|
لقد جعل الله سبحانه وتعالى هداية الدلالة بيد الأنبياء والعلماء والدعاة، وأما هداية الإلهام والتوفيق فهي بيده سبحانه، فيضل الله من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، وهناك نماذج من أولئك الرجال الذين هداهم الله حين قطعوا حياتهم في البحث عن الحق والنور، فمن أراد شيئاً واجتهد وأخلص في طلبه بلغه الله إياه، ومن أولئك الرجال بعض القساوسة النصارى الذين كانوا يوماً ما رءوساً في أقوامهم، فتركوا هذه الحياة الدنيا، وأقبلوا على الله وآثروا ما عنده. |
|
|
|
|
|
القصص في علو الهمة في عصر الصحابة أو من بعدهم كثيرة جداً، ونحن لا نقصد الاستقصاء، وإنما نريد ذكر نماذج من كل عصر من العصور، وسننقل في حديثنا إلى أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع، ونذكر علو همة الشيخ: أبي محمد الترجمان الذي توفي سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة من الهجرة.
فهذا الرجل كان يدعى القسيس إنسلم ترميدا ، وكان من أكبر علماء النصارى في القرن الثامن الهجري.
وفي الوقت الذي كان الصليبيون يكرسون جهودهم -بعد طرد المسلمين من ربوع الأندلس- في نشر النصرانية المحرفة في ربوع بلاد الأندلس، بعدما نفي المسلمون من هذا الفردوس المفقود وفي نفس ذلك الوقت شرح الله سبحانه وتعالى صدر رجل من أكبر علماء النصرانية في ذلك الزمان إلى الإسلام، فأسلم وجهه لله، واستقام على طاعة الله عز وجل، وجاهد بيده ولسانه وقلمه في سبيل الله عز وجل، أنه الشيخ: أبو محمد عبد الله بن عبد الله الترجمان ، كان قسيساً -كما ذكرنا- يدعى إنسلم ترميدا ، اشتهر بـ: الترجمان ؛ لأنه لما مضت خمسة أشهر على إسلامه قدمه السلطان في الديوان لقيادة البحر، وكان يقصد من ذلك أن يتعلم اللغة العربية بالتردد على علم الترجمة هناك، أي: في البحر والمناوشات العسكرية الحربية أو التجارية، حتى العلاقات التجارية بين الأسبان وبين العرب كانت تحتاج إلى الترجمة من إحدى اللغتين إلى الأخرى، وكانت تكثر الاحتكاكات بين النصارى والمسلمين.
فأرسله السلطان ليكون مسئولاً في قيادة البحر لأجل أن يتعلم اللغة العربية هناك من خلال هذه الترجمة، فأتقن اللغة العربية في سنة واحدة، وعينه السلطان رئيساً لشئون الترجمة، وكان من ألقابه عند عوام الناس في بلاد المغرب: (سيدي تحفة) ، وذلك نسبة إلى كتابه الشهير الذي ألفه بعد إسلامه، وهو الآن مطبوع وموجود، ويسمى (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب) فالعوام اختصروا هذا الموضوع ونسبوا المؤلف إلى هذا الكتاب، فقالوا: سيدي تحفة . نسبة إلى كتابه (تحفة الأريب)، وأعتقد أن هذه التسمية عند العوام فيها إصابة، فقد أصابوا فيها الحق، بخلاف ما يحصل أحياناً من العوام من انفعالات غريبة جداً، أو أنها تعكس أكثر الألقاب التي يلقونها، ففي أثناء الحرب العالمية كان هتلر يعد أهل مصر خيراً لو تعاونوا معه ضد الإنجليز، فبمجرد أن بدأ هتلر يغازل الشعب المصري ببعض العبارات اللطيفة صار له لقب عند العوام في مصر، حيث سموه (الحاج محمد هتلر) تعبيراً عن أنهم تفاعلوا مع هذه العاطفة التي أبداها تجاههم، فالناس يتحولون بين يوم وليلة! فالسفاح الذي كان بالأمس يقتل ويده ملوثة بالدماء، وتاريخه أسود، وإلى آخر لحظات من عمره وهو في محاربة لله ورسوله وللمؤمنين أصبح يدعى (الحاج محمد هتلر)، ومع ذلك نجد بعض من انحطت هممهم وسفلت نفسيتهم ينقادون ويقادون إلى مثل هذه المهازل التاريخية في الحقيقة، والله المستعان!
فالشاهد أن العوام في بلاد المغرب الإسلامي قد أصابوا حينما سموه سيدي تحفة ؛ لأنه كان أعظم ما أنجزه هذا الرجل الجليل هو هذا الكتاب الرائع: (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب)، وكان ذلك الكتاب يمثل ضربة قوية لبنيان النصرانية، كتبه عالم من أكبر علماء النصرانية في عصره باعتراف أهلها وشهادتهم، وافتتح هذا الكتاب بذكر قصة إسلامه، وسوف أتلو عليكم هذه القصة كما حكاها هو بنفسه رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه.
|
|
|
|
قال رحمه الله تعالى: اعلموا -رحمكم الله- أن أصلي من مدينة ميورقا وهي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط جنوب شرق أسبانيا اليوم، فتحها المسلمون سنة تسعين ومائتين للهجرة، إلى أن تغلب عليها العدو البرشلوني وخربها سنة (508) للهجرة.
يقول: اعلموا -رحمكم الله- أن أصلي من مدينة ميورقا أعادها الله للإسلام، وهي مدينة كبيرة تقع على البحر بين جبلين، يشقها واد صغير، وهي مدينة لها مرساتان عجيبتان ترسو بهما السفن الكبيرة للمتاجر الجليلة، والمدينة في جزيرة تسمى باسم المدينة ميورقا، وأكثر غاباتها زيتون وتين، وكان والدي محسوباً من أهل حاضرة (ميورقا)، ولم يكن له ولد غيري، ولما بلغت ست سنين من عمري أسلمني إلى معلم من القسيسين قرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثر من شطره في مدة سنتين، ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين، ثم ارتحلت من بلدي (ميورقا) إلى مدينة لاردا من أرض القصطلان.
وهذه المدينة تسمى الآن كستلون، و(قصطلة) مدينة بالأندلس، فهذه المدينة -مدينة القصطلان- مدينة العلم عند النصارى في ذلك القطر، وفي هذه المدينة يجتمع طلبة العلم من النصارى، وينتهون إلى ألف وخمسمائة، ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرءون عليه، فقرأت فيها علم الطبيعيات والفلك مدة تسع سنين، ثم تصدرت فيها أقرأ الإنجيل ولغته ملازماً لذلك مدة أربع سنين، ثم ارتحلت إلى مدينة جلونيا من أرض الأندلس، وهي مدينة كبيرة جداً، وهي مدينة علم عند جميع أهل ذلك القطر، ويجتمع بها كل عام من الآفاق أكثر من ألفي رجل يطلبون العلوم ولا يلبسون إلا الملف، وهو لحاف يلتحف به، ويسمي هذا الملف -كما يقول- صباغ الله.
