|
|
|
|
|
|
|
سميت سورة يوسف بهذا لأن معظم ما ذكر في هذه السورة هو قصة يوسف عليه السلام.
وتناسب آي القرآن هو علم من علوم القرآن، أي: أن هناك حكمة ووجوه مناسبة بين ترتيب سور المصحف الشريف، وبين ترتيب الآيات فيما بينها في السورة الواحدة.
وفيما يتعلق بمناسبة هذه السورة لما قبلها، فإن السورة التي قبلها وهي سورة هود ختمت بقوله تبارك وتعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] فجاء في هذه السورة نبأ من أنباء الرسل، بالإضافة إلى ما مضى.
ففي سورة هود ذكر تبارك وتعالى ما لقي الأنبياء عليهم السلام من قومهم، أما في هذه السورة فقد ذكر عز وجل ما لقي يوسف من إخوته؛ ليعلم ما قاساه الأنبياء من أذى الأجانب والأقارب معاً.
فسورة هود ذكر فيها أنباء الرسل وما لاقوه من أذى الأجانب، أما سورة يوسف ففيها ذكر ما لقي يوسف عليه السلام من أذى الأقارب وكيد إخوته له، فبين السورتين مناسبة تامة أكيدة، والمقصود بذلك تسلية النبي صلى الله عليه وسلم؛ بما لاقاه من أذى القريب والبعيد.
ويكفي أن عمه أبا لهب كان يكيد له أشد الكيد حتى نزلت سورة في شأنه.
فجاءت هذه السورة لمواساته عليه الصلاة والسلام مما يلقاه من الأذى، وأنه ليس أول من لقي الأذى من الأقارب ومن الأباعد. |
|
|
|
يوسُف اسم عبراني ينطق يوسِف، كذلك يونُس ينطقونها يونِس، فلما عرب هذا الاسم عدل عن يوسِف إلى يوسُف؛ لأن في يوسِف معنى الإيساف والأسف، ولو همزت الواو تقول: يؤسف، كذلك في يونس لما عربت قيل: يونُس ولم يقولوا يونِس؛ لأن فيه معنى الإيناس.
فاجتنب في التعريب كسر السين؛ لما فيه من معنى المؤاسفة فصارت يوسُف، ومعناه: يزيد أو زيادة؛ وذلك لما روي أن أمه راحيل قعدت عن الحمل مدة، وكان لها ضرات يلدن فلحقها الحزن، ولما وهبها الله تعالى ولداً بعد سنين سمته يوسف، وقالت: يزيدني به ربي ولداً آخر بعد ما أنعم علي بيوسف. |
|
|
|
|
هذه السورة مكية اتفاقاً وآيها مائة وإحدى عشرة بلا خلاف، وقد روى البيهقي في الدلائل (أن طائفة من اليهود حين تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم هذه السورة أسلموا) لموافقتها ما عندهم.
والسورة لا توافق ما عندهم فحسب، بل هي أوضح في بيان الأحداث، ولو حصلت مقارنة منصفة بين ما ذكر في التوراة وما في القرآن لتبين الفرق الشاسع بينهما، فهناك مواقف محورية حذفت من التوراة فهي غير موجودة، هذا بجانب فقد الترابط، بخلاف ما في القرآن من روعة الأسلوب القرآني وبلاغته، واستكمال المواقف والأحداث. |
|
|
|
|
|
|
|
قال تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1].
تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور.
((تلك آيات الكتاب المبين)) الإشارة بتلك راجعة إلى آيات هذه السورة الكريمة، فكأنه قد قرأ هذه الآيات التي في سورة يوسف، ثم أشار إليها فقال: ((تلك آيات الكتاب المبين)) مع أنه لم يأت بعد ذكرُ هذه الآيات، فيكون قد نزَّل ما يأتي بعد منزلة الذي قد تقدم، والإشارة بلفظ (تلك) للبعد، وذلك لعظمتها وعلو مرتبتها، وأنها آيات عالية المقام.
((تلك آيات الكتاب المبين)) أي: أن المراد بالكتاب هو السورة؛ لأنه بمعنى المكتوب فيطلق عليها، أو المقصود القرآن كله؛ لأنه كما يطلق على كله يطلق على بعضه، فهذا يطلق عليه قرآن، وهذا يطلق عليه قرآن.
((المبين)) أي: الظاهر أمرها وإعجازها، إن جعل من باب (فعل) اللازم، أما إن جعل من المتعدي فالمفعول مقدر. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قال تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6].
((وكذلك يجتبيك ربك)) أي: كما اصطفاك بهذه الرؤيا العظيمة الشأن يصطفيك للنبوة والسيادة.
((ويعلمك من تأويل الأحاديث)) أي: تعبير المنامات، وإنما سمي التعبير تأويلاً لأنه جعل المرئي آيلاً إلى ما يذكره المعبر بصدد التعبير، والتعبير يكشف عما ستئول إليه هذه الرؤيا.
