|
لقد فرق الله عز وجل بين علم الدنيا وعلم الآخرة، وفضل علم الإيمان والدين على سائر العلوم، وأعظم شيء في علم الإيمان والدين هو علم التوحيد والعقيدة الذي منه باب الأسماء والصفات؛ لأن له تعلقاً بمعرفة ذات الله.
وقد ضل في باب الأسماء والصفات كثير من أهل الأهواء والبدع، فنسبوا إلى الله عز وجل ما لا يليق بجلاله من النقص والعيب، وسموه بما لا يرضى من الأسماء، ووصفوه بصفات خلقه، فألحدوا في أسماء الله سبحانه وتعالى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
بين النبي صلى الله عليه وسلم أن العلم يكون في تناقص، فبين في بعض الأحاديث أن من أشراط الساعة أن يظهر الجهل، ويرفع العلم، فإذا تأملنا واقع الناس اليوم وجدنا ظهور العلم الدنيوي، وانتشار الجهل بأمور الدين، حتى إنك تفاجأ أن من الناس من لا يعرف أصلاً أن الصلاة واجبة، يحكي لي قصة بدايته أن المواظبة على الصلاة كانت في سن الأربعين؛ لأنه وجد كتاباً عند أحد باعة الجرائد عنوانه: حكم تارك الصلاة، وكان وقتها لا يعلم حكم الصلاة، ففوجئ بأن الصلاة واجبة وفريضة، ولا ندري كيف نصدق أو نتخيل أن إنساناً يعيش في وسط المسلمين ثم يجهل أن الصلاة فريضة؟! بل هي عمود الدين الأعظم بعد التوحيد، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
وهذه فنانة تائبة تقول: إنها لم تكن تعرف أصلاً أن الحجاب واجب، وإنما كانت تعرف أن الحجاب شيء اختياري.
ومظاهر الغربة في الدين في هذا الزمان كلها ناشئة عن أن الجهل بالعلم الديني هو الذي يشيع، ومع اجتهاد الناس في تحصيل علوم الدنيا، ولو على حساب الدين، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة)، فهو في غاية الاجتهاد في تعلم أمور الدنيا، فإن كان نجاراً فهو يعرف أنواع الخشب وكذا وكذا، وإن كان مهندساً في السيارات فهو يعرف جميع ماركات السيارات وخصائصها وكذا وكذا، بل من الناس من يحفظ أسماء لاعبي الفرق في كرة القدم، وتفاصيل حياتهم الشخصية في كل أقطار الأرض، وغير ذلك من هذه التفاهات، مع أن ذلك لا يغني عنه عند الله سبحانه وتعالى شيئاً. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إن العلم بأسماء الله عز وجل ومعرفة معانيها ودلالتها، وآثار الإيمان بها من أعظم المقاصد، بل هو أصل للعلم بكل المعلومات.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سوى الله سبحانه وتعالى إما أن تكون خلقاً له تعالى، أو أمراً. إما خلق وإما أمر، إما علم بما كونه -يعني: بما خلقه- أو علم بما شرعه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، ومصدر الخلق والأمر أسماؤه الحسنى، فالأمور التكوينية والشرعية تصدر عن أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره الأسماء الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد، والرأفة والرحمة بهم، والإحسان إليهم بتكليفهم بما أمرهم به، ونهاهم عنه.
فأمره سبحانه وتعالى كله مصلحة وحكمة ورحمة، ولطف وإحسان؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه، ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلاً، ولا سدى، ولا عبثاً، وكما أن كل موجود سواه -يعني: لا يمكن أنه يكون موجوداً إلا أن يوجده الله سبحانه وتعالى- فوجود من سواه تابع لوجوده عز وجل، تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي أحصى جميع العلوم؛ إذ إن إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها، ومرتبطة بها. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أما التفصيل في صور الإلحاد في أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى، فإن الإلحاد في أسماء الله عز وجل على أنواع: |
|
|
|
|
|
|
|
النوع الأول: أن بعض الكفار سموا الأصنام بالأسماء الحسنى، فسموا الأحجار والأشجار والأوثان التي كانوا يعبدونها: آلهة، قال تعالى: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص:5]، وسموا اللات من الإلهية، يعني: على أنه مؤنث رب الجلالة والعياذ بالله، وسموا العزى من العزيز، ومناة من المنان، فهذا إلحاد؛ لأنهم عدلوا ومالوا بأسمائه الحسنى إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
نضيف بعض التنبيهات والفوائد المتعلقة بقواعد الاعتقاد في أسماء الله عز وجل الحسنى: أما التنبيه الأول فهو: أن ما يوصف به الرب سبحانه وتعالى أو يخبر عنه أقسام:
أولاً: ما يرجع إلى نفس الذات، كقولك: ذات، وموجود، وشيء.
ثانياً: ما يرجع إلى صفات معنوية، كالعليم والقدير والسميع والبصير، وهذه تسمى صفات ذاتية.
ثالثاً: ما يرجع إلى أفعال الله سبحانه وتعالى، كالخالق والرازق، وهذه تسمى صفات فعلية، ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض، فما يوصف به الله سبحانه وتعالى منه ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتاً؛ إذ لا كمال في العدم المحض.
والتنزيه هو: نفي ما لا يليق بالله عز وجل من الصفات أو الأسماء، والنفي المحض لا يعتبر كمالاً إلا إذا تضمن ثبوتاً، فمثلاً: إذا أتيت إلى الملك وأردت أن تمدحه -ولله المثل الأعلى- فطفقت تقول له: أنت لست جاهلاً، ولست جباناً، ولست بخيلاً، ولست فاسقاً، ولست زبالاً، ولست خادماً، ولست.. إلى آخر هذه الصفات كلها، فهل هذا يتضمن مدحاً؟
الجواب: لا؛ لأن النفي المحض هو صفة العدم؛ فالعدم هو الذي يوصف بأنه لا كذا ولا كذا ولا كذا.
أما النفي في صفات الله سبحانه وتعالى فإنه لا يحصل تنزيه الله عما لا يليق عن طريق هذه الصفات إلا إذا تضمنت إثبات الكمال، فلا كمال في العدم المحض.
ومن أسماء الله سبحانه وتعالى التي تضمنت هذا التنزيه: القدوس والسلام، فهذه الأسماء من الأسماء التي تضمنت تنزيهاً يتضمن أمراً ثبوتياً، وليس نفياً محضاً.
ومن أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته ما يدل على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفات معينة، فالعزيز دل على معاني العزة، يعني: أن الاسم نفسه يدل على معانٍ كثيرة جداً، نحو: اسم المجيد، والعظيم، والصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا؛ لأن المجيد لغة هو: موضوع للسعة والكثرة والزيادة وتعدد الأوصاف وشمولها وكمالها، ولذلك قال تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج:15]، لسعة العرش وعظمته، والعظيم أيضاً من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد.
أيضاً مما يوصف به الله سبحانه وتعالى: صفة تحصل من اقتران أحد الوصفين مع الآخر، هذه صفة تحصل من اقترانهما معاً؛ وذلك قدر زائد على مفرديهما، يعني: كل اسم على حدة له معنى، لكن إذا اجتمعا واقترنا فإنه يدل على صفة زائدة تحصل من اقترانهما معاً، كقولك: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد.. ونحو ذلك، فإن الغنى من صفات الكمال والحمد كذلك، أما اجتماع الغنى مع الحمد فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك نظائرهما، فالغني وحده له معنى، والحميد وحده له معنى أيضاً، لكن اجتماع الغني والحميد يأتي بمعنى زائد على أحد الاثنين حينما يأتي منفرداً. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|