ولعلهم يقصدون بذلك أنهم يلبسون لباساً معيناً يصبغ بصبغة -في زعمهم- مقدسة، كما يفعلون في التعميد، ولو كان طالب العلم منهم سلطاناً أو ابن سلطان فلا يلبس إلا ذلك؛ ليمتاز الطلبة عن غيرهم، ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرءون عليه.
|
|
|
|
|
قال: فسكنت في كنيسة لقسيس كبير السن عندهم، وكبير القدر اسمه نقلاو مرتيل ، وكانت منزلته فيهم بالعلم والدين والزهد رفيعة جداً، انفرد بها في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية، فكانت الأسئلة في دينهم ترد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم، ويصحب الأسئلة من الهدايا الضخمة ما هو الغاية -يعني النهاية- في بابه، ويرغبون في التبرك به وفي قبوله لهداياهم، ويتشرفون بذلك، فقرأت على هذا القسيس علم أصول النصرانية وأحكامه.
ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني من أخص خواصه، وانتهيت في خدمتي له وتقربي إليه إلى أن دفع إلي مفاتيح مسكنه وخزائن ملكه ومأكله ومشربه، وصير جميع ذلك كله على يدي، ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخل مسكنه كان يخلو فيه بنفسه، والظاهر أنه بيت خزانة أمواله التي كانت تهدى إليه، والله أعلم.
فلازمته على ما ذكرت من القراءة عليه، والخدمة له عشر سنين، ثم أصابه مرض يوماً من الدهر، فتخلف عن حضور مجلس طلابه، وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون مسائل من العلوم، إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قول الله عز وجل على لسان نبيه عيسى عليه السلام في الإنجيل: إنه يأتي من بعده نبي اسمه (الفارقليط).
وهو -أعني أبا محمد الترجمان - هنا ليس مخطئاً عندما قال: (قول الله عز وجل على لسان نبيه عيسى في الإنجيل)؛ لأن هذا قد علمنا قطعاً ما يؤيد صحته، وأنه مما لم تتناوله أيدي التحريف، فكلمة (الفارقليط) الترجمة الحرفية لها بالضبط هي (أحمد) صيغة أفعل التفضيل من (حمد)، ونحن نعلم أن المسيح عليه السلام بشر بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، فلذلك ما جاوز الصواب في قوله: (قول الله عز وجل على لسان نبيه عيسى عليه السلام في الإنجيل: إنه يأتي من بعده نبي اسمه: (الفارقليط) ).
وهذه الكلمة -في الحقيقة- تستحق بحثاً مفرداً، لكن باختصار شديد نقول: إن هذه الكلمة أزعجت النصارى جداً، حتى إنهم انتهى الأمر بهم في التراجم المتأخرة في العصور الأخيرة إلى أن يحرفوها تماماً إلى معانٍ أخرى مثل (المعزي) أو (المخلص) أو غير ذلك من هذه العبارات المعروفة عندهم الآن؛ لأنهم يعرفون تماماً أن كلمة الفارقليط يستدل بها المسلمون على أن معناها في اللغة اليونانية القديمة (أحمد) بنفس الحرف الذي في اسمه، فأرهقتهم الكلمة كثيراً، وكما هي عادتهم في التحريف في الطبعات الجديدة نزعوا كلمة (الفارقليط) ووضعوا مكانها لفظاً آخر يزعمون أن معناه (المعزي) أو (المخلص) إلى غير ذلك، ومعروف أن كلمة (الفارقليط) قالها المسيح عليه السلام في اللحظات الأخيرة قبل أن يرفع إلى السماء؛ لأنه قال: (لابد أن أمضي؛ لأني إذا لم أمض لم يأتكم الفارقليط) ووصف الرسول الذي سيأتي بعده بصفات دقيقة لا تنطبق إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فحرفت هذه الكلمة إلى لفظ (فيركليتوس)، وقد حصل نقاش بين الأستاذ عبد الوهاب النجار والدكتور: كلرون بينو حول هذه الكلمة، فيحكي الدكتور: عبد الوهاب النجار في كتابه (قصص الأنبياء) فيقول: ثم قلت له وأنا أعلم أنه حاصل على شهادة الدكتوراة في آداب اللغة اليونانية القديمة ما معنى (فير كليتوس)؟! فأجابني بقوله: إن القسس يقولون: إن هذه الكلمة معناها (المعزي).
فقلت: إني أسأل الدكتور: كلرون بينو الحاصل على الدكتوراة في الآداب اليونانية القديمة ولست أسأل قسيساً. يعني: أنا أسألك بصفتك خبيراً باللغة اليونانية القديمة، ولست أسأل عن رأي القساوسة في ترجمة هذه الكلمة. فقال: إن معناها: الذي له حمد كثير. فقلت: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟! فقال: نعم. فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسمائه أحمد! فقال: يا أخي! أنت تحفظ كثيراً. يعني أنه اكتسب هذا التعليم. |
|
|
|
|
فلما تخلف القسيس بسبب مرضه في ذلك اليوم عن حضور مجلس أقرانه وانتظره الناس، ولم يحضر أقرانه من القساوسة اضطروا إلى أن يتناقشوا في مسائل من العلوم، إلى أن أفضى بهم الكلام في مناقشة قول الله عز وجل حكاية عن المسيح عليه السلام: (إنه يأتي من بعدي نبي اسمه الفارقليط)، وقد ترجموا هذه الكلمة، ومن المعلوم أن الأعلام لا تترجم، فلو أن شخصاً اسمه سعيد ففي أي لغة يبقى اسمه كما هو، سواءٌ أكانت الكتابة بالعربي، أم بالإنجليزي، أم بالفرنسي، فهم ترجموا كلمة (الفارقليط) إلى معنى آخر غير ما دلت عليه، وفي بداية الأمر ترجموا معناها إلى اللغة اليونانية وجعلوها كلمة (فارقليط) التي تساوي (أحمد)، فهي أفعل تفضيل من صيغة (حمد).