والأحاديث اسم جمع للحديث سميت به الرؤيا؛ لأن الرؤيا إما حديث ملك، وإما حديث نفس، وإما حديث شيطان، فلذلك سماها الأحاديث.
((ويتم نعمته عليك)) أي: بما سيئول إليه أمرك فيما بعد.
((وعلى آل يعقوب)) وهم أهله من بنيه وحاشيتهم، أي: يبرز نعمته عليهم بك.
((إن ربك عليم)) بمن هو مستحق للاجتباء والاصطفاء ((حكيم)) في صنعه. |
|
|
|
قال أبو السعود : كأن يعقوب عليه السلام أشار بقوله: ((ويعلمك من تأويل الأحاديث)) إلى ما سيقع من يوسف عليه السلام من تعبيره لرؤيا صاحبي السجن، ورؤيا الملك، وكون ذلك ذريعة إلى ما يبلغه الله إليه من الرئاسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة، وإنما عرف يعقوب عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي؛ لأنه كان نبياً يوحى إليه، فعرف أن الله سبحانه وتعالى كما اصطفاه بأن يرى هذه الرؤيا سوف يصطفيه بإتمام النعمة عليه.
سيكون إتمام النعمة عليه عن طريق علم التعبير، حتى إنه عبر رؤيا صاحبي السجن، الذي كان أحدهما سبباً فيما بعد لمعرفة شأنه في التعبير وأن يستدعى لتعبير رؤيا الملك، ورؤيا الملك كانت سبباً في إتمام نعمة الله عليه في الزيادة كما ذكرنا، وإنما عرف يعقوب عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي.
أو أراد كون هذه الخصلة سبباً لظهور أمره عليه السلام على الإطلاق، فيجوز حينئذ أن تكون معرفة يعقوب بطريق الوحي، وإما بطريق التفرس في يوسف عليه السلام، وعن طريق الاستدلال من الشواهد والدلائل والأمارات والمخايل، فإن الغلام النجيب يسهل جداً على من هو صاحب فراسة أن يتنبأ، أو يستكشف ما ينتظر من نبوغه فيما بعد، هذا أمر له نظائر هنا، فكأنه استدل عليه السلام بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالها، وتمييز ما هو آفاقي منها مما هو أنفسي، كيف لا وهي تدل على كمال تمكن نفسه عليه السلام في عالم المثال وقوة تصرفاتها فيه، فيكون أقبل لفيضان المعارف المتعلقة بذلك العالم، فمن كان عنده الشفافية حتى يرى مثل هذه الرؤيا فلا بد أن الله سيمن عليه بالوعي والبصيرة حتى يتمكن من تعبير هذه الرؤيا، إن هذا الشأن البديع لا بد أن يكون أنموذجاً لظهور أمر من اتصف به، ومداراً لجريان الأحكام، فإن لكل نبي من الأنبياء عليهم السلام معجزة تظهر بها آثاره وتجري أحكامه.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة في قوله تعالى: ((كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق)) على أن الجد يطلق عليه اسم الأب، فمن نسب رجلاً إلى جده وقال: يا ابن فلان، فلا يكون قذفاً. |
|
|
|
|
قال المهايمي : من فوائد هذا المقام: استحباب كتمان السر، أي: يؤخذ من هذه من هذا الموقف بين يوسف عليه السلام وأبيه استحباب كتمان السر.
وجواز التحذير من شخص بعينه، وقد صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود).
وجواز أيضاً مدح الشخص في وجهه إذا لم يضره، واعتبار الأخذ بالأسباب كما قال يعقوب لولده يوسف: قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] فاعتبر الأخذ بالأسباب بأن نصح ابنه بكتمان هذه الرؤيا.
((فيكيدوا لك كيداً)) حتى إن السبب لم يدفع عن يوسف كيد إخوانه.
فيعتبر السبب وإن لم يؤثر، وكذلك جواز تعبير رؤيا الصغير لأن الصغير قد يرى رؤيا حق.
على أي الأحوال الإخبار عن هذه الرؤيا آية، وعما ترتب عليها آيات.
ثم ذكر القاسمي بحثاً مطولاً نقلاً عن الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) عن الرؤيا، وكذلك عن ابن خلدون ، فنتجاوز هذين البحثين إلى قوله: وذكر ابن خلدون رحمه الله عند بحث علم تعبير الرؤيا: أن التعبير للرؤيا كان موجوداً عند السلف كما هو في الخلف، وأن يوسف الصديق صلوات الله عليه كان يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن الكريم، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه كما في الحديث: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً).
إذاً: المرئي منه ما يكون صريحاً لا يفتقر إلى تعبير، كأن تكون رؤيا جلية واضحة، ومنه ما يحتاج إلى معبر.
