قلبه مقدمة على محبة كل من سواه من الناس، فهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والله تعالى أعلم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: هل يستفاد من حديث جبريل الذي سأل فيه النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان أن للمسلمين مرجعية وهم العلماء، بينما في هذا الزمان لم يعد طلبة العلم فضلاً عن العامة يرجعون إلى العلماء وقت الفتن؟
الجواب: نعم. حديث جبريل يدل على ذلك؛ لأن الناس الذين كانوا في العراق لما وجد القول بالقدر رجعوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لعلنا نجد أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنسأله عما وجد في بلدنا، فكان أن وجدوا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذا يدل على الرجوع إلى أهل العلم، والله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] والذي يرجع إليهم في أمور الدين، وعند حصول الأمور المنكرة التي فيها خروج عن الدين، والتي فيها انحراف عن الدين، هم أهل العلم الذين يبينون الأحكام الشرعية، ويبينون فساد الطرق المنحرفة عن الجادة وعن الصراط المستقيم. |
|
|
|
|
السؤال: أشكل علي في حديث جبريل أنه لبيان بدعة القدرية ولكن يحيى بن يعمر و حميد بن عبد الرحمن ذكرا لـابن عمر محاسنهم من العبادة والاجتهاد في العلم، ولم ينكر ابن عمر ذلك، فهل في ذلك ما يدل على الموازنات؟
الجواب: لا يدل على ذلك، ولكن هذا يبين أن هؤلاء لم يكونوا منحرفين عن العبادة؛ لأنهم عندهم عبادة، وعندهم قراءة قرآن، لكن وجد منهم هذا الأمر المنكر، فالمقصود من ذلك حتى يعرف أن هذا الذي حصل لم يكن من أناس لا علاقة لهم بالدين ولا يشتغلون به، بل هم منتسبون إلى الدين، ولكنهم جاءوا بهذه البدعة، فلا يدل هذا على أنه لا يذكر مبتدع حتى تذكر حسناته قبل ذلك؛ لأن المقصود من هذا ليس ذكر الحسنات، وإنما المقصود من ذلك بيان أن هؤلاء ما جاء هذا الكلام منهم لأنهم بعيدون عن المسلمين، وليسوا على الإسلام، ولا يشتغلون بالقرآن ولا يشتغلون بالعلم، بل هم مجتهدون، ولكن البلاء جاء من الانحراف والبدعة التي حصلت لهم.
ومعلوم أن المهم في الأمر هو المسئول عنه، ولكن هذا تمهيد من أجل بيان حالهم، وأن لا يظن أنهم منحرفون في الأصل انحرافاً كلياً، بل عندهم شيء من الدين، ولكنهم أتوا بهذه البدعة الخبيثة.
والرسول صلى الله عليه وسلم لما استشارته المرأة وذكرت له اللذين خطباها وهما معاوية و أبو جهم ، أجابها ببيان حالهما من حيث التزوج، فقال: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه) وما قال: معاوية كاتب الوحي، و معاوية رجل ذكي، بل أتى بالشيء الذي يهمها، وهذان اللذان سألا ابن عمر رضي الله عنه أرادا أن يبينا أن هؤلاء ينتسبون للإسلام ويقرءون القرآن ويتقفرون العلم، ومع ذلك يقولون بهذه المقالة الخبيثة. |
|
|
|
|
السؤال: هنا قول ابن عمر في حديث جبريل: حدثني عمر ، هل يؤخذ منه جواز ذكر الأب باسمه صراحة؟
الجواب: الأصل أن الإنسان يذكر أباه بأبوته له، ويجوز ذكره في مثل هذه الحال باسمه، لكن عندما يخاطب أباه يخاطبه بالأبوة، ولا يخاطبه باسمه. |
|
|
|
|
السؤال: هل يستدل بحديث جبريل في مراتب الدين على جواز التمثيل، حيث إن جبريل عليه السلام تمثل بصورة بشر؟
الجواب: لا يدل على التمثيل، لأن التمثيل كذب، وأما هذا فمخلوق كان على هيئة تسد الأفق وله ستمائة جناح، وقد جاء بهذه الهيئة الحقيقية؛ لأن نفس الخلقة التي تسد الأفق تحولت إلى هذا، ولا يقال: هذه صورة جبريل وجبريل جالس في مكانه أو باق في مكانه على هيئته، وإنما هو نفسه هذا الخلق الكبير انكمش حتى صار على هذه الهيئة، وجاء كذلك من أجل أن يقدروا على أن يستفيدوا منه؛ لأنه لو جاء على هيئته العظيمة لما استطاعوا أن يستفيدوا منه، ولما طلب الكفار إنزال الملائكة أخبر الله تعالى بأنه لو أنزل ملكاً لجعله على هيئة رجل، حتى يتمكنوا من التفاهم معه.
فالاستدلال على التمثيل بهذا لا يجوز؛ لأن التمثيل كذب مخالف للواقع، ولأن الغالب فيه أنه كذب من أجل الإضحاك، والكذب إذا كان معه إضحاك يكون أسوأ وأسوأ. |
|
|