فناقشوا هذه المسألة فيما ناقشوه لما تخلف كبيرهم القسيس، فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء، وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه، فعظم بينهم في ذلك مقالهم، وكثر جدالهم، ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة ومن غير الاتفاق على معنى معين لهذه الكلمة، ثم لما رجع إلى القسيس الكبير الذي كان مريضاً قال له: ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم، فأخبرته باختلاف القوم في اسم (الفارقليط) وأن فلاناً قد أجاب بكذا، وأجاب فلان بكذا، وسردت له أجوبتهم، فقال لي: وبماذا أجبت أنت؟! فقلت: بجواب القاضي فلان في تفسيره للإنجيل. فقال: قصرت وقربت! وفلان أخطأ، وكاد فلان أن يقارب، ولكن الحق خلاف هذا كله؛ لأن تفسير هذا الاسم الشريف لا يعلمه إلا العلماء الراسخون في العلم، وأنتم لم يحصل لكم من العلم إلا القليل. فبادرت إلى قدميه أقبلهما، وقلت له: يا سيدي! قد علمت أني ارتحلت إليك من بلد بعيد، ولي في خدمتك عشر سنين، حصلت عنك فيها من العلوم جملة لا أحصيها، فلعل من جميل إحسانكم أن تمنو علي بمعرفة هذا الاسم، فبكى الشيخ وقال لي: يا ولدي! والله لأنت تعز علي كثيراً من أجل خدمتك لي وانقطاعك إلي، وفي معرفة هذا الاسم الشريف فائدة عظيمة، لكني أخاف أن يظهر ذلك عليك، فتقتلك عامة النصارى في الحين -فوراً سوف يقتلونك- فقلت له: يا سيدي! والله العظيم وحق الإنجيل ومن جاء به لا أتكلم بشيء مما تسره إلي إلا عن أمرك، فقال لي: يا ولدي! إني سألتك في أول قدومك علي عن بلدك، وهل هو قريب من المسلمين، وهل يغزونكم أو تغزونهم، لأختبر ما عندك من المنافرة للإسلام، يعني: حتى أكتشف حساسيتك وعداءك ونفورك من دين الإسلام.
فاعلم يا ولدي أن (الفارقليط) هو اسم من أسماء نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه نزل الكتاب الرابع المذكور على لسان دانيال عليه السلام، وأخبر أنه سينزل هذا الكتاب عليه، وأن دينه هو دين الحق، وملته هي الملة البيضاء المذكورة في الإنجيل، فطبعاً واضح جداً من هذا الكلام أن هذا القسيس يؤمن برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرف أوصافه الموجودة في التوراة والإنجيل.
وهذه من الحقائق المعروفة أن علماء أهل الكتاب يعرفون جيداً الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ولذلك قال تبارك وتعالى: فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس:94]، وأشار الإمام الجويني رحمه الله تعالى حينما تكلم على هذه الآية الكريمة إلى قول صاحب الكشاف الذي قال: والمعنى أن الله تعالى قدم ذكر بني إسرائيل وهم قراء الكتاب، ووصفهم بأن العلم قد جاءهم؛ لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .. إلى آخر القول.
فالغرض: وصف الأحباب بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المهم قال هذا الرجل: اعلم يا ولدي أن (الفار قليط) هو اسم من أسماء نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه نزل الكتاب الرابع، المذكور على لسان دانيال عليه السلام.
ورؤية دانيال هذه من الرؤى المشهورة جداً، ولها شأن عظيم، الكلام فيها يطول لكن باختصار شديد فيها أوصاف تنطبق في منتهى الدقة على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخبر أنه سينزل هذا الكتاب عليه، وأن دينه هو دين الحق، وملته هي الملة البيضاء المذكورة في الإنجيل، قلت له: يا سيدي! وما تقول في دين هؤلاء النصارى؟! فقال لي: يا ولدي! لو أن النصارى أقاموا على دين عيسى الأول لكانوا على دين الله؛ لأن عيسى وجميع الأنبياء دينهم دين الله عز وجل، ولكنهم بدلوا وكفروا، فقلت له: يا سيدي! وكيف الخلاص من هذا الأمر؟! فقال: يا ولدي! بالدخول في دين الإسلام، فقلت له: وهل ينجو الداخل فيه؟ قال لي: نعم ينجو في الدنيا والآخرة، فقلت: يا سيدي! إن العاقل لا يختار لنفسه إلا أفضل ما يعلم، فإذا علمت فضل دين الإسلام فما يمنعك منه؟! فقال لي: يا ولدي! إن الله تعالى لم يطلعني على حقيقة ما أخبرتك به من فضل الإسلام وشرف نبي أهل الإسلام إلا بعد كبر سني، ووهن جسمي، ولا عذر لنا فيه بل هو حجة الله علينا قائمة، ولو هداني الله لذلك وأنا في سنك لتركت كل شيء ودخلت في دين الحق، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، وأنت ترى ما أنا فيه عند النصارى من رفعة الجاه والعز، والترف، وكثرة عرض الدنيا، ولو أني ظهر علي شيء من الميل إلى دين الإسلام لقتلتني العامة في أسرع وقت، وهب أني نجوت منهم وخلصت إلى المسلمين فأقول لهم: إني جئتكم مسلماً فيقولون: قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت به نفسك من عذاب الله، فأبقى بينهم شيخاً كبيراً فقيراً ابن تسعين سنة لا أفقه لسانهم، ولا يعرفون حقي، فأموت بينهم جوعاً، انظر كيف ثقلت همته بسبب هذا التلبيس من الشيطان الرجيم؟!
لاشك أن ما قاله وما فكر فيه هو خيال فاسد وسوء ظن بخير أمة أخرجت للناس، وجهل أيضاً بسماحة الإسلام ونظامه الاجتماعي الرائع المبني على التكافل والرحمة والإحسان إلى الخلق.
ولو كان كان هؤلاء الخلق باقون على دينهم فيكونون أهل ذمة فلهم من الحقوق ما هو معلوم، فكيف إذا تحول الكافر عن دينه إلى دين الإسلام، هل يظن أن المسلمين يظلمونه أو يحقرونه أو لا يوفونه حقه؟! تأمل ما حكاه أبو عبيد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى حينما كتب إلى عدي بن أرطأة بالبصرة قال له: وانظر من عندك من أهل الذمة من قد كبر سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب -يعني: لا يستطيع التكسب- فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوده حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس يتسول فقال: ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك يعني: وهو شاب ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه.