وهذا علم له أصوله وله قواعده، فلا ينبغي للإنسان أن يتجاسر على تعبير الرؤيا؛ لأنها جزء من الوحي كما في الحديث: (هي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فلذلك كان بعض المعبرين أو بعض العلماء يمتنع من التعبير ويقول: أتريد أن أكذب في الوحي.
وقد كانت الرؤيا الصادقة من الإرهاصات التي تقدمت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قال تعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف:8].
((إذ قالوا ليوسف وأخوه)) بنيامين ، وهو شقيقه، وأمهما راحيل بنت ليان خال يعقوب عليه السلام.
((أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة)) بالنصب أي: والحال أننا جماعة أقوياء، فنحن أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما، لأننا رجال أشداء أقوياء نقضي حوائج أبينا وينتفع بنا.
والعصبة والعصابة: الجماعة من الرجال، فإذاً: ذكر العصبة ليس لإفادة العدد فقط؛ بل للإشعار بالقوة، ليكون أنسب في الإنكار.
ثم قالوا بعد ذلك: ((إن أبانا لفي ضلال مبين)) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في هذه المسألة بالذات؛ لأنه فضل المفضول بزعمهم على الفاضل، وغاب عنهم أن يعقوب عليه السلام ما كان في ضلال مبين وإنما رأى في يوسف عليه السلام مخايل النجابة وعلامات السيادة التي سيئول إليها أمره فيما بعد، لاسيما بعد ما قص عليه تلك الرؤيا، فكانت دليلاً على أن الله يريد به خيراً، أما بنيامين فلكونه شقيقه ولكونه كان أصغرهم، ومن المعروف زيادة الميل لأصغر البنين. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16].
هذا بيان لمكرهم بأبيهم، فهم جاءوا بطريق الاعتذار الموجب موته، كي يقطع الأمل وييأس من عودته، وتنقطع محبته عنه ولو بعد حين، فيرجع إليهم بالحب الكلي.
((وجاءوا أباهم عشاء)) أي: قدموا عشاء، واختاروا وقت الظلمة كي لا تكون وجوههم ظاهرة أمام أبيهم؛ لأنه ربما ظهرت علامات الكذب على وجوههم، فهم اختاروا وقت الظلمة حتى لا يحتشموا من أبيهم في اعتذارهم بالكذب؛ أيضاً لأن أباهم كان عنده فراسة فهم خشوا أنه إذا نظر إليهم أن يكتشف كذبهم لما يرى من الاضطراب في كلامهم ووجوههم، وأوهموا ببكائهم وتفجعهم عليه إفراط محبتهم له، فإذا كانت عندهم المحبة ليوسف فلاشك أن هذه المحبة تمنعهم من الجرأة على قتله، فأرادوا أن يبعدوا عنهم الشبهة بهذا. |
|
|
|
|
|
|
قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17].
لقد نادوا أباهم بعد مجيئهم إليه، وأضافوه إليهم ليرحمهم، ويترك غضبه عليهم الداعي إلى تكذيبهم: ((قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ)) أي: إنا ذهبنا في العدو والرمي بالنصل.
((وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا)) أي: ما يتمتع به من الشراب والأزواد وغيرهما ليحفظها ((فأكله الذئب))، أي: كما حذرت.
((وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)) هذا تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، أي: أنت تسيء الظن بنا، ولا تصدقنا في هذه الحالة ولو كنا صادقين، فكيف ونحن عندك غير مصدقين؟! أنت تتهمنا وغير واثق بقولنا. |
|
|
|
يستفاد من الآيات أحكام منها: أن بكاء المرء لا يدل على صدقه، لاحتمال أن يكون تصنعاً، فالممثلون إذا أراد الواحد منهم أن يبكي يبكي، ويبكي الذين يشاهدونه من شدة البراعة في التمثيل بالبكاء والشكوى.
قال بعض السلف: إن الفاجر إذا كمل فجوره ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى.
ليس شرطاً أن يستعمل المواد الموجودة مثل البصل وغيره حتى تذرف العين بالدموع.
إذاً: البكاء لا يدل على صدق الباكي، ويضربون المثل لذلك بدموع التماسيح.
بالمناسبة: لما ذهب أمير الكويت إلى أمريكا حين دخل الجيش العراقي الكويت فالرئيس الأمريكي بكى شفقةً على ما حصل للكويتيين، فقدرة الإنسان على أن يذرف الدموع لا تكون دليلاً على صدقه، ويسمونها كما تعلمون دموع التماسيح، حتى يتمكن من الفريسة كي يلتهمها.