وأقوى رد على هذا الظن الفاسد الذين ظنه هذا القسيس هو ما لقيه الترجمان نفسه حينما أسلم من حفاوة ومن تقدير، ومن تكريم من المسلمين، فهذا من تلبيس إبليس على هذا الرجل حينما قال: إذا خلصت من النصارى من محاولتهم قتلي واستطعت أن أصل إلى المسلمين سيقول لي المسلمون: قد نفعت نفسك بنفسك بالدخول في دين الحق، فلا تمن علينا بدخولك في دين خلصت به نفسك من عذاب الله، فأبقى بينهم شيخاً كبيراً فقيراً ابن تسعين سنة، لا أفقه لسانهم، ولا يعرفون حقي فأموت بينهم جوعاً، وأنا والحمد لله على دين عيسى، وعلى ما جاء به يعلم الله ذلك مني. يعني: أن عيسى رسول وليس هو الله.
فقلت له: يا سيدي! أفتدلني على أن أمشي إلى بلاد المسلمين وأدخل في دينهم؟ فقال لي: إن كنت عاقلاً طالباً للنجاة فبادر إلى ذلك تحصل لك الدنيا والآخرة، ولكن يا ولدي هذا أمر لم يحضره أحد معنا الآن، فاكتمه بغاية جهدك، وإن ظهر عليك شيء منه قتلتك العامة لحينك، ولا أقدر على نفعك إذا قتلوك أو حاولوا أن يؤذوك، أنا لا أستطيع أن أدفع عنك، ولا ينفعك أن تنقل ذلك عني.
يعني: إذا قلت لهم حينئذ إن الذي دلني على هذا هو القسيس فلان فإنك لن ينفعك أن تنقل ذلك عني، فإني أجحده إذا ذكرت ذلك عني وقولي مصدق عليك، وقولك غير مصدق علي، طبعاً سيقبل الناس قولي أنا ويرفضون قولك، وأنا بريء من ذلك إن فهت بشيء من هذا. |
|
|
|
|
فقلت: يا سيدي! أعوذ بالله من سريان الوهم لهذا. وعاهدته بما يرضيه.
ثم أخذت في أسباب الرحلة وودعته، فدعا لي عند الوداع بخير، وزودني خمسين ديناراً ذهباً، وركبت البحر منصرفاً إلى بلدي مدينة ميورقا، فأقمت بها مع والدي ستة أشهر، ثم سافرت منها إلى جزيرة صقلية، وأقمت بها خمسة أشهر وأنا أنتظر مركباً يتوجه لأرض المسلمين، فحضر مركب يسافر إلى تونس، فسافرت فيه من صقلية، وأقلعنا عنها قرب مغيب الشفق، فوردنا مرسى تونس قرب الزوال، فلما نزلت بجوار تونس، وسمع بي الذين بها من أحبار النصارى في تونس -يعني: سمعوا بمقدمه، وأنه حاضر عندهم، وقد كان هو أكبر علماء النصارى في ذلك الوقت- أتوا بمركب وحملوني عليه معهم إلى ديارهم، وصحبت بعض التجار الساكنين -أيضاً- بتونس، فأقمت عندهم في ضيافتهم على أرغد عيش مدة أربعة أشهر. |
|
|
|
|
ثم بعد ذلك سألتهم: هل بدار السلطان أحد يحفظ لسان النصارى؟ وكان السلطان آنذاك مولانا أبو العباس أحمد رحمه الله، فذكر لي النصارى أن بدار السلطان المذكور رجلاً فاضلاً من أكبر خدامه اسمه يوسف ، وكان طبيبه ومن خواصه، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وسألت عن مسكن هذا الرجل الطبيب، فدخلت عليه واجتمعت به، وذكرت له شرح حالي وسبب قدومي للدخول في الإسلام، فسر الرجل بذلك سروراً عظيماً بأن يكون تمام هذا الخير على يديه.
ثم ركب فرسه وحملني معه إلى دار السلطان، ودخل عليه فأخبره بحديثي واستأذنه لي، فأذن له، فمثلت بين يديه، فأول ما سألني السلطان عن عمري، فقلت له: خمسة وثلاثون عاماً. ثم سألني عما قرأت من العلوم فأخبرته، فقال لي: قدمت قدوم خير، فأسلم على بركة الله. فقلت للترجمان -وهو الطبيب المذكور-: قل لمولانا السلطان: إنه لا يخرج أحد من دينه إلا ويكثر أهله القول فيه، يعني: أهل الدين الذي كان عليه سيطعنون فيه ويشنعون عليه.
يقول: فقلت للترجمان: قل لمولانا السلطان: إنه لا يخرج أحد من دينه إلا ويكثر أهله القول فيه والطعن فيه، فأرغب من إحسانكم أن تبعثوا إلى الذين بحضرتكم من تجار النصارى وأحبارهم وتسألوهم عني، وتسمعوا ما يقولون في جنابي، وحينئذ أسلم إن شاء الله تعالى.
فقال لي بواسطة الترجمان: أنت طلبت ما طلب عبد الله بن سلام رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم حين أسلم.
فقصة إسلام الترجمان تتشابه مع إسلام الصحابي الجليل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، فكون يهودي يسلم شيء نادر؛ إذ قليل من اليهود الذين أسلموا في عصور كثيرة، فاليهود من أقسى خلق الله قلوباً، والعياذ بالله! فكون يهودي يسلم علامة اصطفاء من الله سبحانه وتعالى، فـعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه من بني إسرائيل، ومن ولد يوسف بن يعقوب نبي الله عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولما جاء قالوا: جاء نبي الله، فاستشرفوا ينظرون إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يختلس منها بعض البلح، فعجل أن يضع التي يختلس لهم فيها. يعني: حين سمع أن الرسول عليه السلام أقبل إلى المدينة وهو يجمع البلح لأهله في طبق ليأكلوا منه ما شعر بنفسه، وانصرف إلى الرسول عليه السلام فوراً وهو يحمل هذا الطبق من شدة اهتمامه برؤية الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يجد وقتاً لأن يوصل الطبق إلى أهله أو يضعه في مكان معين، لكن انصرف بسرعة وهو يحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله.
قال: فلما خلا نبي الله جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً، وأنك جئت بحق، ولقد علمت اليهود أني سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فأسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إليهم فدخلوا عليه، فقال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر اليهود! ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً، وأني جئتكم بحق، أسلموا. قالوا: ما نعلمه).. أي: هذا الكلام الذي تقوله ما نعلمه (فأعادها عليهم ثلاثاً وهم يجيبونه كذلك، قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا! قال: أفرأيتم إن أسلم؟! قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم! فقال: يا ابن سلام ! اخرج عليهم. فخرج إليهم فقال: يا معشر اليهود! ويلكم! اتقوا الله، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله حقاً، وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبت! فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم).
فلأجل هذا قال له السلطان: أنت طلبت ما طلب عبد الله بن سلام من النبي صلى الله عليه وسلم حين أسلم.
ثم قال: أرسل إلى أحبار النصارى وبعض تجارهم، وأدخلني في بيت قريب من مجلسه، فلما دخل النصارى عليه، قال لهم: ما تقولون في هذا القسيس الجديد الذي قدم في هذا المركب؟ قالوا له: يا مولانا! هذا عالم كبير في ديننا، وقالت شيوخنا: إنهم ما رأوا أعلى من درجته في العلم والدين في ديننا. فقال لهم: وما تقولون فيه إذا أسلم؟! قالوا: نعوذ بالله من ذلك! ما يفعل ذلك أبداً. فلما سمع ما عند النصارى بعث إلي فحضرت بين يديه وشهدت شهادة الحق بمحضر النصارى، فصلبوا على وجوههم.
وهذا معروف -والعياذ بالله- عند النصارى، فإنهم إذا أرادوا التعوذ من شيء رفعوا أصابعهم مضمومة على جباههم ثم أشاروا بعلامة في الصليب مروراً بالكتف الأيمن فالأيسر فالوسط.
وقد تتعدى هذه الإشارة من التعوذ إلى التبرك؛ حيث إن من يسمى (البابا) يطلب ذلك، ويطنون أنه بذلك يلقي عليهم البركات بإشارة التصليب والعياذ بالله!
فالمهم أنهم لما سمعوا ذلك صلبوا على وجوههم، وقالوا: ما حمله على هذا إلا حب التزويج؛ فإن القسيس عندنا لا يتزوج. وخرجوا مكروبين محزونين.
وتحريم الزواج هو في الكنيسة الكاثوليكية؛ لأن الكاثوليكية حرمت على القسس والرهبان والراهبات الزواج، وهذا أدى إلى الفساد الشديد في أوساط هؤلاء القوم، حتى إنهم كانوا يأتون الفواحش ويقولون: هذا نوع من المساكنة الروحية. وكان هذا أحد أسباب قيام مرتن لوثر بثورته على الكنيسة في القرن السادس عشر، وكان ضمن آرائه فيما يسمى بالإصلاح الكنسي أن جزءاً من فساد الدين يرجع إلى عدم الزواج، ورأى أن المنع منه لم يكن في النصرانية في عصورها الأولى، فقرر حقهم في الزواج، وتزوج هو فعلاً من راهبة مع أنه من رجال الدين.
المهم أنهم قالوا: ما حمله على أن يدخل في الإسلام إلا أنه يريد أن يتزوج، والقسس عندنا لا يتزوجون. وخرجوا مكروبين محزونين.
قال: فرتب لي السلطان -رحمه الله- ربع دينار في كل يوم في دار مختص، وزوجني ابنة الحاج محمد الصفار ، فلما عزمت على البناء بها أعطاني مائة دينار ذهباً، وكسوة جيدة كاملة، فبنيت بها وولد لي منها ولد سميته محمداً على وجه التبرك باسم نبينا صلى الله عليه وسلم. |
|
|
|
|
ثم شرع الشيخ الترجمان في ذكر طرف من أخبار الدولة الحفصية التي خدم في ديوانها، ثم أردفها بأبواب تسعة في الكتاب تكلم فيها عن كتب الأناجيل الأربعة متى ، و مرقس ، و لوقا ، و يوحنا ، وأكد فيها أنهم ليسوا من حواري المسيح عليه السلام بأدلة علمية دقيقة، ثم ناقش قضايا التعميد الذي هو التغطيس، والأقانيم، والخطيئة الأولى، والعشاء الرباني، وصك الغفران، وقانون الإيمان، وفندها كلها بنصوص الأناجيل وبأدلة العقل والمنطق.
ثم أثبت بشرية المسيح عليه السلام، ونفى إلاهيته المزعومة، ثم عرض التناقضات في نصوص الأناجيل المحرفة، ثم تعرض لما يعيبه النصارى على المسلمين، كزواج العلماء والصالحين، والختان، والنعيم الحسي في الجنة، ثم ختم كتابه بإثبات نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان فضله ومنزلته بنصوص من التوراة والإنجيل.
فهذا باختصار مرور عابر على سيرة هذا الشيخ، وجهاده بقلمه ولسانه في سبيل الله عز وجل، أما جهاده بيده فقد اشترك رحمه الله تعالى في جهاد بني جلدته من الكافرين في حملة الصور الحفصي على جزيرة صقلية سنة ست وتسعين من الهجرة، فقد كان يتولى منصب القائد البحري، حتى إنه روي أنه استشهد أثناء الغارة الصليبية على تونس، فإن صحت هذه الرواية فهذا شرف عظيم يضاف إلى سجله الناصع في خدمة دين الحق والجهاد في سبيله، ولا شك في أن سيرة الشيخ الترجمان منار ينير الدرب للتائهين في لجج الظلام ودياجير الجهل، ويحرر عقولهم من أسر التقليد الأعمى لمن لا يملكون لهم رزقاً ولا أجلاً.
فرحم الله الشيخ الترجمان وأعلى درجته في المهديين. |
|
|
|
|
|
|
|
وننطلق الآن إلى العصور المتأخرة من هذا الزمان لنتعرض لنموذج من نماذج علو الهمة في البحث عن الدين الحق، وصاحب هذه القصة هو الأخ: رحمة برلومو ، وهو رجل ينتسب إلى أب هولندي وأم أندونيسية من مدينة أنبول الواقعة في جزيرة صغيرة في أقصى الشرق من جزر إندونيسيا، والنصرانية هي الدين الموروث لأسرته أباً عن جد، كان جده قسيساً ينتمي إلى مذهب البروتستانت، وكان أبوه أيضاً قسيساً، وكانت والدته معلمة الإنجيل للنساء، أما هو نفسه فقد كان قساً ورئيساً للتبشير في كنيسة بيجن إنجلتلوا. |
|
|
|
قال وهو يحكي سبب إسلامه:
لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن أكون من المسلمين؛ إذ إنني منذ نعومة أظفاري تلقيت التعليم من والدي الذي كان يقول لي دائماً: إن محمداً رجل بدوي صحراوي، ليس له علم ولا دراية، ولا يقرأ، وإنه أمي. وهذا من جهلهم الفاحش وعدوانهم؛ لأن الكتابة لا تتعين سبيلاً لتحصيل العلم، فهناك سبل أخرى خاصة، كالوحي من الله سبحانه وتعالى، فهذا أعظم منبع يستقى منه العلم.