قال بعض السلف: إن الشيطان إذا أراد أن يضل الناس ويخدعهم بالمبتدع ألقى عليه الخشوع والبكاء حتى يصطاده ويصطاد به، فالإنسان لا بد أن يكون حذراً، عالماً وعارفاً بالمقاييس والمعايير التي يحكم بها على الشخص، ليس البكاء من علامات الصدق، وليس شرطاً أن يكون الباكي صادقاً، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: ((وجاءوا أباهم عشاء يبكون)). |
|
|
|
|
((قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب)) من أحكام هذه الآية: مشروعية المسابقة، وفيه من الطب رياضة النفس والدواب، فالإنسان إذا سابق على الخيل فإن الخيل يحصل لها نوع من الرياضة وتحتاج إليها لتشتد عضلاتها، وإذا أهملت فسيحصل لها ضعف.
كذلك رياضة النفس وتمرين الأعضاء على التصرف، فالحقيقة أن جانب الرياضة من الجوانب المهمة التي قصر فيه المسلمون جداً إذا قورنوا بغيرهم من الأمم الكافرة، فهم اهتموا بجانب الرياضة وحافظوا على نعمة الصحة، بينما جهل المسلمون قيمة هذا الجانب انخداعاً بمثل قول الصوفية أحياناً:
يا خادم الجسم كم تبقى لخدمته أتطلـب الربح مما فيـه خسـران
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفـس لا بالجسـم إنسان
هذا كلام قد يصح في جانب معين، لكن المسلم إذا أراد أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، أو يشترك في الجهاد فكيف يدافع؟!
كان بعض الإخوة ممن كان عنده حماس عاطفي يذهب إلى أفغانستان، لكنه صار عبئاً على المجاهدين؛ لأنهم يصعدون الجبال الشاهقة وهو لا يستطيع، وكانوا يحملونه فوق ظهورهم!
كنت أتكلم عن اهتمام الإسلام بالرياضة البدنية خاصة في مراحل نمو الجسم وبناء الجسم.
على الإنسان أن يدرك أهمية مرحلة الشباب ويهتم بصحته البدنية.
والرياضة إذا كانت بالشروط الشرعية فلا بأس بها، فالصحابة كانوا يهتمون بالرياضة البدنية، فقد كانوا يجيدون ركوب الخيل، ومعلوم الجهد العضلي الذي كان يبذل للتحكم في الخيل والفرس، فسلموا من أمراض كثيرة من آفات الجلوس الطويل على المقاعد أو على المكاتب، وهذا الرسول عليه الصلاة والسلام تصارع مع ركانة فصرعه الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما قال: (خير الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) ومع ذلك كان داود إذا قام للأعداء يصمد أمامهم ويغلبهم ولا يفر عند ملاقاتهم.
كذلك قوله: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) فالشاهد: أنه لابد من الاهتمام بالرياضة البدنية والصحة البدنية؛ لأن هذا رصيد ينفع الإنسان في المستقبل إذا احتاج دفاعاً عن النفس، حتى في الصلاة قد يصل الإنسان به الضعف أن يتعب من السجود والركوع ولا يقوى على العبادة.
فإذاً الاهتمام بالبدن داخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (احرص على ما ينفعك) لأن الغالب في الدنيا أن الأحكام حسية.
ورأس مالك أيها الإنسان الصحة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) فحافظ على صحتك ولا تتركها؛ لأنها من أعظم النعم، ومما يحفظ الصحة الاهتمام بالرياضة بالشروط المعروفة بحيث لا يذهب ليمارس الرياضة في أماكن الاختلاط مثلاً ولا أماكن الفساد، ولكن يجتهد في إيجاد مكان مع إخوانه الصالحين لممارسة الرياضة التي بها يحفظ صحته.
إذاً: من فوائد هذه القصة: مشروعية المسابقة، قال بعض اليمانيين : اللعب إن كان بين الصغار جاز بما لا مفسدة فيه، ولا تشبه بالفسقة، وأما بين الكبار فهو ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون في معنى القمار فلا يجوز.
الثاني: ألا يكون في معناه وفيه استعانة وحث على القوة والجهاد كالمناضلة بالقسي والمسابقة على الخيل فذلك جائز مطلقاً، فكل رياضة أعانت على تقوية البدن أو على الرماية أو على الجهاد فهذا مما يدل عليه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60].
الثالث: ألا يكون فيه عوض كالمصارعة ونحوها، ففي ذلك قولان للشافعية: أرجح الأقوال أنه يجوز إن كان بغير عوض، أو بعوض يكون دفعه على سبيل الرضا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صارع ركانة ، وروي أن عائشة رضي الله عنها قالت: (سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين فسبقته في المرة الأولى، فلما بدنت سبقني، وقال: هذه بتلك)صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث: (ليس من اللهو ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه بقوسه) هذا ليس من اللهو وليس من الباطل؛ لأنه يستعان به على الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى. |
|
|
|
|
|
|
|
|