يقول: هكذا علمني أبي، بل أكثر من ذلك، فقد قرأت للبروفيسور الدكتور: ريكونجي النصراني الفرنسي قوله في كتاب له -وهي عبارة شنيعة جداً -والعياذ بالله- من كذب وافتراء هؤلاء المجرمين وعدوانهم على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- يزعم فيه أن محمداً رجل كذاب والعياذ بالله! يعني: ينسبونه إلى الكذب حاشاه عليه الصلاة والسلام، ويزعم هذا الكافر أنه يسكن في الدرك السابع من النار، فلعنة الله على قائل ذلك.
هكذا كانت تساق المفتريات الكثيرة لتشويه شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك في أن التضليل الإعلامي اليهودي خاصة على مستوى العالم يعتبر سبباً كبيراً جداً في صد الناس عن دين الإسلام، وإلا فهناك ملايين من البشر -والله تعالى أعلم- لو أزيلت عنهم الحجب والحواجز والتشويه والتشنيع على الإسلام ووصلت إليهم الصورة الحقيقية لأسلم منهم عدد هائل، لكن الحقائق مغيبة ومزيفة في نظرهم بفعل اليهود -لعنهم الله- وإخوانهم من النصارى، وهذا ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عن الميت: (إذا وضع في قبره أنه يسأل عن ثلاثة أمور: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟).
أما المؤمن فيشهد شهادة الحق، وأما الكافر فعندما يقال له: وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم فلا يهتدي لاسمه، ولا يدري من هو هذا الرجل، فيقال له: محمد. يذكر باسم محمد عليه الصلاة والسلام، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فهذا غاية ما عند هؤلاء الكفار، أي: أنهم يرددون ما يقوله الآخرون دون تمحيص ودون تحرٍ أو تحقق وتثبت من صدق هذا الكلام، وهو متعلق بأخطر قضية في الوجود، وهي علاقة المرء بربه سبحانه وتعالى ودينه الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
فنحن -بلا شك- نقطع ونجزم بأن كل إنسان بلغته دعوة الإسلام، وسمع عن الإسلام أو عن القرآن أو عن محمد عليه الصلاة والسلام ثم لم يسلم فلن يدخل الجنة، فمن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام سدت كل الطرق المؤدية إلى الجنة، وبقي طريق واحد فقط يدخل الناس منه الجنة هو طريق محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يتصور أبداً أن أي كافر من أي دين سمع عن الإسلام أو عن الرسول والقرآن ثم لم يسلم أن تكون له نجاة، والعجب كل العجب مما يفعله السفهاء والزنادقة من قولهم: إسحاق رابين رحمه الله! و إسحاق رابين صانع السلام. فماذا حصل في عقول الناس؟!
بل إنه لما قتل كان الملك حسين يتمنى موتة مثل موتته، فقد قال: أتمنى أن أموت بنفس الميتة، وربنا كريم!
والله إن الإنسان ليعجب من هذه الرقة والعذوبة واللين والحب والبكاء، إن زوجة الملك حسين بقيت قرابة أربع ساعات تبكي بكاء متصلاً، وقيل: بل شهرين أو ثلاثة! فهل العلاقات الودية وصلت إلى هذا الحد!
وهذا الخبيث الهالك لما عقد معاهدة السلام مع الأردن قال الملك حسين : أما آن اليوم لعلاقاتنا أن تصبح علانية؟!
فالشاهد أن هؤلاء رضوا بأن ينحازوا إلى معسكر أعداء الله وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نجزم ونقطع قطعاً كما أننا نقطع بأن الشمس -إن شاء الله- ستشرق من المشرق غداً أن هذا الرجل مات على الكفر، فهو هالك، ونسأل الله إن كان كذلك أن يملأ قبره عليه ناراً، وأن يلحق به كل من يحبونه ويعتبرونه صانعاً للسلام، فهذه في الحقيقة كانت جنازاتهم وليست جنازته هو، فالإنسان يعجب مما يحصل في هذه العقول من الافتتان بهذه الصورة! والرجل هو الذي كان يقول: إن إسرائيل عليها أن تستعد لحرب ضد مصر أو ضد العرب. وأيام ذلك حصلت أزمة كبيرة معروفة.
فما زالوا حتى الآن يسنون لنا السكين، ونحن نقول عن إسحاق رابين : إنه صانع السلام. ويده هي التي تلوثت بقتل فتحي الشقاقي في جزيرة مالطا، فأخذه الله سبحانه وتعالى أخذ عزيز مقتدر، وبيد خبيث من خبثائهم أيضاً، والشخص الذي قتله تجد الكلام عليه في منتهى الاحترام، فإنه لم يوصف هذا اليهودي القاتل -على زعمهم- بأنه إرهابي متطرف، فما هو السر؟
إن السر هو أنه متدين، وقد قال: أنا فعلت ذلك عن عقيدة، فهذا رجل خان إسرائيل، وفرط في أرض إسرائيل.
ومع ذلك ما جرؤ أحد أبداً أن يقول عنه: إنه إرهابي. لم يشتم بالشتائم، ولو أن مسلماً فل أهون من ذلك بكثير لرموه بالإرهاب والتطرف، أن كل يهودي متطرف، وكل نصراني متطرف، وكل من حاد عن الإسلام وعن منهج أهل السنة هو المتطرف في الحقيقة، لكن المسألة عبارة عن أدوار تتوزع بينهم، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه يسلط بعض الظالمين على بعض، ويخرج المؤمنين الموحدين من بينهم سالمين، فلاشك في أن هذه من آيات الله سبحانه وتعالى.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلحق بـإسحاق رابين كل من يترحم عليه، وكل من يحبه، والمرء يحشر مع من أحب.
و كلنتون يمدحه بالزهد في الدنيا، وأنه كان رجلاً زاهداً مكث طول عمره لا يعرف ربطة العنق (الكرفته).
ومن الغرائب العجيبة أن هذا الخبيث الهالك قبل موته بفترة قليلة أصدر أمراً بمنع ياسر عرفات من دخول القدس، فلذلك منع من حضور الجنازة، وإلا فقد كان أول الناس الذين سيقومون بما يرونه واجباً بالنسبة لهم، لكن هذا الخبيث الهالك كان قد أصدر أمراً بمنع عرفات من دخول مدينة القدس، فقد كان في بيئة شديدة التعصب لهذه الملة المحرفة.
فالمهم: أن رحمة برلومو كان قسيساً، بل رئيساً للتبشير في كنيسة بيجن إنجلتلوا، قال وهو يحكي سبب إسلامه: لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن أكون من المسلمين.
ويقول: وهكذا كانت تساق المفتريات الكثيرة لتشويه شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنذ ذلك الحين تولدت لدي فكرة مغلوطة راسخة تدفعني إلى رفض الإسلام وعدم اتخاذه ديناً لي.
ثم يقول: والواقع أنه لم يكن من أهدافي بحال من الأحوال أن أبحث عن دين الإسلام، ولكني قررت بأن أهتدي إلى الحق، ولكن لما كنت أبحث عن الحق المجهول كنت أتساءل: لماذا كنت أبحث عن الحق المجهول؟! ولماذا تركت ديني رغم أنني كنت أتمتع فيه بمكانة مرموقة بين قومي؟! حيث كنت رئيس التبشير المسيحي في الكنيسة، وكنت أحيا حياة كلها رفاهية ويسر، إذاً: لماذا اخترت الإسلام؟! |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وفي أحد الأيام بينما كنت أسير في طريقي بحثاً عن الحق رأيت معبداً بوذياً جميلاً ضخماً، فاقتربت منه فوجدت فيه عدة تماثيل وصور في السقف تمثل التنين، وعلى الجدران مثل ذلك، كما شاهدت أمام البوابة تمثالين على شكل أسد صامت، وما إن دخلت من البوابة حتى جاءني رجل فأوقفني وسأل: إلى أين؟ قلت: أريد أن أدخل. قال: اخلع نعليك قبل أن تدخل، هذا معبد لنا، فاحترم مكان عبادتنا. قلت في نفسي: حتى البوذية تعرف النظافة، أما الديانات السابقة فلا نظافة فيها، فأذكر أنني عندما كنت أدخل الكنيسة لم أكن أخلع نعلي عند الدخول.
وهذا الكلام خطأ، فإذا كان يقصد بالقذارة النجاسة فإن الإنسان لا يجوز أن يصلي بنعل فيه نجاسة، لكن إن كان طاهراً فإنه يجوز أن يصلي في النعل ويدخل المسجد، بشرط أن لا يكون المسجد مفروشاً، وإنما إذا كان من رمل أو حصى، فهو قرأ المعلومات المحدودة فلذلك قال هذه العبارة.
ثم يقول: لقد جربت الديانة البوذية فترة من الزمن، ولكن سرعان ما تركتها؛ لإحساسي بأني لم أجد الحق الذي أنشده، ثم اتصلت بالديانة الهندوسية التي بدأت ونشأت في الهند، والتي انتشرت تعاليمها حتى وصلت إلى بعض الجزر الأندونيسية، فأخذت أتنقل بين تلك الجزر التي يوجد فيها نشاط لاتباع هذا الدين، ومكثت فترة من الزمن تعلمت فيها الكثير، وقد نجحت في المرحلة الأولى إلى درجة أنني أخذت الخوارق كالعبور في النار، والمشي على المسامير الحادة، فهو دين معهم فيه الجن والشياطين تساعدهم على هذه الأشياء، والخوارق ليست دليلاً على أن هذا دين حق.
فوصل إلى مرحلة من المهارة في هذه الديانة الهندوسية إلى حد العبور في النار، والمشي على المسامير الحادة، وإدخال المسامير إلى أعضاء الجسم، إلى غير ذلك.
يقول: ولكن ليس هذا هو ما كنت أبحث عنه. ثم يضيف الأخ رحمة برلومو :
وذات يوم سألت رئيس المعهد الهندوسي: ماذا تعبدون؟ قال: نعبد برهما، ويسلو، وشيوا، برهما إله الخلق، ويسلو إله الخير، وشيوا إله الشر، ثلاثة آلهة تجلت في جسد إنسان واحد اسمه كرسنان الذي هو المنقذ للعالم عند الهندوس.
قلت لنفسي: إذاً: فلا فرق في أمر الألوهية بين الهندوسية والنصرانية، ولو اختلفت الأسماء، فهما يناديان ثلاثة في واحد، فقلت للكاهن الهندوسي: اشرح لي نشأة هذا الدين. فقال: كان في الهند سنة ألفين قبل الميلاد ملك جبار ظالم لا يرحم حتى أبناءه، فيقتل مولوده الذكر خوفاً من أن يحتل عرشه غصباً، وفي إحدى الليالي الظلماء كان الملك جالساً أمام قصره، وإذا بكوكب مضيء يطلع في السماء فوق رأسه، وكان يطير بسرعة مذهلة، ثم توقف في الفضاء وأرسل نوره الباهر على حظيرة الأبقار، فلما سأل الملك رجال العلم والدين راجعوا كتبه المقدسة فقالوا: إن ذلك دليل على تجلي الآلهة في جسم إنسان اسمه كرسنان. فقلت في نفسي: والذي يعرف قصة النصرانية يجد نفس القصة موجودة يزعمونها في قصة ميلاد المسيح، فهذه القصة مع تغيير الأشخاص موجودة في الديانة النصرانية، وكنت أحدث الناس بها وأناقش، والفرق أن القرية المشار إليها هي بيت لحم والإنسان عندنا هو المسيح، فلا فرق إذاً بين القصتين، ولا بين العقيدتين في قضية أساسية هي قضية الإلهية، وقضية هوية المنقذ للعالم.
لقد واصلت حواري مع الكاهن الهندوسي فقلت له: يا سيدي! إذا توفيت وأنا على دينكم فإلى أين مصيري؟! قال: لا أعلم، لا أعلم، لكن عليك أن تمتنع عن قتل الحشرات من أمثال النمل والبعوض وغيرهما، فقد تكون هذه الحشرات آباءك وأجدادك الموتى، وبعض المسلمين يعتقدون هذا، فبعض الناس عندما تدخل إليهم فراشة ذهبية يقول لك أحدهم: (احذر من أن تقتلها) فهذه روح أبيك أتت البيت أو نحو ذلك. وهذا هو نفس الاعتقاد، فالروح هي التي يقول الله تعالى عنها: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر:42]، وما يمسك الله فلا منقذ له، فإذا كان الله يمسكها فكيف تهرب وتأتي إلى الدنيا في صورة فراشة؟! فهذه عقائد لا تليق بأي إنسان مسلم، ولا ينبغي أن يصدقها، فهذه خرافات ما لها من أصل في دين الإسلام.
فالشاهد أن هذا الكاهن الهندوسي قال له: لا أعلم. يعني: لا أعرف مصيرك إذا مت إلى أين تذهب، لكن احذر من أن تقتل الحشرات كالنمل والبعوض وغيرهما. وقال: قد تكون هذه الحشرات أباءك وأجدادك الموتى.
ثم يقول في النهاية: قررت أن أترك كل تلك الديانات، ولم يكن أمامي إلا الإسلام الذي لم أكن أريد اعتناقه لما أعرف في نفسي منذ طفولتي من نفور وكراهية لهذا الدين الذي لم أكن أعرف عنه إلا الشبهات، كنت أريد البحث عن الحق المجهول، وهذا البحث يلزم الجهد والصبر، وذات يوم قلت لزوجتي: ابتداءً من هذه الليلة لا أريد أن يزعجني أحد، أريد أن أصلي وأتضرع إلى الله.
وهكذا أقفلت باب حجرتي ورفعت يدي إلى الله خاشعاً متضرعاً قائلاً: يا رب! إذا كنت موجوداً حقاً فخذ بناصيتي إلى الهدى والنور، واهدني إلى دينك الحق الذي ارتضيته للناس. ثم يقول: والدعاء إلى الله ليس كأي طلب من الطلبات، كما أن دعائي إلى الله سبحانه وتعالى لم يكن خلال فترة وجيزة فحسب، بل استمر ذلك زمناً طويلاً قرابة ثمانية أشهر. لقد كان يخلو بنفسه ولا يختلط بأحد، ولا يكلم أحداً، بل يسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى الحق.
يقول: وفي ليلة الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر عام واحد وسبعين في اليوم العاشر من رمضان من نفس العام، وبعد أن فرغت من دعائي المعتاد ذهبت في نوم عميق، وعندها جاءني نور الهدى من الله عز وجل، وإذا بجسم شخص يظهر أمامي، فأمعنت النظر فيه فإذا أنا بنور حديث يشع منه يبدد الظلمة من حولي، لقد تقدم الرجل المبارك نحوي فرأيته يلبس ثوباً أبيض وعمامة بيضاء، له لحية جعدة الشعر، ووجه باك، لم أر قط مثله من قبل جمالاً وإشراقاً، لقد خاطبني الرجل بصوت مفهوم قائلاً: ردد الشهادتين، ردد الشهادتين. وما كنت حينئذ أعلم شيئاً اسمه الشهادتان، فقلت مستفسراً: وما الشهادتان؟ فقال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فكررتهما وراءه ثلاث مرات، ثم ذهب الرجل عني، ولما استيقظت من نومي وجدت جسمي مبللاً بالعرق، وسألت أول مسلم قابلته: ما هي الشهادتان؟! وما قيمتهما في الإسلام؟!
فقال: الشهادتان هما الركن الأول في الإسلام، ما إن ينطقهما الرجل حتى يصبح مسلماً، فاستفسرت منه عن معناهما، فشرح لي المعنى، وفكرت ملياً وتساءلت: من يكون الرجل الذي رأيته في منامي؟! وكانت ملامحه واضحة المعالم بالنسبة لي، فلما وصفته لصديقي المسلم هتف على الفور قائلاً: لقد رأيت الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم!
ثم يختم قصته بقوله: وبعد عشرين يوماً من ذلك الحادث -وكانت ليلة عيد الفطر- سمعت صيحات التكبير يرددها المسلمون من المساجد القريبة من دارنا، فاقشعر بدني، واهتز قلبي، ودمعت عيناي، لا حزناً على شيء، بل شكراً لله على هذه النعمة، الحمد لله الذي هداني أخيراً إلى ما كنت أبحث عنه منذ سنين، لقد تم ذلك في عام واحد وسبعين وتسعمائة وألف.
وقد خيرت زوجتي بين الإسلام والمسيحية فاختارت الإسلام، وكانت في طفولتها مسلمة ومن عائلة مسلمة، تنصرت بسبب إغراءات المبشرين، ولجهلها بأمور دينها الحنيف، كما تبعنا أبناؤنا فاعتنقوا الإسلام، ومنذ الثاني من فبراير سنة اثنين وسبعين ونحن مسلمون والحمد لله.
فهذا أنموذج من نماذج البحث عن الحقيقة، وها أنت ترى أن الإنسان إذا أخلص في البحث عن الحق فإن الله سبحانه وتعالى يهديه ويأخذ بناصيته.
فكون الإسلام هو دين الحق الوحيد أمر لا يرتاب فيه أي إنسان عاقل، ومن ثم لا يعذر الشخص إذا قال: بحثت عن الحق فوجدته في غير الإسلام. بل يقال له: لقد قصرت في الجهد؛ لأن الأدلة والبراهين قاطعة على أحقية دين الإسلام بما لا يمكن أن يرتاب فيه أي إنسان عاقل، ولهذا لم يعذر الله سبحانه وتعالى من سمع عن دين الإسلام، أو سمع بالرسول، أو سمع عن القرآن ثم لم يبذل كل وسعه في التحري عن هذا الدين.
ونرى -أيضاً- أنه يمكن أن تكون بذرة توضع في قلب إنسان، ثم إن هذه البذرة تنمو وتترعرع إلى أن تصبح هي شجرة الإيمان القوية الراسخة في قلبه.
وهناك نماذج كثيرة أيضاً تأتي فيها الهداية منة واصطفاء واختياراً من الله سبحانه وتعالى، وقد سمعت عن رجل أندونيسي أتى إلى الإخوة الباكستانيين في المسجد فقال لهم: أريد أن أكون مسلماً. فلما سألوه عن السبب في ذلك قال: لقد جاءني المسيح عليه السلام في المنام وقال لي: كن مسلماً. فما كان من الرجل إلا أن شهد الشهادتين وعلمه الناس الصلاة، ثم بعد حوالى ثلاثة أيام قبض ومات ودفن مع إخوانه المسلمين، وقد زرت قبره في المقابر هناك في لندن.
وهناك قصص كثيرة لا نستطيع استيعابها، وقد ألفت فيها كتب كثيرة تتكلم عن قصص الهداية، وبداية التحاق كثير من الناس بها، والمقصود الإشارة إلى أن الإنسان إذا بحث عن الحق بإخلاص وبصدق فإن الله يأخذ بناصيته إليه، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وبذلك نكون قد مررنا على كل الأبواب المتعلقة بمجالات علو الهمة، حيث تكلمنا عن علو الهمة في طلب العلم عموماً، وعلو الهمة في العبادة، وعلو الهمة في الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، وعلو الهمة في الدعوة إلى الله عز وجل، ثم علو الهمة في البحث عن الحق وعن دين الحق، وتبقى خواتيم هذا البحث وخلاصة الكلام في هذا الموضوع، كأسباب انحطاط الهمة، وأسباب الارتقاء بالهمة، وعلاج ضعف الهمة، والمنهج الصحيح إلى ذلك، وأثر ذلك في إصلاح حال الأفراد وحال الأمة أجمعين.
سبحانك -اللهم!- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
|